Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

سُورَةُ الأنْعامِ

( مَكِّيَّةٌ غَيْرُ سِتِّ آياتٍ أوْ ثَلاثٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾، وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً )

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الحَقِيقَةِ أوَّلًا باسِمِ الذّاتِ، الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ كافَّةُ ما يُوجِبُهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وإلَيْهِ يَؤُولُ جَمِيعُ نُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو المُسْتَحِقُّ لَهُ بِذاتِهِ، لِما مَرَّ مِنِ اقْتِضاءِ اخْتِصاصِ الحَقِيقَةِ بِهِ سُبْحانَهُ، لِاقْتِصارِ جَمِيعِ أفْرادِها عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.

وَوَصْفُهُ تَعالى ثانِيًا بِما يُنْبِئُ عَنْ تَفْصِيلِ بَعْضِ مُوجِباتِهِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ الإجْمالِ مِن عَظائِمِ الآثارِ، وجَلائِلِ الأفْعالِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لَهُ، واسْتِقْلالِهِ بِهِ بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ العَظائِمِ، وآلائِهِ الجِسامِ أيْضًا، وتَخْصِيصُ خَلْقِهِما بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِهِما عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةُ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن فُنُونِ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ؛ أيْ: أنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ النَّمَطِ الفائِقِ والطِّرازِ الرّائِقِ، مُنْطَوِيَتَيْنِ مِن أنْواعِ البَدائِعِ وأصْنافِ الرَّوائِعِ، عَلى ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ العُقُولُ والأفْكارُ مِن تَعاجِيبِ العِبَرِ والآثارِ، تَبْصِرَةً وذِكْرى لِأُولِي الأبْصارِ، وجَمْعُ السَّماواتِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِ طَبَقاتِها واخْتِلافِ آثارِها وحَرَكاتِها، وتَقْدِيمُها لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها، وتَقَدُّمِها وُجُودًا عَلى الأرْضِ كَما هي.

﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿خَلَقَ﴾ " مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، لِكَوْنِ جَعْلِهِما مَسْبُوقًا بِخَلْقِ مَنشَئِهِما، ومَحَلُّهُما داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ، فَكَما أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما لِكَوْنِهِ أثَرًا عَظِيمًا ونِعْمَةً جَلِيلَةً، مُوجِبٌ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ بِخالِقِهِما جَلَّ وعَلا، كَذَلِكَ جَعْلُ الظُّلُماتِ والنُّورِ لِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِيرًا ونِعْمَةً عَظِيمَةً، مُقْتَضٍ لِاخْتِصاصِهِ بِجاعِلِهِما.

والجَعْلُ: هو الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ، خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ، وهَذا عامٌّ لَهُ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ...﴾ الآيَةَ.

وَأيًّا ما كانَ فَهو إنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، بِأنْ يَكُونَ فِيهِ، أوْ لَهُ، أوْ مِنهُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ، لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ، بَلْ قَيْدًا فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ...﴾ الآيَةَ

فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الظُّرُوفِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، وأيًّا ما كانَ فَهو قَيْدٌ في الكَلامِ، حَتّى إذا اقْتَضى …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ، إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِمُوجِباتِ تَوْحِيدِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ دَلائِلِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أوْضَحِها وأظْهَرِها، كَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، لِما أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ بَعْثُهم؛ فَدَلالَةُ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى ذَلِكَ أظْهَرُ، وهم بِشُئُونِ أنْفُسِهِمْ أعْرَفُ والتَّعامِي عَنِ الحُجَّةِ النَّيِّرَةِ أقْبَحُ.

والِالتِفاتُ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ؛ أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِلْكُلِّ، لِما أنَّهُ مَنشَأُ آدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ، وإنَّما نُسِبَ هَذا الخَلْقُ إلى المُخاطَبِينَ، لا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقَةً بِأنْ يُقالَ: هو الَّذِي خَلَقَ أباكم ... إلَخْ، مَعَ كِفايَةِ عِلْمِهِمْ بِخَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ في إيجابِ الإيمان بالبَعْثِ وبُطْلانِ الِامْتِراءِ، لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ، ولِلْمُبالَغَةِ في إزاحَةِ الِاشْتِباهِ والِالتِباسِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ، هي أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ آحادِ الجِنْسِ، انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطِّينِ خَلْقًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ مِنهُ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ أفْرادِ ذُرِّيَّتِهِ، أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدَلَّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الخَلّاقِ العَلِيمِ، وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.

