Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

جملة { وَلَوْ أَنَّنَا } معطوفة على جملة { وما يُشعركم } [ الأنعام : 109 ] باعتبار كون جملة { وما يُشعركم عطفاً على جملة قل إنّما الآيات عند الله } [ الأنعام : 109 ] ، فتكون ثلاثتها ردّا على مضمون جملة { وأقسموا بالله جَهْد أيمانهم لئن جاءتهم آية } [ الأنعام : 109 ] إلخ ، وبيانا لجملة { وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون } [ الأنعام : 109 ].روى عن ابن عبّاس : أنّ المستهزئين ، الوليدَ بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، والأسودَ بن عَبْدِ يغوثَ ، والأسودَ بنَ المطّلب ، والحارثَ بن حنظلة ، من أهل مكّة . أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَهْط من أهل مكّة فقالوا : " أرِنا الملائكةَ يشهدون لك أوْ ابعث لنا بعض موتانا فنسألهم : أحقّ ما تقول " وقيل : إن المشركين قالوا : «لا نؤمن لك حتَّى يُحشر قُصَيٌ فيُخبِرَنا بصِدْقك أو ائتِنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً » فنزل قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } للردّ عليهم . وحكى الله عنهم { وقالوا لن نؤمن لك إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلا في سورة الإسراء : ( 90 92 ). وذَكر ثلاثة أشياء من خوارق العادات مسايرة لمقترحاتهم ، لأنَّهم اقترحوا ذلك .وقوله : وحَشَرنا عليهم كلّ شيء } يشير إلى مجموع ما سألوه وغيرِه . والحَشر : الجمع ، ومنه : { وحُشر لسليمان جنوده } [ النمل : 17 ]. وضمّن معنى البعث والإرسَاللِ فعُدّي بعلَى كما قال تعالى : { بعثنا عليكم عباداً لنا } [ الإسراء : 5 ]. و { كل شيء } يعمّ الموجودات كلّها . لكن المقام يخصّصه بكلّ شيء ممّا سألوه ، أو من جنس خوارق العادات والآيات ، فهذا من العام المراد به الخصوص مثل قوله تعالى ، في ريح عاد { تدمر كل شيء بأمر ربها } [ الأحقاف : 25 ] والقرينة هي ما ذكر قبله من قوله : { ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى }.وقوله : { قِبَلاً } قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر بكسر القاف وفتح الباء ، وهو بمعنى المقابلة والمواجهة ، أي حشرنا كلّ شيء من ذلك عياناً . وقرأه الباقون بضمّ القاف والباء وهو لغة في قِبَل بمعنى المواجهة والمعاينة؛ وتأوّلها بعض المفسّرين بتأويلات أخرى بعيدة عن الاستعمال ، وغير مناسبة للمعنى .و { ما كانوا ليؤمنوا } هو أشدّ من ( لا يؤمنون ) تقوية لنفي إيمانهم ، مع ذلك كلّه ، لأنَّهم معاندون مكابرون غير طالبين للحقّ ، لأنَّهم لو طَلَبوا الحقّ بإنصاف لكفتْهم معجزة القرآن ، إنْ لَمْ يكفهم وضوح الحقّ فيما يدْعُو إليه الرّسول عليه الصلاة والسلام . فالمعنى : الإخبار عن انتفاء إيمانهم في أجدر الأحوال بأن يؤمن لها من يؤمن ، فكيف إذا لم يكن ذلك . والمقصود انتفاء إيمانهم أبداً .{ ولو } هذه هي المسماة { لَوْ } الصهيبية ، وسنشرح القول فيها عند قوله تعالى : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } في سورة الأنفال ( 23 ).وقوله : { إلا أن يشاء الله } استثناء من عموم الأحوال التي تضمّنها عموم نفي إيمانهم ، فالتّقدير : إلاّ بمشيئة الله ، أي حال أن يشاء الله تغيير قلوبهم فيؤمنوا طوعاً ، أو أن يكرههم على الإيمان بأن يسلّط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم كما أراد الله ذلك بفتح مكّة وما بعده .ففي قوله : { إلا أن يشاء الله } تعريض بوعد المسلمين بذلك ، وحذفت الباء مع «أنْ» .ووقع إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار : لأنّ اسم الجلالة يوميء إلى مقام الإطلاق وهو مقامُ { لا يُسأل عمّا يفعل } [ الأنبياء : 23 ] ، ويومىء إلى أنّ ذلك جرى على حسب الحكمة لأنّ اسم الجلالة يتضمّن جميع صفات الكمال .والاستدراك بقوله : { ولكن أكثرهم يجهلون } راجع إلى قوله : { إلا أن يشاء الله } المقتضي أنّهم يؤمنون إذا شاء الله إيمانهم : ذلك أنَّهم ما سألوا الآيات إلاّ لتوجيه بقائهم على دينهم ، فإنَّهم كانوا مصمّمين على نبذ دعوة الإيمان ، وإنَّما يتعلَّلون بالعلل بطلب الآيات استهزاء ، فكان …

