Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ آيَةٍ مُقْتَرِحَةٍ عَمَّمَ عَلى وجْهٍ مُفَصَّلٍ لِإجْمالِ ما قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا البالِغَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ النُّوناتِ ﴿نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: كُلَّهم فَرَأوْهم عِيانًا ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: [بِما] لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ جَمْعُ قَبِيلٍ جَمْعُ قَبِيلَةٍ [فِي قِراءَةِ مَن ضَمَّ القافَ والباءَ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ]، أيْ: جاءَهم ذَلِكَ المَحْشُورُ كُلُّهُ قَبِيلَةً [قَبِيلَةً] تَتْرى ومُواجَهَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فَإذَنْ لا عِبْرَةَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فالآيَةُ دامِغَةٌ لِأهْلِ القَدَرِ، ولا مَدْخَلَ لِآيَةٍ ولا غَيْرِها في ذَلِكَ، فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ في إيمانِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَقْرُبُ عِنْدِي - وإنْ بَعُدَ المَدى - أنْ يَكُونَ ﴿وأقْسَمُوا﴾ [الأنعام: ١٠٩] مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] وهَذا مِنَ المُتَعارَفِ في كَلامِ البُلَغاءِ أنْ يَحْكِيَ الإنْسانُ جُمْلَةً مِن كَلامِ خَصْمِهِ، ثُمَّ يَشْرَعُ في تَوْهِينِها، ويَخْرُجُ إلى أُمُورٍ - يَجُرُّها المَقامُ - كَثِيرَةُ الأنْواعِ طَوِيلَةُ الذُّيُولِ جِدًّا، ثُمَّ يَحْكِي جُمْلَةً أُخْرى فَيَقُولُ مُعْجِّبًا مِنهُ: وقالَ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَشْرَعُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ النَّقْدِ والرَّدِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَوْحِيدُ خَتْمِهِما، فَخَتْمُ الأُولى

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وخَتْمُ هَذِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: أهْلُ جَهْلٍ مَطْبُوعُونَ فِيهِ، يُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ عِنْدَ مَجِيءِ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ ولا يَشْعُرُونَ أنَّ المانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ إنَّما هو المَشِيئَةُ وإلّا لَآمَنُوا بِما جاءَهم مِنَ الآياتِ، فَإنَّهُ كِفايَةٌ في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والآياتُ كُلُّها مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدِّلالَةِ عَلى صِدْقِ الدّاعِي بِخَرْقِ العادَةِ والعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها.

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

ولَمّا كانَ مَضْمُونَ ما تَقَدَّمَ إثْباتُ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ: فَقَدْ جَعَلْناهم أعْداءً لَكَ لِأنَّكَ عالِمٌ، والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِن كُفّارِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ أيْ: مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ، وعَبَّرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ - والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ - إشارَةً إلى أنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ في العَداوَةِ، فَقالَ: ﴿عَدُوًّا﴾ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وأنَّهم أهْلُ الشَّرِّ فَقالَ مُبْدِلًا: ﴿شَياطِينَ﴾ أيْ: أشْرارَ ﴿الإنْسِ والجِنِّ﴾ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم، ورُبَّما اسْتَعانَ شَيْطانُ الجِنِّ شَيْطانَ الإنْسِ لِقُرْبِ قَلْبِهِ مِنهُ، أمْ يَكُونُ نَوْعُهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، وأشارَ إلى هَوانِ أمْرِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾ أيْ: الشَّياطِينِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ﴿إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يُكَلِّمُهُ في خَفاءٍ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيْ: مُزَيَّنِهِ ومُنَمَّقِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ - لَوْلا الزَّخْرَفَةُ ما قِيلَ - زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ يَغُرُّوهم بِذَلِكَ، أيْ: يَخْدَعُوهم فَيَصِيرُوا لِقَبُولِهِمْ كَلامِهِمْ كالغافِلِينَ الَّذِينَ شَأْنُهم عَدَمُ التَّحَفُّظِ، والغَرُورُ هو الَّذِي يُعْتَقَدُ فِيهِ النَّفْعُ ولَيْسَ بِنافِعٍ.

