Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

ولَمّا [عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ في جَوابِ هَذا: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ]، أمَرَهُ ﷺ بَعْدَ ما مَضى مِنَ التَّعْجِيبِ مِن كَوْنِهِمْ لَمْ يَنْظُرُوا بِقُلُوبِهِمْ أوْ أبْصارِهِمْ مَصارِعَ الماضِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ [الأنعام: ٦] أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يُشاهِدُوا مَصارِعَ مَن تَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ عِلْمُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِمِثْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ لِيُغْنِيَهم ذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةِ ما اقْتَرَحُوا، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا السَّيْرَ لِلِاعْتِبارِ ولا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِكم وتَمْكِينِكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ - الآيَةُ، وهي كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ بِالتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ أخْذِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَ قَدْ سَلَفَ أنَّهُ لا تَقْدَمُهم عَنْ آجالِهِمْ، أمْهَلَهم في النَّظَرِ فَإنَّهُ أقْوى في التَّهْدِيدِ، وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأدْعى إلى النَّصْفَةِ ولا سِيَّما والسُّورَةُ مِن أوائِلِ القُرْآنِ نُزُولًا وأوائِلِهِ تَرْتِيبًا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وأشارَ إلى أنَّ هَذا أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنْعِمُوا النَّظَرَ وبالِغُوا في التَّفَكُّرِ وأطِيلُوا التَّدَبُّرَ إذا رَأيْتُمْ آثارَ المُعَذَّبِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَإنَّكم إذا شاهَدْتُمْ تِلْكَ الآثارَ كَمُلَ لَكم الِاعْتِبارُ وقَوِيَ الِاسْتِبْصارُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الِانْكِشافِ، فَكُلَّما طالَ الفِكْرُ فِيهِ ازْدادَ ظُهُورًا.

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

ولَمّا أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالسَّيْرِ، سَألَهم هَلْ يَرَوْنَ في سَيْرِهِمْ وتَطْوافِهِمْ وجَوَلانِهِمْ واعْتِسافِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ؟ تَذْكِيرًا لَهم بِما رَحِمَهم بِهِ مِن ذَلِكَ في إيجادِهِ لَهم أوَّلًا وتَيْسِيرِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ ثانِيًا، اسْتِعْطافًا لَهم إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الخُضُوعِ لِما هو مِثْلُهم أوْ أقَلُّ مِنهم، وهو مِلْكُهُ - سُبْحانَهُ - وفي قَبْضَتِهِ، وتَقْبِيحًا لِأنْ يَأْكُلُوا خَيْرَهُ ويَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم عَلى إثْباتِ الصّانِعِ والنُّبُوَّةِ والمُعادِ، ومُبَكِّتًا بِسَفَهِهِمْ وشِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعَمَهِهِمْ: ﴿قُلْ لِمَن﴾ ونَبَّهَ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَعْبُودِ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾

ولَمّا كانُوا في مَقامِ العِنادِ حَيْثُ لَمْ يُبادِرُوا إلى الإذْعانِ بَعْدَ نُهُوضِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْ انْتِظارِ جَوابِهِمْ تَوْبِيخًا لَهم بِعَدَمِ النَّصْفَةِ الَّتِي يَدَّعُونَها: ”قُلْ اللَّهُ“ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفُؤَ لَهُ، لا لِغَيْرِهِ، وهم وإنْ كانُوا مُعانِدِينَ فَإنَّهم لا يُمْكِنُهم رَدُّ قَوْلِكَ، لا سِيَّما وجَوابُ الإنْسانِ عَمّا سَألَهُ إنَّما يَحْسُنُ أنْ يَتَعاطاهُ هو بِنَفْسِهِ إذا كانَ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، وهو هُنا كَذَلِكَ لِأنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ عَلى صَفَحاتِ الأكْوانِ، فَكانَ الإقْرارُ بِهِ ضَرُورِيًّا، لا خِلافَ فِيهِ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما في هَذا الكَوْنِ مَنافِعُ مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً شَهِيَّةً، وما كانَ فِيها مِن مَضارَّ فَهي مَحْجُوبَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَنْهم، يَقِلُّ وُصُولُها إلَيْهِمْ إلّا بِتَسَبُّبِهِمْ فِيها، والكُلُّ مَعَ ذَلِكَ دَلائِلُ ظاهِرَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهْلًا لِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ لِعُمُومِ هَذا الإحْسانِ، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ والعُدْوانِ، وتَأْخِيرُ العَذابِ عَنْهم مَعَ العِنادِ والطُّغْيانِ قالَ: دالًّا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَتَبَ﴾ أيْ: وعَدَ وعْدًا هو كالمَكْتُوبِ الَّذِي خَتَمَ، وأكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ، أوْ كَتَبَ حَيْثُ أرادَ سُبْحانَهُ.

