Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

جملة : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } معطوفة على جملة : { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 118 ].و ( ما ) في قوله : { مما لم يذكر اسم الله عليه } موصولة ، وما صْدق الموصول هنا : ذَكِيَ ، بقرينة السّابق الّذي ما صْدقه ذلك بقرينة المقام . ولمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسمُ الله عليه ، وأفهمت النّهيَ عمَّا لم يذكر اسم الله عليه ، وهو الميتة ، وتَمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقةُ بينها وبين ما ذُكّي وذُكر اسم الله عليه ، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذُكر اسم غيرِ الله عليه . فمعنى : { لم يذكر اسم الله عليه } : أنَّه تُرِك ذكر اسم الله عليه قصداً وتجنّبا لذكره عليه ، ولا يكون ذلك إلاّ لقصد أن لا يكون الذّبح لله ، وهو يساوي كونه لغير الله ، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله ، كما تقدّم بيانه عند قوله : { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 118 ]. وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قولُه هنا : { وإنه لفسق } وقوله في الآية الآتية : { أو فِسْقا أهِلّ لغير الله به } [ الأنعام : 145 ] ، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا : هو الّذي وصف به هنالك ، وقيد هنالك بأنَّه أُهلّ لغير الله به ، وبقرينة تعقيبه بقوله : { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } لأنّ الشّرك إنَّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكَّى ، ولا يكون بترك التّسمية .وربّما كان المشركون في تَحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية ، بحيث لا يُسمّون الله ولا يسمّون للأصنام ، فيكون المقصود من الآية : تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه ، وأن يسمّى على الذّبائح غيرُ أسماء آلهتهم .فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق ، كان اسم الموصول مراداً به شيء معيّن ، لم يذكر اسم الله عليه ، فكان حكمها قاصراً على ذلك المعيّن ، ولا تتعلّق بها مسألةُ وجوب التّسمية في الذكاة ، ولا كونها شرطاً أو غير شرط بله حكم نسيانها . وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنّزول ، واعتددنا بالموصول صادقاً على كلّ ما لم يذكر اسم الله عليه ، كانت الآية من العامّ الوارد على سبب خاصّ ، فلا يخصّ بصورة السّبب ، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التّسمية على الذّبيحة .وهي مسألة مختلف فيها بين الفقهاء على أقوال : أحدها : أنّ المسلم إن نسي التّسمية على الذبح تؤكل ذبيحته ، وإن تعمَّد ترك التّسمية استخفافاً أو تجنّبا لها لم تؤكل ( وهذا مثل ما يفعله بعض الزّنوج من المسلمين في تونس وبعض بلاد الإسلام الّذين يزعمون أنّ الجنّ تمتلكهم ، فيتفادَون من أضرارها بقرابين يذبحونها للجنّ ولا يسمّون اسم الله عليها ، لأنَّهم يزعمون أنّ الجنّ تنفر من اسم الله تعالى خِيفة منه ، ( وهذا متفشّ بينهم في تونس ومصر ) فهذه ذبيحة لا تؤكل .ومستند هؤلاء ظاهر الآية مع تخصيصها أو تقييدها بغير النّسيان ، إعمالاً لقاعدة رفع حكم النّسيان عن النّاس . وإنْ تعمّد ترك التّسمية لا لقصد استخفاف أو تجنّب ولكنّه تثاقل عنها ، فقال مالك ، في المشهور ، وأبو حنيفة ، وجماعة ، وهو رواية عن أحمد : لا تؤكل . ولا شكّ أنّ الجهل كالنّسيان ، ولعلّهم استدلّوا بالأخذ بالأحوط في احتمال الآية اقتصارا على ظاهر اللّفظ دون معونة السِياق .الثّاني : قال الشّافعي ، وجماعة ، ومالك ، في رواية عنه : تؤكل ، وعندي أنّ دليل هذا القول أنّ التّسمية تكملة للقربة ، والذكاة بعضها قربة وبعضها ليست بقربة ، ولا يبلغ حكم التّسمية أن يكون مفسداً للإباحة . وفي «الكشاف» أنَّهم تأوّلوا ما لم يذكر اسم الله عليه بأنَّه الميتة خاصّة ، وبما ذُكر غيرُ اسم الله عليه . وفي «أحكام القرآن» لابن العربي ، عن إمام الحرمين : ذِكر الله إنَّما شرع في القُرَب ، والذبحُ ليس بقربة . وظاهر أنّ العامد آثم …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

