Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 101–110 of 165

101

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِ طَوائِفِ أهْلِ الدُّنْيا مِنَ المُشْرِكِينَ. شَرَعَ في إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنّا نُشِيرُ هاهُنا إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فَنَقُولُ: الإبْداعُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مِثالٍ، ولِذَلِكَ فَإنَّ مَن أتى في فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ فِيها، يُقالُ: إنَّهُ أبْدَعَ فِيهِ.

صفحة ٩٧

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ لِلنَّصارى أنَّ عِيسى حَدَثَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا نُطْفَةٍ، بَلْ إنَّهُ إنَّما حَدَثَ ودَخَلَ في الوُجُودِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْرَجَهُ إلى الوُجُودِ مِن غَيْرِ سَبْقِ الأبِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنْ يُقالَ: إنَّكم إمّا أنْ تُرِيدُوا بِكَوْنِهِ ولَدًا لِلَّهِ تَعالى أنَّهُ أحْدَثَهُ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ نُطْفَةٍ ووالِدٍ، وإمّا أنْ تُرِيدُوا بِكَوْنِهِ ولَدًا لِلَّهِ تَعالى كَما هو المَأْلُوفُ المَعْهُودُ مِن كَوْنِ الإنْسانِ ولَدًا لِأبِيهِ، وإمّا أنْ تُرِيدُوا بِكَوْنِهِ ولَدًا لِلَّهِ مَفْهُومًا ثالِثًا مُغايِرًا لِهَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَباطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ يُحْدِثُ الحَوادِثَ في مِثْلِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ بِناءً عَلى أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ ووَسايِطَ مَخْصُوصَةٍ، إلّا أنَّ النَّصارى يُسَلِّمُونَ أنَّ العالَمَ الأسْفَلَ مُحْدَثٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِن غَيْرِ سابِقَةِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ إحْداثُهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ إبْداعًا، فَلَوْ لَزِمَ مِن مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُبْدِعًا لِإحْداثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَوْنُهُ والِدًا لَهُ لَزِمَ مِن كَوْنِهِ مُبْدِعًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ كَوْنُهُ والِدًا لَهُما، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَثَبَتَ أنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ مُبْدِعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ والِدًا لَهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ فَقَطْ ولَمْ يَذْكُرْ ما فِيهِما لِأنَّ حُدُوثَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ، أمّا حُدُوثُ ذاتِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقَدْ كانَ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ الإلْزامِ حاصِلًا بِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، لا بِذِكْرِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهَذا إبْطالُ الوَجْهِ الأوَّلِ.

وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ مُرادُ القَوْمِ مِنَ الوِلادَةِ هو الأمْرَ المُعْتادَ المَعْرُوفَ مِنَ الوِلادَةِ في الحَيَواناتِ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الوِلادَةَ لا تَصِحُّ إلّا مِمَّنْ كانَتْ لَهُ صاحِبَةٌ وشَهْوَةٌ، ويَنْفَصِلُ عَنْهُ جُزْءٌ ويُحْتَبَسُ ذَلِكَ الجُزْءُ في باطِنِ تِلْكَ الصّاحِبَةِ، وهَذِهِ الأحْوالُ إنَّما تَثْبُتُ في حَقِّ الجِسْمِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ الِاجْتِماعُ والِافْتِراقُ، والحَرَكَةُ والسُّكُونُ، والحَدُّ والنِّهايَةُ، والشَّهْوَةُ …

