Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى شَأْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، وأنَّهُ نِعْمَةٌ كُبْرى عَلى العالَمِينَ، تَأثَّرَهُ بِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِذَلِكَ، عَلى وجْهٍ سَرى إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ و: حَقَّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ. أيْ: قَدْرَهُ الحَقَّ، فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتُصِبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ مَوْصُوفُهُ ﴿إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: حِينَ اجْتَرَؤُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّنْعاءِ، وذَلِكَ مِنهم مُبالَغَةٌ في إنْكارِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَألُزِمُوا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ أصْلًا، حَيْثُ قِيلَ في جَوابِ سَلْبِهِمُ العامِّ، بِإثْباتِ قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ بَدِيهِيَّةِ التَّسْلِيمِ:

﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: بِهِ أوْ مِن: الكِتابَ ﴿وهُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ: ضِياءٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهالَةِ، وبَيانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها﴾ يُجَزِّئُونَهُ أوْراقًا يُبْدُونَها لِلنّاسِ مِمّا يَنْتَخِبُونَهُ. أيْ: فَكَيْفَ يُنْكَرُ إنْزالُ شَيْءٍ، وهَذا المُنَزَّلُ المَذْكُورُ ظاهِرٌ لِلْعِيانِ. والعُدُولُ عَنِ التَّوْراةِ إلى ذِكْرِ الكِتابِ وصِفَتِهِ، والحالُ بَعْدَهُ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ، وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ، وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (تُبْدُونَها)، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: كَثِيرًا مِنها. أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. أيْ: وهم يُخْفُونَ كَثِيرًا. أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فالإلْزامُ يَكْفِي بِما يُبْدُونَهُ، المُعْتَرَفِ لَدَيْهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ. وفِيهِ نَعْيٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِسُوءِ صَنِيعِهِمُ المَذْكُورِ، إذْ ما يُرِيدُونَ بِإخْفاءِ كَثِيرٍ مِنها إلّا تَبْدِيلَ الدِّينِ.

﴿وعُلِّمْتُمْ﴾ أيْ: عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي لا يَرْتابُ في أنَّها تَنْزِيلٌ رَبّانِيٌّ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ اللَّهُ، أوِ اللَّهُ أنْزَلَهُ. أمَرَهُ بِأنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُمْ، إشْعارًا بِأنَّ الجَوابَ مُتَعَيِّنٌ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بُهِتُوا، بِحَيْثُ إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ.

﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ أيْ: في باطِلِهِمْ: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ اللّاعِبِ، وهو ما لا يَجُرُّ لَهم نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهم ضَرَرًا، مَعَ تَضْيِيعِ الزَّمانِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها مَكِّيَّةٌ النُّزُولِ تَبَعًا لِلسُّورَةِ، وأنَّ القائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وإلْزامُهم إنْزالَ التَّوْراةِ، لِما أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ، وهَذا هو الظّاهِرُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ وعَبْدُ بْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

ولَمّا أبْطَلَ تَعالى كَلِمَتَهُمُ الشَّنْعاءَ بِتَقْرِيرِ إنْزالِ التَّوْراةِ، بَيَّنَ تَنْزِيلَ ما يُصَدِّقُها بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢] ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾

﴿وهَذا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ والفَوائِدِ، لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ، وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وما لا يَتَناهى مِنَ الفَوائِدِ.

قالَ الرّازِيُّ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ. فالأُولى أشْرَفُها. وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ. ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ.

وأمّا الثّانِيَةُ: فالمَطْلُوبُ إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى بِطَهارَةِ الأخْلاقِ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ. ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ. ثُمَّ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ، والمُتَمَسِّكَ بِهِ، يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا، وسَعادَةُ الآخِرَةِ. انْتَهى. قالَ الخَفاجِيُّ: وقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ في كُلِّ عَصْرٍ.

﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، في إثْباتِ التَّوْحِيدِ، والأمْرِ بِهِ، ونَفْيِ الشِّرْكِ، والنَّهْيِ عَنْهُ. وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ.

﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى كُلِّها ومَحَجُّهُمْ، ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا، وغَيْرُها كالتَّبَعِ لَها، كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ. وفي ذِكْرِها بِهَذا الِاسْمِ، المُنْبِئِ عَمّا ذُكِرَ، إشْعارٌ بِأنَّ إنْذارَ أهْلِها مُسْتَتْبِعٌ لِإنْذارِ أهْلِ الأرْضِ كافَّةً. ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِن أطْرافِ الأرْضِ، شَرْقًا وغَرْبًا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقالَ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]

وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي، وذَكَرَ مِنهُنَّ: وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً»» .

