Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١ - ٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الدرس الماضي أن شرعنا في الكلام على البسملة، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة ١] وذكرنا أن هذا الاسم العظيم هو أصل الأسماء، ولا يسمى به سوى الله عز وجل.

أما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فالرحمن مشتق من (الرحمة)، ولكنه على صيغة (فَعْلان)، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء فيكون معناه أنه ذو رحمة واسعة؛ ولهذا فسرها بعضهم بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، ولكن الصواب أنه ذو الرحمة الواسعة يرحم من شاء عز وجل؛ فهي أدل على الوصف منها على الفعل، أدل على وصف الله منها على الفعل، أما الرحيم فهي صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف فسبقت الرحمن؛ لأنها وصف، وأتت الرحيم؛ لأنها فعل؛ فهو رحمن يرحم عز وجل.

وقد ذكر الله تبارك وتعالى أنه بالمؤمنين رحيم، والمراد الرحمة الخاصة.

إذن الرحمن تدل على أيش؟ الوصف، والرحيم على الفعل؛ يعني أنه يرحم.

قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فأما العامة فهي الشاملة لجميع الخلق؛ المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والبهيم والعاقل، كل الخلق تحت رحمة الله عز وجل، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة، الرحمة الخاصة هي التي تختص بالمؤمنين؛ فهي رحمة خاصة؛ والفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله عز وجل على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، أما الرحمة العامة فلا أثر لها إلا في الدنيا.

ولذلك نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل لا يعاملون بالرحمة، البهائم وغير العاقل كذلك يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بينهم بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكن ترابًا فيكن ترابًا، ولا نعي فالرحمة إذن كم؟

* طالب: نوعان.

* الشيخ: نوعان أو قسمان؛ عامة تشمل جميع الخلق، وخاصة تختص بالمؤمنين، الفرق بينهما أن العامة إنما تكون في الدنيا فقط، والخاصة تكون في الدنيا والآخرة، اللهم ارحمنا برحمتك.

وذِكر هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فعلَ العبد وقوله إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد من هذا الفعل، ولا من هذا القول؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة..

قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (أل) هنا للاستغراق؛ أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله عز وجل، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ إما للاختصاص، وإما للاستحقاق، ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله عز وجل، فتكون اللام للاستحقاق وللاختصاص أيضًا.

ولكن ما هو الحمد؟ الحمد كثير من الناس يفسره بالثناء على الجميل الاختياري، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء يكون تكرار الحمد؛ والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام ٢] لما ذكر خلق السماوات والأرض ثنّى بخلقنا نحن، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، والطين هو التراب المبلول بالماء أو المخلوط بالماء، وهو معروف، وذلك بخلق أصلنا، وهو آدم، أما الإنسان فقد خُلق من ماء مهين من النطفة، لكن آدم خُلق من طين.

﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام ٢] أي: قدَّر أجلًا انقضى وانتهى.

﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام ٢] ﴿مُسَمًّى﴾ أي: معلوم عند الله، وهنا الأفضل أن تقف ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، ولا تصل؛ لأن الوصل قد يُشعِر بالتناقض؛ وجهه أن الأول: منصوب ﴿قَضَى أَجَلًا﴾، والثاني: مرفوع، والحكم أيضًا مختلف كما سيتبين -إن شاء الله- في الفوائد.

﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ عند الله؛ وهو قيام الساعة، فإن هذا مما يختص الله به عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧]، هذا عند الله لا أحد يعلمه، ولا أحد يعلم عن انقضائه، أما الأجل الأول فنحن نعرف انقضاءه إذا وجدنا الرجل أنشأه الله، ثم أماته انقضى الأجل أو لا؟

قضى الله أجله وعرفناه، لكن الأجل المسمى المعلوم عند الله عز وجل يختص الله بعلمه.

﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن عرفتم أنكم خُلقتم من طين، وأن الآجال تنقضي بعلم منكم وأجل آخر غير معلوم بعد هذا ﴿تَمْتَرُونَ﴾، والامتراء هو الشك أي: تشكون في البعث، فانظر الآن كيف ذكر في الآيات الأولى شرك هؤلاء بربهم؛ يعني الكفار، ثم ذكر نوعًا آخر، وهو الكفر باليوم الآخر؛ لأن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم حادث بعد أن لم يكن، من أين تؤخذ؟

من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [البقرة ٢٩]، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١] ﴿هَلْ﴾ بمعنى (قد)، فمن عمره عشرون سنة هو قبل إحدى وعشرين سنة، نعم، لم يكن شيئًا مذكورًا فأوجده الله، ففيه دليل على حدوث بني آدم، وأنهم مخلوقون من العدم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أصل بني آدم، وأنهم من الطين، والطين من أين؟ من الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥].

فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر ٢٦] وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]؟

فالجمع بينهما سهل؛ وذلك أن أصل بني آدم تراب صُبَّ عليه الماء فصار طينًا، بقي زمنًا مدة طويلة فصار صلصالًا؛ لأنه يسود، وإذا صُنع منه الشيء صار صلصالًا له صوت، إذا ضربته بأصبعك صار له صوت، فلا خلاف ولا تناقض.

واعلم أنه لا يمكن أن يقع التناقض بين دليلين قطعيين أبدًا؛ لأنه لو وُجد تعارض بينهما لم يكونا قطعيين؛ لأن القطعي؛ يعني أن غيره لا يمكن، فلا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين أبدًا، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا فيما بين القرآن والسنة، ولا بين الأدلة العقلية والنقلية، هذا لا يمكن؛ لأنه لو تصورنا هذا فأحدهما قطعًا غير صحيح؛ إذ إن الدليلين القطعيين النسبة بينهما التناقض والنقيضان أيش؟ لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا بد من وجود أحدهما، ولا يمكن أن يجتمعا، ولا أن يتفقا.

فإذا تراءى لك التعارض بين دليلين قطعيين فاعلم أن الخطأ من فهمك، وأنه يمكن الجمع بينهما، وإما ألا يكون أحدهما قطعيًّا، ويكون الحكم لأيش؟ للقطعي، أما إذا كانا ظنيين فيمكن التعارض، وحينئذٍ يُنظر للترجيح.

إذا كان في القرآن ما ظاهره التعارض على وجه قطعي فاعلم أن هذا أيش؟ لا …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ٣].

قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ علَم على الرب عز وجل، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين.

وهو علَم مشتق من أين؟ من الألوهية، وأصله (الإله)، واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة كما هو ظاهر ما فيه اسم جامد لله عز وجل أبدًا.

وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا لكم الآن: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يحوز التعلق به كما قال ناظم القواعد؛ قواعد الجمل:

لَا بُـــــــــدَّ لِلْجَــــــار مِــــــــنَالتَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِـــــــــــــــــــي

إذن ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنها مشتقة، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، ولكن ما معنى ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟

المعنى أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل؛ فالله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات؛ المعنى بمعنى أنه مألوه في السماوات يتألّه إليه أهل السماء.

وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ الواو حرف عطف و﴿الْأَرْضِ﴾ معطوفة على السماوات، فيكون المعنى الله في السماوات وفي الأرض؛ أي: مألوه أيش؟ في السماوات وفي الأرض، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤].

وعلى هذا التفسير لا إشكال فيه أن الله تعالى إله في السماوات وفي الأرض أيضًا.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على السماوات، وهذا على جعل الله علمًا على الذات دون المتعبّد لله؛ يعني معناه أن الله في السماوات كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦].

ثم استأنف فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فتكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة بما بعدها بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾؛ أما على الوجه الأول فمعنى الآية ظاهر أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض فهو مألوه في السماوات والأرض، ويراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض كما ثبتت أيش؟ الربوبية؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، هذا لا إشكال فيه.

المناسبة على القول الثاني أن المعنى أن الله ذاته لا من يألهه، أن الله ذاته في السماوات، فيكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بعدها الشاسع بمانع عن علمه بِكُم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات، ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم، فهمتم الفرق بين المعنيين؟

المعنى الأول؛ وهو الله في السماوات وفي الأرض أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض؛ بمعنى أن من في السماوات يتألهه، ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤].