Al-An'aam 6:101Listen in Qur'an →
102

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ

That is Allah, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الحُجَّةَ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وبَيَّنَ فَسادَ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى الإشْراكِ بِاللَّهِ، وفَصَّلَ مَذاهِبَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ فَسادَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالدَّلائِلِ اللّائِقَةِ بِهِ، ثُمَّ حَكى مَذْهَبَ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ البَنِينَ والبَناتِ، وبَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ فَسادَ القَوْلِ بِها فَعِنْدَ هَذا ثَبَتَ أنَّ إلَهَ العالَمِ فَرْدٌ واحِدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، والضِّدِّ والنِّدِّ، ومُنَزَّهٌ عَنِ الأوْلادِ والبَنِينَ والبَناتِ، فَعِنْدَ هَذا صَرَّحَ بِالنَّتِيجَةِ فَقالَ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ ما سِواهُ فاعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ أحَدًا، فَإنَّهُ هو المُصْلِحُ لِمُهِمّاتِ جَمِيعِ العِبادِ، وهو الَّذِي يَسْمَعُ دُعاءَهم، ويَرى ذُلَّهم وخُضُوعَهم، ويَعْلَمُ حاجَتَهم، وهو الوَكِيلُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى حُصُولِ مُهِمّاتِهِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ في تَقْرِيرِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ، وإظْهارِ فَسادِ الشِّرْكِ، عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أوْضَحُ ولا أصْلَحُ مِنهُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ذَلِكم“ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، وهي: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ ذَلِكَ الجامِعُ لِهَذِهِ الصِّفاتِ

صفحة ٩٩

فاعْبُدُوهُ، عَلى مَعْنى أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ هو الحَقِيقَ بِالعِبادَةِ فاعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا أحَدًا سِواهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ افْتِقارَ الخَلْقِ إلى خالِقٍ ومُوجِدٍ، ومُحْدِثٍ، ومُبْدِعٍ، ومُدَبِّرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا مُنْفَصِلًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشُّرَكاءِ، والأضْدادِ والأنْدادِ، ثُمَّ إنَّهُ أتْبَعَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِأنْ نَقَلَ قَوْلَ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا، فَهَذا القَدْرُ يَكُونُ أوْجَبَ الجَزْمَ بِالتَّشْرِيكِ مِنَ الجِنِّ، ثُمَّ أبْطَلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أتى بِالتَّوْحِيدِ المَحْضِ، حَيْثُ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ﴾ وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ، وهو أنَّ حاصِلَ ما تَقَدَّمَ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الخالِقِ، وتَزْيِيفُ دَلِيلِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا، فَهَذا القَدْرُ كَيْفَ أوْجَبَ الجَزْمَ بِالتَّوْحِيدِ المَحْضِ ؟ فَنَقُولُ: لِلْعُلَماءِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، ومِن جُمْلَتِها هَذِهِ الطَّرِيقَةُ.

وتَقْرِيرُها مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ المُتَقَدِّمُونَ: الصّانِعُ الواحِدُ كافٍ، وما زادَ عَلى الواحِدِ فالقَوْلُ فِيهِ مُتَكافِئٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِالتَّوْحِيدِ، أمّا قَوْلُنا: الصّانِعُ الواحِدُ كافٍ؛ فَلِأنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ العالِمَ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ كافٍ في كَوْنِهِ إلَهًا لِلْعالَمِ، ومُدَبِّرًا لَهُ، وأمّا أنَّ الزّائِدَ عَلى الواحِدِ، فالقَوْلُ فِيهِ مُتَكافِئٌ، فَلِأنَّ الزّائِدَ عَلى الواحِدِ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إثْباتُ عَدَدٍ أوْلى مِن إثْباتِ عَدَدٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ إمّا إثْباتُ آلِهَةٍ لا نِهايَةَ لَها، وهو مُحالٌ، أوْ …

Al-An'aam 6:102Listen in Qur'an →
103

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ

Vision perceives Him not, but He perceives [all] vision; and He is the Subtle, the Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ .

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ والمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ.

وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ وذَلِكَ مِمّا يُساعِدُ الخَصْمَ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ بَنَوُا اسْتِدْلالَهم في إثْباتِ مَذْهَبِهِمْ في نَفْيِ الرُّؤْيَةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ تَعالى جائِزَ الرُّؤْيَةِ لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ ألا تَرى أنَّ المَعْدُومَ لا تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، والعُلُومُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ والرَّوائِحُ والطُّعُومُ لا يَصِحُّ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنها، ولا مَدْحٌ لِشَيْءٍ مِنها في كَوْنِها بِحَيْثُ لا تَصِحُّ رُؤْيَتُها، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يُفِيدُ المَدْحَ، وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ المَدْحَ لَوْ كانَ صَحِيحَ الرُّؤْيَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى جائِزَ الرُّؤْيَةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِ مَدْحٌ وتَعْظِيمٌ لِلشَّيْءِ، أمّا إذا كانَ في نَفْسِهِ جائِزَ الرُّؤْيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدَرَ عَلى حَجْبِ الأبْصارِ عَنْ رُؤْيَتِهِ وعَنْ إدْراكِهِ، كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ الكامِلَةُ دالَّةً عَلى المَدْحِ والعَظَمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ بِحَسَبِ ذاتِهِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ القائِلَ قائِلانِ: قائِلٌ قالَ بِجَوازِ الرُّؤْيَةِ مَعَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ، وقائِلٌ قالَ لا يَرَوْنَهُ ولا تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ؛ فَأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ مَعَ أنَّهُ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ فَكانَ باطِلًا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ في ذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ لَطِيفٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

صفحة ١٠٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ المُرادُ بِالأبْصارِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لَيْسَ هو نَفْسَ الإبْصارِ، فَإنَّ البَصَرَ لا يُدْرِكُ شَيْئًا البَتَّةَ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ، بَلِ المُدْرِكُ هو المُبْصِرُ؛ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ هو أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ المُبْصِرُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ المُرادُ مِنهُ وهو يُدْرِكُ المُبْصِرِينَ، ومُعْتَزِلَةُ البَصْرَةِ يُوافِقُونَنا عَلى أنَّهُ تَعالى يُبْصِرُ الأشْياءَ، فَكانَ هو تَعالى مِن جُمْلَةِ المُبْصِرِينَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُبْصِرًا لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ تَعالى جائِزَ …

Al-An'aam 6:103Listen in Qur'an →
104

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ البَياناتِ الظّاهِرَةَ، والدَّلائِلَ القاهِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ الإلَهِيَّةِ؛ عادَ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ الدَّعْوى والتَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ فَقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ والبَصائِرُ جَمْعُ البَصِيرَةِ، وكَما أنَّ البَصَرَ اسْمٌ لِلْإدْراكِ التّامِّ الكامِلِ الحاصِلِ بِالعَيْنِ الَّتِي في الرَّأْسِ، فالبَصِيرَةُ اسْمٌ لِلْإدْراكِ التّامِّ الحاصِلِ في القَلْبِ؛ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أيْ لَهُ مِن نَفْسِهِ مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ، وهي في أنْفُسِها لَيْسَتْ بَصائِرَ إلّا أنَّها لِقُوَّتِها وجَلالَتِها تُوجِبُ البَصائِرَ لِمَن عَرَفَها، ووَقَفَ عَلى حَقائِقِها، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ أسْبابًا لِحُصُولِ البَصائِرِ؛ سُمِّيَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْفُسُها بِالبَصائِرِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، فَهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وتَبْلِيغِ الدَّلالَةِ والبَيِّناتِ

صفحة ١١٠

فِيها، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَصَّرَ في تَبْلِيغِها وإيضاحِها وإزالَةِ الشُّبُهاتِ عَنْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ .

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، فَإقْدامُهم عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الكُفْرِ، فَإنَّ هَذا لا يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِهِمْ، ونَفْعُهُ وضَرُّهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مَن أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ، وإيّاها نَفَعَ، ومَن عَمِيَ عَنْهُ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ وإيّاها ضَرَّ بِالعَمى؛ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُ أعْمالَكم وأُجازِيكم عَلَيْها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ، وهي أرْبَعَةٌ ذَكَرَها القاضِي:

فالأوَّلُ: الغَرَضُ بِهَذِهِ البَصائِرِ أنْ يَنْتَفِعَ بِها اخْتِيارًا اسْتَحَقَّ بِها الثَّوابَ لا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ يَلْجَأ إلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ هَذا الغَرَضَ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما دَلَّنا وبَيَّنَ لَنا مَنافِعَ، وأغْراضُ المَنافِعِ تَعُودُ إلَيْنا لا لِمَنافِعَ تَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: أنَّ المَرْءَ بِعُدُولِهِ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُؤْتَ إلّا مِن قِبَلِهِ لا مِن قِبَلِ رَبِّهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ قالَ: وفِيهِ إبْطالُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في المَخْلُوقِ، وفي أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ بِلا قُدْرَةٍ.