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض ، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة ، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه ، وتصلبّهم في نبذ دعوته ، فأنبأه الله : بأنّ هؤلاء أعداؤه ، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم ، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء ، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل . فمعنى الكلام : ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا إلى آخره .والإشارة بقوله : { وكذلك } إلى الجعل المأخوذ من فعل { جعلنا } كما تقدّم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } [ البقرة : 143 ]. فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل { جعلنا }.وقوله : { عدواً } مفعول { جعلنا } الأوّل ، وقوله : { لكل نبي } المجرور مفعول ثان ل { جعلنا } وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به ، لأنّه الغرض المقصود من السّياق ، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم ، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية؛ ولأن في تقديمه تنبيهاً من أول السمع على أنه خبر ، وأنه ليس متعلّقا بقوله : { عدواً } كيلا يخال السّامع أنّ قوله : { شياطين الإنس } مفعول لأنّه يُحَوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين ، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو ، وذلك ينافي بلاغة الكلام .و { شياطين } بدل من { عدواً } وإنَّما صيغ التّركيب هكذا : لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب { شياطين } مفعولاً ل { جَعل } و { لكل نبي } ظرفاً لغواً متعلِّقاً ب { عدوّا } فقد أفسد المعنى .والعَدُوّ : اسم يقع على الواحد والمعتددّ ، قال تعالى : { هم العدوّ فاحذرهم } [ المنافقون : 4 ] وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدوّ لكم } في سورة النساء ( 92 ).والشّيطان أصله نوع من الموجودات المجرّدة الخفية ، وهو نوع من جنس الجنّ ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان } [ البقرة : 102 ]. ويطلق الشّيطان على المضلّل الّذي يفعل الخبائث من النّاس على وجه المجاز . ومنه «شياطين العرب» لجماعة من خباثهم ، منهم : ناشب الأعور ، وابنُه سعد بن ناشب الشّاعر ، وهذا على معنى التّشبيه ، وشاع ذلك في كلامهم .والإنس : الإنسان وهو مشتقّ من التأنّس والإلْف ، لأنّ البشر يألف بالبشر ويأنس به ، فسمّاه إنساً وإنساناً .و«شياطين الإنس» استعارة للنّاس الّذين يفعلون فعل الشّياطين : من مكر وخديعة . وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير ( مِن ) التبعيضية مجازا ، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين ، فهم شياطين ، وهم بعض الإنس ، أي أنّ الإنس : لهم أفراد متعارفة ، وأفراد غير متعارفة يطلق عليهم اسم الشّياطين ، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخصّ من وجهٍ إلى الأعمّ من وجهٍ ، وشياطين الجنّ حقيقة ، والإضافة حقيقة ، لأنّ الجنّ منهم شياطين ، ومنهم غير شياطين ، ومنهم صالحون ، وعداوة شياطين الجنّ للأنبياء ظاهرة ، وما جاءت الأنبياء إلاّ للتحذير من فعل الشّياطين ، وقد قال الله تعالى لآدم :{ إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك } [ طه : 117 ].وجملة { يوحى } في موضع الحال ، يتقيّد بها الجَعل المأخوذ من { جعلنا } فهذا الوحي من تمام المجعول .والوحي : الكلام الخفي ، كالوسوسة ، وأريد به ما يشمل إلقاء الوسوسة في النّفس من حديث يُزوّر في صورة الكلام . والبعض الموحي : هو شياطين الجنّ ، يُلقون خواطر المقدرة على تعليم الشرّ إلى شياطين الإنس ، فيكونون زعماء لأهل الشرّ والفساد .والزّخرف : الزّينة ، وسمّي الذهب زُخرفاً لأنَّه يتزيَّن به حَلياً ، وإضافة الزخرف إلى القول من إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أي القول الزُخرف : أي المُزَخْرَف ، وهو من الوصف …

