Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا حَتّى نَسْألَهُمْ: أحَقٌّ ما تَقُولُ، أمْ باطِلٌ؟ أوْ أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآَيَةِ: ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوا، وكَلَّمَهُمُ المَوْتى، فَشَهِدُوا لَكَ بِالنُّبُوَّةِ وحَشْرنا أيْ: جَمَعْنا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدُّنْيا ﴿قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، فَأخْبَرَ أنَّ وُقُوعَ الإيمانِ بِمَشِيئَتِهِ، لا كَما ظَنُّوا أنَّهم مَتّى شاؤُوا آَمَنُوا، ومَتّى شاؤُوا لَمْ يُؤْمِنُوا. فَأمّا قَوْلُهُ: قُبَلًا فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناها: مُعايَنَةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قُبُلًا" بِضَمِّ القافِ والباءِ. وفي مَعْناها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَ قُبَيْلٍ، وهو الصِّنْفُ؛ فالمَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبَيْلًا قُبَيْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ قُبَيْلٍ أيْضًا، إلّا أنَّهُ: الكَفِيلُ؛ فالمَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَفَلَ بِصِحَّةٍ ما تَقُولُ، اخْتارَهُ الفَرّاءُ، وعَلَيْهِ اعْتِراضَ، وهو أنْ يُقالَ: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِإنْزالِ المَلائِكَةِ، وتَكْلِيمِ المَوْتى، فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِالكَفالَةِ الَّتِي هي قَوْلٌ، أوْلى. فالجَوابُ: أنَّهُ لَوْ كَفَلَتِ الأشْياءَ المَحْشُورَةَ، فَنَطَقَ ما لَمْ يَنْطِقْ، كانَ ذَلِكَ آَيَةً بَيِّنَةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى المُقابِلُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقابَلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا قَبَلًا وقِبَلًا وقُبُلًا وقَبِيلًا وقَبَلِيًّا ومُقابِلَةً، وكُلُّهُ واحِدٌ، وهو لَلْمُواجَهَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالمَعْنى في القُرْآَنِ- عَلى ما قالَهُ أبُو زَيْدٍ- واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَجْهَلُونَ أنِ الأشْياءَ لا تَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهم يَجْهَلُونَ أنَّهم لَوْ أُوتُوا بِكُلِّ آَيَةٍ ما آَمَنُوا.

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أيْ: وكَما جَعَلْنا لَكَ ولِأُمَّتِكَ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً، كَذَلِكَ جَعَلْنا لِمَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ؛ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِالأعْداءِ، ابْتُلِينا مِن قَبْلِكَ، لَيَعْظُمَ الثَّوابُ عِنْدَ الصَّبْرِ عَلى الأذى. قالَ الزَّجّاجُ: "وَعَدُوٌّ" في مَعْنى أعْداءَ "وَشَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ": مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن "عَدْوٍّ" ومُفَسَّرٌ لَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "عَدُوًّا" مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، المَعْنى: وكَذَلِكَ جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً لَأُمَمِهِمْ. وفي شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ. وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ: الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ وشَياطِينَ الجِنِّ: الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ: كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: يُوحِي أصْلُ الوَحْيِ: الإعْلامُ والدَّلالَةُ بِسَتْرٍ وإخْفاءٍ.

وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَأْمُرُ. والثّانِي: يُوَسْوِسُ. والثّالِثُ: يُشِيرُ.

