Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١١] ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾

﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: ولَوْ أنَّنا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى إيتاءِ ما اقْتَرَحُوهُ هُنا مِن آيَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، كَما قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ.

﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ كَما قالُوا: فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: ﴿وحَشَرْنا﴾ أيْ: جَمَعْنا: ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ ﴿قُبُلا﴾ أيْ: كُفَلاءَ بِصِحَّةِ ما بُشِّرُوا بِهِ وأُنْذِرُوا: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِغُلُوِّهِمْ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إيمانَهم فَيُؤْمِنُوا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: إنَّهم لَوْ أُوتُوا كُلَّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَكُونُ. أوْ يَجْهَلُونَ أنَّ الإيمانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا بِخَوارِقِ العاداتِ.

قالَ القاشانِيُّ: وفي الحَقِيقَةِ لا اعْتِبارَ بِالإيمانِ المُرَتَّبِ عَلى مُشاهَدَةِ خَوارِقِ العاداتِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ مُجَرَّدَ إذْعانٍ لِأمْرٍ مَحْسُوسٍ، وإقْرارٍ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ في القَلْبِ مِن مَعْناهُ شَيْءٌ، كَإيمانِ أصْحابِ السّامِرِيِّ. والإيمانُ لا يَكُونُ إلّا بِالجَنانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: يُقْرَأُ (قُبُلًا) بِضَمِّ القافِ والباءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى الكَفِيلِ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقَلْبٍ؛ والآخَرُ: أنَّهُ مُفْرَدٌ، كَقُبُلِ الإنْسانِ ودُبُرِهِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو حالٌ مِن كُلٍّ. ويُقْرَأُ بِالضَّمِّ وسُكُونِ الباءِ عَلى تَخْفِيفِ الضَّمَّةِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وانْتِصابِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ حَقٌّ. أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ومُشاهَدَةً.

الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، حَتّى الإيمانُ والكُفْرُ. وقَدِ اتَّفَقَ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحَمَلَةُ شَرِيعَتِها عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. ولِلْمُعْتَزِلَةِ تَحَيُّلٌ في المُدافَعَةِ بِحَمْلِ المَشِيئَةِ المَنفِيَّةِ، عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والِاضْطِرارِ. وإنَّما يَتِمُّ لَهم ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ القُرْآنُ يَتْبَعُ الآراءَ. وأمّا وهو القُدْوَةُ والمَتْبُوعُ، فَما خالَفَهُ حِينَئِذٍ وتَزَحْزَحَ عَنْهُ، فَإلى النّارِ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَمّا كانَ يُقاسِيهِ مِن قَوْمِهِ، بِتَأسِّيهِ بِمَن سَبَقَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي جَعَلْناهُ في حَقِّكَ، حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا يُضادُّونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ عَدُوًّا مِن مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ، فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ بِكَ أعْداؤُكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ إلّا عُودِيَ.

﴿يُوحِي﴾ أيْ: يُلْقِي ويُوَسْوِسُ: ﴿بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيِ: المُمَوَّهَ مِنهُ، المُزَيَّنَ ظاهِرُهُ، الباطِلَ باطِنُهُ ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِلضُّعَفاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهم أهْلَ الحِجابِ، وكَذا الغابِرِينَ، لِيَقْهَرَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَلْقِهِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِتَظْهَرَ الحُجَجُ بِمُجادَلَتِهِمْ، وتَرْتَفِعَ شُبُهاتُهُمْ، ولِئَلّا يُقالَ إنَّهُ شَخْصٌ ساعَدَهُ الكُلُّ لِيَأْكُلُوا أمْوالَ النّاسِ، أوْ يَتَواسَوْا عَلَيْهِمْ.

ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أيْ: ما فَعَلُوا ذَلِكَ، يَعْنِي: مُعاداةَ الأنْبِياءِ، وإيحاءَ الزَّخارِفِ. وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: غُرُورًا عِلَّةً ثانِيَةً لِلْإيحاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٣] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ، لِيَغُرَّهم بِهِ، ولِتَمِيلَ إلَيْهِ: ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ لِمُساعِدَتِهِ لَهم عَلى أهْوائِهِمْ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ ما مالَتْ إلَيْهِ قُلُوبُهم ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: ولِيَكْتَسِبُوا بِمُوجِبِ ارْتِضائِهِمْ لَهُ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ.

