Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، وإنما أتت ﴿فِي﴾ بمعنى (على) لبيان أنه ينبغي أن يكون السير عميقًا، كأنما يسيرون في أجواف الأرض، ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وهل السير هنا بالقلوب أو بالأقدام؟

الجواب: يحتمل هذا وهذا، فالسير في القلوب أن يتأمل الإنسان ما جرى للأمم السابقة بما صح من تاريخهم، وأصح تاريخ للأمم السابقة ما جاء في القرآن، أو صحَّت به السنة، أو بأقدامكم، سيروا في الأرض بأقدامكم، بأن ينظروا آثار المكذِّبين المهلَكين، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فصار السير هنا يشمل السير بالقلب، والسير بالقدم لأجل الاعتبار.

﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿انْظُرُوا﴾ بأعينكم أو ببصائركم، يعني: بأبصاركم أو بصائركم؟ إذا قلنا: السير بالقلب، فالمراد انظروا بالبصائر، وإذا قلنا: بالقدم، فالمراد بالبصر، وينبني على ما سبق.

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام ١١]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه خبر (كان) مقدم، ويتعين أن يكون مقدمًا لأنه اسم استفهام، واسم الاستفهام له صدر الكلام؛ لأنه هو المقصود بالجملة، وإذا كان المقصود بالجملة كان حقه أن يُقَدَّم، ولهذا إذا قلت: أين زيد؟ تعيَّن أن تكون (أين) خبرًا مقدمًا، ولا يجوز أن تقول: زيد أين؟

فـ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب خبر (كان) مقدم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها مؤخَّر باعتبار تقديم الخبر، وإلا هو في مكانه.

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فماذا كانت؟ كانت أسوأ عاقبة -والعياذ بالله- دمَّرهم الله عز وجل، وجعلهم مثلًا للآخِرين يعتبرون بهم.

* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار؛ لقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، من أي مصدر؟ من القرآن وصحيح السنة، قيِّد؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب؛ لقوله: ﴿انْظُرُوا﴾، وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم، أو بمن أثابهم؛ إن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، وإن كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية أيّ الاعتبارين؟ بمن انتقم الله منهم.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الآثار تدل على المؤثِّر، وهذا أمر معلوم بالحس والواقع، سُئِلَ أعرابي: بما عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير -يعنى على السير- والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى والله تدل على السميع البصير، فالآثار تدل على المؤثِّر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عقوبة المكذِّب، والتكذيب أحد شِقَّيِ ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين: إما التكذيب، وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كَذَّب إلا أنه يرى أنه فوق المرسَل.

إن قال قائل: يُشْكِل على قولكم: إن السير يشمل السير بالقدم لينظر بالبصر، يشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن دخول ديار المكذِّبين أو المهلَكين؟

فالجواب: أنه عليه الصلاة والسلام لم يَنْهَ عنها مطلقًا، بل نهى عنها عن أن ندخل فرِحِين بَطِرِين معجَبِين بالآثار، وما أشبه ذلك، أما أن ندخل معتَبِرين باكين خائفين فلا، ولهذا قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن …

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١٢]، اسأل هؤلاء المكذِّبين المنكِرين لتوحيد الألوهية: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ألزيد، أو لعمرٍو، أو لفلان أو لفلان؟

ثم أمره تبارك وتعالى، أمر نبيه ﷺ أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، وهنا نقول: هل الجواب من الله أو من الرسول؟ الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله عز وجل؛ لأن الله أمر الرسول أن يقول هكذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾.

﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ١٢]، ﴿كَتَبَ﴾ بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]، ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى أيش؟ فُرِض وأُوجِب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣ ] أي فريضة مؤقتة.

﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته، وليست صفة، بل هي الذات، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، ليس المعنى: يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى: يحذركم الله إياه، أي: ذات الله عز وجل، فليست صفة، بل هي الذات، ومعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علمًا مهمًّا فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب، الترهيب في أي جملة؟

* طالب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، هذا التحذير.

* الشيخ: هذا التحذير، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا الترغيب، فأمرنا سبحانه وتعالى أن نعلم عن أفعاله وصفاته تحذيرًا وترغيبًا، هنا قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة، يخاطب المشركين المكذِّبين.

وقوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾ يعني أن يرحم عباده عز وجل، فرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ، رحمة الله بالعباد فرضها الله على نفسه، لسنا الذين فرضناها عليه، بل هو فرضها على نفسه.

فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟

فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه أيش؟ رحمة؛ لأنه إذا صبر أُثِيبَ ثواب الصابرين، وإذا احتسب أُثِيبَ ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رُزِقُوا صحة ومالًا وأولادًا لبطروا وأفسدهم الغنى، وكم من أناس بالعكس.