الواو في قوله : { أو من كان ميتاً } عاطفة لجملة الاستفهام على جملة : { وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ] لتضمّن قوله : { وإن أطعتموهم } أنّ المجادلة ، المذكورة من قَبْلُ ، مجادلة في الدّين : بتحسين أحوال أهل الشّرك وتقبيح أحكام الإسلام الّتي منها : تحريم الميتة ، وتحريم ما ذُكر اسم غير الله عليه . فلمّا حَذر الله المسلمين من دسائس أولياء الشّياطين ومجادلتهم بقوله : { وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ] أعقَب ذلك بتفظيع حال المشركين ، ووصَفَ حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشّرك ، فجاء بتمثيلين للحالتين ، ونفَى مساواة إحداهما للأخرى : تنبيها على سوء أحوال أهل الشّرك وحسننِ حال أهل الإسلام .والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تَماثل الحالتين : فالحالة الأولى : حالة الّذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين ، وهي المشبّهة بحال مَن كان ميّتاً مودَعاً في ظلمات ، فصار حيّاً في نورٍ واضححٍ ، وسار في الطّريق الموصّلة للمطلوب بين النّاس ، والحالة الثّانية : حالةُ المشرك وهي المشبّهة بحالة من هو في الظلمات ليس بخارج منها ، لأنَّه في ظلمات .وفي الكلام إيجازُ حذففٍ ، في ثلاثة مواضع ، استغناء بالمذكور عن المحذوف : فقوله : { أو من كان ميتاً } معناه : أَحَال مَن كان ميّتاً ، أو صِفة مَن كان ميّتاً . وقوله : { وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس } يدلّ على أنّ المشبّه به حال مَن كان ميّتاً في ظُلمات . وقوله : كمن مثله في الظلمات تقديره : كمن مثله مثَل ميّت فما صدْق ( مَن ) ميّت بدليل مقابلته بميّت في الحالة المشبّهة ، فيعلم أنّ جزء الهيئة المشبّهة هو الميّت لأنّ المشبّه والمشبّه به سواء في الحالة الأصليّة وهي حالة كون الفريقين مشركين . ولفظ ( مثَل ) بمعنى حالة . ونفيُ المشابهة هنا معناه نفي المساواة ، ونفي المساواة كناية عن تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلاً لا يلتبس ، فذلك معنى نفي المشابهة كقوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظّلمات والنّور } [ الرعد : 16 ] وقوله { أفمَن كان مؤمناً كَمَن كان فاسقاً لا يستوون } [ السجدة : 18 ]. والكاف في قوله : { كمن مثله في الظلمات } كاف التّشبيه ، وهو تشبيه منفي بالاستفهام الإنكاري .والكلام جار على طريقة تمثيل حال من أسْلَم وتخلَّص من الشرك بحال من كان ميّتا فأُحْيِي ، وتمثيللِ حال من هو باق في الشرك بحال ميت باق في قبره . فتضمّنت جملة : { أو من كان ميتاً } إلى آخرها تمثيل الحالة الأولى ، وجملة : { كمن مثله في الظلمات } الخ تمثيلَ الحالة الثّانية ، فهما حالتان مشبّهتان ، وحالتان مشبَّهٌ بهما ، وحصل بذكر كاف التّشبيه وهمزة الاستفهام الإنكاري أنّ معنى الكلام نفي المشابهة بين من أسلم وبين من بَقي في الشرك . كما حصل من مجموع الجملتين : أنّ في نظم الكلام تشبيهين مركَّبين .ولكنّ وجودَ كاف التّشبيه في قوله : { كمن مثله } مع عدم التّصريح بذكر المشبَّهَيْن في التّركيبين أثارَا شُبهة : في اعتبار هذين التّشبيهين أهو من قبيل التّشبيه التّمثيلي ، أم من قبيل الاستعارة التّمثيلية؛ فنحا القطب الرّازي في «شرح الكشاف» القبيلَ الأول ، ونحا التفتزاني القبيلَ الثّاني ، والأظهر ما نحاه التفتزاني : أنَّهما استعارتان تمثيليتان ، وأمّا كاف التّشبيه فهو متوجّه إلى المشابهة المنفيّة في مجموع الجملتين لا إلى مشابهة الحالين بالحالين ، فمورد كاف التّشبيه غير مورد تمثيل الحالين .وبين الاعتبارين بون خفي .والمراد : ب { الظّلمات } ظلمةُ القبر لمناسبته للميِّت ، وبقرينة ظاهر { في } من حقيقة الظرفية وظاهر حقيقة فعل الخروج .ولقد جاء التّشبيه بديعاً : إذ جعل حال المسلم ، بعد أن صار إلى الإسلام ، بحال من كان عديم الخير ، عديم الإفادة كالميّت ، فإنّ الشرك يحول دون التّمييز بين الحقّ والباطل ، ويصرف صاحبه عن السّعي إلى ما فيه خيره …

