Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

صفحة ٥

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿ولَوْ أنَّنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَتَكُونُ ثَلاثَتُها رَدًّا عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلَخْ، وبَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩])

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ؛ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، والحارِثَ بْنَ حَنْظَلَةَ، مِن أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ أوِ ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا فَنَسْألْهم: أحَقٌّ ما تَقُولُ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتّى يُحْشَرَ قُصَيٌّ فَيُخْبِرُنا بِصِدْقِكَ أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا؛ أيْ: كَفِيلًا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وحَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]) في سُورَةِ الإسْراءِ.

وذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ مِن خَوارِقِ العاداتِ مُسايَرَةً لِمُقْتَرَحاتِهِمْ، لِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يُشِيرُ إلى مَجْمُوعِ ما سَألُوهُ وغَيْرِهِ.

صفحة ٦

والحَشْرُ: الجَمْعُ، ومِنهُ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] وضُمِّنَ مَعْنى البَعْثِ والإرْسالِ فَعُدِّيَ بِـ (عَلى) كَما قالَ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] .

وكُلَّ شَيْءٍ يَعُمُّ المَوْجُوداتِ كُلَّها، لَكِنَّ المَقامَ يُخَصِّصُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا سَألُوهُ، أوْ مِن جِنْسِ خَوارِقِ العاداتِ والآياتِ، فَهَذا مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في رِيحِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] والقَرِينَةُ هي ما ذَكَرَ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾) .

وقَوْلُهُ: (قِبَلًا) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ - وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ والمُواجَهَةِ؛ أيْ: حَشَرْنا كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِيانًا، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ والباءِ وهو لُغَةٌ في (قِبَلَ) بِمَعْنى المُواجَهَةِ والمُعايَنَةِ؛ وتَأوَّلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِتَأْوِيلاتٍ أُخْرى بَعِيدَةٍ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وغَيْرِ مُناسِبَةٍ لِلْمَعْنى.

و﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ هو أشَدُّ مِن (لا يُؤْمِنُونَ) تَقْوِيَةً لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأنَّهم مُعانِدُونَ مُكابِرُونَ غَيْرُ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهم لَوْ طَلَبُوا الحَقَّ بِإنْصافٍ لَكَفَتْهم مُعْجِزَةُ القُرْآنِ، إنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وُضُوحُ الحَقِّ فِيما يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمَعْنى: الإخْبارُ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ في أجْدَرِ الأحْوالِ بِأنْ يُؤْمِنَ لَها مَن يُؤْمِنُ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ انْتِفاءُ إيمانِهِمْ أبَدًا.

ولَوْ هَذِهِ …

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

صفحة ٨

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

اعْتِراضٌ قُصِدَ مِنهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ، والواوُ واوُ الِاعْتِراضِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ، وتَكُونُ لِلرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً بَعْدَ ذِكْرِ ما يُحْزِنُهُ مِن أحْوالِ كُفّارِ قَوْمِهِ، وتَصَلُّبِهم في نَبْذِ دَعْوَتِهِ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ: بِأنَّ هَؤُلاءِ أعْداؤُهُ، وأنَّ عَداوَةَ أمْثالِهِمْ لِمِثْلِهِ سُنَّةً مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في ابْتِلاءِ أنْبِيائِهِ كُلِّهِمْ، فَما مِنهم أحَدٌ إلّا كانَ لَهُ أعْداءٌ، فَلَمْ تَكُنْ عَداوَةُ هَؤُلاءِ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدْعًا مِن شَأْنِ الرُّسُلِ، فَمَعْنى الكَلامِ: ألَسْتَ نَبِيئًا وقَدْ جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا إلى آخِرِهِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ جَعَلْنا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ ”جَعَلْناهُ“ .