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

عُطف قوله : { ولتصغى } على { غروراً } [ الأنعام : 112 ] لأنّ { غروراً } في معنى ليغرّوهم . واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر ، أي ولصغى ، أي مَيل قلوبهم إلى وحيِهم فتقوم عليهم الحجّة . ومعنى { تصغى } تميل ، يقال : صَغَى يَصغى صَغْياً ، ويَصْغُو صَغواً بالياء وبالواو ووردت الآية على اعتباره بالياء لأنّه رسم في المصحف بصورة الياء . وحقيقته المَيل الحسي ، يقال : صَغى ، أي مال ، وأصغى أمال . وفي حديث الهِرّة : أنّه أصغى إليها الإناءَ ، ومنه أطلق : أصغى بمعنى استمع ، لأنّ أصله أمال سمعه أو أذُنه ، ثمّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال . وهو هنا مجاز في الاتّباع وقبول القول .والَّذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون . وخصّ من صفات المشركين عدمُ إيمانهم بالآخرة ، فعُرّفوا بهذه الصّلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشّياطين لهم . وهذا الوصف أكبر ما أضرّ بهم ، إذ كانوا بسببه لا يتوخّون فيما يصنعون خشية العاقبة وطلَبَ الخير ، بل يتَّبعون أهواءهم وما يُزيَّن لهم من شهواتهم ، معرضين عمّا في خلال ذلك من المفاسد والكفرِ ، إذ لا يترقَّبون جزاء عن الخير والشرّ ، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشَّياطين . ولا تصغَى إلى دعوة النَّبيء صلى الله عليه وسلم والصّالحين .وعطف { وليرضوه } على { ولتصغى } ، وإن كان الصّغْي يقتضي الرّضى ويسبّبه فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء وأن لا تكرّر لام التّعليل ، فخولف مقتضى الظاهر ، للدلالة على استقلاله بالتّعليل ، فعطف بالواو وأعيدت اللاّم لتأكيد الاستقلال ، فيدل على أن صَغى أفئدتهم إليه ما كان يكفي لعملهم به إلاّ لأنَّهم رَضُوه .وعطْفُ { وليقترفوا ما هم مقترفون } على وليرضوه كعطف وليرضوه على { ولتصغى }.والاقتراف افتعال من قرف إذا كسب سيئة ، قال تعالى بعد هذه الآية : { إنّ الذين يكسبون الإثم سيُجْزون بما كانوا يقترفون } [ الأنعام : 120 ] فذكَرَ هنالك لِ { يكسبون } مفعولا لأنّ الكسب يعمّ الخير والشرّ ، ولم يذكر هنا ل { يقترفون } مفعولاً لأنّه لا يكون إلاّ اكتساب الشرّ ، ولم يقل : سيُجزْون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم . يقال : قرف واقترف وقارف . وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة ، وهذه المادة تؤذن بأمر ذميم . وحكوا أنَّه يقال : قَرف فلان لِعِيالِه ، أي كسب ، ولا أحسبه صحيحاً .وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسميّة في قوله : { ما هم مقترفون } للدلالة على تمكّنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه .

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

استئناف بخطاب من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير الأمر بالقول بقرينة السّياق كما في قوله تعالى : { لا نفرّق بين أحد من رسله } [ البقرة : 285 ] أي يقولون . وقوله المتقدّم آنفاً { قد جاءكم بصائر من ربكم } [ الأنعام : 104 ] بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين ، وتكذيبهم . وتعنّتهم في طلب الآيات الخوارق ، إذ جعلوها حكَماً بينهم وبين الرّسول عليه الصلاة والسلام في صدق دعوته ، وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام ، وافترائهم عليه ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركِهم وما يفترون ، وأعلمَه بأنَّه ما كلَّفه أن يكون وكيلاً لإيمانهم ، وبأنَّهم سيَرجعون إلى ربّهم فينبّئهم بما كانوا يعملون ، بعد ذلك كلّه لَقَّن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطاباً كالجواب عن أقوالهم وتورّكاتهم ، فيفرّع عليها أنّه لا يطلب حاكماً بينه وبينهم غير الله تعالى ، الّذي إليه مرجعهم ، وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكراً ، فتقدير القول متعيّن لأنّ الكلام لا يناسب إلاّ أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام .والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقتَرحاتهم ، فهو من عطف التّلقين بالفاء : كما جاء بالواو في قوله تعالى : { قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذريّتي } [ البقرة : 124 ] ، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر ( 64 ) : { قل أفغيرَ اللَّه تأمرونيَ أعْبُد أيّها الجاهلون } فكأنّ المشركين دعوا النّبي إلى التّحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات ، فأجابهم بأنّه لا يضع دِين الله للتّحاكم ، ولذلك وقع الإنكار أن يحكِّم غير الله تعالى ، مع أنّ حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصّلا بالحقّ ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم ، ومن موجبات التّقديم كون المقدّم يتضمّن جواباً لردّ طلب طلبَه المخاطب ، كما أشار إليه صاحب الكشاف } في قوله تعالى : { قل أغير الله أبغي رباً في هذه السورة } [ الأنعام : 164 ]. والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي إن ظننتم ذلك فقد ظننتم مُنكراً .وتقديم { أفغير الله } على { أبتغي } لأنّ المفعول هو محلّ الإنكار . فهو الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري ، كما تقدّم في قوله تعالى : { قل أغير الله أتَّخذ وليّا } في هذه السورة ( 14 ).والحَكَم : الحاكم المتخصّص بالحكم الَّذي لا ينقض حكمه ، فهو أخصّ من الحاكم ، ولذلك كان من أسمائه تعالى : الحَكَم ، ولم يكن منها : الحاكم . وانتصب حكما على الحال .والمعنى : لا أطلب حكَماً بيني وبينكم غير الله الّذي حكم حُكمَه عليكم بأنَّكم أعداء مقترفون .وتقدّم الكلام على الابتغاء عند قوله تعالى : { أفغيرَ دين الله يبغون } في سورة آل عمران ( 83 ).وقوله : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً } من تمام القول المأمور به . والواو للحال أي لا أعدل عن التّحاكم إليه . وقد فصّل حكمه بإنزال القرآن إليكم لتتدبّروه فتعلَموا منه صدقي ، وأنّ القرآن من عند الله .وقد صيغت جملة الحال على الاسميّة المعرَّفةِ الجزأيْن لتفيد القصر مع إفادة أصل الخبر . فالمعنى : والحال أنّه أنزل إليكم الكتاب ولم ينزله غيره ، ونكتة ذلك أنّ في القرآن دلالة على أنّه من عند الله بما فيه من الإعجاز ، وبأُمِّيَّةِ المنزّل عليه . وأنّ فيه دلالة على صدق الرّسول عليه الصلاة والسلام تبعاً لثبوت كونه منزّلا من عند الله ، فإنَّه قد أخبر أنَّه أرسل محمّدا صلى الله عليه وسلم للنّاس كافَّة ، وفي تضاعيف حجج القرآن وأخباره دلالة على صدق من جاء به؛ فحصل بصوغ جملة الحال على صيغة القصر الدّلالة على الأمرين : أنَّه من عند الله ، والحكممِ للرسول عليه الصّلاة والسّلام بالصّدق .والمراد بالكتاب القرآن ، والتعريف للعهد الحضوري ، والضمير في { إليكم } خطاب للمشركين ، فإنّ القرآن أُنزل إلى النّاس كلّهم للاهتداء به ، فكما قال الله : { بما …