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

عطف على جملة : { كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 122 ] فلها حكم الاستئناف البياني ، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم ، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصدّ الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشار إليه بقوله : { وكذلك } أولياء الشياطين بتأويل { كذلك } المذكور .والمعنى : ومِثْل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكّة جعَلنا في كلّ قرية مضت أكابرَ يصدّون عن الخير ، فشبّه أكابر المجرمين من أهل مكّة في الشرّك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمَممِ الأخرى ، أي أنّ أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاصّ بأعداء هذا الدّين ، فإنَّه سنّة المجرمين مع الرسل الأوّلين .فالجَعل : بمعنى الخلق ووضععِ السّنن الكونيّة ، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشرّ في كلّ مجتمع ، وبخاصّة القُرى .وفي هذا تنبيه على أنّ أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى ، لأنَّهم لبساطة طباعهم من الفطرة السّليمة ، فإذا سمعوا الخير تقبّلوه ، بخلاف أهل القرى ، فإنَّهم لتشبّثهم بعوائدهم وما ألفوه ، ينفرون من كلّ ما يغيّره عليهم ، ولهذا قال الله تعالى : { وممنّ حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق } [ التوبة : 101 ] فجعل النّفاق في الأعراب نفاقاً مجرّداً ، والنّفاق في أهل المدينة نفاقاً مارداً .وقد يكون الجَعل بمعنى التّصيير ، وهو تصيير خَلْق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى ، ثمّ إنّ تصارع الخير والشرّ يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر ، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشرّ والفساد ، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشرّ وكثروا . ومن أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة الّتي وصفها ( أفلاطون ) في «كتابه» ، والّتي كادت أن تتحقّق صفاتها في مدينة ( أثينة ) في زمن جمهوريتها ، ولكنّها ما تحقّقت بحقّ إلاّ في مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وزمان الخلفاء الرّاشدين فيها .وقد نبّه إلى هذا المعنى قوله تعالى : { وإذَا أردْنا أن نهلك قرية أمَّرْنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً } [ الإسراء : 16 ] على قراءة تشديد ميم : { أمَّرنا }.والأظهر في نظم الآية : أنّ { جعلنا } بمعنى خلقنا وأوجدنا ، وهو يتعدّى إلى مفعول واحد كقوله : { وجعل الظّلمات والنّور } [ الأنعام : 1 ] فمفعوله : { أكابر مجرميها }.وقوله : { في كل قرية } ظرف لغو متعلّق ب { جعلنا } وإنَّما قدّم على المفعول مع أنّه دونه في التعلّق بالفعل ، لأنّ كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهمّ في هذا الخبر ، ليَعلم أهل مكّة أنّ حالهم جرى على سُنن أهل القرى المرسل إليها .وفي قوله : { أكبر مجرميها } إيجاز لأنَّه أغنى عن أن يقول جعلنا مُجرمين وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة ، وقوله : { ليمكروا } متعلّق ب { جعلنا } أي ليحصُل المكر ، وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أنّ مكرهم ليس بعظيم الشأن .ويحتمل أن يكون { جعلنا } بمعنى صيّرنا فيتعدّى إلى مفعولين هما : { أكبر مجرميها } على أنّ { مجرميها } المفعول الأوّل ، و { أكابر } مفعول ثان ، أي جعلنا مجرميها أكابر ، وقدم المفعول الثّاني للاهتمام به لغرابة شأنه ، لأنّ مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب ، إذ ليسوا بأهل للسؤدد ، كما قال طفيل الغنوي :لا يصلح النّاس فَوضى لا سَراة لهم ... ولا سَراة إذا جُهَّالهم سادواتُهدَى الأمورُ بأهل الرأي ما صَلُحت ... فإنْ تولَّتْ فبالأشرار تَنْقَادُوتقديم قوله : { في كل قرية } للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأوّل . وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم ، وتفاقم ضرّه ، وإشعار بضرورة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية ، وإيذان باقتراب زوال سيادة …

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

{ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ الله }.عطف على جملة : { جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها } [ الأنعام : 123 ] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة ، وهم المقصود من التّشبيه في قوله : { وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها . ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم ، فالضّمير المنصوب في قوله : جاءتهم } عائدٌ إلى { أكابر مجرميها } [ الأنعام : 123 ] ، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم ، إذ ليس قولُ : { لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله } بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى .والمعنى : إذا جاءتهم آية من آيات القرآن ، أي تُليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان . فعبّر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الدّاعي أو المرسل . والمراد أنَّهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن ، وأنَّهم يطْلبون معجزات عَيْنية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى ، وهذا في معنى قولهم : { فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون } [ الأنبياء : 5 ] لجهلهم بالحكمة الإلهيّة في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم ، كما حكى الله تعالى : { وقَالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنَّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إنّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } [ العنكبوت : 50 ، 51 ] ؛ وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم « ما من الأنبياء نبيء إلاّ أعطي من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البشر ، وإنَّما كان الّذي أوتيتُ وحياً أوحى الله إليّ » الحديث .وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } لأنّ المعجزة لمّا كانت لإقناعهم بصدق الرّسول عليه الصّلاة والسلام أشبهت الشّيء المعطى لهم .ومعنى : { مثل ما أوتى رسل الله } مثل ما أتَى اللَّهُ الرّسلَ من المعجزات الّتي أظهروها لأقوامهم . فمرادهم الرّسل الّذين بَلغتهم أخبارهم . وقيل : قائل ذلك فريق من كبراء المشركين بمكّة ، قال الله تعالى : { بل يريد كل امرىء منهم أن يُؤتى صحفاً مُنَشَّرة } [ المدثر : 52 ]. روي أنّ الوليد بن المغيرة ، قال للنّبيء صلى الله عليه وسلم لو كانت النّبوءةُ لكنتُ أولى بها منكَ لأنّي أكبرُ منك سِنّا وأكثر مالاً وولداً؛ وأنّ أبا جهل قال : زاحمَنا ( يعني بني مخزوم ) بنو عبد مناف في الشّرف ، حتّى إذا صرنا كفَرسَيْ رِهاننٍ قالوا : مِنّا نبيء يُوحى إليه ، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه . فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين ، وعلى هذا يكون المراد حتّى يأتينا وَحْي كما يأتي الرّسلَ .أو يكون المراد برسل الله جميع الرّسل ، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي محمّد صلى الله عليه وسلم لأنّهم لا يؤمنون بأنّه يأتيه وحي .ومعنى { نؤتى } على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرّسل ، وهو الوحي . أو أرادوا برسل الله محمّداً صلى الله عليه وسلم فعبّروا عنه بصيغة الجمع تعريضاً ، كما يقال : إنّ ناساً يقولون كذا ، والمراد شخص معيّن ، ومنه قوله تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين } [ الشعراء : 105 ] ونحوه ، ويكون إطلاقهم عليه : { رسل الله } تهكّماً به صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم في قوله : { وقالوا يأيُّها الذي نُزِّل عليه الذكر إنَّك لمجنون } [ الحجر : 6 ] وقوله : { إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } [ الشعراء : 27 ].{ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }.اعتراض للردّ على قولهم : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك .فعلى الوَجه الأوّل : في معنى قولهم : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ردّاً بأنّ الله أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسَل إليهم؛ فتكون { …