وَكانَ ابْتِداءُ حالِ المُخاطَبِينَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِانْتِهائِها فَعَلَ ما فَعَلَ، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وعَلى هَذا السِّرِّ مَدارُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ...﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ كَما سَيَأْتِي.

وَقِيلَ: المَعْنى: خَلَقَ أباكم مِنهُ، عَلى حَذْفِ المُضافِ. وقِيلَ: مَعْنى خَلْقِهِمْ مِنهُ: خَلْقِهِمْ مِنَ النُّطْفَةِ الحاصِلَةِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَكَوِّنَةِ مِنَ الأرْضِ، وأيًّا ما كانَ؛ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرُ قُدْرَةً.

﴿ثُمَّ قَضى﴾؛ أيْ: كَتَبَ لِمَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِنكم.

﴿أجَلا﴾ خاصًّا بِهِ؛ أيْ: حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ يَفْنى عِنْدَ حُلُولِهِ لا مَحالَةَ، وكَلِمَةُ " ثُمَّ " لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ ما بَيْنَ خَلْقِهِمْ وبَيْنَ تَقْدِيرِ آجالِهِمْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ.

﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أيْ: حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِبَعْثِكم جَمِيعًا، وهو مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾، ولِوُقُوعِهِ فِي مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

إذا ما …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ أحْكامِ إلَهِيَّتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ، وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ بَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ وتَقْدِيرِ آجالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ، إمّا بِاعْتِبارِ أصْلِ اشْتِقاقِهِ وكَوْنِهِ عَلَمًا لِلْمَعْبُودِ بِالحَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمٌ اشْتُهِرَ بِما اشْتُهِرَتْ بِهِ الذّاتُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَلُوحِظَ مَعَهُ مِنها ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ، والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَعُلِّقَ بِهِ الظَّرْفُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، فَصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المالِكُ، أوِ المُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ .

وَلَيْسَ المُرادُ بِما ذُكِرَ مِنَ الاعْتِبارَيْنِ أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ يُحْمَلُ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، أوْ عَلى مَعْنى المالِكِ، أوِ المُتَصَرِّفِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ مُجَرَّدَ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِهِ، كَما لُوحِظَ مَعَ اسْمِ الأسَدِ في قَوْلِهِ: أسَدٌ عَلَيَّ ... إلَخْ، ما اشْتُهِرَ بِهِ مِن وصْفِ الجَراءَةِ الَّتِي اشْتُهِرَ بِها مُسَمّاهُ، فَجَرى مَجْرى جَرِيءٌ عَلَيَّ.

وَبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ ما قِيلَ بِصَدَدِ التَّصْوِيرِ والتَّفْسِيرِ؛ أيْ: هو المَعْرُوفُ بِذَلِكَ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، أوْ هو المَعْرُوفُ المُشْتَهِرُ بِالصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ، أوْ هو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ مَعَ الِاسْمِ هو نَفْسُ الوَصْفِ الَّذِي اشْتُهِرَ بِهِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ حَسْبَما بُيِّنَ آنِفًا لِاشْتِهارِهِ بِهِ، ألا يُرى أنَّ كَلِمَةَ " عَلَيَّ " في المِثالِ المَذْكُورِ لا يُمْكِنُ تَعْلِيقُها بِاشْتِهارِ الِاسْمِ بِالجَراءَةِ قَطْعًا.

وَقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما يُفِيدُهُ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ مِنَ التَّوَحُّدِ والتَّفَرُّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما.

وَقِيلَ: بِما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ خاصَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما، لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ مِنِ اعْتِبارِ مَعْنى التَّوَحُّدِ، أوِ القَوْلِ في فَحْوى الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ، لا عَلى حَمْلِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى مَعْنى المُتَوَحِّدِ بِالإلَهِيَّةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا ثانِيًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ فِيهِما عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى مُبالِغًا في العِلْمِ بِما فِيهِما؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ عِلْمِهِ المُقَدَّسِ عَنْ حُصُولِ الصُّوَرِ والأشْباحِ، لِكَوْنِهِ حُضُورِيًّا، مَنزِلَةَ كَوْنِهِ تَعالى فِيهِما، وتَصْوِيرِهِ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالَةِ علمه تعالى بِما فِيهِما بِحالَةِ كَوْنِهِ تَعالى فِيهِما.