ولَمّا كانَتْ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قالَ: ﴿عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ: فَلِذَلِكَ أكْرَمَكم هَذا الإكْرامَ بِوُجُوهِ الإنْعامِ، وأخَّرَ عَنْكم الِانْتِقامَ بِالِاسْتِئْصالِ، ولَوْ شاءَ هو لَسَلَّطَ عَلَيْكم المَضارَّ، وجَعَلَ عَيْشَكم مِن غَيْرِ اللَّذِيذِ كالتُّرابِ وبَعْضِ القاذُوراتِ الَّتِي يَعِيشُ بِها بَعْضُ الحَيَواناتِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَطْمَعًا لِلظّالِمِ البَطِرِ، ومَعْجَبًا مُحَيِّرًا مُؤْسِفًا لِلْمَظْلُومِ المُنْكَسِرِ - قالَ مُحَذِّرًا مُرَحِّبًا مُبَشِّرًا مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الخِطابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأنَصُّ عَلى المَقْصُودِ دالًّا عَلى البَعْثِ بِما مَضى مِن إثْباتِ أنَّ الأكْوانَ لِلَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فِيها مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ يَجُوزُ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةَ إنَّما يَكُونُ بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ؛ لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما كانَ لِأنَّ صانِعَهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والِاتِّصافُ بِذَلِكَ لا يَجُوزُ انْفِكاكُهُ عَنْهُ فَهو مَلِكٌ مُطاعٌ آمِرٌ ناهٍ مُرْسِلٌ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

ولَمّا اسْتَنارَتْ الأدِلَّةُ اسْتِنارَةَ الشَّمْسِ وانْتَصَبَتْ البَراهِينُ حَتّى لَمْ يَبْقَ أصْلًا نَوْعُ لَبْسٍ، عَمَّ بِالخَبَرِ عَمّا تَقَدَّمَ مِمّا يُشاهِدُونَهُ وغَيْرَهُ، فَقالَ ذاكِرًا الزَّمانَ بَعْدَ المَكانِ، وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ أظْهَرُ، والمَعْلَمُ الكامِلُ هو الَّذِي يَبْدَأُ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَتَمَّ بِذَلِكَ الخَبَرُ عَنِ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ والمَكانِ والمَكانِيّاتِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿ما سَكَنَ﴾ أيْ: حَلَّ وتَحَيَّزَ وحَصَلَ ﴿فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْكُنَ فِيهِما وإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ التَّحَرُّكِ لِأنَّها دارُ المَوْتِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ النُّورُ والظُّلْمَةُ اللَّذانِ أشْرَكَ بِهِما مَن أشْرَكَ.