وَأمّا ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ فَهو ما زُيِّنَ مِنهُ، وحَسُنَ، ومُوِّهَ، وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ، فَهو زُخْرُفٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: "الزُّخْرُفُ" في اللُّغَةِ: الزِّينَةُ؛ فالمَعْنى: أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ لَبَعْضِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ؛ "وَغُرُورًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ وهَذا المَصْدَرُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى إيحاءِ الزُّخْرُفِ مِنَ القَوْلِ: مَعْنى الغُرُورِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا": الأمانِي بِالباطِلِ. قالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّ إبْلِيسٍ بِالإنْسِ شَياطِينٌ يُضِلُّونَهم.، فَإذا التَقى شَيْطانُ الإنْسِ بِشَيْطانِ الجِنِّ، قالَ أحَدَهُما لَصاحِبِهِ: إنِّي أضْلَلْتُ صاحِبِي بِكَذا وكَذا، فَأضْلِلْ أنْتَ صاحِبَكَ بِكَذا وكَذا، فَذَلِكَ وحْيُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا أعْيا شَيْطانَهُ، ذَهَبَ إلى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الإنْسِ، وهو شَيْطانُ الإنْسِ، فَأغْراهُ بِالمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: إنَّ شَيْطانَ الإنْسِ أشَدُّ عَلَيَّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ، لَأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ مِن ذاكَ ذَهَبَ عَنِّي، وهَذا يَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عَيانًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَسْوَسَةِ. والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الكُفْرِ. والثّالِثُ: إلى الغُرُورِ، وأذى النَّبِيِّينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ كُفّارَ مَكَّةَ وما يَفْتَرُونَ مِنَ الكَذِبِ. وقالَ غَيْرُهُ: فَذَرِ المُشْرِكِينَ وما يُخاصِمُونَكَ بِهِ مِمّا يُوحِي إلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم، وما يَخْتَلِقُونَ مِن كَذِبٍ، وهَذا القَدْرُ مِن هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ: ولِتَمِيلَ؛ والهاءُ: كِنايَةٌ عَنِ الزُّخْرُفِ والغُرُورِ. والأفْئِدَةُ: جَمَعُ فُؤادٍ، مِثْلُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ لَكَيْ تَصْغى إلى الباطِلِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ، ولِيَرْضَوْا الباطِلُ، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: لَيَكْتَسِبُوا، ولِيَعْلَمُوا ما هم عامِلُونَ.

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حُكْمًا، إنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ النَّصارى، لَيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَأمّا الحُكْمُ، فَهو بِمَعْنى الحاكِمِ؛ والمَعْنى: أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ قاضِيًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ؟! و"الكِتابُ": القُرْآَنُ، و"المُفَصَّلُ" المُبَيَّنُ الَّذِي بانَ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والأمْرُ مِنَ النَّهْيِ، والحَلالُ مِنَ الحَرامِ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: رُؤَساءُ أصْحابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلَيٍّ، وأشْباهِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "مُنَزَّلٌ" بِالتَّشْدِيدِ؛ وخَفَّفَها الباقُونَ.

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: "كَلِمَةُ" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقَدْ ذَكَرَتِ العَرَبُ الكَلِمَةَ، وأرادَتِ الكَثْرَةَ؛ يَقُولُونَ: قالَ قِسُّ في كَلِمَتِهِ، أيْ: في خُطْبَتِهِ، وزُهَيْرُ في كَلِمَتِهِ، أيْ: في قَصِيدَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ الكَلِماتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أقَضَيْتُهُ وعِداتُهُ. والثّالِثُ: وعْدُهُ ووَعِيدُهُ، وثَوابُهُ وعِقابُهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صِدْقًا فِيما أخْبَرَ، وعَدْلًا فِيما قَضى وقَدَّرَ. والثّانِي: صِدْقًا فِيما وعَدَ وأوْعَدَ، وعَدْلًا فِيما أمَرَ ونَهى. وفي قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَقْدِرُ المُفْتَرُونَ عَلى الزِّيادَةِ فِيها والنُّقْصانِ مِنها.

والثّانِي: لا خُلْفَ لَمَواعِيدِهِ، ولا مُغَيِّرَ لَحُكْمِهِ.