ولَمّا كانَ أوَّلُ الآيَةِ مُعْلِمًا أنَّ هَذا كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وجَعْلِهِ - أيَّدَ ذَلِكَ ومَكَّنَهُ في آخِرِها بِأنَّهُ لَوْ شاءَ ما كانَ، وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ وتَنْزِيهًا لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ عَنْها فَيَدُلُّ عَلى الوَهَنِ، ويَجُرُّ قَطْعًا إلى اعْتِقادِ العَجْزِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ أعْدائِهِ ﷺ والمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ - أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِإكْرامِهِ وإعْزازِهِ، لا لِهَوانِهِ، فَقالَ ﴿رَبُّكَ﴾ أيْ: بِما لَهُ إلَيْكَ مِن حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وغَزِيرِ الإحْسانِ مَعَ ما لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، أنْ لا يَفْعَلُوهُ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ مِن عَداوَتِهِمْ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّرْبِيَةِ فَعاقِبَتُهُ إلى خَيْرٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: اتْرُكْهم عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ واخْتِلافَهُ، واذْكُرْ ما لِرَبِّكَ عَلَيْكَ مِنَ العاطِفَةِ لِتَعْلَمَ أنَّ الَّذِي سَلَّطَهم عَلى هَذا في غايَةِ الرَّأْفَةِ بِكَ والرَّحْمَةِ لَكَ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ، فَثِقْ بِهِ واعْلَمْ أنَّ لَهُ في هَذا لَطِيفَ سَرِيرَةٍ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، بِخِلافِ الآياتِ الآتِيَةِ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِاسْمِ الجَلالَةِ، فَإنَّها في عَظِيمِ تَجَرُّئِهِمْ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ.

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ذَرْهم لِتُعْرِضَ عَنْهم قُلُوبُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيُسْخِطُوهُ، ولِيَعْلَمُوا ما هم لَهُ مُبْصِرُونَ [و] بِهِ عارِفُونَ، فَتُرْفَعُ بِذَلِكَ دَرَجاتُهم - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَصْغى﴾ أيْ: تَمِيلُ مَيْلًا قَوِيًّا تُعْرِضُ بِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: كَذِبِهِمْ وما في حَيِّزِهِ ﴿أفْئِدَةُ﴾ أيْ: قُلُوبُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: لَيْسَ في طَبْعِهِمْ الإيمانُ بِها لِأنَّها غَيْبٌ، وهم لِبَلادَتِهِمْ واقِفُونَ مَعَ الوَهْمِ، ولِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيا الَّتِي هي أصْلُ الغُرُورِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: بِما تَمَكَّنَ مِن مَيْلِهِمْ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: يَفْعَلُوا بِجُهْدِهِمْ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ - عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلًا يَكُونُ الخِداعُ فَيَكُونُ المَيْلُ فَيَكُونُ الرِّضى فَيَكُونُ فِعْلُ الِاقْتِرافِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ.