ولَمّا دَلَّ ما مَضى عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ، وانْقَسَمَ إلى مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ، وكانَتْ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: العامُّ العِلْمِ بِالبَصَرِ والسَّمْعِ وغَيْرِهِما بِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ وبِكُلِّ ساكِنٍ مِن أقْوالِكم وأفْعالِكم وغَيْرِهِما، فَلا تَطْمَعُوا في أنْ يُتْرَكَ شَيْءٌ مِن مُجازاتِكم، والعَلِيمُ هُنا أبْلَغُ مِنَ البَصِيرِ، وذَلِكَ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] وهو تَرْجَمَةُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

ولَمّا نَهَضَ مِنَ الحُجَجِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ لِذِي بَصِيرَةٍ شَكٌّ، كانَ لِسانُ الحالِ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُنادِي بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الِالتِفاتِ عَنْ جَنابِهِ والإعْراضِ عَنْ بابِهِ فَأبْرَزَ تَعالى ذَلِكَ في قالَبِ الأمْرِ لَهُ ﷺ بِالإنْكارِ عَلى نَفْسِهِ، لِيَكُونَ أدْعى لَهم وأرْفَقَ بِهِمْ، ولِأنَّ ما تَقَدَّمَ مُنْبِئٌ عَنْ غايَةِ المُخالَفَةِ، مُنْذِرٌ بِما أنْذَرَ مِن سُوءِ عاقِبَةِ المُشاقَقَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى المُوافَقَةِ؟ فَقِيلَ: لا إلّا بِاتِّخاذِكم إلَهِي ولِـيًّا، وذَلِكَ لَعَمْرِي سَعادَتُكم في الدّارَيْنِ، وبِتَطَمُّعِكِمْ في اتِّخاذِي أنْدادَكم أوْلِياءَ، وهَذا ما لا يَكُونُ أبَدًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: مُصَرِّحًا لَهم بِإنْكارِ أنْ تَمِيلَ إلى أنْدادِهِمْ بِوَجْهٍ.

ولَمّا كانَ الإنْكارُ مُنْصَبًّا إلى كَوْنِ الغَيْرِ مُتَّخِذًا، لا إلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، أوْلى ( غَيْرَ ) الهَمْزَةَ [فَقالَ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ يُدانِيهِ في العَظَمَةِ ﴿أتَّخِذُ﴾ [أيْ] أُكَلِّفُ نَفْسِي إلى خِلافِ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى والعَقْلُ المُجَرَّدُ عَنِ الهَوى كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ وآخُذُ ﴿ولِيًّا﴾ أيْ: أعْبُدُهُ لِكَوْنِهِ يَلِي جَمِيعَ أُمُورِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُحَقِّقُ وِلايَتَهُ ويَصْرِفُ عَنْ وِلايَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقَهُما ابْتِداءً عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ اللَّهَ ﴿يُطْعِمُ﴾ أيْ: يَرْزُقُ كُلَّ مَن سِواهُ مِمّا فِيهِ رُوحٌ.

ولَمّا كانَ المَنفِيُّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مَفْعُولًا مِنَ الطَّعْمِ، لا كَوْنُ ذَلِكَ مِن مَطْعَمٍ مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ: ولا يَبْلُغُ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُطْعِمَهُ، والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ، فامْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ إلَيْهِ، وهو سُبْحانُهُ الغَنِيُّ عَلى الإطْلاقِ، وهَذا التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وتَعْرِيضٌ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ولا سِيَّما الأصْنامُ، فَإنَّهم كانُوا يُهْدُونَ لَها الأطْعِمَةَ فَتَأْكُلُها الدَّوابُّ والطُّيُورُ، فَمَعْلُومٌ أنَّها لا تُطْعِمُ ولا تُطْعَمُ رَوى الدّارِمِيُّ في أوَّلِ مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (حَدَّثَنِي مَوْلايَ أنَّ أهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ ولَبَنٌ إلى آلِهَتِهِمْ، قالَ: فَمَنَعَنِي أنْ آكُلَ الزُّبْدَ مَخافَتُها، فَجاءَ كَلْبٌ فَأكَلَ الزُّبْدَ وشَرِبَ اللَّبَنَ ثُمَّ بالَ عَلى الصَّنَمِ ) ومَوْلاهُ كانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإسْلامِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو قَيْسُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عائِذِ بْنِ عِمْرانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وقِيلَ: قَرِيبُهُ السّائِبُ بْنُ أبِي السّائِبِ صَيْفِيُّ بْنُ عائِذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْرُومٍ. وقِيلَ: ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السّائِبِ - واللَّهُ أعْلَمُ. ولَهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ - هو العُطارِدِيُّ وهو مُخَضْرَمٌ - قالَ: ( كُنّا في الجاهِلِيَّةِ إذا أصَبْنا حَجَرًا حَسَنًا عَبَدْناهُ، وإنْ لَمْ نُصِبْ حَجَرًا جَمَعْنا كُثْبَةً مِن رَمْلٍ، ثُمَّ جِئْنا بِالنّاقَةِ الصَّفِيِّ فَنُفاجُّ عَلَيْها فَنَحْلِبُها عَلى الكُثْبَةِ حَتّى نَرْوِيَها، ثُمَّ نَعْبُدُ …