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

هذه الجملة معطوفة على جملة : { أفغير الله أبْتغي حَكَما } [ الأنعام : 114 ] لأنّ تلك الجملة مَقولُ قول مقدّر ، إذ التّقدير : قل أفغير الله أبتغي حكماً باعتبار ما في تلك الجملة من قوله : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً } [ الأنعام : 114 ] فلمّا وصف الكتاب بأنّه منزّل من الله ، ووصف بوضوح الدّلالة بقوله : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً } [ الأنعام : 114 ] ثمّ بشهادة علماء أهل الكتاب بأنَّه من عند الله بقوله : { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزل من ربّك } [ الأنعام : 114 ] ، أعلَم رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأنّ هذا الكتاب تامّ الدلالة ، ناهض الحجّة ، على كلّ فريق : من مؤمن وكافر ، صادق وعدُه ووعيده ، عادل أمره ونهيه . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة : { وجعلنا لكلّ نبيء عَدوّاً } وما بينهما اعتراض ، كما سنبيّنه .والمراد بالتمام معنى مجازي : إمّا بمعنى بلوغ الشّيء إلى أحسن ما يبلغه ممّا يراد منه ، فإنّ التّمام حقيقته كون الشّيء وافراً أجزاءه ، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه ، فيستعار لوفرة الصّفات التي تراد من نوعه؛ وإمّا بمعنى التّحقّق فقد يطلق التّمام على حصول المنتظر وتحقّقه ، يقال : تَم ما أخبر به فلان ، ويقال : أتم وعده ، أي حقّقه ، ومنه قوله تعالى : { وإذِ آبتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتَمَّهُن } [ البقرة : 124 ] أي عمل بهنّ دون تقصير ولا ترخّص ، وقوله تعالى : { وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } [ الأعراف : 137 ] أي ظهر وعده لهم بقوله : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض } [ القصص : 5 ] الآية ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : { والله متمّ نوره } [ الصف : 8 ] أي محقّق دينه ومثبتُه ، لأنَّه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازاً أيضاً .وقوله : { كلمات ربك } قرأه الجمهور بصيغة الجمع وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف : كَلمة بالإفراد فقيل : المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن ، وهو قول جمهور المفسّرين ، ونقل عن قتادة ، وهو الأظهر ، المناسب لجعْل الجملة معطوفة على جملة : { والذين آتيناهم الكتاب } [ الأنعام : 114 ]. فأمّا على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنّه كتاب من عند الله ، فهو من كلامه وقوله . والكلمة والكلام يترادفان ، ويقول العربُ : كلمة زهير ، يعنون قصيدته ، وقد أطلق في القرآن ( الكلمات ) على الكتب السّماوية في قوله تعالى : { فآمِنوا بالله ورسوله النّبيء الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته } [ الأعراف : 158 ] أي كتبه . وأمّا على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات . أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر ، ونهي ، وتبشير ، وإنذار ، ومواعظ ، وإخبار ، واحتجاج ، وإرشاد ، وغير ذلك . ومعنى تمامها أنّ كلّ غرض جاء في القرآن فقد جاء وافياً بما يتطلّبه القاصد منه . واستبعد ابن عطيّة أن يكون المراد من { كلمات ربك } بالجمع أو الإفراد القرآن ، واستظهر أنّ المراد منها : قول الله ، أي نفذ قوله وحكمه .وقريب منه ما أُثر عن ابن عبّاس أنّه قال : كلمات الله وَعده . وقيل : كلمات الله : أمره ونهيه ، ووعده ، ووعيده ، وفسّر به في «الكشاف» ، وهو قريب من كلام ابن عطيّة ، لكنّ السّياق يشهد بأنّ تفسير الكلمات بالقرآن أظهر .وانتصب { صدقاً وعدلاً } على الحال ، عند أبي عليّ الفارسي ، بتأويل المصدر باسم الفاعل ، أي صادقة وعادلة ، فهو حال من { كلمات } وهو المناسب لكون التّمام بمعنى التّحقّق ، وجعلهما الطّبري منصوبين على التّمييز ، أي تمييز النّسبة ، أي تمّت من جهة الصّدق والعدل ، فكأنّه قال : تَمّ صدقُها وعدلها ، وهو المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشّيء أحسنَ ما يطلب من نوعه . وقال ابن عطيّة : هذا غير صواب . وقلت : لا وجه لعدم تصويبه .والصّدق : …