كل شيء يصيب المؤمن -والحمد لله- فهو رحمة وكفَّارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كُتِبَ له بذلك أجر -اللهم لك الحمد- حتى جاء في الحديث: لو أن إنسانًا فقد شيئًا في جيبه مثلًا ثم فزع، خاف أن يكون ضاع مثلًا، فله أجرأخرجه الترمذي (٢٩٩١) من حديث عائشة، ولفظه: «حَتَّى يَضَعَهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ». ، إلى هذا الحد!! إذن هذه رحمة، وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها.

والآلام، والبؤس، والتعب، والهم، والغم في الدنيا كله يزول، إما أن يزول إلى ضده، وإما أن يصل بصاحبه إلى الهلاك، ولا بد أن يزول، لكن الأجر باقٍ.

فإذا قال قائل: والكافر؟

فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوَّت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسَّرَه له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن، وما أشبه ذلك.

ثم قال عز …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ١٣]، ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل.

﴿مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، ﴿سَكَنَ﴾ يصح أن تكون من السُّكْنَى، ويصح أن تكون من السُّكُون الذي هو ضد الحركة، فإن كان من السُّكون بقي أن يقال: وأين المتحرك؟ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: ﴿لَهُ مَا سَكَنَ﴾؟

والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يُلْبَس عند حرارة الجو، والثاني يُلْبَس عند حرارة القتال، فقال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، المهم أنه استغنى بذكر الحر عن ذكر البرد.

أما إذا جعلناها من السكنى ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾، فالمعنى: أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارِّها.

إذا كانت الآية صالحة لها، أو إذا كان اللفظ صالحًا لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟ نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أُخِذَ بما يُرَجِّحه الدليل.

﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، تأمل قوله: ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تجد أنه عامٌّ في الزمن، والتي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عامٌّ في المكان، فذكر الله تبارك وتعالى عموم المكان وعموم الزمن؛ عموم المكان في قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾، وعموم الزمان: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ذَكَر السمع لكل صوت، والعليم بكل حال.

ولا بأس أن نعيد أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه، وهو أولًا قسمان: سمع إجابة، وسمع صوت؛ سمع إجابة في مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، هذا يشمل سمع الإجابة، وسمع الصوت، ومنه قول المصلِّي: سمع الله لمن حمده.

سمع الصوت أقسام أو أنواع -إن شئت قل: أنواع؛ لأنك ذكرت الأول أقسامًا، فاذكر الثاني أنواعًا- النوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني: المراد به التهديد، والثالث: المراد به الإحاطة.

مثال الأول الذي يُقصَد به التأييد قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].

ومثال الثاني المراد به التهديد قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠].

ومثال الثالث قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١].

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في ﴿سَكَنَ﴾ معنيان:

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، والثاني؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، من السكون، وهل المعنيان يتنافيان؟

* طالب: لا يتنافيان.

* الشيخ: إذن تكون الآية دالة على المعنيين.

قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ المراد بالسمع هنا سمع الإجابة وليس سمع الصوت؟

* طالب: يدخل سمع الصوت.

* الشيخ: إذن يراد بها المعنيان جميعًا، ما تقول في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، من أي النوعين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعهم ثم يجيبهم.

هل لديك دليل على أن السمع يأتي بمعنى الإجابة أو الاستجابة؟ دليل من القرآن.

* طالب: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.

* الشيخ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا …

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿أَتَّخِذُ﴾ هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (غير) مقدَّمًا، والثاني ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية: قل أتخذ غير الله وليًّا، المهم أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول مُعْلِنًا: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به ويتولى أمري وأتولى شرعه؟ والاستفهام هنا للنفي.

﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق.

و﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم الكلام عليها مرارًا.

﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ هو الله عز وجل، ﴿يُطْعِمُ﴾، ما من طاعم يطعم إلا والله الذي أطعمه، أطعمه: يسَّر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعام.

قال الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]، الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطامًا ما طعمناه.

ثم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربنا، هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع: الطعام، والماء: الشراب.

ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي الذي يكون بالنار، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة ٧١، ٧٢].

إذن الذي يُطْعِم هو الله عز وجل، ثم لو شاء الله تعالى ما طعِمْنَا حتى لو وُجِدَ الطعام، لو شاء الله لم يخلق لنا أفواهًا ولا أمعاء ولا معدات فلا نطعم.

إذن ﴿يُطْعِمُ﴾ أي: يوجِد الطعام من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به.

ذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أنه لن يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاث مئة واحد؛ لأنك تبدأ من الحرث، والسقي، وتصريف الماء، وغير ذلك، والشراء، والطحن، والعجن، تجد أشياء كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه الأشياء.

﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ أو: ولا يَطْعَم؟ اللي عندنا ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾، إذن غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو ﴿لَا يُطْعَمُ﴾؛ لغناه عن كل أحد، ثم هو جل وعلا لا يَطْعَم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجًا للطعام، وهذا مستحيل على الله عز وجل.

﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ﴾، إعلان آخر، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة.

﴿قُلْ﴾ أي: للناس معلِنًا، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ هنا أي: استسلم لله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام يطلَق على هذا، وإذا كان الإسلام بمعنى هذا دخل فيه الإيمان.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أَخْلِص العبادة والإسلام لله عز وجل.

* في هذه الآية الكريمة: أمر النبي ﷺ أن يعلن أنه لن يتخذ وليًّا من دون الله، وهذا واجب عليه أو لا؟ نعم، واجب عليه أن يعلن؛ لأنه رسول إمام مقتدًى به، فلا بد أن يعلِن تحقيق الربوبية.

* ومن فوائدها: ألا يلجأ العبد إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله عز وجل ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال؛ يعني أنه سبحانه وتعالى …

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، أيضًا أَعْلِن أنك إن عصيت الله فإنك ستُعَذَّب.

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول أيش؟ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، ولّا ﴿عَصَيْتُ﴾؟ ﴿أَخَافُ﴾، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، فما هو اليوم العظيم؟ اليوم العظيم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلن الجزاء يوم القيامة، وأنه يخافه إن عصى ربه.

* ومن فوائدها: أن المعصية سبب للعذاب، ولكن المعاصي على نوعين: معاصٍ لا يغفرها الله؛ وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله؛ وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تُكَفِّرها الأعمال الصالحة؛ وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله عز وجل.

أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالهم حقَّهم؛ إما باستحلالٍ منه في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخَذ من أعمال هذا الظالم، وسبق لنا أن الإنسان إذا تاب من ذنب فيه جناية على غيره هل يسقط حق الغير أو لا، وذكرنا أن ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مالٍ، كالذي يزني بامرأة كرهًا ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه، ويُرضِي التي أُكْرِهت على الزنا، قال: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام ١٦].

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء وغيرهم، مُعْلِنًا هذا الكلام المهم.

وفي قوله ﴿إِنِّي﴾ قراءتان: ﴿إِنِّيَ﴾ ، و﴿إِنِّي﴾، وهما سبعيتان.

وقوله ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، يعني: أخاف من عذاب هذا اليوم العظيم، وأظن أننا شرحنا هذا وفوائده.

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ، ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ فيها أيضًا قراءتان: ﴿مَنْ يَصْرِفْ﴾ و﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾.

﴿عَنْهُ﴾ يعني: عنه العذاب.

﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: رحمه الله عز وجل، والضمير في قوله: ﴿رَحِمَهُ﴾ قد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله عز وجل؟

فيقال: لأنه تقدم ذكره: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ﴾ يعني ربي، هذا العذاب، ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أو ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ هذا العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: ربي.

﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾، المشار إليه ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الصرف المفهوم من قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾.

وقوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ هذه خبر المبتدأ، ﴿الْمُبِينُ﴾ صفة للفوز.

* في هذه الآية: دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرف الله العذاب عن الإنسان يوم القيامة؛ أي الفوز لبيان الحقيقة الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى مَن وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سببًا للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة.

﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن، وهي اسم فاعل من (أبان)، و(أبان) يصح أن تكون لازمة، ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلم للطالب معنى الكتاب، هذه أيش؟ متعدية، وإذا قلت: أبان الصبح، بمعنى انجلى، فهذه لازمة، إذن ﴿الْمُبِينُ﴾ هنا بمعنى بَيِّن.

* في الآية فوائد، منها: فوز من يُصْرَف عنه العذاب يوم القيامة.

* ومنها: إثبات الرحمة لله عز وجل بلفظ الفعل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ورحمة الله تبارك وتعالى من الصفات الذاتية الفعلية؛ فباعتبار المفهوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفًا ثابتًا لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.

فإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أو هي عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟ فالجواب: هي حقيقية ولكنها ليست كرحمة المخلوق يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده -عز وجل-.

وقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يُوصَف برحمة حقيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذا قلنا لهم: فسِّروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة، وإما الثواب والفضل الذي حصل برحمة الله.

فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا: لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم.

فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جدًّا، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه عز وجل.

ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدل على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يكون رحيمًا، وهو ذو سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيمًا بمن يستحق الرحمة، فنمنع أولًا الدعوى، ثم لو سلَّمنا جدلًا بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز من نجاة العذاب يوم القيامة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك.