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

ولَمّا كانَ فِعْلُ المَنهِيِّ قَدْ لا يُعَذَّبُ عَلَيْهِ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّ المُخالَفَةَ في هَذا مِن أبْلَغِ المُخالَفاتِ، فَصاحِبُها مُسْتَحِقٌّ لِأعْظَمِ الِانْتِقامِ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا لَهم عَنِ الطَّمَعِ فِيهِ، وأكَّدَهُ لِذَلِكَ ولِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْخَوْفِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿أخافُ إنْ عَصَيْتُ﴾ أيَّ شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ مِنِّي أنْ أُوافِقَكم فِيهِ بِما أُمِرْتُ بِهِ أوْ نُهِيتُ عَنْهُ ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿عَذابَ يَوْمٍ﴾ ولَمّا كانَ عِظَمُ الظَّرْفِ بِعِظَمِ مَظْرُوفِهِ قالَ: ﴿عَظِيمٍ﴾

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

ولَمّا كانَ قَدْ قَدَّمَ مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ ما أطْمَعَ الفاجِرَ ثُمَّ أيْأسَهُ مِن ذَلِكَ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الخَسارَةِ - صَرَّحَ هُنا بِما اقْتَضاهُ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ، فَقالَ واصِفًا لِذَلِكَ العَذابِ مُبَيِّنًا أنَّ الرَّحْمَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى غَيْرِ المَعْهُودِ الآنَ، فَإنَّها خاصَّةٌ لا عامَّةٌ دائِمَةُ السُّبُوغِ عَلى مَن نالَتْهُ، لا زائِلَةٌ وكَذا النِّعْمَةُ، هَكَذا شَأْنُ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابِ. ولَمّا كانَ المُرادُ دَوامَ الصَّرْفِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِ فِعْلَ المَرْحُومِ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ﴾ أيْ:: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ ﴿المُبِينُ﴾ أيْ: الظّاهِرُ جِدًّا، ومَن لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ فَقَدْ أهانَهُ، وذَلِكَ هو العَذابُ العَظِيمُ.

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ يُصْرَفْ عَنْكَ ذَلِكَ العَذابُ فَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ دَلِيلًا آخَرَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَهُ ولِيًّا، فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ في ذَلِكَ العَذابِ وغَيْرِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لِمَن أُوقِعَ بِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِضُرٍّ﴾ أيْ: هُنا أوْ هُناكَ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا هُوَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إيقاعِهِ، ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دِفاعِهِ؛ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرادَ.

ولَمّا كانَ القِياسُ عَلى الأوَّلِ مُوجِبًا لِأنْ يَكُونَ الجَزاءُ: فَلا مانِعَ لَهُ، كانَ وصْفُهُ مِن صِفَةِ قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى مَنعِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

ولَمّا كانَتْ الجُمْلَتانِ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَأفادَتا بِما ذُكِرَ وما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِمّا حُذِفَ أنَّهُ تَعالى غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ أيْ: الَّذِي يُعْمِلُ مُرادَهُ كُلَّهُ ويَمْنَعُ غَيْرَهُ مُرادَهُ إنْ شاءَ، وصَوَّرَ قَهْرَهُ وحَقَّقَهُ لِتَمَكُّنِ الغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ عَبْدٌ ولَمّا كانَ في القَهْرِ ما يَكُونُ مَذْمُومًا - نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يُوصَلُ أثَرُ القَهْرِ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ إلّا لِمُسْتَحِقٍّ، وأتَمَّ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَمَّتْ الأدِلَّةُ عَلى عَظِيمِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ لا فاعِلَ غَيْرُهُ.