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فَإنَّ مَن صَدَّقَ بِالآخِرَةِ خافَ العاقِبَةَ، ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، حَتّى يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ والكِتابِ (والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُها) ويُحافِظَ عَلى الصَّلاةِ. والمُرادُ بِها إمّا الطّاعَةُ مَجازًا، أوْ حَقِيقَتُها، وتَخْصِيصُها لِكَوْنِها أشْرَفَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأعْظَمَها خَطَرًا.

قالَ الرّازِيُّ: ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ اسْمُ الإيمانِ عَلى شَيْءٍ مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ إلّا عَلى الصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم …

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٣] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيِ: اخْتَلَقَ إفْكًا، فَجَعَلَ لَهُ شُرَكاءَ أوْ ولَدًا، أوْ أحْكامًا في الحِلِّ والحُرْمَةِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وأشْباهِهِ، مِمَّنْ جَعَلَ قَوْلَهُ قَوْلَ اللَّهِ.

﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ مِمَّنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ كَذِبًا، وهَذا يَزِيدُ عَلى الِافْتِراءِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ.

قالَ البِقاعِيُّ: هَذا تَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، كَعادَةِ القُرْآنِ الجَمِيلِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وغَيْرِهِما، ثُمَّ قالَ: رَأيْتُ في كِتابِ "غايَةُ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ" لِابْنِ يَحْيى المَغْرِبِيِّ الَّذِي كانَ مِن عُلَمائِهِمْ في حُدُودِ سَنَةِ ٥٦٠ ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ فَبَيَّنَ فَضائِحَهُمْ: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ مِنهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوحِي إلى جَمِيعِهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ. ثُمَّ قالَ: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ أكْثَرُهم عَدَدًا، يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهم في كُلِّ مَسْألَةٍ بِالصَّوابِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ أشَدُّ اليَهُودِ عَداوَةً لِغَيْرِهِمْ في الأُمَمِ. انْتَهى.

﴿ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: ومَنِ ادَّعى أنَّهُ يُعارِضُ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الوَحْيِ مِمّا يَفْتَرِيهِ مِنَ القَوْلِ، كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١]

قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ومَن أنْكَرَ إعْجازَ القُرْآنِ حَتّى قالَ: ﴿سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ عَرَفَ إعْجازَهُ، فَكَأنَّهُ ادَّعى لِنَفْسِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ لِنَفْسِهِ، ولا يَجْتَرِئُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الظُّلْمِ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ. فَيَعْلَمُ ما لِلظّالِمِينَ فِيها، المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ أيْ: شَدائِدِهِ وسَكَراتِهِ وكُرُباتِهِ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِالضَّرْبِ والعَذابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]

﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ: قائِلِينَ لَهُمْ: أخْرِجُوا إلَيْنا أرْواحَكم مِن أجْسادِكُمْ، تَغْلِيظًا وتَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ. وقَدْ جَنَحَ بَعْضُهم إلى أنَّ ما ذُكِرَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ. أيْ: فَشُبِّهَ فِعْلُ المَلائِكَةِ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، بِفِعْلِ الغَرِيمِ الَّذِي يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ إمْهالٍ. وفي "الكَشْفِ" أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، ولا بَسْطَ ولا قَوْلَ حَقِيقَةً. قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهم هَذِهِ الأُمُورَ حَقِيقَةً، عَلى الصُّوَرِ المَحْكِيَّةِ. وإذا أمْكَنَ البَقاءُ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلا مَعْدِلَ عَنْها. انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فُرادى﴾ أيْ: مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وما أثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا. أوْ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم. و(فُرادى) جَمْعُ فَرِيدٍ، كَأسِيرٍ وأُسارى.

﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكُمْ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا (يَعْنِي قُلْفًا).

رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ فَقالَ: «أيُّها النّاسُ! إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا» ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]»

ورَوَيا أيْضًا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجالُ والنِّساءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟! قالَ: الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يُهِمَّهم ذَلِكَ»» .

ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّها قَرَأتْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! واسَوْأتاهْ! إنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ، ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ، شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ»» .

﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ ما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ والخَدَمِ والخَوَلِ: ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: في الدُّنْيا، ولَمْ تَحْمِلُوا مِنهُ نَقِيرًا. كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَصْرِفُوهُ إلى ما يُفِيدُ في الآخِرَةِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي! مالِي! وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟ وزادَ في رِوايَةٍ: وما سِوى بِذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ».

﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ: لِلَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ، واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.

﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ. أيْ: شَمَلَكُمْ؛ فَإنَّ البَيْنَ مِنَ الأضْدادِ، يُسْتَعْمَلُ لِلْوَصْلِ والفَصْلِ. وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ، لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. أيْ: تَقَطَّعَ الأمْرُ، أوِ الِاشْتِراكُ، أوْ وصْلُكم بَيْنَكم. أوْ عَلى إقامَتِهِ مَقامَ مَوْصُوفِهِ. والأصْلُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. أيْ: تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم مِنَ الأسْبابِ والوَصَلاتِ.

﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْكم ما زَعَمْتُمْ مِن رَجاءِ الأنْدادِ والأصْنامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] …

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥] ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾

﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ شُرُوعٌ في بَعْضِ مُبْدَعاتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، إثْرَ تَقْرِيرِ شَأْنِ تَوْحِيدِهِ تَعالى، وذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ هو مَعْرِفَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وأنَّهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ وخالِقُها. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ، لا هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِتَعْرِيفِ خَطَئِهِمْ في الإشْراكِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ. والمَعْنى: أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ دُونَ غَيْرِهِ، هو اللَّهُ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّ عَنِ النَّباتِ، والنَّواةَ عَنِ النَّخْلَةِ.

وفِي مَعْنى (فالِقُ) قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنْهُ. وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. قالَ الواحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِ (فالِقُ) مَذْهَبَ (فاطِرٍ). وأنْكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذا، وقالَ: لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ (فَلَقَ اللَّهُ الشَّيْءَ)، بِمَعْنى خَلَقَ. ونَقَلَ الأزْهَرِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ جَوازَهُ. وكَذا المَجْدُ في القامُوسِ.

قالَ الرّازِيُّ: (الفَطْرُ) هو الشَّقُّ، وكَذَلِكَ (الفَلَقُ). فالشَّيْءُ قَبْلَ أنْ دَخَلَ في الوُجُودِ كانَ مَعْدُومًا مَحْضًا، ونَفَيًا صِرْفًا. والعَقْلُ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها، ولا انْفِلاقَ، ولا انْشِقاقَ. فَإذا أخْرَجَهُ المُبْدِعُ المَوْجُودُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَكَأنَّهُ بِحَسْبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ. وأخْرَجَ الحَدَثَ مِن ذَلِكَ الشِّقِّ. فَهَذا التَّأْوِيلُ لا يُبْعِدُ حَمْلَ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ والمُبْدِعِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ الفَلْقَ هو الشَّقُّ. وفي مَعْناهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فَلَقَ الحَبَّةَ عَنِ السُّنْبُلَةِ، والنَّواةَ عَنِ النَّخْلَةِ. وهو قَوْلُ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يَشُقُّ الحَبَّةَ اليابِسَةَ، والنَّواةَ عَنِ اليابِسَةِ، فَيُخْرِجُ مِنها ورَقًا أخْضَرَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّهُ الشِّقّانِ اللَّذانِ في الحَبِّ والنَّوى.

وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ.

و(الحَبُّ): ما لَيْسَ لَهُ نَوًى، كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والأُرْزِ.

و(النَّوى): جَمْعُ نَواةٍ، وهو المَوْجُودُ في داخِلِ الثَّمَرَةِ، مِثْلَ نَوى التَّمْرِ والخَوْخِ وغَيْرِهِما.

قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا وقَعَتِ الحَبَّةُ أوِ النَّواةُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ قَدْرٌ مِنَ المُدَّةِ، أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في تِلْكَ الحَبَّةِ والنَّواةِ مِن أعْلاها شَقًّا، ومِن أسْفَلِها شَقًّا آخَرَ، فالأوَّلُ يَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرَةُ الصّاعِدَةُ إلى الهَواءِ والثّانِي يَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرَةُ الهابِطَةُ في الأرْضِ، المُسَمّاةُ بِعُرُوقِ الشَّجَرَةِ. وتَصِيرُ تِلْكَ الحَبَّةُ والنَّواةُ سَبَبًا لِاتِّصالِ الشَّجَرَةِ الصّاعِدَةِ في الهَواءِ بِالشَّجَرَةِ الهابِطَةِ في الأرْضِ. ثُمَّ إنَّ هَهُنا.

