۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.
صفحة ٥
﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ولَوْ أنَّنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَتَكُونُ ثَلاثَتُها رَدًّا عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلَخْ، وبَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩])
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ؛ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، والحارِثَ بْنَ حَنْظَلَةَ، مِن أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ أوِ ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا فَنَسْألْهم: أحَقٌّ ما تَقُولُ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتّى يُحْشَرَ قُصَيٌّ فَيُخْبِرُنا بِصِدْقِكَ أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا؛ أيْ: كَفِيلًا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وحَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]) في سُورَةِ الإسْراءِ.
وذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ مِن خَوارِقِ العاداتِ مُسايَرَةً لِمُقْتَرَحاتِهِمْ، لِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يُشِيرُ إلى مَجْمُوعِ ما سَألُوهُ وغَيْرِهِ.
صفحة ٦
والحَشْرُ: الجَمْعُ، ومِنهُ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] وضُمِّنَ مَعْنى البَعْثِ والإرْسالِ فَعُدِّيَ بِـ (عَلى) كَما قالَ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] .
وكُلَّ شَيْءٍ يَعُمُّ المَوْجُوداتِ كُلَّها، لَكِنَّ المَقامَ يُخَصِّصُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا سَألُوهُ، أوْ مِن جِنْسِ خَوارِقِ العاداتِ والآياتِ، فَهَذا مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في رِيحِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] والقَرِينَةُ هي ما ذَكَرَ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾) .
وقَوْلُهُ: (قِبَلًا) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ - وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ والمُواجَهَةِ؛ أيْ: حَشَرْنا كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِيانًا، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ والباءِ وهو لُغَةٌ في (قِبَلَ) بِمَعْنى المُواجَهَةِ والمُعايَنَةِ؛ وتَأوَّلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِتَأْوِيلاتٍ أُخْرى بَعِيدَةٍ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وغَيْرِ مُناسِبَةٍ لِلْمَعْنى.
و﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ هو أشَدُّ مِن (لا يُؤْمِنُونَ) تَقْوِيَةً لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأنَّهم مُعانِدُونَ مُكابِرُونَ غَيْرُ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهم لَوْ طَلَبُوا الحَقَّ بِإنْصافٍ لَكَفَتْهم مُعْجِزَةُ القُرْآنِ، إنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وُضُوحُ الحَقِّ فِيما يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمَعْنى: الإخْبارُ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ في أجْدَرِ الأحْوالِ بِأنْ يُؤْمِنَ لَها مَن يُؤْمِنُ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ انْتِفاءُ إيمانِهِمْ أبَدًا.
ولَوْ هَذِهِ …