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

أُعقِب ذكرُ عناد المشركين ، وعداوتِهم للرسول صلى الله عليه وسلم وولايتهم للشّياطين ، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجنّ والإنس ، واقترافهم السيّئات طاعة لأوليائهم ، وما طَمْأن به قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم من أنّه لقي سنّة الأنبياء قبلَه من آثار عداوة شياطين الإنس والجنّ ، بذكر ما يهون على الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين وعزّتهم ، ومن قلّة المسلمين وضعفهم ، مع تحذيرهم من الثّقة بقولهم ، والإرشاد إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم ، وعدم الإصغاء إلى رأيهم ، لأنَّهم يُضِلّون عن سبيل الله ، وأمرِهم بأن يلزموا ما يرشدهم الله إليه . فجملة : { وإن تطع } متّصلة بجملة : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوّا شياطين الإنس والجنّ } [ الأنعام : 112 ] وبجملة : { أفغير الله أبتغي حكماً } [ الأنعام : 114 ] وما بعدها إلى : { وهو السميع العليم } [ الأنعام : 115 ].والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطنّ عملك } [ الزمر : 65 ].وجيء مع فعل الشّرط بحرف ( إنْ ) الّذي الأصل فيه أن يكون في الشّرط النّادر الوقوع ، أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، والظاهر أنّ المشركين لمّا أيسوا من ارتداد المسلمين ، كما أنبأ بذلك قوله تعالى : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا } [ الأنعام : 71 ] الآية ، جَعلوا يلقون على المسلمين الشُبه والشكوك في أحكام دينهم ، كما أشار إليه قوله تعالى عقب هذا : { وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإنْ أطعتموهم إنّكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ]. وقد روى الطّبري عن ابن عبّاس ، وعكرمة : أنّ المشركين قالوا : «يا محمّد أخبرنا عن الشّاة إذا ماتَتْ مَنْ قَتلها ( يريدون أكل الشّاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح ) قال اللَّهُ قتَلها فتزعم أنّ ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلال وما قتل الكلبُ والصَقر حلال وما قتله الله حرام» فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء وفي «سنن التّرمذي» ، عن ابن عبّاس قال : " أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل اللَّهُ " فأنزل الله : { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 118 ] الآية . قال التّرمذي : هذا حديث حسن غريب . فمن هذا ونحوه حَذّر الله المسلمين من هؤلاء ، وثبّتهم على أنّهم على الحقّ ، وإن كانوا قليلاً . كما تقدّم في قوله : { قل لا يستوي الخبيث والطيّب ولو أعجبك كثرة الخبيث } [ المائدة : 100 ].والطاعة : اسم للطّوع الّذي هو مصدر طاع يطوع ، بمعنى انقاد وفَعَل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة ، فالطاعة ضدّ الكره . ويقال : طاع وأطاع ، وتستعمل مجازاً في قبول القول ، ومنه ما جاء في الحديث : " فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم "ومنه قوله تعالى : { ولا شفيععٍ يُطاع } [ غافر : 18 ] أي يُقبل قوله ، وإلاّ فإنّ المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنّه يمتثل إليه . والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول .و { أكثر من في الأرض } هم أكثر سكّان الأرض . والأرض : يطلق على جميع الكرة الأرضية الّتي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنّبات ، وهي الدّنيا كلّها . ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضيّة معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى : { وقُلنا مِن بعده لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرض } [ الإسراء : 104 ] يعني الأرض المقدّسة ، وقولِه : { أو يُنْفَوْا من الأرض } [ المائدة : 33 ] أي الأرض الّتي حاربوا الله فيها . والأظهر أنّ المراد في الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في القرآن . وقيل : أريد بها مكّة لأنّها الأرض المعهودة للرّسول عليه الصلاة والسلام . وأيّاً مّا كان فأكثر من في الأرض ضالّون مضلّون …