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا لَلْمُسْلِمِينَ: أتَأْكَلُونَ ما قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ رَبُّكُمْ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. والمُرادُ بِـ ﴿أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ الكَفّارُ. وفي ماذا يُطِيعُهم فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في أكْلِ المَيْتَةِ. والثّانِي: في أكْلِ ما ذَبَحُوا لَلْأصْنامِ. والثّالِثُ: في عِبادَةِ الأوْثانِ. والرّابِعُ: في اتِّباعِ مِلَلِ الآَباءِ؛ و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دِينُهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يَخْرُصُونَ يَحْدُسُونَ ويُوقِعُونَ؛ ومِنهُ قِيلَ لَلْحازِرِ: خارِصٌ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ تَعْذِيبُ مَن هو عَلى ظَنٍّ مِن شِرْكِهِ، ولَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِن كُفْرِهِ؟! فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا تَرَكُوا التِماسَ الحُجَّةِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم، واقْتَصَرُوا عَلى الظَّنِّ والجَهْلِ، عُذِّبُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "مَن" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ؛ والمَعْنى: إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ أيَّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: مِن يَضِلُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسَرِ الضّادِ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي شُرَيْحٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ومَقْصُودُ الآَيَةِ: لا تَلْتَفِتْ إلى قَسَمِ مَن أقْسَمَ أنَّهُ يُؤْمِنُ عِنْدَ مَجِيءِ الآَياتِ، فَلَنْ يُؤْمِنَ إلّا مَن سَبَقَ لَهُ القَدَرَ بِالإيمانِ.

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَرَّمَ المَيْتَةَ، قالَ المُشْرِكُونَ لَلْمُؤْمِنِينَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَما قَتَلَ اللَّهُ لَكم أحَقُّ أنَّ تَأْكُلُوهُ مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ، يُرِيدُونَ المَيْتَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكم في أنْ لا تَأْكُلُوا؟ ومَوْضِعُ "أنْ" نُصِبَ لِأنَّ "فِي" سَقَطَتْ، فَوُصِلَ المَعْنى إلى "أنْ" فَنَصَبَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" مَرْفُوعَتانِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ما حَرَّمَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ﴿ما حَرَّمَ﴾ بِضَمِّ الحاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: فَصَّلَ لَكُمُ الحَلّالَ مِنَ الحَرامِ، وأحَلَّ لَكم في الِاضْطِرارِ ما حَرَّمَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم، يَعْنِي: ما بَيَّنَ في [المائِدَةِ] مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، إلى آَخَرِ الآَيَةِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي العَرَبِ يَضِلُّونَ في أمْرِ الذَّبائِحِ وغَيْرِهِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " لَيَضِلُّونِ "، وفي [يُونُسَ: ٨٨]: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا﴾ وفي [إبْراهِيمَ: ٣٠]: ﴿أنْدادًا لِيُضِلُّوا﴾ وفي [الحَجِّ: ٩]: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ﴾، وفي [لُقْمانَ: ٦]: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وفي [الزُّمَرِ:٨]: ﴿أنْدادًا لِيُضِلَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ في هَذِهِ المَواضِعِ السِّتَّةِ؛ وضَمَّهُنَّ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ " . وُفي [يُونُسَ]: " لَيَضِلُّوا " بِالفَتْحِ؛ وضَمَّ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ. فَمَن فَتَحَ، أرادَ: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ومَن ضَمَّ، أرادَ: أنَّهم أضَلُّوا غَيْرَهم، وذَلِكَ أبْلَغُ في الضَّلالِ، لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؟ ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا.

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ في الإثْمِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزِّنا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَهُ: الإعْلانُ بِهِ، وباطِنَهُ: الِاسْتِسْرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. قالَ الضَّحّاكُ: وكانُوا يَرَوْنَ الِاسْتِسْرارَ بِالزِّنا حَلالًا. والثّانِي: أنَّ ظاهِرَهُ نِكاحُ المُحَرَّماتِ، كالأُمَّهاتِ، والبَناتِ، وما نَكَحَ الآَباءُ. وباطِنُهُ: الزِّنا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ إثْمٍ. والمَعْنى: ذَرُوا المَعاصِيَ، سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ وهَذا مَذْهَبُ أبِي العالِيَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزَّجّاجٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: ذَرُوا الإثْمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ الإثْمَ: المَعْصِيَةُ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هاهُنا أمْرٌ خاصٌّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ هاهُنا: نَزْعُ أثْوابِهِمْ، إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ: الزِّنا.

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.