المعنى الثاني يقول: إن الله نفسه في السماوات؛ أي: عليها، ومع ذلك يعلم سركم وجهركم في الأرض فليس بُعده بمانع من علم السر والجهر منكم في الأرض.

إذن المعنى الثاني ما فيه ذكر للألوهية، لكن فيه ذكر للإحاطة إحاطة الله بنا عز وجل وإن كان في السماوات.

وهذا يفسّره قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، أين التحاور الذي وقع؟

في الأرض، والله تعالى في السماء، فتكون هذه الآية آية ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.

وقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي: ما في الصدور، والإسرار نوعان؛ إصرار في النفس، وإسرار مع الغير؛ فمثلًا إذا حدّث الإنسان نفسه بشيء في نفسه هذا إسرار مع النفس، وإذا حدث غيره سرًّا لا يسمعه من …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٤] (ما) نافية.

وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا وليست زائدة معنى؛ لأن لها معنى؛ وهو توكيد النفي؛ فإنها تحوّل النفي الذي يحتمل العموم والخصوص إلى كونه للعموم، فهي تحوّل الجملة المنفية إلى نص في العموم، مثل (لا) النافية للجنس فإنها نص في العموم.

كيف نعربها إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا؟

نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿آيَةٍ﴾ فاعل (تأتي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بأيش؟ بحركة الحرف الزائد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِير﴾ [المائدة ١٩] فإن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، و﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ الآية هي العلامة، لكنها أخص من العلامة؛ لكونها نصًّا في الدلالة، العلامة قد تكون أقل من ذلك، لكن الآية نص في أنها علامة على ما جاءت من أجله، وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين؛ كونية، وشرعية كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد.

﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس وليست كالأولى؛ فهي لبيان الجنس؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾؛ لأن الآية قد تكون من عند الله، وقد تكون من عند غيره، لكن من آيات ربهم.

وقوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أي: خالقهم، ومالكهم، ومدبرهم؛ لأن الربوبية تشمل هذه المعاني الثلاثة؛ وهي خالِق ومالِك ومدبّر، هذه الذي تقتضيه الربوبية.

﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه إثبات للنفي؛ يعني ما تأتيهم إلا كانوا عنها معرضين؛ معرضين عن تدبرها، وعمَّا تدل عليه، فكأنهم لم يروا الآيات؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧] إذن معرضين عنها بأيش؟ بوجوههم أو بقلوبهم؟

الجميع، يشمل هذا وهذا، قد يقال له: تعالَ انظر آية الله فيُعرض ولا ينظر، وقد يرى، ولكن يُعرض عن التأمل في القلب؛ لأنه -والعياذ بالله- محجوب عن الخير، فلا يحب أن يصل إليه.

* في هذه الآية من الفوائد: بيان عتو هؤلاء المكذبين؛ وجه ذلك أنه لا تأتيهم أي آية إلا كانوا عنها معرضين، وقد طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية، فأراهم انشقاق القمر؛ أشار إلى القمر انفلق فرقتينمتفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٤) من حديث عبد الله بن مسعود.، وشاهده الناس، وقد أشار الله إليه في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]، وهو انشقاق حسي، والمراد بالقمر القمر المشاهَد المعروف.

وقد أنكر الفلاسفة وعلماء الفلك أن القمر انشق، وقالوا: لا يمكن؛ لأن الأجرام السماوية لا يمكن فيها التفكّك، فهل نقبل قولهم ونرد الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، أو نرد قولهم؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الواجب على المؤمن الثاني؛ أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسنة مهما كان قائله، فهو سبحان الله كيف نقول: يستحيل أن تتغير الأجرام السماوية والذي يغيرها من؟ الله عز وجل، خالقها، يفعل ما يشاء وهو انشقاق حسي للقمر المعلوم الحسي، وليس كما قال علماء الفلك، وحرّفوا من أجله الكتاب والسنة، وقالوا: إن أخبار الانشقاق أخبار أحادية تحتمل التأويل أو الرد، وأما القرآن فمعنى انشق القمر أي بان نور النبوة، وهذا غلط، ما هو صحيح.