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

الفاء مُرتِّبة الجملةَ الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله : { أو من كان ميّتاً فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] وما ترتَّب عليه من التّفاريع والاعتراض . وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة { حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله } [ الأنعام : 124 ] ، وأنّ الله منعهم ما علّقوا إيمانَهم على حصوله ، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمانَ المؤمن وكُفْرَ الكافر ، وهو : هداية الله المؤمنَ ، وإضلالُه الكافرَ ، فذلك حقيقة التّأثير ، دون الأسباب الظّاهرة ، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا ، حتّى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام ، كما قال تعالى : { إنّ الذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يَروا العذاب الأليم } [ يونس : 96 ، 97 ] وكما قال : { ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشَرْنا عليهم كلّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله } [ الأنعام : 111 ].والهدى إنَّما يتعلّق بالأمور النّافعة : لأنّ حقيقته إصابة الطريق الموصّل للمكان المقصود ، ومجازَه رشاد العقل ، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلِّقه هنا لظهور أنَّه الهدى للإسلام ، مع قرينة قوله : { يشرح صدره للإسلام } ، وأمّا قوله : { فاهْدُوهم إلى صراط الجحيم } [ الصافات : 23 ] فهو تهكّم . والضّلال إنَّما يكون في أحوال مضرّة لأنّ حقيقته خطأ الطّريق المطلوب ، فلذلك كان مُشعراً بالضرّ وإن لم يذكر متعلّقه ، فهو هنا الاتّصاف بالكفر لأنّ فيه إضاعة خير الإسلام ، فهو كالضّلال عن المطلوب ، وإن كان الضّالّ غير طالب للإسلام ، لكنّه بحيث لو استقبَلَ من أمره ما استدبَر لطلبه .والشّرْح حقيقته شقّ اللّحم ، والشّريحة القطعة من اللّحم تشقّ حتّى ترقّق ليقع شَيُّها . واستعمل الشّرح في كلامهم مجازاً في البيان والكشف ، واستعمل أيضاً مجازاً في انجلاء الأمر ، ويقين النّفس به ، وسكون البال للأمر ، بحيث لا يتردّد فيه ولا يغتمّ منه ، وهو أظهر التّفسيرين في قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ].والصّدر مراد به الباطن ، مجازاً في الفهم والعقل بعلاقة الحلول ، فمعنى { يشرح صدره } يجعل لنفسه وعقله استعداداً وقبولاً لتحصيل الإسلام ، ويُوطّنه لذلك حتّى يسكن إليه ويرضى به ، فلذلك يشبَّه بالشّرح ، والحاصل للنّفس يسمّى انشراحاً ، يقال : لم تنشرح نفسي لكذا ، وانشرحتْ لكذا . وإذا حلّ نور التّوفيق في القلب كان القلب كالمتّسع ، لأنّ الأنوار توسّع مناظر الأشياء . روى الطّبري وغيره ، عن ابن مسعود : « أنّ ناساً قالوا : يا رسول الله كيف يشرحُ الله صدره للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيه النّور فينفسح قالوا وهل لذلك من علامة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحّي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت » .ومعنى : { ومن يرد أن يضله } من يُرد دوام ضَلاله بالكفر ، أو من يُرد أن يضلّه عن الاهتداء إلى الإسلام ، فالمراد ضلال مستقبل ، إمَّا بمعنى دَوام الضلال الماضي ، وإمَّا بمعنى ضلال عن قبول الإسلام ، وليس المراد أن يضلّه بكفره القديم ، لأنّ ذلك قد مضى وتقرّر .والضيِّقُ بتشديد الياء بوزن فَيْعِل مبالغة في وصف الشّيء بالضيّق ، يقال ضاق ضِيقاً بكسر الضاد وضَيقاً بفتحها والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح؛ ويقال بتخفيف الياء بوزن فَعْل ، وذلك مثل مَيِّت ومَيْت ، وهما وإن اختلفت زنتهما ، وكانت زنة فَيْعِل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة فَعْل ، فإنّ الاستعمال سوّى بينهما على الأصحّ . والأظهر أنّ أصل ضيِّق : بالتخفيف وصف بالمصدر ، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف . وقرىء بهما في هذه الآية ، فقرأها الجمهور : بتشديد الياء ، وابن كثير : بتخفيفها . وقد استعير الضيِّق لضدّ ما استعير له الشّرح فأريد به الّذي لا يستعدّ …