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْ مَغِيبٍ، وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ دُعاءَ الأعْداءِ والمُخالِفِينَ إلى حاكِمٍ يَفْصِلُ بَيْنَهم، وكانُوا إنَّما يَفْزَعُونَ في الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ إلى الكُهّانِ لِما كانُوا يَكْشِفُونَ لَهم بِما يَقْذِفُ إلَيْهِمْ إخْوانُهم مِنَ الجانِّ مِمّا يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ، فَيَزِيدُونَهُ كَذِبًا كَثِيرًا، ثُمَّ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ عِنْدَهم لِذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يَصْدُقُونَ فِيهِ - كَما ابْتُلِينا بِهِ في هَذا الزَّمانِ مِنَ الِافْتِتانِ بِمَن يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ المَجانِينِ والمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ، وكانَتْ الآياتُ الَّتِي فَرَغَ مِنها قَدْ أثْبَتَتْ أنَّ اتِّخاذَهم غُرُورٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبَ نَفْيِ اتِّخاذِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ لِما اتَّصَفَ بِهِ مِن إيحاءِ ما خالَفَ إيحاءَهم، فَفاتَ القُوى في إخْبارِهِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ مُفَصَّلَةً أحْسَنَ تَفْصِيلٍ في أسالِيبَ قَصُرَتْ دُونَها سَوابِقُ الأفْكارِ، وكَعَّتْ عَنْها نَوافِذُ الأفْهامِ، فَثَبَتَتْ بِهِ نُبُوَّتُهُ ووَضَحَتْ رِسالَتُهُ، فَكانَ اقْتِراحُهم ظاهِرًا في كَوْنِهِ تَعَنُّتًا؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِأعْظَمِ الآياتِ: القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وطَعَنُوا فِيهِ بِما زادَهم فَضائِحَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إجابَتِهِمْ إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ، فَكانَ الجَوابُ - عَمّا اقْتَضاهُ لِسانُ حالِهِمْ مِن طَلَبِ التَّحاكُمِ إلى أوْلِيائِهِمْ بِبَلِيغِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ [بِقَوْلِهِ]: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ - عَلى غايَةٍ مِنَ البَلاغَةِ لا تُدْرَكُ، والفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِ، وإنَّما تَقَدَّمَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ لِاقْتِضائِها الصَّدْرَ ﴿أبْتَغِي﴾ أيْ: أطْلُبُ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿حَكَمًا﴾ أيْ: يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ نِزاعَنا؛ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى هَذا الإنْكارِ بِتَفْصِيلِ الكِتابِ هَذا التَّفْصِيلَ المُعْجِزَ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ﴾ أيْ: خاصَّةٍ نِعْمَةً عَلَيَّ بِالقَصْدِ الأوَّلِ [وعَلَيْكم بِالقَصْدِ الثّانِي] ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الأكْمَلَ المُعْجِزَ، وهو هَذا القُرْآنُ الَّذِي هو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُمَيَّزًا فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأحْكامِ، مَعَ ما تُفِيدُهُ فَواصِلُ الآياتِ مِنَ اللَّطائِفِ والمَعارِفِ الكاشِفَةِ لِحَقائِقِ البِداياتِ والنِّهاياتِ، ولَقَدْ اشْتَدَّ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّفْصِيلِ لِوُقُوعِ العِلْمِ مِن أرْبابِ البَصائِرِ في الصَّنائِعِ بِأنَّ مَن لا يُحْسِنُ التَّفْصِيلَ لا يُتْقِنُ التَّرْكِيبَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتُمْ وجَمِيعُ أرْبابِ البَلاغَةِ تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ بِتَفْصِيلِهِ والعَجْزِ عَنْ مَثِيلِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً ﴿آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ بِها الحَقَّ مِنَ الباطِلِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: المَعْهُودَ إنْزالُهُ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِما لَهم مِن سَوابِقِ الأُنْسِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ﴿أنَّهُ مُنَـزَّلٌ﴾

ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَلالَةِ الشَّرِيفَةِ في ( حاقَ ) مَوْضِعَهُ في سِياقِ الحُكْمِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَّفَرُّدِ بِالكَمالِ، وكانَ هَذا المَقامُ بِسِياقِ الإنْزالِ يَقْتَضِي الإحْسانَ - لَمْ يُضْمِرْ، بَلْ قالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما خَصَّكَ …

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

ولَمّا دَلَّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ صَرِيحًا وأهْلِ اللِّسانِ تَلْوِيحًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ شُهُودِيٍّ، وهو أنَّهُ ما قالَ شَيْئًا إلّا كانَ عَلى وفْقِ ما قالَ، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ - ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ - مَنعَ شَيْءٍ مِمّا أخْبَرَ بِهِ ولا تَعْوِيقَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ، لِتَذْكِيرِهِ ﷺ بِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ الإحْسانِ، والتَّنْبِيهِ عَلى ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ والإكْرامِ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: نَفَذَتْ وتَحَقَّقَتْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ حالَ كَوْنِها ﴿صِدْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبْدِيَ في شَيْءٍ مِنها حَدِيثًا بِتَخَلُّفٍ ما عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ.

