Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 101–110 of 165

101

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا مِن صاحِبَةٍ؟! واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ في نَفْيِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فَلَيْسَ مِثْلُ خالِقِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ لِمَن لا مِثْلَ لَهُ؟! فَإذا نُسِبَ إلَيْهِ الوَلَدُ، فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثْلٌ.

Al-An'aam 6:101Listen in Qur'an →
102

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ

That is Allah, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا مِن صاحِبَةٍ؟! واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ في نَفْيِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فَلَيْسَ مِثْلُ خالِقِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ لِمَن لا مِثْلَ لَهُ؟! فَإذا نُسِبَ إلَيْهِ الوَلَدُ، فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثْلٌ.

Al-An'aam 6:102Listen in Qur'an →
103

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ

Vision perceives Him not, but He perceives [all] vision; and He is the Subtle, the Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ في الإدْراكِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإحاطَةِ. والثّانِي: بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ. وفي "الأبْصارِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها العُيُونُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها العُقُولُ، رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أبِي حَصِينٍ القارِئِ. فَفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: الإحاطَةُ بِحَقِيقَتِهِ، ولَيْسَ فِيها دَفْعٌ لَلرُّؤْيَةِ، لِمّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والعِلْمِ والحَدِيثِ.

والثّانِي: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ، الَّذِي هو نُورُهُ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ في الدُّنْيا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الآَيَةَ مَخْصُوصَةً بِالدُّنْيا، قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ:٢٣، ٢٢] فَقَيَّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ بِالقِيامَةِ، وأطْلَقَ في هَذِهِ الآَيَةِ والمُطْلَقُ يَحْمِلُ عَلى المُقَيَّدِ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ فِيهِ القَوْلانِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا الإعْلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَلْقَهُ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ البَصَرِ، وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ، دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن أعْضائِهِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ خَلْقًا مَن خَلْقِهِ لا يُدْرِكُ المَخْلُوقُونَ كُنْهَهُ، ولا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ؛ فَكَيْفَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ؟! فَأمّا "اللَّطِيفُ" فَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: هو البَرُّ بِعِبادِهِ، الَّذِي يَلْطِفُ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ويُسَبِّبُ لَهم مَصالِحَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: اللَّطِيفُ: الَّذِي يُوَصِّلُ إلَيْكَ أرَبَكَ في رِفْقٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَطَفَ اللَّهُ بِكَ؛ ويُقالُ: هو الَّذِي لَطَفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيْفِيَّةِ. وقَدْ يَكُونُ اللُّطْفُ بِمَعْنى الدِّقَّةِ والغُمُوضِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الصِّغَرِ في نُعُوتِ الأجْسامِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِصِفاتِ البارِي سُبْحانَهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ مَعْناهُ: الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ؛ والخَبِيرُ: العالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ، المُطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

Al-An'aam 6:103Listen in Qur'an →
104

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي الدَّلالَةُ الَّتِي تُوجِبُ البَصَرَ بِالشَّيْءِ والعِلْمَ بِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: قَدْ جاءَكُمُ القُرْآَنُ الَّذِي فِيهِ البَيانُ والبَصائِرُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ نَفْعُ ذَلِكَ "وَمَن عَمِي" فَعَلى نَفْسِهِ ضَرَرُ ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: لَسْتُ آَخُذُكم بِالإيمانِ أخَذَ الحَفِيظِ والوَكِيلِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.

فَصْلٌ

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناها: لَسْتُ رَقِيبًا عَلَيْكم أُحْصِي أعْمالَكُمْ؛ فَعَلى هَذا لا وجْهَ لَلنُّسَخِ.