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

عطف على جملة : { ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً } [ الأنعام : 125 ] إلى آخِرها ، لأنّ هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصّراط المستقيم الّذي لا يجهد متّبعه ، فهذا ضدّ لحال التّمثيل في قوله : { كأنَّما يصّعَّد في السَّماء } [ الأنعام : 125 ]. وتمثيل الإسلام بالصّراط المستقيم يتضمّن تمثيل المسلم بالسّالك صراطاً مستقيماً ، فيفيد توضيحاً لقوله : { يشرح صدره للإسلام } [ الأنعام : 125 ]. وعطفت هذه الجملة مع أنها بمنزلة بيان الجملة التي قبلها لتكون بالعطف مقصودة بالإخبار . وهو اقبال على النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب .والإشارة ب { هَذا } إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام . والمناسبة قوله : { يشرح صدره للإسلام } [ الأنعام : 125 ]. والصّراط حقيقته الطّريق ، وهو هنا مستعار للعمل الموصل إلى رضى الله تعالى . وإضافته إلى الربّ لتعظيم شأن المضاف ، فيعلم أنَّه خير صراط . وإضافة الربّ إلى ضمير الرّسول تشريف للمضاف إليه ، وترضية للرّسول صلى الله عليه وسلم بما في هذا السَّنن من بقاء بعض النّاس غير متّبعين دينه .والمستقيم حقيقته السّالم من العوج ، وهو مستعار للصّواب لسلامته من الخطأ ، أي سَنَن الله الموافق للحكمة والّذي لا يتخلّف ولا يعطّله شيء . ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحسّ وهو القرآن ، لأنَّه مسموع كقوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } [ الأنعام : 92 ] ، فيكون الصّراط المستقيم مستعاراً لما يُبلِّغ إلى المقصود النّافع ، كقوله : { وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوا ولا تتَّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله } [ الأنعام : 153 ]. ومستقيماً حال من «صراط» مؤكّدة لمعنى إضافته إلى الله .وجملة : { قد فَصّلْنا الآيات } استئناف وفذلكة لما تقدم . والمراد بالآيات آيات القرآن . ومن رشاقة لفظ { الآيات } هنا أن فيه تورية بآيات الطريق التي يهتدي بها السائر .واللاّم في : { لقوم يذكرون } للعلّة ، أي فصّلنا الآيات لأجلهم لأنَّهم الّذين ينتفعون بتفصيلها . والمراد بالقوم المسلمون ، لأنَّهم الّذين أفادتهم الآيات وتذكّروا بها .

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

الضّمير في : { لهم دار السلام } عائد إلى { قوم يذّكَّرون } [ الأنعام : 126 ].والجملة إمّا مستأنفة استئنافاً بيانياً : لأنّ الثّناء عليهم بأنّهم فُصّلت لهم الآيات ويتذكّرون بها يثير سؤال مَن يسأل عن أثر تبيين الآيَات لهم وتذكُّرهم بها ، فقيل : { لهم دار السلام }.وإمّا صفة : { لقوم يذّكّرون } [ الأنعام : 126 ]. وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص للقوم الذين يذكّرون لا لغيرهم .والدّارُ : مكان الحلول والإقامة ، ترادف أو تقارب المحلّ من الحُلول ، وهو مؤنّث تقديراً فيصغَّر على دويرة . والدّار مشتقّة من فعل دار يدور لكثرة دوران أهلها ، ويقال لها : دارة ، ولكن المشهور في الدارة أنّها الأرض الواسعة بين جبال .والسّلام : الأمان ، والمراد به هنا الأمان الكامل الّذي لا يعتري صاحِبه شيء ممّا يُخاف من الموجودات جواهرها وأعراضها ، فيجوز أن يراد بدار السّلام الجنّة سمّيت دار السّلام لأنّ السّلامة الحقّ فيها ، لأنَّها قرار أمن من كلّ مكروه للنّفس ، فتمحّضت للنَّعيم الملائم ، وقيل : السّلام ، اسم من أسماء الله تعالى ، أي دار الله تعظيماً لها كما يقال للكعبة : بيت الله ، ويجوز أن يراد مكانة الأمان عند الله ، أي حالة الأمان من غضبه وعذابه ، كقول النّابغة :كم قد أحلّ بدار الفقر بعد غنىًعمرو وكم راش عمرو بعد إقتارو { عند } مستعارة للقرب الاعتباري ، أريد به تشريف الرتبة كما دلّ عليه قوله عَقِبه : { وهو وليّهم } ، ويجوز أن تكون مستعارة للحفظ لأنّ الشيء النّفيس يُجعل في مكان قريب من صاحبه ليحفظه ، فيكون المعنى تحقيق ذلك لهم ، وأنَّه وعد كالشّيء المحفوظ المدّخر ، كما يقال : إن فعلت كذا فلك عندي كذا تحقيقاً للوعد . والعدول عن إضافة { عند } لضمير المتكلّم إلى إضافته للاسم الظاهر : لقصد تشريفهم بأنّ هذه عطيّة مَن هو مولاهم . فهي مناسبة لفضله وبرّه بهم ورضاه عنهم كعكسه المتقدّم آنفاً في قوله تعالى : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [ الأنعام : 124 ].وعطف على جملة : { لهم دار السلام } جملة : { وهو وليهم } تعميماً لولاية الله إيَّاهم في جميع شؤونهم ، لأنَّها من تمام المنّة . والوليّ يطلق بمعنى النّاصر وبمعنى الموالي .وقوله : { بما كانوا يعملون } يجوز أن يتعلّق بما في معنى الخبر في قوله : { لهم دار السلام } ، من مفهوم الفعل ، أي ثبت لهم ذلك بما كانوا يعملون ، فتكون الباء سببيّة ، أي بسبب أعمالهم الحاصلة بالإسلام ، أو الباء للعوض : أي لهم ذلك جَزاء بأعمالهم ، وتكون جملة : { وهو وليهم } معترضة بين الخبر ومتعلِّقه ، ويجوز أن يَكون : { بما كانوا يعملون } متعلِّقا ب { وليّهم } أي وهو ناصرهم ، والباء للسّببيّه : أي بسبب أعمالهم تولاّهم ، أو الباء للملابسة ، ويكون : { بما كانوا يعملون } مراداً به جزاء أعمالهم ، على حذف مضاف دلّ عليه السّياق .وتعريف المسند بالإضافة في قوله : { وليهم } أفاد الإعلام بأنّ الله وليّ القوم المتذكّرين ، ليعلموا عظم هذه المنّة فيشكروها ، وليعلم المشركون ذلك فيغيظهم .وذلك أنّ تعريف المسند بالإضافه يخالف طريقة تعريفه بغير الإضافة ، من طرق التّعريف ، لأنّ التّعريف بالإضافة أضعف مراتب التّعريف ، حتّى أنَّه قد يقرب من التّنكير على ما ذكره المُحقّقون : من أنّ أصل وضع الإضافة على اعتبار تعريف العهد ، فلا يُقال : غلام زيد ، إلاّ لغلام معهود بين المتكلّم والمخاطب بتلك النّسبة ، ولكن الإضافة قد تخرج عن ذلك في الاستعمال فتجيء بمنزلة النكرة المخصوصة بالوصف ، فتقول : أتاني غلامُ زيد بكتاب منه وأنت تريد غلاماً له غير معيَّن عند المخاطب ، فيصير المعرّف بالإضافة حينئذ كالمعرّف بلام الجنس ، أي يفيد تعريفاً يميّز الجنس من بين سائر الأجناس ، فالتّعريف بالإضافة يأتي لما يأتي له التّعريف باللام . ولهذا لم يكن في قوله : { وهو وليهم } قَصْر ولا إفاده حُكم معلوم على شيء معلوم . …