وقَوْلُهُ: عَدُوًّا مَفْعُولُ (جَعَلْنا) الأوَّلُ، وقَوْلُهُ: (لِكُلِّ نَبِيءٍ) المَجْرُورُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلْنا) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ؛ إذِ المَقْصُودُ الإعْلامُ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في أنْبِيائِهِ كُلِّهِمْ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّأسِّي والقُدْوَةُ والتَّسْلِيَةُ؛ ولِأنَّ في تَقْدِيمِهِ تَنْبِيهًا مِن أوَّلِ السَّمْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: عَدُوًّا كَيْلا يَخالَ السّامِعُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ﴾ مَفْعُولٌ لِأنَّهُ يُحَوِّلُ الكَلامَ إلى قَصْدِ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الشَّياطِينِ، أوْ عَنْ تَعْيِينِ العَدُوِّ لِلْأنْبِياءِ مَن هو، وذَلِكَ يُنافِي بَلاغَةَ الكَلامِ.

صفحة ٩

وشَياطِينَ بَدَلٌ مِن عَدُوًّا وإنَّما صِيغَ التَّرْكِيبُ هَكَذا: لِأنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ الإخْبارُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ أعْداءٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَمَن أعْرَبَ شَياطِينَ مَفْعُولًا لِـ جَعَلَ و(﴿لِكُلِّ نَبِيءٍ﴾) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ عَدُوًّا فَقَدْ أفْسَدَ المَعْنى.

”والعَدُوُّ“ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، قالَ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

والشَّيْطانُ أصْلُهُ نَوْعٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُجَرَّدَةِ الخَفِيَّةِ، وهو نَوْعٌ مِن جِنْسِ الجِنِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويُطْلَقُ الشَّيْطانُ عَلى المُضَلِّلِ الَّذِي يَفْعَلُ الخَبائِثَ مِنَ النّاسِ عَلى وجْهِ المَجازِ، ومِنهُ شَياطِينُ العَرَبِ لِجَماعَةٍ مِن خَباثِهِمْ، مِنهم: ناشِبٌ الأعْوَرُ، وابْنُهُ سَعْدُ بْنُ ناشِبٍ الشّاعِرُ، وهَذا عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.

والإنْسُ: الإنْسانُ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأنُّسِ والإلْفِ؛ لِأنَّ البَشَرَ يَأْلَفُ بِالبَشَرِ ويَأْنَسُ بِهِ، فَسَمّاهُ إنْسًا وإنْسانًا.

و(﴿شَياطِينَ الإنْسِ﴾) اسْتِعارَةٌ لِلنّاسِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ فِعْلَ الشَّياطِينِ مِن مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ، وإضافَةُ شَياطِينَ إلى الإنْسِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ مَجازًا، بِناءً عَلى الِاسْتِعارَةِ …

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾

عُطِفَ قَوْلُهُ: ولِتَصْغى عَلى (غُرُورًا) لِأنَّ (غُرُورًا) في مَعْنى لِيَغُرُّوهم، واللّامُ لامُ كَيْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ أيْ: ولَصَغْيِ؛ أيْ: مَيْلُ قُلُوبِهِمْ إلى وحْيِهِمْ، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ.

صفحة ١٢

ومَعْنى تَصْغى تَمِيلُ، يُقالُ: صَغى يَصْغى صَغْيًا، ويَصْغُو صَغْوًا - بِالياءِ وبِالواوِ - ووَرَدَتِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِهِ - بِالياءِ - لِأنَّهُ رُسِمَ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ الياءِ، وحَقِيقَتُهُ المَيْلُ الحِسِّيُّ؛ يُقالُ: صَغى؛ أيْ: مالَ، وأصْغى أمالَ. وفي حَدِيثِ الهِرَّةِ: أنَّهُ أصْغى إلَيْها الإناءَ، ومِنهُ أطْلَقَ: أصْغى بِمَعْنى اسْتَمَعَ؛ لِأنَّ أصْلَهُ أمالَ سَمْعَهُ أوْ أُذُنَهُ، ثُمَّ حَذَفُوا المَفْعُولَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهو هُنا مَجازٌ في الِاتِّباعِ وقَبُولِ القَوْلِ.

﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١٥٠] هُمُ المُشْرِكُونَ وخَصَّ مِن صِفاتِ المُشْرِكِينَ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، فَعُرِّفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِلْإيماءِ إلى بَعْضِ آثارِ وحْيِ الشَّياطِينِ لَهم، وهَذا الوَصْفُ أكْبَرُ ما أضَرَّ بِهِمْ، إذْ كانُوا بِسَبَبِهِ لا يَتَوَخَّوْنَ فِيما يَصْنَعُونَ خَشْيَةَ العاقِبَةِ وطَلَبِ الخَيْرِ، بَلْ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم وما يُزَيَّنُ لَهم مِن شَهَواتِهِمْ، مُعْرِضِينَ عَمّا في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ والكُفْرِ؛ إذْ لا يَتَرَقَّبُونَ جَزاءً عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلِذَلِكَ تَصْغى عُقُولُهم إلى غُرُورِ الشَّياطِينِ، ولا تَصْغى إلى دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ والصّالِحِينَ.

وعُطِفُ ولْيَرَضَوْهُ عَلى ولِتَصْغى وإنْ كانَ الصَّغْيُ يَقْتَضِي الرِّضى ويُسَبِّبُهُ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، وأنْ لا تُكَرَّرَ لامُ التَّعْلِيلِ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالتَّعْلِيلِ، فَعُطِفَ بِالواوِ وأُعِيدَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ صَغْيَ أفْئِدَتِهِمْ إلَيْهِ ما كانَ يَكْفِي لِعَمَلِهِمْ بِهِ إلّا لِأنَّهم رَضَوْهُ.

وعَطْفُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ عَلى ولِيَرْضَوْهُ كَعَطْفِ ولِيَرْضَوْهُ عَلى ( ولِتَصْغى.

والِاقْتِرافُ افْتِعالُ مِن قَرَفَ إذا كَسَبَ سَيِّئَةً، قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] فَذَكَرَ هُنالِكَ لِيَكْسِبُونَ مَفْعُولًا؛ لِأنَّ الكَسْبَ يَعُمُّ الخَيْرَ والشَّرَّ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا

صفحة ١٣

لِـ (يَقْتَرِفُونَ) مَفْعُولًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا اكْتِسابَ الشَّرِّ، ولَمْ يَقُلْ: سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ مَعْنى الإثْمِ.

يُقالُ: قَرِفَ واقْتَرَفَ وقارَفَ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ ذَمِيمٍ، وحَكَوْا أنَّهُ يُقالُ: قَرِفَ فُلانٌ لِعِيالِهِ؛ أيْ: كَسِبَ، ولا أحْسِبُهُ صَحِيحًا.

وجِيءَ في صِلَةِ المَوْصُولِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِمْ في ذَلِكَ الِاقْتِرافِ وثَباتِهِمْ فِيهِ.

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهْوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنْزَلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ بِخِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ بِتَقْدِيرِ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أيْ: يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ عَنْ تَصارِيفِ عِنادِ المُشْرِكِينَ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ في طَلَبِ الآياتِ الخَوارِقِ؛ إذْ جَعَلُوها حَكَمًا بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صِدْقِ دَعْوَتِهِ، وبَعْدَ أنْ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم وتَرْكِهم وما يَفْتَرُونَ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ ما كَلَّفَهُ أنْ يَكُونَ وكِيلًا لِإيمانِهِمْ، وبِأنَّهم سَيَرْجِعُونَ إلى رَبِّهِمْ فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخاطِبَهم خِطابًا كالجَوابِ عَنْ أقْوالِهِمْ وتَوَرُّكاتِهِمْ، فَيُفَرَّعُ عَلَيْها أنَّهُ لا يَطْلُبُ حاكِمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي إلَيْهِ مَرْجِعُهم،

صفحة ١٤

وأنَّهم إنْ طَمِعُوا في غَيْرِ ذَلِكَ مِنهُ فَقَدْ طَمِعُوا مُنْكَرًا، فَتَقْدِيرُ القَوْلِ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