Al-An'aam 6:104Listen in Qur'an →
105

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And thus do We diversify the verses so the disbelievers will say, "You have studied," and so We may make the Qur'an clear for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وكَذَلِكَ مَعْناها: وهَكَذا. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِثْلُ ما بَيَّنّا فِيما تُلِي عَلَيْكَ، نُبَيِّنُ الآَياتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُصَرِّفُ الآَياتِ، أيْ: نُبَيِّنُها في كُلِّ وجْهٍ، نَدْعُوهم بِها مَرَّةً، ونُخَوِّفُهم بِها أُخْرى. ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ تَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ "دارَسْتَ" .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآَياتِ، لَنُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ولِيَقُولُوا: دارَسْتَ؛ وإنَّما صَرَفَ الآَياتِ لَيَسْعَدَ قَوْمٌ بِفَهْمِها والعَمَلِ بِها، ويَشْقى آَخَرُونَ بِالإعْراضِ عَنْها؛ فَمَن عَمِلَ بِها سَعِدَ، ومَن قالَ: دارَسْتَ، شَقِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ اللّامُ في لَيَقُولُوا يُسَمِّيها أهْلُ اللُّغَةِ لامَ الصَّيْرُورَةِ. والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أدّاهم إلى أنْ قالُوا: دارَسْتَ، هو تِلاوَةُ الآَياتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ:٨] وهم لَمْ يَطْلُبُوا بِأخْذِهِ أنْ يُعادِيهِمْ، ولَكِنْ كانَ عاقِبَةُ الأمْرِ أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا. ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: كَتَبَ فُلانٌ الكِتابَ لَحَتْفِهِ، فَهو لَمْ يَقْصِدْ أنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ بِالكِتابِ، ولَكِنَّ العاقِبَةَ كانَتِ الهَلاكَ.

فَأمّا "دارَسْتَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: دارَسَتْ بِالألِفِ وسُكُونِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ؛ ومَعْناها: ذاكَرْتَ أهْلَ الكِتابِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "دَرَسْتَ" بِسُكُونٍ وفَتْحِ التّاءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى مَعْنى: قَرَأْتُ كُتُبَ أهْلِ الكِتابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناها: تَعَلَّمْتُ مَن جَبْرٍ ويَسارٍ. وسَنُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ:١٠٣] إنْ شاءَ اللَّهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "دَرَسْتَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ وسُكُونِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. والمَعْنى: هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي تَتْلُوها عَلَيْنا قَدِيمَةٌ قَدْ دُرِسَتْ. أيْ: قَدْ مَضَتْ وامَّحَتْ. وجَمِيعُ مَن ذَكَرْنا فَتَحَ الدّالَ في قِراءَتِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قالَ: "دُرِسْتَ" بِرَفْعِ الدّالِ، وكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِ التّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ يَعْمُرَ؛ ومَعْناها: قُرِئَتْ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "دَرُسَتْ" بِفَتْحِ الدّالِ والسِّينِ وضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ التّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِمَعْنى: "دَرَسَتْ" أيِ: امَّحَتْ؛ إلّا أنَّ المَضْمُومَةَ الرّاءَ أشَدُّ مُبالَغَةً. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو العالِيَةَ، ومُوَرِّقٌ: "دُرِّسْتَ" بِرَفْعِ الدّالِ، وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها ساكِنَةَ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "دَرَسَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ بِلا ألْفٍ ولا تاءٍ. ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "دارَسَ" بِألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ولِنُبَيِّنهُ يَعْنِي التَّصْرِيفَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الحَقِّ فَقَبِلُوهُ.

Al-An'aam 6:105Listen in Qur'an →
106

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Follow, [O Muhammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allah.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ حَكاها الزَّجّاجُ.

أحَدُها: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم مُؤْمِنِينَ. والثّانِي: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آَيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ. والثّالِثُ: لَوْ شاءَ لاسْتَأْصَلَهم، فَقَطَعَ سَبَبَ شِرْكِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وباقِي الآَيَةِ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

Al-An'aam 6:106Listen in Qur'an →
107

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ

But if Allah had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ حَكاها الزَّجّاجُ.

أحَدُها: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم مُؤْمِنِينَ. والثّانِي: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آَيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ. والثّالِثُ: لَوْ شاءَ لاسْتَأْصَلَهم، فَقَطَعَ سَبَبَ شِرْكِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وباقِي الآَيَةِ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

Al-An'aam 6:107Listen in Qur'an →
108

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And do not insult those they invoke other than Allah, lest they insult Allah in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ لَلْمُشْرِكِينَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالُوا: لَتَنْتَهِيَنَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ سَبِّ آَلِهَتِنا وعَيْبِها، أوْ لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسُبُّونَ أوْثانَ الكُفّارِ، فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَسِبُّوا لَرَبِّهِمْ قَوْمًا جَهَلَةً لا عِلْمَ لَهم بِاللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ. ومَعْنى "يَدْعُونَ": يَعْبُدُونَ، وهي الأصْنامُ. ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَيَسُبُّوا مِن أمْرِكم بِعَيْبِها، فَيَعُودُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لا أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ أنَّهُ خالِقُهم، وإنْ أشْرَكُوا بِهِ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: ظُلْمًا بِالجَهْلِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "عَدُوًّا" بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ. والعَرَبُ تَقُولُ في الظُّلْمِ: عَدا فُلانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا. وعَدا، أيْ: ظَلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: كَما زَيَّنّا لَهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وطاعَةَ الشَّيْطانِ، كَذَلِكَ زَيَّنّا لَكُلِّ جَماعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلى حَقٍّ أوْ باطِلٍ عَمَلَهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآَيَةُ نُسِخَتْ بِتَنْبِيهِ الخِطابِ في آَيَةِ السَّيْفِ.