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

تعليل لقوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك } [ الأنعام : 116 ] لأنّ مضمونه التّحذير من نزغاتهم وتوقّع التّضليل منهم وهو يقتضي أنّ المسلمين يريدون الاهتداء ، فليجتنبوا الضالّين ، وليهتدوا بالله الّذي يهديهم . وكذلك شأن ( إنّ ) إذا جاءت في خبر لا يحتاج لردّ الشكّ أو الإنكار : أن تفيد تأكيد الخبر ووصله بالّذي قبله ، بحيث تغني غَناء فاء التّفريع ، وتفيد التّعليل ، ولمّا اشتملت الآيات المتقدّمة على بيان ضلال الضالّين ، وهدى المهتدين ، كان قوله : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } تذييلاً لجميع تلك الأغراض .وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله : { إن ربك } لتشريف المضاف إليه ، وإظهار أن هدي الرّسول عليه الصلاة والسلام هو الهُدى ، وأنّ الّذين أخبر عنهم بأنّهم مُضلّون لا حظّ لهم في الهدى لأنّهم لم يتّخذوا الله ربّاً لهم . وقد قال أبو سفيان يوم أحُد : «لَنَا العُزّى ولا عُزّى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قولوا : " اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم " .و { أعلمُ } اسم تفضيل للدّلالة على أنّ الله لا يعزب عن علمه أحد من الضالّين ، ولا أحد من المهتدين ، وأنّ غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلّين ، ويفوته علم كثير من الفريقين ، وتخفَى عليه دخيلة بعض الفريقين .والضّمير في قوله : { هو أعلم } ضمير الفصل ، لإفادة قصر المسند على المسند إليه ، فالأعلمية بالضالّين والمهتدين مقصورة على الله تعالى ، لا يشاركه فيها غيره ، ووجه هذا القصر أنّ النّاس لا يشكّون في أنّ علمهم بالضالّين والمهتدين علم قاصر ، لأنّ كلّ أحد إذا علم بعض أحوال الناس تخفى عليهم أحوال كثير من النّاس ، وكلّهم يعلم قصور علمه ، ويتحقّق أن ثمّة من هو أعلم من العالِم منهم ، لكنّ المشركين يحسبون أنّ الأعلمية وصف لله تعالى ولآلهتهم ، فنفي بالقصر أن يكون أحد يشارك الله في وصف الأعلميّة المطلقة .و { مَنْ } موصولة ، وإعرابها نصب بنزع الخافض وهو الباء ، كما دلّ عليه وجود الباء في قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } لأنّ أفعل التّفضيل لا ينصب بنفسه مفعولاً به لضعف شبهه بالفعل ، بل إنّما يتعدّى إلى المفعول بالباء أو باللاّم أو بإلى ، ونصبه المفعول نادر ، وحقّه هنا أن يعدّى بالباء ، فحذفت الباء ايجازَ حذف ، تعويلا على القرينة . وإنَّما حذف الحرف من الجملة الأولى ، وأظهر في الثّانية ، دون العكس ، مع أنّ شأن القرينة أن تتقدّم ، لأنّ أفعل التّفضيل يضاف إلى جمععٍ يكون المفضّل واحداً منهم ، نحو : هو أعلم العلماء وأكرم الأسخياء ، فلمّا كان المنصُوباننِ فيهما غير ظاهر عليهما الإعراب ، يلتبس المفعول بالمضاف إليه ، وذلك غير ملتبس في الجملة الأولى ، لأنّ الصّلة فيها دالّة على أنّ المراد أنّ الله أعلم بهم ، فلا يتوهّم أن يكون المعنى : الله أعلم الضّالّين عن سبيله ، أي أعلم عالممٍ منهم ، إذ لا يخطر ببال سامع أن يقال : فلان أعلم الجاهلين ، لأنّه كلام مُتناقض ، فإنّ الضّلال جهالة ، ففساد المعنى يكون قرينة على إرادة المعنى المستقيم ، وذلك من أنواع القرينة الحاليَّة ، بخلاف ما لو قال : وهو أعلم المهتدين ، فقد يتوهّم السّامع أنّ المراد أنّ الله أعلم المهتدين ، أي أقوى المهتدين علماً ، لأنّ الاهتداء من العلم . هذا ما لاح لي في نكتة تجريد قوله : { هو أعلم من يضل عن سبيله } من حرف الجرّ الّذي يتعدّى به { أعلم }.