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذّكرون بالآيات ، وهو ثواب دار السّلام ، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون ، وهو جزاء الآخرة أيضاً ، فجملة : { ويوم يحشرهم } إلخ معطوفة على جملة : { لهم دار السّلام عند ربّهم } [ الأنعام : 127 ]. والمعنى : وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها . وقد صُوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر ، ثمّ أُفضي إلى غاية ذلك الحساب ، وهو خلودهم في النّار .وانتصب : { يومَ } على المفعول به لفعل محذوف تقديره : اذْكُر ، على طريقة نظائره في القرآن ، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر .والضّمير المنصوب ب { نحشرهم } عائد إلى { الذين أجرموا } [ الأنعام : 124 ] المذكور في قوله : { سيصيب الذين آجرموا صغار عند الله ، أو إلى الذين لا يؤمنون } [ الأنعام : 125 ] في قوله : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون }.وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون ، فإنّ جماعة المسلمين يُعتَبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقاً مبائناً لهم بعيداً عنهم ، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة ، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأُكّد ب { جميعاً } ليعمّ كلّ المشركين ، وسادتهم ، وشياطينهم ، وسائر عُلَقهم .ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى : { وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم } [ الأنعام : 121 ] إلخ .وقرأ الجمهور : { نحشرهم } بنون العظمة على الالتفات . وقرأه حفص عن عاصم ، ورَوْح عن يعقوب بياء الغيبة ولمّا أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعيّن أنّ النداء في قوله : { يا معشر الجن } من قِبل الله تعالى ، فتعيّن لذلك إضمار قول صادر من المتكلّم ، أي نقول : يا معشر الجنّ ، لأنّ النّداء لا يكون إلاّ قولاً .وجملة : { يا معشر الجن } إلخ مقول قول محذوف يدلّ عليه أسلوب الكلام ، والتّقدير : نقول أو قائلين .والمعشر : الجماعة الّذين أمرهم وشأنهم واحد ، بحيث تجمعهم صفة أو عمل ، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . وهو يُجمع على معاشر أيضاً ، وهو بمعناه ، وهو مشتقّ من المعاشرة والمخالطة . والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبيّن الصّفة الّتي اجتمع مسمّاه فيها ، وهي هنا صفة كونهم جنّاً ، ولذلك إذا عُطف على ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشراً وجمْعِه : فالتثنية نحو : { يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } [ الرحمن : 33 ] الآية ، أي يا معشر الجنّ ويا معشر الإنس ، والجمع نحو قولك : يا معاشر العرب والعجم والبربر .والجنّ تقدّم في قوله : { وجعلوا لله شركاء الجنّ } في هذه السّورة ( 100 ). والمراد بالجنّ الشّياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجنّ ، والإنس تقدّم عند قوله : { شياطين الإنس والجنّ } في هذه السّورة ( 112 ).والاستكثار : شدّة الإكثار . فالسّين والتّاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام والاستخداع والاستكبار ، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتّخذِ كثيرُه ، يقال : استكثر من النَّعم أو من المال ، أي أكثر من جمعهما ، واستكثر الأمير من الجند ، ولا يتعدّى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الّذي بمعنى عدّ الشّيء كثيراً ، كقوله تعالى :{ ولا تمنن تستكثر } [ المدثر : 6 ].وقوله : { استكثرتم من الإنس } على حذف مضاف ، تقديره : من إضلال الإنس ، أو من إغوائهم ، فمعنى { استكثرتم من الإنس } أكثرتم من اتّخاذهم ، أي من جعلهم أتباعاً لكم ، أي تجاوزتم الحدّ في استهوائهم واستغوائهم ، فطوّعتم منهم كثيراً جداً .والكلام توبيخ للجنّ وإنكار ، أي كان أكثر الإنس طوعاً لكم ، والجنّ يشمل الشّياطين ، وهم يغوون النّاس ويطوّعونهم : بالوسوسة ، والتخييل ، والإرهاب ، والمسّ ، ونحو ذلك ، حتّى تَوهّم النّاس مقدرتهم وأنّهم محتاجون إليهم ، فتوسّلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم ، وحتّى أصبح المسافر إذا نزل …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