واعْلَمْ أنَّهُ مَتى شَرَعَتِ المُعْتَزِلَةُ في الحِكْمَةِ والفَلْسَفَةِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَلا طَرِيقَ فِيهِ إلّا مُعارَضَتُهُ بِسُؤالِ الدّاعِي؛ فَإنَّهُ يَهْدِمُ كُلَّ ما يَذْكُرُونَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الإبْصارِ هاهُنا العِلْمُ، ومِنَ العَمى الجَهْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أبْصَرَ …

Al-An'aam 6:104Listen in Qur'an →
105

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And thus do We diversify the verses so the disbelievers will say, "You have studied," and so We may make the Qur'an clear for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في الإلَهِيّاتِ إلى هَذا المَوْضِعِ شَرَعَ مِن هَذا المَوْضِعِ في إثْباتِ النُّبُوّاتِ، فَبَدَأ تَعالى بِحِكايَةِ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: يا مُحَمَّدُ، إنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتَنا بِهِ كَلامٌ تَسْتَفِيدُهُ مِن مُدارَسَةِ العُلَماءِ ومُباحَثَةِ الفُضَلاءِ، وتُنَظِّمُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ عَلَيْنا، وتَزْعُمُ أنَّهُ وحْيٌ نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى

صفحة ١١١

أجابَ عَنْهُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها مُتَواتِرَةً حالًا بَعْدَ حالٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: حَكى الواحِدِيُّ: في قَوْلِهِ دَرَسَ الكِتابَ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ إذا داسَهُ، يَدْرُسُهُ دِراسًا والدِّراسُ الدِّياسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، قالَ: ودَرَسَ الكَلامَ مِن هَذا أيْ يَدْرُسُهُ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ.

والثّانِي: قالَ أبُو الهَيْثَمِ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ، أيْ أخَلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ دَرِيسٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّراسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ بَلْ هو نَفْسُهُ؛ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسْتَ بِالألِفِ ونَصْبِ التّاءِ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وتَفْسِيرُها قَرَأْتَ عَلى اليَهُودِ وقَرَءُوا عَلَيْكَ، وجَرَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مُدارَسَةٌ ومُذاكَرَةٌ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (دَرَسَتْ) أيْ هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي تَلَوْتَها عَلَيْنا قَدِيمَةٌ قَدْ دَرَسَتْ وانْمَحَتْ، ومَضَتْ مِنَ الدَّرْسِ الَّذِي هو تُعَفِّي الأثَرِ، وإمْحاءُ الرَّسْمِ، قالَ الأزْهَرِيُّ مَن قَرَأ: ”دَرَسَتْ“ فَمَعْناهُ تَقادَمَتْ أيْ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ عَلَيْنا قَدْ تَقادَمَ وتَطاوَلَ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الأثَرُ يَدْرِسُ دُرُوسًا.

واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ رَوى هاهُنا قِراءاتٍ أُخْرى:

فَإحْداها: ”دَرُسَتْ“ بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةٌ في ”دَرَسَتْ“ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها.

وثانِيها: ”دُرِسَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قَدُمَتْ وعَفَتْ.

وثالِثُها: ”دارَسَتْ“ وفَسَّرُوها بِدارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا.

ورابِعُها: ”دَرَسَ“ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ.

وخامِسُها: ”دارِساتٌ“ عَلى مَعْنى هي دارِساتٌ أيْ قَدِيماتٌ، أوْ ذاتُ دَرْسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.