والفاءُ لِتَفْرِيعِ الجَوابِ عَنْ مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ ومُقْتَرَحاتِهِمْ، فَهو مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ بِالفاءِ، كَما جاءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] ومِنهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] فَكَأنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ إلى التَّحاكُمِ في شَأْنِ نُبُوءَتِهِ بِحُكْمِ ما اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، فَأجابَهم بِأنَّهُ لا يَضَعُ دِينَ اللَّهِ لِلتَّحاكُمِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإنْكارُ أنْ يُحَكِّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ ظاهِرٌ بِإنْزالِ الكِتابِ مُفَصَّلًا بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ في نُفُوسِهِمْ، ومِن مُوجِباتِ التَّقْدِيمِ كَوْنِ المُقَدَّمِ يَتَضَمَّنُ جَوابًا لِرَدِّ طَلِبٍ طَلَبَهُ المُخاطَبُ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ؛ أيْ: ظَنَنْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَنَنْتُمْ مُنْكَرًا.

وتَقْدِيمُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ عَلى ”أبْتَغِي“ لِأنَّ المَفْعُولَ هو مَحَلُّ الإنْكارِ، فَهو الحَقِيقُ بِمُوالاةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والحَكَمُ: الحاكِمُ المُتَخَصِّصُ بِالحُكْمِ الَّذِي لا يُنْقَضُ حُكْمُهُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الحاكِمِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الحَكَمُ، ولَمْ يَكُنْ مِنها: الحاكِمُ. وانْتَصَبَ حَكَمًا عَلى الحالِ.

والمَعْنى: لا أطْلُبُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ حُكْمَهُ عَلَيْكم بِأنَّكم أعْداءٌ مُقْتَرِفُونَ.

صفحة ١٥

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الِابْتِغاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ …

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

صفحة ١٨

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ؛ إذِ التَّقْدِيرُ قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا، بِاعْتِبارِ ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]) فَلَمّا وُصِفَ الكِتابُ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، ووُصِفَ بِوُضُوحِ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]) ثُمَّ بِشَهادَةِ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] أعْلَمَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ هَذا الكِتابَ تامُّ الدَّلالَةِ، ناهِضُ الحُجَّةِ، عَلى كُلِّ فَرِيقٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، صادِقٌ وعْدُهُ ووَعِيدُهُ، عادِلٌ أمْرُهُ ونَهْيُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَما سَنُبَيِّنُهُ.

والمُرادُ بِالتَّمامِ مَعْنًى مَجازِيٌّ إمّا بِمَعْنى بُلُوغِ الشَّيْءِ إلى أحْسَنِ ما يَبْلُغُهُ مِمّا يُرادُ مِنهُ، فَإنَّ التَّمامَ حَقِيقَتُهُ كَوْنُ الشَّيْءِ وافِرًا أجْزاءَهُ، والنُّقْصانُ كَوْنُهُ فاقِدًا بَعْضَ أجْزائِهِ، فَيُسْتَعارُ لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ الَّتِي تُرادُ مِن نَوْعِهِ؛ وإمّا بِمَعْنى التَّحَقُّقِ فَقَدْ يُطْلَقُ التَّمامُ عَلى حُصُولِ المُنْتَظَرِ وتَحَقُّقِهِ، يُقالُ: تَمَّ ما أخْبَرَ بِهِ فُلانٌ، ويُقالُ: أتَمَّ وعْدَهُ؛ أيْ: حَقَّقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ: عَمِلَ بِهِنَّ دُونَ تَقْصِيرٍ ولا تَرَخُّصٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] أيْ: ظَهَرَ وعْدُهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآيَةَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ: مُحَقِّقٌ دِينَهُ ومُثَبِّتُهُ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الإتْمامَ في مُقابَلَةِ الإطْفاءِ المُسْتَعْمَلِ في الإزالَةِ مَجازًا أيْضًا.