وهو من تمام الاعتراض ، أو من تمام التذييل ، على ما تقدّم من الاحتمالين ، الواو للحال : اعتراضيّة ، كما تقدّم ، أو للعطف على قوله : { إنّ ربَّك حكيم عليم } [ الأنعام : 128 ].والإشارة إلى التولية المأخوذة من : { نولى } ، وجاء اسم الإشارة بالتّذكير لأنّ تأنيث التولية لفظي لا حقيقي ، فيجوز في إشارته مَا جاز في فِعله الرافع للظّاهر ، والمعنى : وكما ولّينا ما بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم نُولّي بين الظّالمين كلّهم بعضِهم مع بعض .والتولية يجيء من الولاء ومن الوِلاية ، لأنّ كليهما يقال في فعله المتعدّي : ولَّى ، بمعنى جعل ولياً ، فهو من باب أعطى يتعدّى إلى مفعولين ، كذا فسّروه ، وظاهر كلامهم أنّه يقال : ولّيت ضَبَّة تميماً إذا حالفتَ بينهم ، وذلك أنَّه يقال : تَولَّتْ ضبةُ تميماً بمعنى حالفْتهم ، فإذا عدّي الفعل بالتضعيف قيل : ولَّيت ضَبة تميماً ، فهو من قبيل قوله : { نُولِّه ما تولّى } [ النساء : 115 ] أي نلزمه ما ألزم نفسه فيكون معنى : { نولى بعض الظالمين بعضاً } نجعل بعضهم أولياء بعض ، ويكون ناظراً إلى قوله : { وقال أولياؤهم من الإنس } [ الأنعام : 128 ]. وجعَل الفريقين ظالمين لأنّ الذي يتولّى قوماً يصير منهم ، فإذا جعل الله فريقاً أولياء للظّالمين فقد جعلهم ظالمين بالأخارة ، قال تعالى : { ولا تَركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار } [ هود : 113 ] وقال : { بعضهم أولياء بعض ومَن يتولَّهم منكم فإنَّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين } [ المائدة : 51 ].ويقال : ولَّى ، بمعنى جعل والياً ، فيتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى أيضاً ، يقال : وَلَّى عُمَرُ أبا عبيدة الشّام ، كما يقال : أولاه ، لأنَّه يقال : وَلِي أبو عبيدة الشّامَ ، ولذلك قال المفسّرون : يجوز أن يكون معنى : { نولى بعض الظالمين بعضاً } نجعل بعضَهم ولاة على بعض ، أي نسلّط بعضهم على بعض ، والمعنى أنّه جعل الجنّ وهم ظالمون مسلّطين على المشركين ، والمشركون ظالمون ، فكلّ يظلِم بمقدار سلطانه . والمراد : ب { الظالمين } في الآية المشركون ، كما هو مقتضى التّشبيه في قوله : { وكذلك }.وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كلّ ظالم ، فتدلّ على أنّ الله سلّط على الظالممِ من يظلمه ، وقد تأوّلها على ذلك عبد الله بن الزُبير أيَّام دَعوته بمكّة فإنَّه لمَّا بلغه أنّ عبد الملك بن مروان قَتَل عَمْراً بنَ سعيد الأشدقَ بعد أن خرج عَمرو عليه ، صَعِد المنبر فقال : «ألاَ إنّ ابن الزّرقاء يعني عبدَ الملك بن مروان؛ لأنّ مروان كان يلقّب بالأزرق وبالزرقاء لأنّه أزرق العينين قد قَتل لَطِيم الشّيطان { وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون }.ومن أجل ذلك قيل : إنْ لم يُقلع الظّالم عن ظلمه سُلّط عليه ظالم آخر . قال الفخر : إنْ أراد الرّعيّةُ أن يتخلّصوا من أمير ظالم؛ فليتركوا الظّلم . وقد قيل: ... ومَا ظَالمٌ إلاّ سَيُبْلَى بظَالِموقوله : { بما كانوا يكسبون } الباء للسببية ، أي جزاء على استمرار شركهم .والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة ، والتّحذير مع الاغترار بولاية الظّالمين . وتوخي الأتباععِ صلاحَ المتبوعين . وبيانُ سنّة من سنن الله في العالَمين .