البحُثُ الثّالِثُ: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ”ولِيَقُولُوا“ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ؛ والتَّقْدِيرُ وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ولِيَقُولُوا: فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِوُضُوحِ مَعْناهُ.

البَحْثُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ …

Al-An'aam 6:105Listen in Qur'an →
106

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Follow, [O Muhammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allah.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ في إظْهارِ هَذا القُرْآنِ إلى الِافْتِراءِ، أوْ إلى أنَّهُ يُدارِسُ أقْوامًا ويَسْتَفِيدُ هَذِهِ العُلُومَ مِنهم ثُمَّ يَنْظِمُها قُرْآنًا، ويَدَّعِي أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾

صفحة ١١٣

لِئَلّا يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ سَبَبًا لِفُتُورِهِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ، والمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ قَلْبِهِ وإزالَةُ الحُزْنِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ سَماعِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ واحِدًا في الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ طاعَتُهُ، ولا يَجُوزُ الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِهِ بِسَبَبِ جَهْلِ الجاهِلِينَ وزَيْغِ الزّائِغِينَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ المُقابَلَةِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَنسُوخٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِتَرْكِ المُقابَلَةِ في الحالِ لا يُفِيدُ الأمْرَ بِتَرْكِها دائِمًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبِ التِزامُ النَّسْخِ، وقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ مُقابَلَتِهِمْ فِيما يَأْتُونَهُ مِن سَفَهٍ، وأنْ يَعْدِلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، وأبْعَدَ عَنِ التَّنْفِيرِ والتَّغْلِيظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما جَمَعْتَ هَذا القُرْآنَ مِن مُدارَسَةِ النّاسِ ومُذاكَرَتِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: لا تَلْتَفِتْ إلى سَفاهاتِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُهم، فَإنِّي لَوْ أرَدْتُ إزالَةَ الكُفْرِ عَنْهم لَقَدَرْتُ، ولَكِنِّي تَرَكْتُهم مَعَ كُفْرِهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَشْغَلَ قَلْبَكَ بِكَلِماتِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا يُشْرِكُوا ما أشْرَكُوا، وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الجَزاءُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الشَّرْطُ، فَعَلِمْنا أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ إشْراكِهِمْ غَيْرُ حاصِلَةٍ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، وما شاءَ مِن أحَدٍ الكُفْرَ والشِّرْكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، فَيُحْمَلُ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ عَلى مَشِيئَةِ الإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ المُوجِبِ لِلثَّوابِ والثَّناءِ، ويُحْمَلُ عَدَمُ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ عَلى الإيمانِ الحاصِلِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ والإلْجاءِ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهم أنْ يَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ ويُخْرِجُ الإنْسانَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ.

هَذا ما عَوَّلَ القَوْمُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، وهو في غايَةِ الضَّعْفِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أقْدَرَ الكافِرَ عَلى الكُفْرِ، فَقُدْرَةُ الكُفْرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلْإيمانِ فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ لَمْ يَتَرَجَّحْ جانِبُ الكُفْرِ عَلى …

Al-An'aam 6:106Listen in Qur'an →
107

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ

But if Allah had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ في إظْهارِ هَذا القُرْآنِ إلى الِافْتِراءِ، أوْ إلى أنَّهُ يُدارِسُ أقْوامًا ويَسْتَفِيدُ هَذِهِ العُلُومَ مِنهم ثُمَّ يَنْظِمُها قُرْآنًا، ويَدَّعِي أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾

صفحة ١١٣

لِئَلّا يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ سَبَبًا لِفُتُورِهِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ، والمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ قَلْبِهِ وإزالَةُ الحُزْنِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ سَماعِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ واحِدًا في الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ طاعَتُهُ، ولا يَجُوزُ الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِهِ بِسَبَبِ جَهْلِ الجاهِلِينَ وزَيْغِ الزّائِغِينَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ المُقابَلَةِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَنسُوخٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِتَرْكِ المُقابَلَةِ في الحالِ لا يُفِيدُ الأمْرَ بِتَرْكِها دائِمًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبِ التِزامُ النَّسْخِ، وقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ مُقابَلَتِهِمْ فِيما يَأْتُونَهُ مِن سَفَهٍ، وأنْ يَعْدِلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، وأبْعَدَ عَنِ التَّنْفِيرِ والتَّغْلِيظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما جَمَعْتَ هَذا القُرْآنَ مِن مُدارَسَةِ النّاسِ ومُذاكَرَتِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: لا تَلْتَفِتْ إلى سَفاهاتِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُهم، فَإنِّي لَوْ أرَدْتُ إزالَةَ الكُفْرِ عَنْهم لَقَدَرْتُ، ولَكِنِّي تَرَكْتُهم مَعَ كُفْرِهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَشْغَلَ قَلْبَكَ بِكَلِماتِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا يُشْرِكُوا ما أشْرَكُوا، وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الجَزاءُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الشَّرْطُ، فَعَلِمْنا أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ إشْراكِهِمْ غَيْرُ حاصِلَةٍ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، وما شاءَ مِن أحَدٍ الكُفْرَ والشِّرْكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، فَيُحْمَلُ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ عَلى مَشِيئَةِ الإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ المُوجِبِ لِلثَّوابِ والثَّناءِ، ويُحْمَلُ عَدَمُ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ عَلى الإيمانِ الحاصِلِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ والإلْجاءِ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهم أنْ يَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ ويُخْرِجُ الإنْسانَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ.

هَذا ما عَوَّلَ القَوْمُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، وهو في غايَةِ الضَّعْفِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أقْدَرَ الكافِرَ عَلى الكُفْرِ، فَقُدْرَةُ الكُفْرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلْإيمانِ فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ لَمْ يَتَرَجَّحْ جانِبُ الكُفْرِ عَلى …

Al-An'aam 6:107Listen in Qur'an →
108

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And do not insult those they invoke other than Allah, lest they insult Allah in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّما جَمَعْتَ هَذا القُرْآنَ مِن مُدارَسَةِ النّاسِ ومُذاكَرَتِهِمْ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الكُفّارِ غَضِبُوا وشَتَمُوا آلِهَتَهم عَلى سَبِيلِ المُعارَضَةِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا العَمَلِ؛ لِأنَّكَ مَتى شَتَمْتَ آلِهَتَهم غَضِبُوا فَرُبَّما ذَكَرُوا اللَّهَ تَعالى بِما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ، فَلِأجْلِ الِاحْتِرازِ عَنْ هَذا المَحْذُورِ وجَبَ الِاحْتِرازُ عَنْ ذَلِكَ المَقالِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ خَصْمَكَ إذا شافَهَكَ بِجَهْلٍ وسَفاهَةٍ لَمْ يَجُزْ لَكَ أنْ تَقْدُمَ عَلى مُشافَهَتِهِ بِما يَجْرِي مَجْرى كَلامِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ المُشاتَمَةِ والسَّفاهَةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالَ المُشْرِكُونَ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، أقُولُ: لِي هاهُنا إشْكالانِ:

الأوَّلُ: أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دَفْعَةً واحِدَةً فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَذا وكَذا.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالإلَهِ تَعالى وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما حَسُنَتْ عِبادَةُ الأصْنامِ لِتَصِيرَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ إقْدامُهم عَلى شَتْمِ اللَّهِ تَعالى وسَبِّهِ.