ولَمّا كانَ الصِّدْقُ غَيْرَ مُنافٍ لِلْجَوْرِ - قالَ: ﴿وعَدْلا﴾ ولَمّا كانَ الصِّدْقُ العَدْلُ قَدْ لا يَتِمُّ مَعَهُ مُرادُ القائِلِ، ولا يَنْفُذُ فِيهِ كَلامُ الآمِرِ لِمَنعِ مَن هو أقْوى مِنهُ، أخْبَرَ أنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَ مَطْلَعُ الآيَةِ مِنَ التَّمامِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَبَرُّكًا وتَلْذِيذًا فَقالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّها كَلِماتُهُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ ما، بَلْ كُلُّ ما أخْبَرَتْ بِهِ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مِن سَخِطَ.

ولَمّا كانَ المُغَيِّرُ لِشَيْءٍ إنَّما يَتِمُّ لَهُ ما يُرِيدُ مِنَ التَّغْيِيرِ بِكَوْنِ المُغَيَّرِ عَلَيْهِ لا يَعْلَمُ الأسْبابَ المُنْجِحَةَ لِما أرادَ لِيَحْكُمَها، والمَوانِعَ العائِقَةَ لِيُبْطِلَها - قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: البالِغُ العِلْمِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَهو إذَنْ الكامِلُ القُدْرَةِ النّافِذُ الأمْرِ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمَوانِعِ، فَلا يَدَعُ أحَدًا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنها وإنْ دَلَّسَ أوْ شَبَّهَ.

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

ولَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ، وبَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَرَعَ في الحَثِّ عَلى الإعْراضِ عَنْ جَهْلِ الجُهّالِ، والإقْبالِ عَلى ذِي الجَلالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أطَعْتَهُ فِيما أمَرَكَ بِهِ اهْتَدَيْتَ إلى صِراطِ اللَّهِ الَّذِي يَتِمُّ لَكَ بِسُلُوكِهِ جَمِيعُ ما وعَدَكَ بِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُطِعْ﴾ ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأنْفُسِ مُتَقَيِّدَةً بِالأكْثَرِ، أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا جاهِلٌ مُخْلِدٌ إلى التَّقْلِيدِ فَقالَ: ﴿أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: تُوجَدُ طاعَتُكَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتَ أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يَتَّبِعُ الهَوى، وأنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ لا يَعْلَمُونَ لا يَشْكُرُونَ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: لِأنَّهم ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في أُمُورِهِمْ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ [أيْ] كَما يَظُنُّ هَؤُلاءِ جَهْلًا أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ مَن يَجْزِمُ بِالأُمُورِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ ظَنُّهُ كَذِبًا، وكانَ الخارِصُ يُقالُ عَلى الكاذِبِ والمُخَمِّنِ الحازِرِ - قالَ: ﴿وإنْ هُمْ﴾ أيْ: بِصَمِيمِ ضَمائِرِهِمْ ﴿إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يَجْزِمُونَ بِالأُمُورِ بِحَسَبِ ما يُقَدِّرُونَ، فَيُكْشَفُ الأمْرُ عَنْ أنَّها كَذِبٌ، فَيُعْرَفُ الفَرْقُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في تَمامِ [الكَلامِ] ونُفُوذِهِ نُفُوذَ السِّهامِ، أوْ تَخَلُّفِهِ عَنِ التَّمامِ ونُكُوصِهِ كالسَّيْفِ الكَهامِ، فَلا يَبْقى شُبْهَةٌ في أمْرِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْعِلْمِ الكاشِفِ لِلْحَقائِقِ المُبَيِّنِ لِما يُتَّبَعُ وما يُجْتَنَبُ - قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا الإخْبارِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ الكاشِفِ لِلِارْتِيابِ الهادِي إلى الصَّوابِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ﴾ ولِكَوْنِ الحالِ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِلْعِلْمِ، قَطَعَهُ عَمّا بَعْدَهُ لِيَسْبِقَ إلى الفَهْمِ أنَّهُ أعْلَمُ مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ العِلْمُ مُطْلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿مَن﴾ أيْ: يَعْلَمُ مَن ﴿يَضِلُّ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنهُ ضَلالٌ يَوْمًا ما ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: الَّذِي بَيَّنَهُ بِعِلْمِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ كَما أنَّهُ أعْلَمُ بِالضّالِّينَ، فَمَن أمَرَكم بِاتِّباعِهِ فاتَّبِعُوهُ، ومَن نَهاكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، فَمَن ضَلَّ أرْداهُ، ومَن اهْتَدى أنْجاهُ، فاسْتَمْسِكُوا بِأسْبابِهِ حَذَرًا [مِن] وبِيلِ عِقابِهِ يَوْمَ حِسابِهِ.