عَجائِبَ:

فَإحْداها - أنَّ طَبِيعَةَ الشَّجَرَةِ، إنْ كانَتْ تَقْتَضِي الهَوِيَّ في عُمْقِ الأرْضِ، فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنها الشَّجَرَةُ الصّاعِدَةُ في الهَواءِ؟ وإنْ كانَتْ …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِ (إنَّ)، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. و(الإصْباحِ) مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ الصُّبْحُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ألّا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ فِيكَ بِأمْثَلِ

أيْ: شاقُّهُ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أيْ: صَيَّرَ الظَّلامَ يُسْكَنُ إلَيْهِ، ويُطْمَئَنُّ بِهِ، اسْتِرْواحًا مِن تَعَبِ النَّهارِ. أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ، أيْ: يَقِرُّوا ويَهْدَؤُا (مِنَ السُّكُونِ) - وهو الأظْهَرُ لِقَوْلِهِ: لِتَسْكُنُوا فِيهِ - وقُرِئَ (وجاعِلُ اللَّيْلِ).

﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ أيْ: عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، لِتُحْسَبَ بِهِما الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ. كَما ذَكَرَهُ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ: ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: الغالِبِ عَلى أمْرِهِ العَلِيمُ بِتَدْبِيرِهِما، ومُراعاةِ الحِكْمَةِ في شَأْنِهِما.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ الآيَةَ. نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ. فالنَّوْعُ المُتَقَدِّمُ كانَ مَأْخُوذًا مِن دَلالَةِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ. والنَّوْعُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ. وذَلِكَ لِأنَّ فَلْقَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِنُورِ الصُّبْحِ أعْظَمُ في كَمالِ القُدْرَةِ مِن فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى بِالنَّباتِ والشَّجَرِ، ولِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأحْوالَ الفَلَكِيَّةَ أعْظَمُ في القُلُوبِ وأكْثَرُ وقْعًا مِنَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ. ثُمَّ قَرَّرَ الحُجَّةَ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وأجادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الثّانِي: قُرِئَ: (الأصْباحِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ، كَقُفْلٍ وأقْفالٍ.

الثّالِثُ: في "البَحْرِ الكَبِيرِ": أنَّ السَّنَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَمَرِيَّةٌ لا شَمْسِيَّةٌ، والشَّمْسِيَّةُ مِمّا حَدَثَ في دَواوِينِ الخَراجِ، وإنَّما أُضِيفَ الحِسابُ في الآيَةِ إلَيْهِما؛ لِأنَّ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ومَغِيبِها يُعْرَفُ عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي تَتَرَكَّبُ مِنها الشُّهُورُ والسُّنُونَ، فَمِن هُنا دَخَلَتْ - انْتَهى.

الرّابِعُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكَثِيرًا ما إذا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يَخْتِمُ الكَلامَ بِالعِزَّةِ والعِلْمِ، كَما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ في أوَّلِ سُورَةِ (حم السَّجْدَةِ) قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] انْتَهى.

وفِي (العِزَّةِ) مَعْنى القَهْرِ، أيِ: الَّذِي قَهَرَهُما بِجَعْلِهِما مُسَخَّرَيْنِ، لا يَتَيَسَّرُ لَهُما إلّا ما أُرِيدَ بِهِما، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَعْنى القُدْرَةِ الكامِلَةِ أيْضًا.

قالَ الرّازِيُّ: …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ في الكَواكِبِ، إثْرَ بَيانِ نِعْمَتِهِ في النَّيِّرَيْنِ إعْلامًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحِمَتِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: فِي ظُلُماتِ اللَّيْلِ في طُرُقِ البَرِّ والبَحْرِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ: بَيَّنّا الآياتِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وحَكَمَتِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها. وإنَّما خُلِقَتْ لِلِاسْتِدْلالِ المُتَأثِّرِ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها، ألا وهو الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى مَعْرِفَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ.

تَنْبِيهانِ

الأوَّلُ: ذَكَرَ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ، وكَوْنَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنِ اعْتَقَدَ في هَذِهِ النُّجُومِ غَيْرَ ثَلاثٍ فَقَدْ أخْطَأ وكَذَبَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ويُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

أقُولُ: مُرادُهُ اعْتِقادٌ مُنافٍ لِلْعَقْدِ الصَّحِيحِ لا اعْتِقادَ حِكَمٍ وإسْرارٍ غَيْرِ الثَّلاثِ فِيها إذْ فَوائِدُ المُكَوِّناتِ غَيْرُ مَحْصُورٍ. وذِكْرُ حِكْمَةٍ في مُكَوِّنٍ لا يَنْفِي ما عَداها - فافْهَمْ.

الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في المِيقاتِ، وأدِلَّةِ العَقْلِيّاتِ،

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن نِعَمِهِ، وأدِلَّةَ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٨] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قُرِئَ: مُسْتَقَرٌّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وأمّا: مُسْتَوْدَعٌ فَبِفَتْحِ الدّالِّ لا غَيْرُ. وهُما عَلى الأوَّلِ، إمّا مَصْدَرانِ، أيْ: فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ، أوِ اسْما مَكانٍ، أيْ: مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ. والِاسْتِقْرارُ إمّا في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] أوْ في الأرْحامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ﴾ [الحج: ٥] أوِ الِاسْتِيداعُ في الأرْحامِ، فَجَعَلَ الصُّلْبَ مُسْتَقَرَّ النُّطْفَةِ، والرَّحِمَ مُسْتَوْدَعَها؛ لِأنَّها تَحْصُلُ في الصُّلْبِ، لا مِن قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ، وفي الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الأبِ، فَأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ، كَأنَّ الرَّجُلَ أوْدَعَها ما كانَ عِنْدَهُ، أوْ في الأصْلابِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ فَوْقَها، فَإنَّها عَلَيْها، أوْ وُضِعَتْ فِيها لِتَخْرُجَ مِنها مَرَّةً أُخْرى كَقَوْلِهِ:

؎وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودائِعُ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ الأصَمِّ أنَّ المُسْتَقَرَّ مَن خُلِقَ مِنَ النَّفْسِ الأُولى، ودَخَلَ الدُّنْيا واسْتَقَرَّ فِيها. والمُسْتَوْدَعُ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وسَيُخْلَقُ. وجَعَلَ الأصْفَهانِيُّ (المُسْتَقَرَّ) كِنايَةً عَنِ الذَّكَرِ، و(المُسْتَوْدَعَ) كِنايَةً عَنِ الأُنْثى. قالَ: إنَّما عَبَّرَ عَنِ الذَّكَرِ بِ (المُسْتَقَرِّ) لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، وإنَّما تَسْتَقِرُّ هُناكَ. وعَبَّرَ عَنِ الأُنْثى بِ (المُسْتَوْدَعِ) لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهَةٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وعَلى قِراءَةِ (مُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، أيْ: فَمِنكم قارٌّ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، ووَجْهُ كَوْنِ الأوَّلِ مَعْلُومًا. والثّانِي مَجْهُولًا، كَوْنُ الِاسْتِقْرارِ صادِرًا مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ.

قالَ الرّازِيُّ: مَقْصُودُ الآيَةِ أنَّ النّاسَ إنَّما تَوَلَّدُوا مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِحَسْبِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فَنَقُولُ: الأشْخاصُ الإنْسانِيَّةُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، ومُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها حَصَلَ التَّفاوُتُ في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ. والِاخْتِلافُ في تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ ومُؤَثِّرٍ، ولَيْسَ السَّبَبُ هو الجِسْمِيَّةَ ولَوازِمَها، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّفاوُتِ في الصِّفاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ هو الفاعِلَ المُخْتارَ الحَكِيمَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]

﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: (يَعْلَمُونَ) مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ، و(يَفْقَهُونَ) مَعَ ذِكْرِ إنْشاءِ بَنِي آدَمَ؟ قُلْتُ: كانَ إنْشاءُ الإنْسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ ألْطَفَ وأدَقَّ صَنْعَةً وتَدْبِيرًا. فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الَّذِي هو اسْتِعْمالُ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ، مُطابِقًا لَهُ. انْتَهى - وهَذا بِناءً عَلى أنَّ …

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُجَّةً كُبْرى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومِنَّةً أُخْرى مِن جَسِيمِ نِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٩] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ ما عَلا سَماءً.

﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أنْزَلَ الماءَ لِأجْلِهِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ: ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ والثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]

﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ النَّباتِ، يَعْنِي أُصُولَهُ: ﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا غَضًّا أخْصَرَ. يُقالُ: أخْضَرَ وخَضِرَ، كَأعْوَرَ وعَوِرَ، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ نُخْرِجُ مِنهُ صِفَةٌ لِ (خَضِرًا) وصِيغَةُ المُضارِعِ، لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ، أيْ: نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ: ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، مِثْلَ سَنابِلِ البُرِّ والشَّعِيرِ والأُرْزِ.