قالَ القاشانِيُّ: فَتَقْوى غَوايَتُهُمْ، ويَتَظاهَرُونَ، ويَخْرُجُ ما فِيهِمْ مِنَ الشُّرُورِ إلى الفِعْلِ، ويَزْدادُوا طُغْيانًا وتَعَدِّيًا عَلى النَّبِيِّ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ كَمالِهِ، وتَهِيجَ أيْضًا بِسَبَبِهِ دَواعِي المُؤْمِنِينَ، والَّذِينَ في اسْتِعْدادِهِمْ مُناسَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، فَتَنْبَعِثَ حَمِيَّتُهُمْ، وتَزْدادَ مَحَبَّتُهم لِلنَّبِيِّ، ونَصْرُهم إيّاهُ، فَتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ كَمالاتُهم.

لَطِيفَةٌ:

إنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها، وهم بِها كافِرُونَ، إشْعارًا بِما هو المَدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ، وآلامَها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ، فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وبِأحْوالِ ما فِيها، لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ، ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا، وإنَّما يَنْظُرُونَ إلى ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِئَ الرَّأْيِ، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزَخْرَفاتُ الأقاوِيلِ، ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ. وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها، فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ، لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها، ووَخامَةِ عاقِبَتِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٤] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، كَما في نَظائِرِهِ، أيْ: قُلْ لَهُمْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ. والمَعْنى: أطْلُبُ مَعْبُودًا؛ لِأنَّهُ كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى طَواغِيتِهِمْ - وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ - ثُمَّ رَأيْتُ في "تَنْوِيرِ المِقْباسِ" الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ، حَيْثُ قالَ: أبْتَغِي حَكَمًا أعْبُدُ رَبًّا. وأمّا كَوْنُ الآيَةِ وارِدَةً عَلى قَوْلِهِمْ: (اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا) فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْصِياعِ لِذَلِكَ.

﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ المُعْجِزَ ﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ، وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ الخَوارِجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ. قالَ: وهو مَرْدُودٌ، فَإنَّ التَّحْكِيمَ المُنْكَرَ أنْ يُرِيدَ حَكَمًا يَحْكُمُ بِغَيْرِ ما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.

قُلْتُ: هَذا مَبْنِيٌّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الثّانِي، فَلا اسْتِدْلالَ، ولا رَدَّ.

الثّانِيَةُ: قالُوا: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، وأدَلُّ عَلى الرُّسُوخِ، لِما أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلى إلّا عَلى العادِلِ، وعَلى مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ، بِخِلافِ الحاكِمِ.

الثّالِثَةُ: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ، مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ، بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ البِشاراتِ بِكَ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهُمْ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهُمْ، ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهم. وهَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ وثِقَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِحَقِيقَتِهِ ونُزُولِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، بِسَبَبِ جُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] قالَ: وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يُقْتَضى وُقُوعُهُ. ولِهَذا جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» . انْتَهى.

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٥] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] وقُرِئَ: (كَلِماتُ رَبِّكَ) أيْ: بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ: ﴿وعَدْلا﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ.

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَمَّ قَضاؤُهُ تَعالى في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ مِن إسْلامِ مَن أسْلَمَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ، ومَحَبَّةِ مَن أحَبَّ، وعَداوَةِ مَن عادى، قَضاءً مُبْرَمًا، وحُكْمًا صادِقًا، مُطابِقًا لِما يَقَعُ، عادِلًا بِمُناسَبَةِ كُلِّ قَوْلٍ وكُلِّ كَمالٍ وحالٍ، لِاسْتِعْدادِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ واقْتِضائِهِ لَهُ. انْتَهى.

﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ. أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا، كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنهُ تَعالى بِالحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا مُبَدِّلَ لِأحْكامِهِ الأزَلِيَّةِ. انْتَهى.

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن قالَ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُبَدِّلُوا لَفْظَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّما بَدَّلُوا المَعْنى؛ لِأنَّ كَلِماتِ اللَّهِ لا تُبَدَّلُ. انْتَهى - وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أخْرَجَها البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ. وبَسَطَ المَقامَ في ذَلِكَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي". وتَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ البَقَرَةِ شَذْرَةٌ مِن هَذا البَحْثِ، فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا.

﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يُظْهِرُونَ مِنَ الأقْوالِ: ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِما يُخْفُونَ.

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِنَ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآثارِهِمْ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٦] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾

﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ، وهو الكُفّارُ: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، بِتَزْيِينِهِمْ زَخارِفَهم عَلَيْكَ، ودَعْوَتِهِمْ إيّاكَ إلى ما هم فِيهِ مِنَ اتِّباعِ الهَوى، كَما قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، فَهم يُقَلِّدُونَهُمْ: ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ، كاتِّخاذِ الوَلَدِ، وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ وصْلَةً إلَيْهِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ. و(إنْ) فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ نافِيَةٌ. والخَرْصُ: الحَزْرُ والتَّخْمِينُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وأصْلُهُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، وقَوْلُ ما لا يُسْتَيْقَنُ ويُتَحَقَّقُ. قالَهُ الأزْهَرِيُّ.