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

هذا من جملة المقاولة الّتي تجري يوم الحشر ، وفصلت الجملة لأنَّها في مقام تعداد جرائمهم التي استحقّوا بها الخلود ، إبطالاً لمعذرتهم ، وإعلاناً بأنَّهم محقوقون بما جُزوا به ، فأعاد نداءهم كما ينادَى المندّد عليه الموبَّخ فيزداد روْعاً .والهمزة في { ألم يأتيكم } للاستفهام التّقريري ، وإنَّما جعل السؤال عن نفي إتيان الرّسل إليهم لأنّ المقرّر إذا كان حاله في ملابسة المقرّر عليه حالَ من يُظنّ به أن يجيب بالنَّفي ، يؤتى بتقريره داخلاً على نفي الأمر الّذي المراد إقراره بإثباته ، حتّى إذا أقرّ بإثباته كان إقراره أقطع لعُذره في المؤاخذة به ، كما يقال للجاني : ألَسْت الفاعل كذا وكذا ، وألست القائل كذا ، وقد يسلك ذلك في مقام اختبار مقدار تمكّن المسؤول المقرّر من اليقين في المقرّر عليه ، فيؤتى بالاستفهام داخلاً على نفي الشّيء المقرّر عليه ، حتىّ إذا كانت له شبهة فيه ارتبك وتلعثم . ومنه قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم } [ الأعراف : 172 ] ، ولمّا كان حال هؤلاء الجنّ والإنس في التمرّد على الله ، ونبذ العمل الصّالح ظهرياً ، والإعراض عن الإيمان ، حالَ من لم يطرق سمعه أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ، جيء في تقريرهم على بعثَة الرّسل إليهم بصيغة الاستفهام عن نفي مجيء الرّسل إليهم ، حتّى إذا لم يجدوا لإنكار مجيء الرّسل مساغاً ، واعترفوا بمجيئهم ، كان ذلك أحرى لأخذهم بالعقاب .والرّسل : ظاهره أنّه جمع رسول بالمعنى المشهور في اصطلاح الشّرع ، أي مرسل من الله إلى العباد بما يرشدهم إلى ما يجب عليهم : من اعتقاد وعمل ، ويجوز أن يكون جمع رسول بالمعنى اللّغوي وهو من أرسله غيره كقوله تعالى : { إذْ جاءها المرسلون } [ يس : 13 ] وهم رسل الحواريين بعد عيسى .فوَصْف الرّسل بقوله : { منكم } لزيادة إقامة الحجّة ، أي رسل تعرفونهم وتسمعونهم ، فيجوز أن يكون ( مِن ) اتِّصالية مثل الّتي في قولهم : لَسْتُ منك ولستَ مِنِّي ، وليست للتّبعيض ، فليست مثل الّتي في قوله : { هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم } [ الجمعة : 2 ] وذلك أنّ رسل الله لا يكونون إلاّ من الإنس ، لأنّ مقام الرّسالة عن الله لا يليق أن يجعل إلاّ في أشرف الأجناس من الملائكة والبشر ، وجنسُ الجنّ أحَطّ من البشر لأنَّهم خلقوا من نار .وتكون ( من ) تبعيضية ، ويكون المراد بضمير : { منكم } خصوص الإنس على طريقة التغليب ، أو عود الضّمير إلى بعض المذكور قَبله كما في قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر الملح . فأمّا مؤاخذة الجنّ بمخالفة الرّسل فقد يخلق الله في الجنّ إلهاماً بوجوب الاستماع إلى دعوة الرّسل والعمل بها ، كما يدلّ عليه قوله تعالى في سورة الجنّ : { قُل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنَّا سمعنا قُرآناً عجبا }[ الجن : 1 ] الآية ، وقال في سورة الأحقاف ( 30 ، 31 ) : { قالوا يا قَوْمنا إنَّا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويُجركم من عذاب أليم } ذلك أن الظواهر تقتضي أنّ الجنّ لهم اتّصال بهذا العالم واطّلاع على أحوال أهله : { إنَّه يَراكم هو وقبيلُه من حيث لا ترونهم } [ الأعراف : 27 ] فضعف قول من قال بوُجود رسل من الجنّ إلى جنسهم ، ونُسب إلى الضحاك ، ولذلك فقوله : { ألم يأتيكم } مصروف عن ظاهره من شموله الإنس والجنّ ، ولم يرد عن النّبيء صلى الله عليه وسلم ما يثبت به أنّ الله أرسل رسلاً من الجنّ إلى جنسهم ، ويجوز أن يكون رسل الجنّ طوائف منهم يستمعون إلى الأنبياء ويفهمون ما يَدْعون إليه ويبلّغون ذلك إلى أقوامهم ، كما تقتضيه الآية في سورة الأحقاف؛ فمؤاخذة الجنّ على الإشراك بالله يقتضيها بلوغ توحيد الله إلى علمهم لأنّ أدلّة الوحدانيّة عقليّة لا تحتاج …

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.