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - ما مَضى مِنَ السَّوائِبِ وما مَعَها وفي المائِدَةِ مِمّا يَدِينُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في أكْلِ الحَيَوانِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ الشِّرْكُ، وأتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى أهْلِ الإيمانِ مِن دِينِ أهْلِ الضَّلالِ إذا اهْتَدَوْا، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما لاءَمَهُ، وانْتَظَمَ في سِلْكِهِ ولاحَمَهُ، حَتّى ظَهَرَ أيْ: ظُهُورَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَوَجَبَ شُكْرُهُ وحْدَهُ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ قَدْ كَفَرُوا نِعَمَهُ تَعالى فاتَّخَذُوا مَعَهُ شُرَكاءَ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا لَها مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا، فَكانُوا بِذَلِكَ المانِعِينَ الحَقَّ عَنْ أهْلِهِ، ومانِحِينَ ما خَوَّلَهم فِيهِ مِن لَهُ المُلْكُ لِما لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، وتارِكِينَ بَعْضَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ صاحِبُ الحَقِّ رِعايَةً لِمَن لا حَقَّ لَهُ ولا حُرْمَةَ، وكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِأنَّهُ يَذْكُرُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِالوَحْدانِيَّةِ. ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما لَنا مِنَ المَنافِعِ وما أبْدَعَ مِنَ المَرافِقِ والمَصانِعِ، ثُمَّ يَعْجَبُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالأكْلِ مِمّا خَلَقَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيَةً لِكُلِّ ذِي لُبٍّ إلى شُكْرِهِ، كَما قالَ تَعالى في البَقَرَةِ عَقِبَ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ثُمَّ قالَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ثُمَّ قالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] أجْرى هَذِهِ السُّنَّةَ الجَلِيلَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] بَعْدَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ثُمَّ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مِلْكِهِ ولا مُلْكِهِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ لا حَكَمَ سِواهُ يُنازِعُهُ في حُكْمِهِ أوْ يُبارِيهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ مِن [آيِها] الهِدايَةُ الَّتِي جَعَلَها شَرْطًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ مِن دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ فَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: وقْتَ الذَّبْحِ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: كَأنَّ قائِلًا لِذَلِكَ سَواءٌ ذُكِرَ بِالفِعْلِ أوْ لا، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما جَعَلْتُهُ المُرادَ لِيُفْهَمَ أنَّ الذِّكْرَ بِالفِعْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ولا يَكُونُوا مِمَّنْ بَنى دِينَهُ عَلى اتِّباعِ الأهْوِيَةِ والظُّنُونِ الكاذِبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا مَن يَعْرِفُ الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ مُهْتَدٍ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ ضالٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكُلُوا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَكم حَلالًا شاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، وإنَّما أطالَ هُنا - دُونَ البَقَرَةِ - ما بَيْنَ الجُمَلِ الكَلامَ تَقْرِيرًا لِمَضامِينِها وما يَسْتَتْبِعُهُ واحْتِجاجًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّها سُورَةُ التَّفْصِيلِ، وأتى بِالذِّكْرِ والمُرادُ قَبُولُ المَأْكُولِ لَهُ، أيْ: كُلُوا مِمّا يَقْبَلُ أنْ يُسَمّى عَلَيْهِ عَلى مُقْتَضى ما شَرَعَهُ، وذَلِكَ هو الَّذِي أحَلَّهُ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ مِمّا جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ أوْ لا، دُونَ ما ماتَ مِنَ الحَيَوانِ …