وقَوْلُهُ: كَلِماتُ رَبِّكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ: (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِماتِ أوِ الكَلِمَةِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ

صفحة ١٩

ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ، وهو الأظْهَرُ المُناسِبُ لِجَعْلِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١١٤] فَأمّا عَلى قِراءَةِ الإفْرادِ فَإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو مِن كَلامِهِ وقَوْلِهِ، والكَلِمَةُ والكَلامُ يَتَرادَفانِ، ويَقُولُ العَرَبُ كَلِمَةُ زُهَيْرٍ، يَعَنُونَ قَصِيدَتَهُ، وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ (الكَلِماتُ) عَلى الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]) أيْ: كُتُبِهِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَلِماتِ بِالجَمْعِ فَإطْلاقُها عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنْواعِ أغْراضِهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ …

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾

أعْقَبَ ذِكْرَ عِنادِ المُشْرِكِينَ، وعَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ، ووِلايَتِهِمْ لِلشَّياطِينِ، ورِضاهم بِما تُوَسْوِسُ لَهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، واقْتِرافِهِمِ السَّيِّئاتِ طاعَةً

صفحة ٢٣

لِأوْلِيائِهِمْ، وما طَمْأنَ بِهِ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ مِن أنَّهُ لَقِيَ سُنَّةَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن آثارِ عَداوَةِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، بِذِكْرِ ما يُهَوِّنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ ما يَرَوْنَهُ مِن كَثْرَةِ المُشْرِكِينَ وعِزَّتِهِمْ، ومِن قِلَّةِ المُسْلِمِينَ وضَعْفِهِمْ، مَعَ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِمْ، والإرْشادِ إلى مُخالَفَتِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى رَأْيِهِمْ؛ لِأنَّهم يُضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأمْرِهِمْ بِأنْ يَلْزَمُوا ما يُرْشِدُهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ. فَجُمْلَةُ ﴿وإنْ تُطِعْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]) وبِجُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] وما بَعْدَها إلى ( ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] .

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمَقْصُودُ بِهِ المُسْلِمُونَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .

وجِيءَ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ في الشَّرْطِ النّادِرِ الوُقُوعِ، أوِ المُمْتَنَعِ إذا كانَ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ كَما يُفْرَضُ المُحالُ، والظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أيَسُوا مِنِ ارْتِدادِ المُسْلِمِينَ، كَما أنْبَأ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ، جَعَلُوا يُلْقُونَ عَلى المُسْلِمِينَ الشُّبَهَ والشُّكُوكَ في أحْكامِ دِينِهِمْ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذا: ( ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

وقَدْ رَوى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ: «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها - يُرِيدُونَ أكْلَ الشّاةِ إذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها دُونَ ذَبْحٍ - قالَ: اللَّهُ قَتَلَها، فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ، وما قَتَلَ الكَلْبُ والصَّقْرُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ ! فَوَقَعَ في نَفْسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ» .

وفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ: أتى أُناسٌ النَّبِيءَ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَأْكَلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ

صفحة ٢٤

فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]) الآيَةَ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، فَمِن هَذا ونَحْوِهِ حَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن هَؤُلاءِ، وثَبَّتَهم عَلى أنَّهم عَلى الحَقِّ، وإنْ كانُوا قَلِيلًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] .

والطّاعَةُ: اسْمٌ لِلطَّوْعِ الَّذِي هو مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، بِمَعْنى انْقادَ، وفِعْلُ ما يُؤْمَرُ بِهِ عَنْ رِضا دُونَ مُمانَعَةٍ، فالطّاعَةُ ضِدُّ الكُرْهِ، ويُقالُ: طاعَ وأطاعَ، وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في قَبُولِ القَوْلِ، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «فَإنْ هم طاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ …

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦] لِأنَّ مَضْمُونَهُ التَّحْذِيرُ مِن نَزَغاتِهِمْ وتَوَقُّعُ التَّضْلِيلِ مِنهم، وهو يَقْتَضِي أنَّ المُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ الِاهْتِداءَ، فَلْيَجْتَنِبُوا الضّالِّينَ، ولْيَهْتَدُوا بِاللَّهِ الَّذِي يَهْدِيهِمْ، وكَذَلِكَ شَأْنُ (إنَّ) إذا جاءَتْ في خَبَرٍ لا يَحْتاجُ لِرَدِّ الشَّكِّ أوِ الإنْكارِ، (أنَّ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ

صفحة ٢٩

الخَبَرِ ووَصْلَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ، وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ، ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى بَيانِ ضَلالِ الضّالِّينَ، وهُدى المُهْتَدِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ تِلْكَ الأغْراضِ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، وإظْهارِ أنَّ هَدْيَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الهُدى، وأنَّ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مُضِلُّونَ لا حَظَّ لَهم في الهُدى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا اللَّهَ رَبًّا لَهم، وقَدْ «قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أجِيبُوهُ قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم» .