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وما بَعْدَها. وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ. أيْ: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ. والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المَعْنى في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ. والعِلْمُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا. لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، كانَ العَمَلُ لَهُ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ، لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ. لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ في أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ العَقْلِ وتَقْبِيحَهُ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إنَّما يَكُونُ قاطِعًا لَوْ كانَ مُتَوَتِّرًا، أوْ كانَتْ ألْفاظُهُ غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ لِوَجْهٍ آخَرَ، سِوى هَذا المَعْنى الواحِدِ. ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَعَلِمَ النّاسُ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَ القِياسِ حُجَّةً، ولارْتَفَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ. فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ. عَلِمْنا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ القِياسِ مَفْقُودٌ.

الثّانِي: هَبْ أنَّهُ وُجِدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، إلّا أنَّ مَعَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ العَمَلُ بِالقِياسِ إلّا مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ. وبَيانُهُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالقِياسِ مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في مَحَلِّ الوِفاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذا. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المَعْنى حاصِلٌ في مَحَلِّ الخِلافِ. فَهَذانِ المَقامانِ، إنْ كانا مَعْلُومَيْنِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ، فَهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ في صِحَّتِهِ. وإنْ كانَ مَجْمُوعُهُما، أوْ كانَ أحَدُهُما ظَنِّيًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ العِلْمُ بِهَذا القِياسِ إلّا بِمُتابَعَةِ الظَّنِّ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّصِّ الدّالِّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الظَّنِّ مَذْمُومَةٌ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ، وهو مِثْلُ اعْتِقادِ الكُفّارِ. أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلى أمارَةٍ، فَهَذا الِاعْتِقادُ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِهَذا الطَّرِيقِ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ مُتَرَتَّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ؛ وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ - أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ، لِرَفْعِهِ تَنْجِيسَ المَوْتِ إيّاهُ المانِعَ مِنَ الأكْلِ، لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ سُبْحانَهُ، واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٩] ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا مِن أكْلِهِ، وما يَمْنَعُكم عَنْهُ؟: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ ووَضَّحَهُ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي في آيَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ.. ورُدَّ بِأنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، والأنْعامُ مَكِّيَّةٌ. فالصَّوابُ أنَّ التَّفْصِيلَ إمّا فِي قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.. فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدُ بِيَسِيرٍ، وهَذا القَدْرُ مِنَ التَّأخُّرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ، وإمّا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في القُرْآنِ. و(فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) قُرِئَ كُلٌّ مِنهُما مَعْلُومًا ومَجْهُولًا. ومَعْنى الآيَةِ: لا مانِعَ لَكم مِن أكْلِ ما ذُكِرَ، وقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ المُحَرَّمَ أكْلُهُ، وهَذا لَيْسَ مِنهُ.

﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: مِمّا حُرِّمَ عَلَيْكم. أيْ: إلّا أنْ تَدْعُوَكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ، فَيُباحُ لَكم.

﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّها: ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: يُضِلُّونَ فَيُحَرِّمُونَ ويُحَلِّلُونَ بِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِشَرِيعَةٍ.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والحَلالِ إلى الحَرامِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ حَرامٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَحْضِ الهَوى والشَّهْوَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الفَتْوى والحُكْمِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، ولَكِنِ اتِّباعَ الهَوى.

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَصَّلَ المُحَرَّماتِ، أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ تَرْكَها بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٠] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾

﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: سَيِّئاتِ الأعْمالِ والأقْوالِ الظّاهِرَةَ عَلى الجَوارِحِ: ﴿وباطِنَهُ﴾ أيْ: ما يُسَرُّ مِنهُ بِالقَلْبِ كالعَقائِدِ الفاسِدَةِ، والعَزائِمِ الباطِلَةِ. أوْ ما يُعْلَنُ مِنَ الذُّنُوبِ وما يُسَرُّ مِنها، ويَسْتَتِرُ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: ظاهِرُهُ الزِّنا مَعَ البَغايا ذَواتِ الرّاياتِ، وباطِنُهُ مَعَ الخَلِيلَةِ والصَّدائِقِ والأخْدانِ. ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كُلِّ مُحَرَّمٍ، ولِذا قالَ قَتادَةُ: أيْ: سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ. قالَ الشِّهابُ: الِاقْتِرافُ في اللُّغَةِ الِاكْتِسابُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في الشَّرِّ والذَّنْبِ. ولِذا قِيلَ: الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ وقَدْ يَرِدُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] انْتَهى.

وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ نَوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ»» .

قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يُؤاخَذُ بِأفْعالِ القَلْبِ، كَما يُؤاخَذُ بِأفْعالِ الجَوارِحِ. أيْ: عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فِيها.

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.