فَإنَّ العالِمَ إذا كانَ في مَكانٍ كانَ عالِمًا بِهِ وبِما فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، فَعَلى هَذا …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، بَعْدَ ما بُيِّنَ في الآيَةِ الأُولى إشْراكُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وإعْراضُهم عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ امْتِراؤُهم في البَعْثِ، وإعْراضُهم عَنْ بَعْضِ آياتِهِ.

والِالتِفاتُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذِكْرَ قَبائِحِهِمْ قَدِ اقْتَضى أنْ يُضْرَبَ عَنْهُمُ الخِطابُ صَفْحًا، وتُعَدَّدَ جِناياتُهم لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم، وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ، فَما نافِيَةٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.

وَ" مِنِ " الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَعَ مَجْرُورِها صِفَةً لِآيَةٍ، وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ " هم "؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها: إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ فَإتْيانُها نُزُولُها، والمَعْنى: ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ، النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُنْبِئَةُ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى عَلى كافَّةِ الكائِناتِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ الخَلْقِ، وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها.

﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وأمّا الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ، وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ، فَإتْيانُها ظُهُورُها لَهم، والمَعْنى: ما يَظْهَرُ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُئُونِهِ تَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها.

وَإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا عَنْها، كَما وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ.

وَ" عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ " تَأْتِي "، أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ، لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، وأيًّا ما كانَ فَفِيها دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَمالِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإعْراضِ، وإيقاعِهِمْ لَهُ في آنِ الإتْيانِ.

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ " لَمّا " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ فَإنَّ الحَقَّ: عِبارَةٌ عَنِ القرآن الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ، حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ مِنهُ، عَبَّرَ بِذَلِكَ إبانَةً لِكَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ.

والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، لَكِنْ لا عَلى أنَّها شَيْءٌ مُغايِرٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَقِيبَهُ، أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ، بَلْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَيْنُ الثّانِي حَقِيقَةً، وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ فَإنَّ ما جاءُوهُ؛ أيْ: فَعَلُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ عَيْنُ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ مَفْهُومًا وأشْنَعَ مِنهُ حالًا، رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، كَذَلِكَ مَفْهُومُ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ، حَيْثُ كانَ أشْنَعَ مِن مَفْهُومِ الإعْراضِ المَذْكُورِ، أُخْرِجَ مُخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ، ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ تَأْكِيدًا لِشَناعَتِهِ، وتَمْهِيدًا لِبَيانِ أنَّ ما كَذَّبُوا بِهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ، لَهُ عَواقِبُ جَلِيلَةٌ سَتَبْدُو لَهُمُ البَتَّةَ، والمَعْنى: أنَّهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ إتْيانِها، فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ أصْلًا، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ، ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ .

كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَإنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ، وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وأنْباؤُهُ عِبارَةٌ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِها آياتُ الوَعِيدِ.

وَفِي لَفْظِ الأنْباءِ إيذانٌ بِغايَةِ العِظَمِ، لِما أنَّ النَّبَأ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمِ الوَقْعِ، وحَمْلُها عَلى العُقُوباتِ الآجِلَةِ، أوْ عَلى ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، يَأْباهُ الآياتُ الآتِيَةُ.

وَ" سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: فَسَيَأْتِيهِمُ البَتَّةَ، وإنْ تَأخَّرَ مِصْداقُ أنْباءِ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ قَبْلُ، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في عَواقِبِهِ، وإنَّما قِيلَ: يَسْتَهْزِءُونَ إيذانًا بِأنَّ تَكْذِيبَهم كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، هَذا عَلى أنْ يُرادَ بِالآياتِ: الآيَةُ القرآنيَّةُ، وهو الأظْهَرُ.