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

وقَدْ لاحَ بِذَلِكَ حُسْنُ انْتِظامِ قَوْلِهِ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ: أيِّ شَيْءٍ يَكُونُ لَكم في ﴿ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ فَإنَّ التَّسْمِيَةَ قائِمَةٌ مَقامَ إذْنِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿فَصَّلَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ والخَلْقُ خَلْقُهُ والأمْرُ أمْرُهُ ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ تَفْصِيلًا واضِحَ البَيانِ ظاهِرَ البُرْهانِ ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُزِيلُ التَّفْصِيلَ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ فَيَصِيرُ الكُلُّ حَلالًا لا تَفْصِيلَ فِيهِ، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَأمّا مَن خُوطِبَ بِها وقْتَ الإنْزالِ فالمُرادُ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي آتاهُ الآيَةُ الآتِيَةُ أخِيرَ هَذِهِ فَإنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، وكَذا كُلُّ ما شاكَلَها مِمّا أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذا ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ في وحْيٍ مَتْلُوٍّ إذْ ذاكَ، ولَعَلَّهُ نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، أوْ وحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ مِن جَمِيعِ الأحادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا مَن خُوطِبَ بِها بَعْدَ تَرْتِيبِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ في حَقِّهِ [كَما] في البَقَرَةِ والمائِدَةِ وغَيْرِهِما مِنَ السُّوَرِ الماضِيَةِ - مِنَ الحَلالِ والحَرامِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الأوامِرِ اهْتَدى بِما نالَ مِنَ العِلْمِ وهم قَلِيلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنهم الضَّلالُ فَيُوقِعُونَ غَيْرَهم فِيهِ بِنُكُوبِهِمْ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ أوامِرُ اللَّهِ وهَدى إلَيْهِ بَيانُهُ، فَيَكُونُونَ بِمَعْرِضِ العَطَبِ ﴿بِأهْوائِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى؛ ولَمّا كانَ الهَوى - وهو مَيْلُ النَّفْسِ - رُبَّما كانَ مُوافِقًا لِما أدّى إلَيْهِ العِلْمُ بِصَحِيحِ الفِكْرِ وصَرِيحِ العَقْلِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: دَعا إلى ذَلِكَ [مِمَّنْ لَهُ العِلْمُ] مِن شَرِيعَةٍ ماضِيَةٍ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ.

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ هَذا، أثْبَتَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وقالَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ شاهِدًا لَكَ بِإعْجازِهِ بِالتَّصْدِيقِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِلْإضْمارِ فَأُظْهِرَ لِلتَّعْمِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ.

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

ولَمّا كانَ مِمّا يَقْبَلُ في نَفْسِهِ - في الجُمْلَةِ - أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مِلْكًا لِلْغَيْرِ أوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، نَهى عَنْهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ( ﴿فَكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وذَرُوا﴾ أيْ: اتْرُكُوا عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَها غَيْرَ صالِحَةٍ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: المَعْلُومَ الحُرْمَةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿وباطِنَهُ﴾ مِن كُلِّ ما فِيهِ شُبْهَةٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والعَقائِدِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ في القَلْبِ عَلامَةً، وهو أنْ يَضْطَرِبَ عِنْدَهُ ولا يَسْكُنَ كَما قالَ ﷺ: «( والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ)» - أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾ أيْ: ولَوْ بِأخْفى أنْواعِ الكَسْبِ، بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَجْرِيدُ الفِعْلِ، وهو الِاعْتِقادُ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ.

[ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن خافَ مِن مُطْلَقِ الجَزاءِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ]: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ بِفاسِدِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ اكْتِسابًا يُوجِبُ الفَرْقُ وهو أشَدُّ الخَوْفِ ويُزِيلُ الرِّفْقَ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ الشَّرِّ إنَّما تَكُونُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ.

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.