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

ولَمّا خَتَمَ بِصِفَتَيْ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَعْلَمْ أنّا نُكَذِّبُكَ بِخِبْرَتِهِ فَيُرْسِلُ مَعَكَ بِحِكْمَتِهِ مَن يَشْهَدُ لَكَ - عَلى ما يَقُولُ مِن أنَّهُ أمَرَكَ أنْ تَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، ونَهاكَ عَنِ الشِّرْكِ لِنُصَدِّقَكَ - مِن مَلَكٍ كَما تَقَدَّمَ سُؤالُنا لَكَ فِيهِ أوْ كِتابٍ في قِرْطاسٍ أوْ غَيْرِهِما؟ فَقالَ: قَدْ فَعَلَ، ولَمْ يَرْضَ لِي إلّا بِشَهادَتِهِ المُقَدَّسَةِ فَقالَ - أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا أقامَ الأدِلَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ ووَصَلَ إلى صِفَةِ القَهْرِ المُؤْذِنِ بِالِانْتِقامِ، لَمْ يَبْقَ إلّا الإشْهادُ عَلَيْهِمْ إيذانًا بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن سُوءِ العَذابِ وإنْذارًا بِهِ لِئَلّا يَقُولُوا إذا حَلَّ بِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِنا نَذِيرٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ﴾ أيْ: أعْظَمُ وأجَلُّ ﴿شَهادَةً﴾ فَإنْ أنْصَفُوا وقالُوا: اللَّهُ! فَقُلْ: هو الَّذِي يَشْهَدُ لِي، كَما قالَ في النِّساءِ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] ولَكِنَّهُ قَطَعَ الكَلامَ هُنا إشارَةً إلى عِنادِهِمْ أوْ سُكُوتِهِمْ، أوْ إلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُعانِدِ، أوْ العالِمِ بِالشَّيْءِ العامِلِ عَمَلَ الجاهِلِ، فَقالَ آمِرًا لَهُ ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً أكْبَرُ شَهادَةً.

ولَمّا كانُوا بِمَعْرِضِ أنْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ ويَقُولُوا: إنَّهُ لَكَذَلِكَ، ولَكِنْ هَلُمَّ شَهادَتَهُ ! قالَ: ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: هو أبْلَغُ شاهِدٍ يَشْهَدُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ الَّذِي ثَبَتَ بِعَجْزِكم عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ، وبِغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِها، ولَمّا قَرَّرَ أنَّهُ أعْظَمُ شَهِيدٍ، وأشارَ إلى شَهادَتِهِ بِالآياتِ كُلِّها - نَبَّهَ عَلى أعْظَمِها؛ لِأنَّ إظْهارَهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ عَلى لِسانِهِ ﷺ عَلى وفْقِ دَعْواهُ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالصِّدْقِ، فَقالَ ذاكِرًا لِفائِدَتِهِ في سِياقِ تَهْدِيدٍ مُتَكَفِّلٍ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ المُقَرِّرُ لِلثّانِي والمُفْهِمُ لَهُ بِغايَتِهِ، عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ ( شَهِيدٌ ) بانِيًا لِلْمَفْعُولِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ لِلْإعْجازِ، وبَنى لِلْفاعِلِ في السَّوادِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ﴾ وحَقَّقَ المُوحى بِهِ وشَخَّصَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّهْدِيدِ قالَ مُقْتَصِرًا عَلى ما يُلائِمُهُ: ﴿لأُنْذِرَكُمْ﴾ أيْ: أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم مِن اعْتِقادِ شائِبَةِ نَقْصٍ في الإلَهِ لا سِيَّما الشِّرْكُ ﴿بِهِ ومَن﴾ أيْ: وأُنْذِرُ بِهِ كُلَّ مَن ﴿بَلَغَ﴾ أيْ: بَلَغَهُ، قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُضْمِرُ الهاءَ في صِلاتِ: ( الَّذِي) و( مَن ) و( ما) . وقالَ البُخارِيُّ في آخِرِ الصَّحِيحِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ومَن بَلَغَ هَذا القُرْآنُ فَهو لَهُ نَذِيرٌ، عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ووَصَلَهُ إلَيْهِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ كَما أفادَهُ شَيْخُنا في شَرْحِهِ. وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «بَلِّغُوا عَنِ اللَّهِ، فَمَن بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللَّهِ». وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الكافِي السُّبْكِيُّ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمانٍ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَلْ بُعِثَ إلى الجِنِّ - ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ: الكِتابُ …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