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

هذا تخلّص من محاجّة المشركين وبيان ضلالهم ، المذيَّل بقوله : { إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [ الأنعام : 117 ]. انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين ، وإبطاللِ شرائع شَرَعها المضلّون ، تبيينا يزيل التّشابه والاختلاط . ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين ، بأضدادها الّتي كان شرعها المشركون وسلَفُهم .وما تُشعر به الفاء من التفريع يقضي باتّصال هذه الجملة بالَّتي قبلها ، ووجه ذلك : أنّ قوله تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله } [ الأنعام : 116 ] تضمّن إبطال ما ألقاه المشركون من الشّبهة على المسلمين : في تحريم الميتة ، إذ قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم « تزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصّقر حلال أكلُه ، وأنّ ما قتل اللَّهُ حرام » وأنّ ذلك ممّا شمله قوله تعالى : { وإن هم إلاّ يَخْرصون } [ الأنعام : 116 ] ، فلمّا نهى الله عن اتِّباعهم ، وسمّى شرائعهم خرصاً ، فرّع عليه هنا الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه ، أي عند قتله ، أي ما نُحر أو ذُبح وذُكر اسم الله عليه ، والنّهيَ عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه ، ومنه الميتة ، فإنّ الميتة لا يذكر اسم الله عليها ، ولذلك عقبت هذه الآية بآية : { وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائِهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ]. فتبيّن أنّ الفاء للتّفريع على معلوم من المراد من الآية السّابقة .والأمر في قوله : { فكلوا } للإباحة . ولمّا لم يكن يخطر ببال أحد أنّ ما ذُكر اسم الله عليه يحرم أكلُه ، لأنّ هذا لم يكن معروفاً عند المسلمين ، ولا عند المشركين ، علم أنّ المقصود من الإباحة ليس رفع الحرج ، ولكن بيان ما هو المباح ، وتمييزه عن ضدّه من الميتة وما ذبح على النُّصُّب . والخطاب للمسلمين .وقوله : { مما ذكر اسم الله عليه } دلّ على أنّ الموصول صادق على الذّبيحة ، لأنّ العرب كانوا يذكرون عند الذّبح أو النّحر اسم المقصود بتلك الذكاة ، يجهرون بذكر اسمه ، ولذلك قيل فيه : أُهِلّ به لغير الله ، أي أُعلن . والمعنى كلوا المذكّى ولا تأكلوا الميتة . فما ذُكر اسم الله عليه كناية عن المذبوح لأنّ التّسمية إنَّما تكون عند الذّبح .وتعليق فعل الإباحة بما ذكر اسم الله عليه؛ أفهم أنّ غير ما ذكر اسم الله عليه لا يأكله المسلمون ، وهذا الغير يساوي معناه معنى ما ذكر اسمُ غير الله عليه ، لأنّ عادتهم أن لا يذبحوا ذبيحة إلاّ ذكروا عليها اسم الله ، إن كانت هديا في الحجّ ، أو ذبيحة للكعبة ، وإن كانت قرباناً للأصنام أو للجنّ ذكروا عليها اسم المتقرّب إليه . فصار قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } مفيداً النّهي عن أكل ما ذُكر اسم غير الله عليه ، والنّهي عمّا لم يذكر عليه اسم الله ولا اسم غير الله ، لأنّ ترك ذكر اسم الله بينهم لا يكون إلاّ لقصد تجنّب ذكره .وعلم من ذلك أيضاً النّهي عن أكل الميتة ونحوها ، ممّا لم تقصد ذكاته ، لأنّ ذكر اسم الله أو اسم غيره إنَّما يكون عند إرادة ذبح الحيوان . كما هو معروف لديهم ، فدلت هذه الجملة على تعيين أكل ما ذكّي دون الميتة ، بناء على عرف المسلمين لأنّ النّهي موجّه إليهم . وممّا يؤيّد ذلك : ما في «الكشاف» ، أنّ الفقهاء تأوّلوا قوله الآتي : " ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه " بأنَّه أراد به الميتة ، وبناء على فهم أن يَكون قد ذُكر اسم الله عليه عند ذكاته دون ما ذكر عليه اسم غير الله ، أخذا من مقام الإباحة والاقتصارِ فيه على هذا دون غيره ، وليس في الآية صيغة قصر ، ولا مفهوم مخالفة ، ولكن بعضها من دلالة صريح اللّفظ ، وبعضها من سياقه ، وهذه الدّلالة الأخيرة من مستتبعات التّراكيب المستفادة بالعقل الّتي لا توصف بحقيقة ولا مجاز . وبهذا يُعلم أن لا علاقة للآية بحكم نسيان التّسمية عند الذّبح ، فإنّ تلك مسألة أخرى لها أدلَّتها وليس من …