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

ثم قال الله عز وجل مسلِّيًا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومُثْبِّتًا له ومقوِّيًا عزيمته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام ١٧]، والضر هنا يشمل: الضر في البدن، والعقل، والمال، وكل ما يكون به الضرر على الإنسان.

وكلمة ﴿ضُرٍّ﴾ كما تشاهدون نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أيُّ ضر يمسسك الله به، يعني يصيبك، ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ أي: لا مزيل له إلا الله عز وجل.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والخير هنا المراد به ضد الضرر؛ من الصحة، والعقل، والمال، والأهل، والأمن، وشرح الصدر، وغير ذلك.

﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على أن يزيل الضرر الذي أصابك إلى خير.

وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل.

* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله.

وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله.

* ومنها: تقوية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوك بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراد.

* ومنها: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضُّرِّ هو الله فلا بد أن تَصْبِر؛ لأنك عبده يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضَّرَر.

* ومنها: قوة رجاء العبد بالله عز وجل إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر؛ وجه ذلك قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلته إلى اليأس والقنوط كشفها الله عز وجل، كم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى ألَّا يجد قوت يومه وليلته أغناه الله، وكم من إنسان كان وحيدًا فرزقه الله، وهلم جرًّا؛ لأن الله على كل شيء قدير.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف كما يشاء بعباده؛ لقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا.

* ومنها: عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقابل القدرة العجز، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان؛ القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، القدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف؛ والدليل قول الله تبارك وتعالى في القدرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، والدليل للقوة قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، أيهما أكمل أو أيهما أعمُّ؟

نقول: أما القوَّة فهي أعمُّ؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره؛ ذي الشعور يعني: في ذي الإرادة وغيره؛ فتقول: فلان قويٌّ، وتقول: الحديد قويُّ، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة؛ إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة، أيهما أكمل؟

القوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلًا لهذا برجل قيل له: احمل هذا الجحر، فحمله لكن بمشقة، بماذا نصف هذا الرجل؟ بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: احمل هذا الحجر، أراد أن يحمله فعجز، نقول: هذا …

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

ثم قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٨].

﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، ومرجعه ما سبق من الآية.

﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القاهر هو الغلبة مع السلطان يعني السلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سُلْطة، لكن قهر الله عز وجل غلبة مع سلطة تامة.

وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هل المراد فوقية المكانة أو فوقية المكان أو هما جميعًا؟ نعم، هما جميعًا؛ فوقية المكان وفوقية المكانة؛ وعليه فيكون المعنى هو القاهر فوق عباده؛ من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قُوَّةٌ، ومن حيث المكان أنه فوق كل شيء.

وقوله: ﴿عِبَادِهِ﴾ جمع عبد، والمراد به هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص؛ العامة: هي عبودية أن جميع المخلوقات كلها ذليلة أمام الله عز وجل فهي عابدة، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، الخاصة: هي عبودية المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، العبودية التي أَخَصُّ: هي عبودية الرسل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧١ - ١٧٣]؛ فهنا ثلاثة أقسام، الأخ يبينها لنا بارك الله فيك هنا ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هي العامة أو الخاصة؟

* طالب: العامة.

* الشيخ: العامة، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة؛ بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية.

إذن ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ المراد عبودية القدَر؛ كلٌّ خاضع لله عز وجل لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون مثلًا عَبْدٌ لله بالمعنى العام، وموسى عبد لله بالمعنى العام والخاص.

فالعبودية الشرعية خاصَّة، والعبودية القدرية الكونية عامَّة.

﴿فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ تصحُّ أن تكون بمعنى مُحكِم؛ والشاهد على مجيء (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، بل الشواهد كثيرة؛ منها قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُــــــــــــــوعُ

(الدَّاعِي السَّمِيعُ) ولّا المُسْمِع؟ ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ، (السميع) يعني المسمع.

............................ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُـــــــــــــــــوعُ

و(حكيم) أيضًا بمعنى حاكم؛ إذن هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على هذا -على أنها من (الحكم)- قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، وأما من (الحكمة) فكما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] والجواب: بلى.

إذن ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من الإحكام والحكم؛ فإذا كان مشتقًّا من الإحكام فهي بمعنى مُحكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله تبارك وتعالى موصوف بهذا وهذا.

ثم اعلم أن الحكم كونيٌّ وشرعيٌّ؛ من الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يُقَدِّر لي، هذا حكم قَدَرِيٌّ.

وأما الشرعيُّ فمنه قول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].