وأعْلَمُ اسْمُ تَفْضِيلٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ أحَدٌ مِنَ الضّالِّينَ، ولا أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ، وأنَّ غَيْرَ اللَّهِ قَدْ يَعْلَمُ بَعْضَ المُهْتَدِينَ وبَعْضَ المُضِلِّينَ، ويَفُوتُهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَخْفى عَلَيْهِ دَخِيلَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ ضَمِيرُ الفَصْلِ، لِإفادَةِ قَصْرِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، فالأعْلَمِيَّةُ بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، ووَجْهُ هَذا القَصْرِ أنَّ النّاسَ لا يَشُكُّونَ في أنَّ عِلْمَهم بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ عِلْمٌ قاصِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا عَلِمَ بَعْضَ أحْوالِ النّاسِ تَخْفى عَلَيْهِمْ أحْوالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وكُلُّهم يَعْلَمُ قُصُورَ عِلْمِهِ، ويَتَحَقَّقُ أنَّ ثَمَّةَ مَن هو أعْلَمُ مِنَ العالِمِ مِنهم، لَكِنَّ المُشْرِكِينَ يَحْسَبُونَ أنَّ الأعْلَمِيَّةَ وصْفٌ لِلَّهِ تَعالى ولِآلِهَتِهِمْ، فَنُفِيَ بِالقَصْرِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يُشارِكُ اللَّهَ في وصْفِ الأعْلَمِيَّةِ المُطْلَقَةِ.

و(مَن) مَوْصُولَةٌ، وإعْرابُها نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ وُجُودُ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ

صفحة ٣٠

لا يَنْصِبُ بِنَفْسِهِ مَفْعُولًا بِهِ لِضَعْفِ شَبَهِهِ بِالفِعْلِ، بَلْ إنَّما يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ أوْ بِاللّامِ أوْ بِإلى، ونَصْبُهُ المَفْعُولَ نادِرٌ، وحَقُّهُ هُنا أنْ يُعَدّى بِالباءِ، فَحُذِفَتِ الباءُ إيجازَ حَذْفٍ، تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ.

وإنَّما حُذِفَ الحَرْفُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وأُظْهِرَ في الثّانِيَةِ دُونَ العَكْسِ، مَعَ أنَّ شَأْنَ القَرِينَةِ أنْ تَتَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُضافُ إلى جَمْعٍ يَكُونُ المُفَضَّلُ واحِدًا مِنهم، نَحْوُ: هو أعْلَمُ العُلَماءِ وأكْرَمُ الأسْخِياءِ، فَلَمّا كانَ المَنصُوبانِ فِيهِما غَيْرُ ظاهِرٍ عَلَيْهِما الإعْرابُ، يَلْتَبِسُ المَفْعُولُ بِالمُضافِ إلَيْهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَبِسٍ في الجُمْلَةِ الأُولى؛ …

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

هَذا تَخَلُّصٌ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وبَيانُ ضَلالِهِمُ المُذَيَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧]، انْتَقَلَ الكَلامُ مِن ذَلِكَ إلى تَبْيِينِ شَرائِعِ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ، وإبْطالِ شَرائِعَ شَرَّعَها المُضِلُّونَ، تَبْيِينًا يُزِيلُ التَّشابُهَ والِاخْتِلاطَ، ولِذَلِكَ خُلِّلَتِ الأحْكامُ المَشْرُوعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأضْدادِها الَّتِي كانَ شَرَّعَها المُشْرِكُونَ وسَلَفُهم.