فإن قال قائل: قريش رأت هذه الآية، والله سبحانه وتعالى قضى بأن من أُوتوا الآية التي يطلبونها ولم يؤمنوا أهلكهم، فكيف لم يهلك الله قريشًا؟

* طالب: لم يطلبوا الآية نفسها.

* الشيخ: نعم، الجواب عن هذا أن الذين يهلكون هم الذين يطلبون آية معينة، فإذا أتوا بها وكفروا بها أهلكهم الله؛ …

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام ٥].

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ الفاء عاطفة، و(قد) تفيد التحقيق، في الفعل الماضي هو الأغلب أنها تفيد التحقيق، في الفعل المضارع الأغلب أنها تفيد التقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل، وقد يصدق الكاذب، لكنها قد تأتي للتوكيد حتى في المضارع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨]. فـ(قد) هنا أيش؟ للتوكيد لا شك، لكنها تفيد الاستمرار؛ أي: قد يعلم هذا في الحاضر والمستقبل.

قوله هنا: (قد كذبوا) للتحقيق.

﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الحق ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكله حق؛ لأنه من عند الله، والحق هو الشيء الثابت؛ إن كان خبرًا فبوقوعه وإن كان حكمًا فبثبوته، وضده الباطل؛ ففي الأخبار الباطل فيها الكذب، وفي الأحكام الباطل فيها ما خالَف الشريعة هنا، كذبوا بالحق لما جاءهم نقول: الحق ما جاءت به الرسل من أخبار صادقة وأحكام عادلة.

﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (حين)؛ أي: حين جاءهم، واعلم أن ﴿لَمَّا﴾ لها معانٍ؛ فتأتي بمعنى (حين)، فتكون ظرفية كما في الآية، وتأتي شرطية فتشارك (إن) في الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس٧٦]، فهي شرطية، وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]؛ يعني إلا عليها حافظ، وتأتي نافية تجزم الفعل المضارع، كما في قول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] بمعنى أيش؟ بمعنى (لم)، لكنها تفيد قرب مدخولها ليست (لم) للنفي المطلق، أما (لما) فإنها للنفي، لكنها تفيد قُرب مدخولها، تقول مثلًا: فلان لم يقم، هذا نفي مطلق، وتقول: لَمّا يقم فلان، هذا نفي؛ يعني إلى الآن ما قام، لكنه سيقوم عن قُرب.

في الآية الكريمة التي نقرؤها الآن: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، ماذا نعربها؟

ظرف بمعنى (حين)، وفي هذه الحال تكون مبنية؛ لأنها حرف في الواقع، ما هي مشابهة للحرف، وأصل البناء -كما عرفتم- هو مشابهة الاسم للحرف، لكن هذه نفسها حرف، فتكون ظرفًا، لكنها مبنية على السكون في محل نصب بمعنى (حين).

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ﴾ الفاء عاطفة، ويحتمل أن تكون للسببية أيضًا. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: سوف يأتيهم الْمَخْبَر الذي أخبروا به، الأنباء أتتهم من قبل، لكن المراد يأتيهم عقوبة الأنباء التي كانوا يستهزئون بها.

﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يتخذونه هزوًا ولعبًا وضحكًا، وكما نعلم جميعًا أن الكفار يتخذون الدين هزوًا، وأنهم يتخذون أهل الدين هزوًا أيضًا، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣١].

فقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يشمل استهزاءهم بالدين، واستهزاءهم بالرسل وبأتباعهم، بل وبالله عز وجل سيجدون هذا. نرجع إلى الفوائد.

* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء مع تواتر الآيات عليهم كذبوا بالحق ولم يستجيبوا له، والتكذيب بالحق بعد مجيئه أشد من التكذيب به قبل أن يأتي بحيث يسمع الإنسان عنه، ولكنه لم يتأكد، فإن هذا الذي أتاه الحق وكذَّب به يكون تكذيبه أعظم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحكم …

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي، الاستفهام (ألم) الهمزة داخلة على النفي، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناها التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]؛ يعني قد شرحنا لك صدرك، وألا يعلم من خلق؛ يعني قد علم من خلق، فإذا أتى حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير.

وقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا الرؤية العلمية، أو الرؤية البصرية؛ فالبلاد التي مرّوا بها مدمرة رؤيتها أيش؟ بصرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، والبلاد التي لم يروها لم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار.

وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: أتلفنا، و﴿كَمْ﴾ هنا للتكثير؛ يعني أمم أهلكناهم.

﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن، بعضهم حدده بمئة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده قال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون مثلًا في خلال سبعين سنة، ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفون غيرهم، وعلّلوا ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود. قرنه وهم الصحابة في حدود المئة هلكوا.

﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا؛ أي: مكنا هؤلاء القرون في الأرض.

﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يعني جعلنا لهم ما يتمكنون به، ويثبتون به ما لم نمكن لكم، بل أعظم وأعظم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين، وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها.

وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيْبة إلى؟ أتمّ؟

* طالب: إلى الخطاب.

* الشيخ: نعم، إلى الخطاب، وهو الحضور؛ الالتفات يكون من الغَيْبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغَيْبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم له أنواع، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد؛ وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقّف أيش الذي طرأ فيكون هذا الالتفات منبهًا لمن؟

للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾.

أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك؟ أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف، أيش الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبِّهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية.

﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام ٦]، المراد بـ ﴿السَّمَاءَ﴾ هنا المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، و﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، أي: حال كونه مدرارًا يدرُّ عليهم، كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل الماء.

﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، ﴿الْأَنْهَارَ﴾ يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة، وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم.

﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أتلفناهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الباء) هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي.

﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: خلقنا من جديد من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصى، ومنهم من أطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

ثم قال تعالى مبِّينًا عُتُوَّ هؤلاء المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام ٧]، (لو) هنا شرطية، بدليل وجود فعل الشرط وجواب الشرط، أين فعل الشرط؟ ﴿نَزَّلْنَا﴾، وجواب الشرط ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ يعني: كتابًا عاديًّا يدركه الناس.

﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ يعني: لم يتخيلوه من بُعد، بل هو بين أيديهم يلمسونه نازلًا من السماء إلى الرسول ﷺ.

وقوله: ﴿لَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ إذا قال قائل: وهل هناك لمس بغير اليد؟ فالجواب: إن شئت فقل: نعم؛ لأن الإنسان يمس بقدمه، ويمس بلسانه، ويمس بكل أجزاء جلده، وإن شئت فقل: إن اللمس يكون باليد، لكنها ذكرت اليد هنا من باب التوكيد، كقوله تبارك وتعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام ٣٨]، ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناح.

﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا الجواب، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، أين هو؟ ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقل: لقالوا، إشارة إلى شيئين:

الشيء الأول: التسجيل على هؤلاء بالكفر، يعني الحكم عليهم بالكفر.

الثاني: أن من قال مثل قولهم فهو كافر.

ففيه فائدتان: فائدة متعدية، وفائدة لازمة؛ الفائدة اللازمة: هي الحكم عليهم بالكفر، والمتعدية: أن من قال قولهم فهو كافر.

﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، (إن) هنا نافية، بدليل قوله: ﴿إِلَّا﴾، وهي إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي، وقد تكون للنفي وإن لم تأت بعدها (إلا)، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي.

(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية مثل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧].

وتأتي مخفَّفة من الثقيلة، كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣]؛ لأن أصل ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ أصلها (إنَّ هذان لساحران).

وتأتي زائدة، كما في قول الشاعر:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ .......................

والتقدير: ما أنتم ذهب، لكنها جاء بها زائدة، وهذا ليس بغريب، هذا مما يدل على أن اللغة العربية واسعة، خلافًا لمن قال: إنها ضيقة؛ لأن معانيها أكثر من ألفاظها، نقول: كون الحرف الواحد أو الكلمة الواحدة تأتي بمعنى متعدد هذا يدل على مرونة اللغة العربية، لا على قلة مواردها، ولا شك أنه إذا كانت اللغة مرنة كان ذلك أوسع للمتخاطبين بها، وأيسر عليهم.

﴿إِنْ هَذَا﴾ المشار إليه الكتاب في القرطاس.

﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ السحر: كل شيء خفي يُسَمَّى سحرًا، مأخوذ من السَّحَر الذي هو آخر الليل، والغالب أن آخر الليل يكون خفيًّا، الناس لا يخرجون من بيوتهم، فيكون هناك خفاء في الأمور التي تحدث.

لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن عُقَد ورُقًى وأدوية تصدر من الساحر بواسطة الشياطين، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾، يعني: ويعلِّمونهم ما أُنْزِل على الملكين ببابل، ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ هذان اسمان لملكين، ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢].

ولذلك كثيرًا ما يكون السحر مرتبطًا بالجن، حتى إنه يتكلم الجني ويقول: أنا لا أستطيع أن أخرج لأني مسحور، لكن إذا أراد الله عز وجل عُثِرَ على السحر وأُتْلِف، ثم برأ المريض.

وقوله: …

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿قَالُوا﴾ أي: المكذِّبون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا أُنْزِل عليه ملك ليكون ذلك مصدِّقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنُّت، وإلا فقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، انشق القمر نصفينمتفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود.، وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز.

﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة.

﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ يعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة ثم أُعْطُوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا، أُخِذُوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخَذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد، أَرِنَا آية، فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذِّبون للرسل آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب.

وقوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لقضي شأن هؤلاء، وذلك بإهلاكهم.

﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: ثم لا يُمْهَلُون، بل يعاجَلون بالعقوبة، والعياذ بالله.

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ يعني: لو جعلنا الرسول ملَكًا، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، حتى لو فُرِضَ أننا جعلناه ملَكًا، فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم ملك مع البشر، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥]، لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن نرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب.

﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذ يبقى الإشكال، ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر كما خلطوه على أنفسهم.

* نستفيد من هذه الآية فوائد؛ منها: تعنُّت المكذِّبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنِّتون.

* ومنها: أنهم يؤمنون بالملائكة، أعني المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.

* ومنها: أنهم يعلمون أن الملائكة في السماء، هي مقرُّهم ومسكنهم، الدليل: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.

* ومنها -يعني- من فوائد هذه الآية: أن الملك آية من آيات الله عز وجل إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم هم أقرُّوا بأنه آية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.

* ومنها: ما أشرنا إليه أن المكذِّبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عُجِّلَت لهم العقوبة.

* ومن فوائد الآية الثانية: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، ولجعله أيش؟ رجلًا، لماذا؟ من أجل التناسب؛ تناسب الرسل والمرسَل إليهم.

* ومنها: حكمة الله تبارك وتعالى في إرسال الرسل من البشر من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله تبارك وتعالى يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، وهذا لا يضر، أن يجعل الله تبارك وتعالى للرسل من يحميهم من أقوامهم، ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود ٩١]، مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي …

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿قَالُوا﴾ أي: المكذِّبون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا أُنْزِل عليه ملك ليكون ذلك مصدِّقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنُّت، وإلا فقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، انشق القمر نصفينمتفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود.، وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز.

﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة.

﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ يعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة ثم أُعْطُوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا، أُخِذُوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخَذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد، أَرِنَا آية، فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذِّبون للرسل آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب.

وقوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لقضي شأن هؤلاء، وذلك بإهلاكهم.

﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: ثم لا يُمْهَلُون، بل يعاجَلون بالعقوبة، والعياذ بالله.

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ يعني: لو جعلنا الرسول ملَكًا، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، حتى لو فُرِضَ أننا جعلناه ملَكًا، فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم ملك مع البشر، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥]، لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن نرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب.

﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذ يبقى الإشكال، ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر كما خلطوه على أنفسهم.

* نستفيد من هذه الآية فوائد؛ منها: تعنُّت المكذِّبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنِّتون.

* ومنها: أنهم يؤمنون بالملائكة، أعني المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.

* ومنها: أنهم يعلمون أن الملائكة في السماء، هي مقرُّهم ومسكنهم، الدليل: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.

* ومنها -يعني- من فوائد هذه الآية: أن الملك آية من آيات الله عز وجل إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم هم أقرُّوا بأنه آية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.

* ومنها: ما أشرنا إليه أن المكذِّبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عُجِّلَت لهم العقوبة.