قالَ الرّازِيُّ: ويَحْصُلُ فَوْقَ السُّنْبُلَةِ أجْسامٌ دَقِيقَةٌ حادَّةٌ كَأنَّها الإبَرُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِها أنْ تُمْنَعَ الطُّيُورُ مِنَ التِقاطِ تِلْكَ الحَبّاتِ المُتَراكِبَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَنْشَأُ عَنِ النَّوى مِنَ الشَّجَرِ، إثْرَ بَيانِ ما يَنْشَأُ عَنِ الحَبِّ مِنَ النَّباتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَبْدُو مِن ثَمَرِ النَّخِيلِ كالكِيزانِ يَكُونُ فِيهِ العِذْقُ، فَإذا شُقَّ عَنْهُ كِيزانُهُ سُمِّيَ عِذْقًا (بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها) - وهو القِنْوُ، أيِ: العُرْجُونُ، بِما فِيهِ مِنَ الشَّمارِيخِ، وجَمْعُهُ قِنْوانٌ - (مُثَلَّثُ القافِ) وهو ومُثَنّاهُ سَواءٌ، لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُما إلّا الإعْرابُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِنْوانٌ، رُفِعَ الِابْتِداءِ، و(مِنَ النَّخْلِ) خَبَرُهُ، و(مِن طَلْعِها) بَدَلٌ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ، انْتَهى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِنَ النَّخْلِ) عَطْفًا عَلى (مِنهُ) وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. أيْ: وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، أيْ: مُلْتَفَّةٌ، يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، أوْ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِها لِدَلالَتِها عَلى مُقابِلِها، أعْنِي البَعِيدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولِزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ، أوْ عَلى (خَضِرًا). وقالَ الطِّيبِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (حَبًّا) لِأنَّ قَوْلَهُ: (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) مُفَصِّلٌ …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ البَراهِينَ، مِن دَلائِلِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ووافِرِ نِعْمَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ - عَقَّبَها بِتَوْبِيخِ مَن أشْرَكَ بِهِ والرَّدِّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٠] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أيْ: جَعَلُوهم شُرَكاءَ لَهُ في العِبادَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عُبِدَتِ الجِنُّ مَعَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ؟ فالجَوابُ: أنَّهم ما عَبَدُوها إلّا عَنْ طاعَةِ الجِنِّ، وأمَرَهم بِذَلِكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] ﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] الآيَةَ.. وقالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] وتَقُولُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١]

وخَلَقَهم حالٌ مِن فاعِلِ: جَعَلُوا، مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِن كَمالِ القَباحَةِ والبُطْلانِ، بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها. أيْ: وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُهم دُونَ الجِنِّ: (ولَيْسَ مَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشُّرَكاءِ. أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ؟ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وإذا كانَ هو المُسْتَقِلَّ بِالخالِقِيَّةِ، وجَبَ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

تَنْبِيهٌ:

ما ذَكَرْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أنَّهم أطاعُوا الجِنَّ في عِبادَةِ الأوْثانِ، هو ما قَرَّرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأيَّدَهُ بِالنَّظائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ، فَتَكُونُ الكِنايَةُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ المَلائِكَةُ، فَإنَّهم عَبَدُوهم وقالُوا عَنْهم بَناتُ اللَّهِ. وكِلا الأمْرَيْنِ مُوجِبٌ لِلشَّرِيكِ. أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ. وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الوَلَدَ كُفْءُ الوالِدِ، فَيُشارِكُهُ في صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ. وتَسْمِيَةُ المَلائِكَةِ (جِنًّا) حَقِيقَةٌ، لِشُمُولِ لَفْظِ الجِنِّ لَهم. وقِيلَ: اسْتِعارَةٌ. أيْ: عَبَدُوا ما هو كالجِنِّ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا مُسْتَتِرًا عَنِ الأعْيُنِ.

وذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ - مِنهُمُ الكَلْبِيُّ - إلى أنَّها نَزَلَتْ في الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهَيْنِ: أحَدُهُما خالِقُ الخَيْرِ وكُلِّ نافِعٍ. وثانِيهِما خالِقُ الشَّرِّ وكُلِّ ضارٍّ. ونَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ …

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.