Al-An'aam 6:108Listen in Qur'an →
109

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with Allah." And what will make you perceive that even if a sign came, they would not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في [الشُّعَراءِ:٤]: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزَلَها عَلَيْنا حَتّى واللَّهِ نُؤْمِنُ بِها؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَها عَلَيْهِمْ لَكَيْ يُؤْمِنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، فَيَنْفَجِرُ مِنها اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانْتْ لَهم ناقَةٌ، فائْتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآَياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ: فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ؟! قالُوا: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا. قالَ: "فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟! فَقالُوا: نَعَمْ، واللَّهُ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنِّي لَمْ أُرْسِلْ آَيَةً فَلَمْ يُصَدِّقْ بِها، إلّا أنْزَلَتِ العَذابَ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: "يَجْهَلُونَ"» هَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في [المائِدَةِ]؛ وإنَّما حَلَفُوا عَلى ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآَياتِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسَراءِ:٩٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: هو القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِها دُونِي ودُونَ أحَدٍ مِن خِلْقِهِ. ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها﴾ أيْ: يُدْرِيكم أنَّها. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ في اخْتِيارِهِ: بِكَسْرِ الألِفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ لَلْمُشْرِكِينَ، ويَكُونُ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلُهُ: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ ويَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ؟ وتَكُونُ "إنَّها" مَكْسُورَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ عَنْ حالِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: وما يُشْعِرُكم إيمانَهُمْ؟ فَحَذَفَ المَفْعُولَ. والمَعْنى: لَوْ جاءَتِ الآَيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، لَمْ يُؤْمِنُوا. فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لَلْمُؤْمِنِينَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها﴾ فَقُلْتُ: ما مَنَعَها أنْ تَكُونَ كَقَوْلِكَ: ما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ؟ فَقالَ: لا يُحْسِنُ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما قالَ: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَأوْجَبَ، فَقالَ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولَوْ قالَ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ كانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنَّها" بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَعَلى هَذا، المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وما يُدْرِيكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. والعَرَبُ تَجْعَلُ "أنْ" بِمَعْنى "لَعَلَّ" . يَقُولُونَ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ.

قالَ عَدَيُّ بْنُ زَيْدٍ:

؎ أعاذِلٌ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى غَدٍ …

Al-An'aam 6:109Listen in Qur'an →
110

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ التَّقْلِيبُ: تَحْوِيلُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ. وفي مَعْنى الكَلامِ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ أتَيْناهم بِآَيَةٍ كَما سَألُوا، لَقَلَّبْنا أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِها، وَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى، فَلَمْ يُؤْمِنُوا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِما رَأوْا قَبْلَها عُقُوبَةً لَهم عَلى ذَلِكَ. وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ جَوابٌ لَسُؤالِهِمْ في الآَخِرَةِ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا؛ فالمَعْنى: لَوْ رَدُّوا لَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا. رَوى هَذا المَعْنى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَةَ هَؤُلاءِ وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِالآَياتِ كَما لَمْ يُؤْمِن أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما رَأوْا مِنَ الآَياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ التَّقْلِيبَ في النّارِ، عُقُوبَةٌ لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وفي هاءِ "بِهِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ. والثّانِي: عَنَ النَّبِيِّ ﷺ . والثّالِثُ: عَمّا ظَهَرَ مِنَ الآَياتِ. والرّابِعُ: عَنَ التَّقْلِيبِ. وفي المُرادِ بِـ "أوَّلِ مَرَّةٍ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المَرَّةَ الأُولى: دارُ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّها مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. والثّالِثُ: أنَّها صَرْفُ قُلُوبِهِمْ عَنِ الإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ الآَياتِ أنْ لَوْ نَزَلَتْ؛ والطُّغْيانُ والعَمَهُ مَذْكُورانِ في [سُورَةِ البَقْرَةِ] .

Al-An'aam 6:110Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.