ولَمّا أثْبَتَ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ ادَّعى كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهم سَألُوا أهْلَ الكِتابَيْنِ فادَّعَوْا أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعِ لِخَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: الحَقَّ الَّذِي كَذَّبْتُمْ بِهِ لَمّا جاءَكم وحَصَلَ النِّزاعُ بَيْنِي وبَيْنَكم فِيهِ لِما عِنْدَهم في كِتابِهِمْ مِن وصْفِي الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ، ولِما هم بِمِثْلِهِ آنِسُونَ مِمّا أُثْبِتَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، ولِما في هَذا القُرْآنِ مِنَ التَّصْدِيقِ لِكِتابِهِمْ والكَشْفِ لِما أخْفَوْا مِن أخْبارِهِمْ، ولِأسالِيبِهِ الَّتِي لا يَرْتابُونَ في أنَّها خارِجَةٌ مِن مِشْكاةِ كِتابِهِمْ مَعَ زِيادَتِها بِالإعْجازِ، فَهم يَعْرِفُونَ هَذا الحَقَّ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ الصِّبْيانِ بِحُلاهم ونُعُوتِهِمْ مَعْرِفَةً لا يَشُكُّونَ فِيها، وقَدْ وضَعْتُمُوهم مَوْضِعَ الوُثُوقِ، وأنْزَلْتُمُوهم مَنزِلَةَ الحَكَمِ بِسُؤالِكم لَهم عَنِّي غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ آمَنَ بِي جَماعَةٌ مِنهم وشَهِدُوا لِي، فَما لَكَمَ لا تُتابِعُونَهُمْ! لَقَدْ بانَ الهَوى وانْكَشَفَ عَنْ ضَلالِكم الغِطاءُ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُهم يُخْفُونَ ذَلِكَ ولا يَشْهَدُونَ بِهِ، قالَ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْهم: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ أيْ: مِنهم، ولَكِنَّهُ حَذَفَها لِلتَّعْمِيمِ ﴿أنْفُسَهم فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِما سَبَقَ لَهم مِنَ القَضاءِ بِالشَّقاءِ الَّذِي خَسِرُوا بِهِ أنْفُسَهم بِالعُدُولِ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والفِكْرَةُ المُسْتَقِيمَةُ، ومَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ فَكَيْفَ يَشْهَدُ! فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ مَن لا يَشْهَدُ مِنهم فَهو في الحَقِيقَةِ مَيِّتٌ أوْ مَواتٌ؛ لِأنَّ مَن ماتَتْ نَفْسُهُ كَذَلِكَ، بَلْ هم أشْقى مِنهُ، فَلَقَدْ أدّاهُمُ ذَلِكَ الشَّقاءُ إلى أنْ حَرَّفُوا كِتابَهم وأخْفَوْا كَثِيرًا مِمّا يَشْهَدُ لِي بِالنُّبُوَّةِ، فَكانُوا أظْلَمَ الخَلْقِ بِالكَذِبِ في كِتابِ اللَّهِ لِلتَّكْذِيبِ لِرُسُلِ اللَّهِ.

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.