وما تُشْعِرُ بِهِ الفاءُ مِنَ التَّفْرِيعِ يَقْضِي بِاتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]

صفحة ٣١

تَضَمَّنَ إبْطالَ ما ألْقاهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الشُّبْهَةِ عَلى المُسْلِمِينَ في تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ تَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَ الكَلْبُ والصَّقْرُ حَلالٌ أكْلُهُ، وأنَّ ما قَتَلَ اللَّهُ حَرامٌ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ فَلَمّا نَهى اللَّهُ عَنِ اتِّباعِهِمْ، وسَمّى شَرائِعَهم خَرْصًا، فَرَّعَ عَلَيْهِ هُنا الأمْرَ بِأكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أيْ: عِنْدَ قَتْلِهِ؛ أيْ: ما نُحِرَ أوْ ذُبِحَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والنَّهْيُ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ومِنهُ المَيْتَةُ، فَإنَّ المَيْتَةَ لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَةِ ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

فَتَبَيَّنَ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المُرادِ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ: فَكُلُوا لِلْإباحَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنَّ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَحْرُمُ أكْلُهُ؛ لِأنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُسْلِمِينَ ولا عِنْدَ المُشْرِكِينَ، عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإباحَةِ لَيْسَ رَفْعَ الحَرَجِ، ولَكِنْ بَيانُ ما هو المُباحُ، وتَمْيِيزُهُ عَنْ ضِدِّهِ مِنَ المَيْتَةِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُّبِ، والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المَوْصُولَ صادِقٌ عَنِ الذَّبِيحَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَذْكُرُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ أوِ النَّحْرِ اسْمَ المَقْصُودِ بِتِلْكَ الذَّكاةِ، يَجْهَرُونَ بِذِكْرِ اسْمِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ: ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أيْ: أُعْلِنَ، والمَعْنى كُلُوا المُذَكّى ولا تَأْكُلُوا المَيْتَةَ، فَما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كِنايَةً عَنِ المَذْبُوحِ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ إنَّما تَكُونُ عِنْدَ الذَّبْحِ.

وتَعْلِيقُ فِعْلِ الإباحَةِ بِما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أفْهَمَ أنَّ غَيْرَ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا يَأْكُلُهُ المُسْلِمُونَ، وهَذا الغَيْرُ يُساوِي مَعْناهُ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ عادَتَهم أنْ يَذْبَحُوا ذَبِيحَةً إلّا ذَكَرُوا عَلَيْها اسْمَ اللَّهِ، إنْ كانَتْ هَدْيًا في الحَجِّ، أوْ ذَبِيحَةً لِلْكَعْبَةِ، وإنْ كانَتْ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ

صفحة ٣٢

أوْ لِلْجِنِّ ذَكَرُوا عَلَيْها اسْمَ المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مُفِيدًا النَّهْيَ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ …

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] . والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.

و(ما) لِلِاسْتِفْهامِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: لا يَثْبُتُ لَكم عَدَمُ الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أيْ: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنْ (ما) أيْ: ما اسْتَقَرَّ لَكم.

وأنْ لا تَأْكُلُوا مَجْرُورٌ بِـ ”في“ مَحْذُوفَةٌ مَعَ أنَّ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وتَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ وجْهِ عَطْفِ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ، ولا عَنِ الدّاعِي إلى هَذا الخِطابِ، سِوى ما نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ في حاشِيَةِ التَّفْسِيرِ عَمَّنْ لَقَّبَهُ عَلَمَ الهُدى، ولَعَلَّهُ عَنى بِهِ الشَّرِيفَ المُرْتَضى: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ، تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا. ا هـ.