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ }.عطف على قوله : { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 118 ]. والخطاب للمسلمين .و { مَا } للاستفهام ، وهو مستعمل في معنى النّفي : أي لا يَثبت لكم عدم الأكل ممّا ذُكر اسم الله عليه ، أي كلوا ممّا ذكر اسم الله عليه . واللام للاختصاص ، وهي ظرف مستقرّ خبر عن ( ما ) ، أي ما استقرّ لكم .و { أن لا تأكلوا } مجرور ب ( في ) محذوفة . مع ( أنْ ). وهي متعلّقة بما في الخبر من معنى الاستقرار ، وتقدّم بيان مثل هذا التّركيب عند قوله تعالى : { قالوا وما لَنا أَلاَّ نقاتل في سبيل الله } في سورة البقرة ( 246 ).ولم يفصح أحد من المفسّرين عن وجه عطف هذا على ما قبله ، ولا عن الدّاعي إلى هذا الخطاب ، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التّفسير } عمّن لقَّبه علم الهدى ولعلّه عنى به الشّريف المرتضى : أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيّبات ، تقشّفاً وتزهّداً اه ، ولعلّه يريد تزهّداً عن أكل اللّحم ، فيكون قوله تعالى : { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } استطراداً بمناسبة قوله قبله : { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 118 ] ، وهذا يقتضي أنّ الاستفهام مستعمل في اللّوم ، ولا أحسب ما قاله هذا الملقّب بعلم الهدى صحيحاً ولا سند له أصلاً . قال الطّبري : ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمّة كفّ عن أكل ما أحلّ اللَّه من الذّبائح .والوجه عندي أنّ سبب نزول هذه الآية ما تقدّم آنفاً من أنّ المشركين قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ، لمّا حَرّم الله أكل الميتة : « أنأكل ما نَقتل ولا نَأكل ما يقتلُ اللَّهُ » يعنون الميتة ، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء ، فأنزل الله { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّهِ بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده ، فأبدى الله للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى ، بأنّ المذكّى ذُكر اسم الله عليه ، والميتة لا يذكر اسم الله عليها ، وهو فارق مؤثّر . وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض . وهو من قبيل قوله في الردّ على المشركين ، في قولهم : { إنَّما البيعُ مثل الرّبا } [ البقرة : 275 ] ، إذ قال : { وأحلّ الله البيع وحرّم الرّبا } [ البقرة : 275 ] كما تقدّم هنالك ، فينقلب معنى الاستفهام في قوله : { وما لكم أن لا تأكلوا } إلى معنى : لا يسوِّلْ لكم المشركون أكل الميتة ، لأنّكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه ، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية .وقوله : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } جملة في موضع الحال مبيّنة لما قبلها ، أي لا يصدّكم شيء من كلّ ما أحلّ الله لكم ، لأنّ الله قد فصّل لكم ما حرّم عليكم فلا تعدوه إلى غيره . فظاهر هذا أنّ الله قد بيّن لهم ، من قَبْلُ ، ما حرّمه عليهم من المأكولات ، فلعلّ ذلك كان بوحي غير القرآن ، ولا يصحّ أن يكون المراد ما في آخر هذه السّورة من قوله : { قُل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما } [ الأنعام : 145 ] الآية ، لأنّ هذه السّورة نزلت جملة واحدة على الصّحيح ، كما تقدّم في ديباجة تفسيرها ، فذلك يناكِد أن يكون المتأخّر في التّلاوة متقدّماً نزولهُ ، ولا أن يكون المراد ما في سورة المائدة ( 3 ) في قوله : { حُرّمت عليكم الميتة } لأنّ سورة المائدة مدنيَّة بالاتّفاق ، وسورة الأنعام هذه مكّيّة بالاتِّفاق .وقوله : إلا ما اضطررتم إليه } استثناء من عائد الموصول ، وهو الضّمير المنصوب ب { حرّم } ، المحذوف لكثرة الاستعمال ، و { ما } موصولة ، أي إلاّ الّذي اضطُررتم إليه ، فإنّ المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطرّ إليه من …

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ }.جملة معترضة ، والواو اعتراضيّة ، والمعنى : إنْ أردتم الزّهد والتقرّب إلى الله فتقرّبوا إليْه بترك الإثم ، لا بترك المباح . وهذا في معنى قوله تعالى : { ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله } [ البقرة : 177 ] الآية .وتقدّم القول على فعل ( ذَر ) عند قوله تعالى : { وذرِ الذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً } في هذه السّورة [ 70 ]. والإثم تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قل فيهما إثم كبير } في سورة [ البقرة : 219 ].والتّعريف في الإثم : تعريف الاستغراق ، لأنَّه في المعنى تعريف للظاهر وللباطن منه ، والمقصود من هذين الوصفين تعميم أفراد الإثم لانحصارها في هذين الوصفين ، كما يقال : المَشرق والمغرب والبَرّ والبحر ، لقصد استغراق الجهات .وظاهر الإثم ما يراه النّاس ، وباطنُه ما لا يطّلع عليه النّاس ويقع في السرّ ، وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي . وقد كان كثير من العرب يراءون النّاس بعمل الخير ، فإذا خلوا ارتكبوا الآثام ، وفي بعضهم جاء قوله تعالى : { ومن النّاس مَن يعجبك قوله في الحياة الدّنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام وإذا تولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحبّ الفساد وإذا قيل له اتَّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد } [ البقرة : 204 ، 206 ].{ إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ }.تعليل للأمر بترك الإثم ، وإنذارٌ وإعذار للمأمورين ، ولذلك أكَّد الخبر ب ( إنّ ) ، وهي في مثل هذا المقام ، أي مقام تعقيب الأمر أو الإخبار تفيد معنى التّعليل ، وتغني عن الفاء ، ومثالها المشهور قول بشار: ... إنّ ذاك النّجاحَ في التّبكيروإظهار لفظ الإثم في مقام إضماره إذ لم يقل : إنّ الّذين يكسبونه لزيادة التّنديد بالإثم ، وليستقرّ في ذهن السّامع أكمل استقرار ، ولتكون الجملة مستقلّة فتسير مسير الأمثال والحكم . وحرف السّين ، الموضوع للخبر المستقبل ، مستعمل هنا في تحقّق الوقوع واستمراره .ولمّا جاء في المذنبين فعلُ يكسبون المتعدي إلى الإثم ، جاء في صلة جَزائهم بفعل ( يقترفون ) ، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدّم آنفاً في قوله تعالى : { وليقترفوا ما هم مقترفون } [ الأنعام : 113 ].

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.