وَأمّا إنْ أُرِيدَ بِها: الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ؛ فالفاءُ داخِلَةٌ عَلى عِلَّةِ جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والإعْراضُ عَلى حَقِيقَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ، فَلا تَعْجَبْ، فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ، حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ، ولا مَساغَ لِحَمْلِ الآياتِ في هَذا الوَجْهِ عَلى كُلِّها أصْلًا، …

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالأنْباءِ الَّتِي سَبَقَ بِها الوَعِيدُ، وتَقْرِيرِ إتْيانِها بِطَرِيقِ الِاسْتِشْهادِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، وهي عِرْفانِيَّةٌ مُسْتَدْعِيَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، و" ﴿كَمْ﴾ " اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً، مُعَلِّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ، مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها، مَنصُوبَةٌ بَأهْلَكْنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأشْخاصِ، و" مِن قَرْنٍ " مُمَيِّزٌ لَها عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» " الحَدِيثَ.

وَقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أهْلِ قَرْنٍ، وأمّا انْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أوْ عَنِ الزَّمانِ، فَتَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.

وَ" مِنِ " الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَأهْلَكْنا؛ أيْ: ألَمْ يَعْرِفُوا بِمُعايَنَةِ الآثارِ وسَماعِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ أهْلِ مَكَّةَ؛ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ، أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإهْلاكِ وتَفْصِيلِ مَبادِئِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: مَكانُهم ... إلَخْ.

وَقِيلَ: هو صِفَةٌ لِقَرْنٍ، لِما أنَّ النَّكِرَةَ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُخَصِّصٍ، فَإذا ولِيَها ما يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لَها تَعَيَّنَ وصْفِيَّتُهُ لَها.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ أمْرًا مَفْرُوغًا عَنْهُ، غَيْرَ مَقْصُودٍ بِسِياقِ النَّظْمِ، مُؤَدٍّ إلى اخْتِلافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا، وبِإهْلاكِنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ جَعْلُهُ قارًّا فِيها، ولَمّا لَزِمَهُ جَعْلُها مَقَرًّا لَهُ، ورَدَ الِاسْتِعْمالُ بَكُلٍّ مِنهُما؛ فَقِيلَ: تارَةً مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾، حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مُجْرى الآخَرَ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ "، كَأنَّهُ قِيلَ: في الأوَّلِ: مَكَّنّا لَهم، أوْ في الثّانِي: ما لَمْ نُمَكِّنْكم، و" ﴿ما﴾ " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم.

والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ الحالِ مَزِيدُ بَيانٍ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ، ولِدَفْعِ الِاشْتِباهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَنْ مَرْجِعَيِ الضَّمِيرَيْنِ.

﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ﴾؛ أيِ: المَطَرَ، أوِ السَّحابَ، أوِ …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ، واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِنُزُولِ العَذابِ، ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ هَهُنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ نِسْبَةِ إتْيانِ الآياتِ ومَجِيءِ الحَقِّ فِيما سَبَقَ إلَيْهِمْ؛ لِلْإشْعارِ بِقَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ضِمْنِ قَدْحِهِمْ فِيما نَزَلَ عَلَيْهِ صَرِيحًا.

وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، ونَوْفَلِ ابْنِ خُوَيْلِدٍ، حَيْثُ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ.

﴿كِتابًا﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: كِتابًا كائِنًا في صَحِيفَةٍ، وإنْ جُعِلَ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ.

﴿فَلَمَسُوهُ﴾؛ أيِ: الكِتابَ، وقِيلَ: القِرْطاسُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ مَعَ ظُهُورِ أنَّ اللَّمْسَ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِالأيْدِي، لِزِيادَةِ التَّعَيُّنِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾؛ أيْ: تَفَحَّصْنا؛ أيْ: فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ ما رَأوْهُ بِأعْيُنِهِمْ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم في شَأْنِهِ اشْتِباهٌ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الِاعْتِذارِ بِتَسْكِيرِ الأبْصارِ.

﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَقالُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حِّيزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَخْفى، حَسُنَ مَوْقِعُهُ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ أيْضًا.

﴿إنْ هَذا﴾؛ أيْ: ما هَذا، مُشِيرِينَ إلى ذَلِكَ الكِتابِ.

﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنٌ كَوْنُهُ سِحْرًا؛ تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَما هو دَأْبُ المُفْحَمِ المَجُوجِ، ودَيْدَنُ المُكابِرِ اللَّجُوجِ.