ولَعَلَّهُ يُرِيدُ تَزَهُّدًا عَنْ أكْلِ اللَّحْمِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اسْتِطْرادًا بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ، ولا أحْسَبُ

صفحة ٣٤

ما قالَهُ هَذا المُلَقَّبُ بِعَلَمِ الهُدى صَحِيحًا ولا سَنَدَ لَهُ أصْلًا، قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَفَّ عَنْ أكْلِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ الذَّبائِحِ والوَجْهُ عِنْدِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ، لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَ المَيْتَةِ أنَأْكَلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ يَعْنُونَ المَيْتَةَ، فَوَقَعَ في أنْفُسِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِإبْطالِ قِياسِ المُشْرِكِينَ المُمَوِّهِ بِأنَّ المَيْتَةَ أوْلى بِالأكْلِ مِمّا قَتَلَهُ الذّابِحُ بِيَدِهِ، فَأبْدى اللَّهُ لِلنّاسِ الفَرْقَ بَيْنَ المَيْتَةِ والمُذَكّى، بِأنَّ المُذَكّى ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والمَيْتَةَ لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وهو فارِقٌ مُؤَثِّرٌ.

وأعْرِضْ عَنْ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الخِطابَ مَسُوقٌ إلى المُسْلِمِينَ لِإبْطالِ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ فَآلَ إلى الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ في الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إذْ قالَ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، فَيَنْقَلِبُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: وما لَكم أنْ لّا تَأْكُلُوا إلى مَعْنى لا يُسَوِّلْ لَكُمُ المُشْرِكُونَ أكْلَ المَيْتَةِ؛ لِأنَّكم تَأْكُلُونَ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هَذا ما قالُوهُ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ عَنْ مَوْقِعِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَصُدُّكم شَيْءٌ مِن كُلِّ ما …

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى: إنْ أرَدْتُمُ الزُّهْدَ والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ فَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِتَرْكِ الإثْمِ، لا بِتَرْكِ المُباحِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى فِعْلِ (ذَرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] . في هَذِهِ السُّورَةِ، والإثْمُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الإثْمِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّهُ في المَعْنى تَعْرِيفٌ لِلظّاهِرِ ولِلْباطِنِ مِنهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ تَعْمِيمُ أفْرادِ الإثْمِ لِانْحِصارِها في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، كَما يُقالُ: المَشْرِقُ والمَغْرِبُ والبَرُّ والبَحْرُ، لِقَصْدِ اسْتِغْراقِ الجِهاتِ.

وظاهِرُ الإثْمِ ما يَراهُ النّاسُ، وباطِنُهُ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ ويَقَعُ في السِّرِّ، وقَدِ اسْتَوْعَبَ هَذا الأمْرَ تَرْكُ جَمِيعِ المَعاصِي، وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ يُراءُونَ النّاسَ بِعَمَلِ الخَيْرِ، فَإذا خَلَوُا ارْتَكَبُوا الآثامَ، وفي بَعْضِهِمْ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] .

* * *

صفحة ٣٨

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الإثْمِ، وإنْذارٌ وإعْذارٌ لِلْمَأْمُورِينَ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) وهي في مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ أيْ: مَقامِ تَعْقِيبِ الأمْرِ أوِ الإخْبارِ تُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وتُغْنِي عَنِ الفاءِ، ومِثالُها المَشْهُورُ قَوْلُ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

وإظْهارُ لَفْظِ الإثْمِ في مَقامِ إضْمارِهِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَهُ لِزِيادَةِ التَّنْدِيدِ بِالإثْمِ، ولِيَسْتَقِرَّ في ذِهْنِ السّامِعِ أكْمَلَ اسْتِقْرارٍ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَسِيرَ مَسِيرَ الأمْثالِ والحِكَمِ.

وحَرْفُ السِّينِ - المَوْضُوعُ لِلْخَبَرِ المُسْتَقْبَلِ - مُسْتَعْمَلٌ هُنا في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ واسْتِمْرارِهِ.

ولَمّا جاءَ في المُذْنِبِينَ فِعْلُ يَكْسِبُونَ المُتَعَدِّي إلى الإثْمِ، جاءَ في صِلَةِ جَزائِهِمْ بِفِعْلِ يَقْتَرِفُونَ؛ لِأنَّ الِاقْتِرافَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ بِهِ اكْتِسابُ الإثْمِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] .

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.