صفحة ١١٥

والقَوْلُ الثّانِي: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ السُّدِّيُّ: «لَمّا قَرُبَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ قالَتْ قُرَيْشٌ: نَدْخُلُ عَلَيْهِ ونَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَنْهى ابْنَ أخِيهِ عَنّا فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَقُولُ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ، فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مَعَ جَماعَةٍ إلَيْهِ، وقالُوا لَهُ: أنْتَ كَبِيرُنا وخاطَبُوهُ بِما أرادُوا، فَدَعا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ يَطْلُبُونَ مِنكَ أنْ تَتْرُكَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَتْرُكُوكَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَأبَوْا فَقالَ أبُو طالِبٍ: قُلْ غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَإنَّ قَوْمَكَ يَكْرَهُونَها؛ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها حَتّى تَأْتُونِي بِالشَّمْسِ فَتَضَعُوها في يَدِي فَقالُوا لَهُ: اتْرُكْ شَتْمَ آلِهَتِنا وإلّا شَتَمْناكَ، ومَن يَأْمُرُكَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»﴾ ) .

واعْلَمْ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فاسْتَحالَ إقْدامُهم عَلى شَتْمِ الإلَهِ بَلْ هاهُنا احْتِمالاتٌ:

أحَدُها: أنَّهُ رُبَّما كانَ بَعْضُهم قائِلًا بِالدَّهْرِ ونَفْيِ الصّانِعِ، فَما كانَ يُبالِي بِهَذا النَّوْعِ مِنَ السَّفاهَةِ.

وثانِيها: أنَّ الصَّحابَةَ مَتى شَتَمُوا الأصْنامَ …

Al-An'aam 6:108Listen in Qur'an →
109

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with Allah." And what will make you perceive that even if a sign came, they would not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ شُبْهَةً تُوجِبُ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما جِئْتَنا بِهِ لِأنَّكَ تُدارِسُ العُلَماءَ، وتُباحِثُ الأقْوامَ الَّذِينَ عَرَفُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ تَجْمَعُ هَذِهِ السُّوَرَ وهَذِهِ الآياتِ بِهَذا الطَّرِيقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِما سَبَقَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى شُبْهَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهم لَهُ: إنَّ هَذا القُرْآنَ كَيْفَما كانَ أمْرُهُ، فَلَيْسَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ البَتَّةَ، ولَوْ أنَّكَ يا مُحَمَّدُ جِئْتَنا بِمُعْجِزَةٍ قاهِرَةٍ وبَيِّنَةٍ ظاهِرَةٍ لَآمَنّا بِكَ، وحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، وبالَغُوا في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَلِفِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما سَمّى اليَمِينَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الإنْسانَ، إمّا مُثْبِتًا لِلشَّيْءِ، وإمّا نافِيًا. ولَمّا كانَ الخَبَرُ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتاجَ المُخْبِرُ إلى طَرِيقٍ بِهِ يَتَوَسَّلُ إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الصِّدْقِ عَلى جانِبِ الكَذِبِ، وذَلِكَ هو الحَلِفُ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى ذِكْرِ الحَلِفِ، إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ انْقِسامِ النّاسِ عِنْدَ سَماعِ ذَلِكَ الخَبَرِ إلى مُصَدِّقٍ بِهِ ومُكَذِّبٍ بِهِ، سَمَّوُا الحَلِفَ بِالقَسَمِ، وبَنَوْا تِلْكَ الصِّيغَةَ عَلى أفْعَلَ فَقالُوا: أقْسَمَ فُلانٌ يُقْسِمُ إقْسامًا؛ وأرادُوا أنَّهُ أكَّدَ القَسَمَ الَّذِي اخْتارَهُ، وأحالَ الصِّدْقَ إلى القَسَمِ الَّذِي اخْتارَهُ بِواسِطَةِ الحَلِفِ واليَمِينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالُوا لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أقْسَمَ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: «إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى ضَرَبَ الحَجَرَ بِالعَصا فانْفَجَرَ الماءُ، وأنَّ عِيسى أحْيا المَيِّتَ، وأنَّ صالِحًا أخْرَجَ النّاقَةَ مِنَ الجَبَلِ، فَأْتِنا أيْضًا أنْتَ بِآيَةٍ لِنُصَدِّقَكَ؛ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما الَّذِي تُحِبُّونَ فَقالُوا: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، وحَلَفُوا لَئِنْ فَعَلَ لَيَتَّبِعُونَهُ أجْمَعُونَ، فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ذَلِكَ، ولَئِنْ كانَ فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَهُ لَيُعَذِّبَنَّهم، وإنْ تُرِكُوا تابَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَقالَ ﷺ: بَلْ يَتُوبُ عَلى بَعْضِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ وُجُوهًا:

قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: إذا حَلَفَ الرَّجُلُ

صفحة ١١٨

بِاللَّهِ فَهو جَهْدُ يَمِينِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: بالَغُوا في الأيْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ ما رَوَيْنا مِن جَعْلِ الصَّفا ذَهَبًا، وقِيلَ: هي الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ …

Al-An'aam 6:109Listen in Qur'an →
110

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هَذا أيْضًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا: إنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والتَّقَلُّبَ والقَلْبَ واحِدٌ، وهو تَحْوِيلُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومَعْنى تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ: هو أنَّهُ إذا جاءَتْهُمُ الآياتُ القاهِرَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَرَفُوا كَيْفِيَّةَ دَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهُ تَعالى إذا قَلَّبَ قُلُوبَهم وأبْصارَهم عَنْ ذَلِكَ الوَجْهِ الصَّحِيحِ بَقُوا عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الآياتِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّ تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ لَوْ جاءَتْهم لَما آمَنُوا بِها ولَما انْتَفَعُوا بِظُهُورِها البَتَّةَ.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المُرادُ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في دارِ الدُّنْيا.

وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ بِأنّا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

وأجابَ القاضِي: بِأنَّ المُرادَ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ، فَلا تَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ في غايَةِ الضَّعْفِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعِيبَنا، فَيَقُولَ: إنَّكم تُكَرِّرُونَ هَذِهِ الوُجُوهَ في كُلِّ مَوْضِعٍ، فَإنّا نَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ لَهم وُجُوهٌ مَعْدُودَةٌ في تَأْوِيلاتِ آياتِ الجَزاءِ، فَهم يُكَرِّرُونَها في كُلِّ آيَةٍ، فَنَحْنُ أيْضًا نُكَرِّرُ الجَوابَ عَنْها في كُلِّ آيَةٍ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ القُدْرَةَ الأصْلِيَّةَ صالِحَةٌ لِلضِّدَّيْنِ ولِلطَّرَفَيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ. فَإذا لَمْ يَنْضَمَّ عَلى تِلْكَ القُدْرَةِ داعِيَةٌ مُرَجِّحَةٌ امْتَنَعَ حُصُولُ الرُّجْحانِ، فَإذا انْضَمَّتِ

صفحة ١٢١

الدّاعِيَةُ المُرَجِّحَةُ إمّا إلى جانِبِ الفِعْلِ أوْ إلى جانِبِ التَّرْكِ ظَهَرَ الرُّجْحانُ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وقَدْ ظَهَرَ صِحَّةُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ اليَقِينِيَّةِ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها العاقِلُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ» فالقَلْبُ كالمَوْقُوفِ بَيْنَ داعِيَةِ الفِعْلِ وبَيْنَ داعِيَةِ التَّرْكِ، فَإنْ حَصَلَ في القَلْبِ داعِي الفِعْلِ تَرَجَّحَ جانِبُ الفِعْلِ، وإنْ حَصَلَ فِيهِ داعِي التَّرْكِ تَرَجَّحَ جانِبُ التَّرْكِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ لَمّا كانَتا لا تَحْصُلانِ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ، عَبَّرَ عَنْهُما بِأُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ، والسَّبَبُ في حُسْنِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الإنْسانِ يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإنْ شاءَ أمْسَكَهُ، وإنْ شاءَ أسْقَطَهُ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ القَلْبُ واقِفٌ بَيْنَ هاتَيْنِ الدّاعِيَتَيْنِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ حاصِلَتانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ مُسَخَّرٌ لِهاتَيْنِ الدّاعِيَتَيْنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ، وكانَ عَلَيْهِ …

Al-An'aam 6:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.