* ومن فوائد الآية الثانية: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، ولجعله أيش؟ رجلًا، لماذا؟ من أجل التناسب؛ تناسب الرسل والمرسَل إليهم.

* ومنها: حكمة الله تبارك وتعالى في إرسال الرسل من البشر من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله تبارك وتعالى يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، وهذا لا يضر، أن يجعل الله تبارك وتعالى للرسل من يحميهم من أقوامهم، ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود ٩١]، مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي …

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، (اللام) هنا موطِّئة للقسم ومؤكِّدة له، و(قد) للتحقيق، وهذا يرد في القرآن كثيرًا، وعلى هذا فالجملة تكون مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: قسم مُقدَّر، والثاني (اللام)، والثالث (قد).

﴿اسْتُهْزِئَ﴾ أي: سُخِرَ، بدليل قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، سخروا بهم، وقالوا: هذا رجل، ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]، ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود ٣٨].

وقوله: ﴿بِرُسُلٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات، لا تدل على العموم، أي: لا تدل على أن جميع الرسل سُخِرَ بهم، بل برسل.

واعلم أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على هذا، فإنها تكون للعموم، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [ الانفطار ٥ ]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [ التكوير ١٤ ]، فهنا ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات لكنها للعموم؛ إذ معنى الآية: علمت كل نفس.

﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: في الزمن.

﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: نزل بهم.

﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: عقوبة ما كانوا به يستهزئون، أو جزاء ما كانوا به يستهزئون، وإنما عبَّر الله تعالى عن الجزاء بالفعل؛ للإشارة إلى سببه من وجه، وليُعْلَم أن الجزاء بقدر العمل من وجه آخر، فالعقوبة سببها العمل الذي استحق به العامل أن يعاقَب، فأُطْلِق على العقوبة نفس العمل الذي هو السبب.

ثانيًا: إذا كان الإنسان يجازَى عمله، نفس العمل، فهذا يعني أن الجزاء أو العقوبة بقدر العمل، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

* في الآية الكريمة فوائد، منها: توكيد الجملة بأنواع المؤكِّدات.

فإذا قال قائل: أليس خبر الله تعالى صدقًا، سواء اقترن بالقسم وأدوات التوكيد أم لا؟

فالجواب: بلى، لكن القرآن الكريم جاء باللسان العربي، واللسان العربي يحسُن فيه التأكيد إذا اقتضت الحال ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الله إذا أخبر بخبر وإن لم يؤكَّد فهو حق وصدق كما نشاهد الشمس، لكن القرآن بلسان عربي مبين، هذه واحدة.

ثانيًا: تأكيد الله له بالقسم يدل على أهميته، وأنه من الأمور التي لا بد أن يقبلها الإنسان ويصدِّق بها، واضح؟

ثالثًا: أنه قد يراد به دفع إنكار من أنكر مدلول الخبر، ككون الله عز وجل يؤكِّد قيام الساعة بالمؤكِّدات الكثيرة لرد إنكار المكذِّبين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس بغريب أن يستهزئ المشركون بالنبي ﷺ؛ لأن هذا قد سبق من الأمم السابقة، استهزاء المكذِّبين للرسول بأي شيء؟ بأمور متعددة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، كأنهم يقولون: محمد لا يستحق هذا، وكما في قولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]، والاستفهام هنا للتحقير، يعني: من هذا الرجل الذي يذكر آلهتكم بالسوء! ليس بشيء، وليس له قيمة، ومنها وصفهم إياه بأنه مجنون مخرِّف، وما أشبه ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية: عناية الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث ينزل عليه من القرآن ما يسلِّيه به، وجهه؟ أن ذكر هذا -أعني استهزاء الأمم السابقة برسلها- تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن كونه يعلم بأن الأمم السابقة كذَّبت رسلها يهون عليه الأمر، أليس كذلك؟ وهذا واضح، فإن الإنسان يتسلَّى بالمصائب إذا أصابت غيره، وتهون عليه مصيبته، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩ ]، مع أنه لو كان في الدنيا واشترك الناس في العذاب لهان عليهم ونفعهم، وحملهم على الصبر، لكن في …

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.