إذن الحكم نوعان: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، ومن الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] أي: …

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

ثم قال عز وجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام ١٩] قيل: إن هذه الآية لها سبب؛ وهو أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: مَنْ يشهد لك بأنك حق؟ اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟! فأنزل الله هذه الآيةذكره الثعلبي في تفسيره (٤ / ١٤٠).، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن هذا هو السبب؛ لأن في قلوب المشركين لا شك أن الشيطان يُلْقِي في قلوبهم ويقول: محمد ويش عنده من الآيات؟ ويش عنده من الشهادة؟

يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، أي شيء؟

الجواب واضح؛ ولهذا أمر الله نبيَّه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء لئلا يكابروا ويعاندوا؛ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وكان يتبادر أن ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جوابًا لهم هم لو قالوا: مَنِ الشاهد؟ لكن الرسول يسألهم يقول: أي شيء أكبر شهادة؟ ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك؛ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

نُعرب هذه الآية؛ لأن فيها أُوْجُهًا؛ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم).

أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله أكبر شهادة؛ ليكون مطابقًا لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾؛ وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم).

الوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبره محذوف تقديره (هو الله)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ يجوز فيها وجهان:

الوجه الأول: أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيد) خبر ثان.

والوجه الثاني: أن تقول: (شهيد) خبر مبتدأ محذوف يعني: هو الله هو شهيد بيني وبينكم.

هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف على أي كلمة (...) ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ نقف على هذا، فيه وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره شهيد ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وإذا كان الله شهيدًا بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله؟ لا أحد أكبر.

كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا تعدو أن يكون المعنى الله أكبر شهادة من كل شيء، ولا شك في هذا، الله أكبر شهادة من كل شيء.

وبماذا شهد الله للرسول عليه الصلاة والسلام؟ شهد الله للرسول ﷺ بصدقه باللفظ وبالفعل؛ اللفظ قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦]، وقال عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون ١] فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق.

أما الفعل؛ الآيات الذي يظهرها الله علي يده هذه شهادة فعلية من الله، التمكين له في الأرض، تمكينه من أن يضرب الأعناق ويسبي الأموال والذرية، تمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول: هذا كلام الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] شهادة الله الفعلية كثيرة، شهد الله لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه حق.

﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ﴿أُوحِيَ﴾ أَبْهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله عز وجل.

و(الوحي) في اللغة العربية في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، أن تُعلِم صاحبك بسرعة تُعْطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء لئلا يطَّلع عليها أحد، فأصله السر، أصل الوحي السر؛ لكنه في الاصطلاح هو عبارة عن تكليم الله عز وجل بواسطة …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام ٢٠].

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر؛ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ خبر؛ الجملة.

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتاب، فهم الذين أوتوا الكتاب.

وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني أقوى ويؤيده قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ فإن الأبناء بشر، والنبي ﷺ من البشر يعني أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يعرف الرجل ابنه، وخصَّ الأبناء؛ لأن تعلُّق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه.

وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر فهو من الأبناء، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير (هم الذين خسروا أنفسهم)، ويحتمل أن تكون (الذين) مبتدأ وخبره جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والفاء دخلت بخبر لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء (الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون)، ومؤدَّى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون؛ أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.

فإن قال قائل: هذا كلام الله عز وجل فهل له من دليل؟

قلنا: سبحان الله! أنَّى يُطلَب الدليل على صدق خبر الله؟ خبر الله تبارك وتعالى هو الدليل، ومدلوله هو المدلول، ولا حاجة أن نقول: هل هناك شاهد يدل على أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم؛ لأن كلام الله أقوى شاهد، ولكن مع ذلك لا مانع أن نقيم الحجة عليهم من كتبهم.

فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف عن النبي ﷺ: إنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومكتوبًا وَصْفُه عليه الصلاة والسلام ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] يعرفون هذا تمامًا، وقد نقل الشيخ السيد محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره النصوص من الإنجيل على هذا القول، بل على إقامة الحجة عليهم، وأن هذا مكتوب عندهم في كتبهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي أن يُضْرَب المثل بأقرب مطابق للمُمَثَّل؛ لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ لأن هذا أقرب إلى التصور وإلى الصدق.

* ومنها: الْمِنَّة والتوبيخ على اليهود والنصارى، كيف هذا؟

المِنَّة أن الله آتاهم الكتاب، وبَيَّن لهم وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سيرسل للناس كافة، وهذه نعمة أن يبين الله للعبد طريق الهدى.

التوبيخ أنهم كانوا كافرين به مع وضوح الدليل فتكون الآية جامعة بين أيش؟ بَيَّن بيان المنة عليهم من الله، وتوبيخهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يؤمن فقد خسر نفسه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهل خسر أهله؟ نعم، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر …

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.