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ شُرُوعٌ في قَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا، بَعْدَ ما أُشِيرَ إلى قَدْحِهِمْ فِيها ضِمْنًا. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ "، ولَيْسَ بِذاكَ، لِما أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرِ تَنْزِيلِ الكِتابِ المَذْكُورِ، بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ، وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها، كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِمُ العِلَلُ؛ أيْ: هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلِكٌ بِحَيْثُ نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ، حَسْبَما نُقِلَ عَنْهم فِيما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ .

وَلَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ كَما هو، وجَعْلِهِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا، أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في الوُجُودِ، لِما أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ نَذِيرًا، وجَعْلُهُ نَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ لا مَحالَةَ.

وَقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى هَيْئَتِهِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ، والحالُ أنَّهُ مِن هَوْلِ المَنظَرِ، بِحَيْثُ لا تُطِيقُ بِمُشاهَدَتِهِ قُوى الآحادِ البَشَرِيَّةِ، ألا يُرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ، ويُفاوِضُونَهم عَلى الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، كَضَيْفِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وخَصْمِ داوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَيْثُ كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ، وهم مُؤَيَّدُونَ بِالقُوى القُدُسِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ العَوامِّ، فَلَوْ شاهَدُوهُ كَذَلِكَ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَحالَ جَعْلُهُ نَذِيرًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ مَطْلُوبِهِمْ، مُسْتَلْزِمٌ لِإخْلاءِ العالَمِ عَمّا عَلَيْهِ يَدُورُ نِظامُ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وتَأْسِيسِ الشَّرائِعِ.

وَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، وفِيهِ كَما تَرى إيذانٌ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ، كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، وأنَّ عَدَمَ الإجابَةِ إلَيْهِ لِلْبُقْيا عَلَيْهِمْ.

وَبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ الَّذِي هو نُونُ العَظَمَةِ، مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.

وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْذَرُوا بِهِ، كَما هو المَقْصُودُ بِالإنْذارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ وعَدَمِ الإنْظارِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ العَذابِ أشَدُّ مِن نَفْسِ العَذابِ وأشَقُّ.

وَقِيلَ: في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ أنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ، وهي آيَةٌ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ.

وَقِيلَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم.

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

وَإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المَفْهُومِ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَلَكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: لَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا، لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.

وَمَدارُ اسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا، لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.

وَلا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ، هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ، فَحَيْثُ كانَتِ امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بِها بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ، لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي، وجَبَ أنْ يُجْعَلَ مَدارُ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ مُقابِلُهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ؛ إبانَةً لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ.

والضَّمِيرُ الثّانِي لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ، والمَعْنى: لَوْ جَعَلْنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِما مَرَّ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ الآحادِ لِمُعايَنَةِ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ، وفي إيثارِ رَجُلًا عَلى بَشَرًا؛ إيذانٌ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطَرِيقِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ، وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ " مَبْنِيٌّ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ. وقُرِئَ بِحَذْفِ لامِ الجَوابِ اكْتِفاءً بِما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ: إذا شَبَّهْتُهُ وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ: السَّتْرُ بِالثَّوْبِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا.

﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتُدِلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالقرآن المُعْجِزِ النّاطِقِ بِها، أوْ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ إلى التَّصْدِيقِ، لَكَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ أظْهَرَ لَهم صُورَتَهُ الأصْلِيَّةَ لَزِمَ الأمْرُ الأوَّلُ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ تَمْثِيلِهِ تَعالى رَجُلًا بِاللَّبْسِ؛ إمّا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ اللَّبْسِ، أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلَبْسِهِمِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَتِهِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِاسْتِحالَةِ جَعْلِ النَّذِيرِ مَلَكًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ فَعَلْناهُ لَفَعَلْنا ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِن لَبْسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ مِثْلَ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ البَيِّنَةِ.

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الاعْتِناءِ بِها ما لا يَخْفى، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و" ﴿مِن﴾ " ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَبِيرٍ، كائِنِينَ مِن زَمانٍ قَبْلِ زَمانِكَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.

﴿فَحاقَ﴾ عَقِيبَهُ؛ أيْ: أحاطَ، أوْ نَزَلَ، أوْ حَلَّ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ. والحَيْقُ: ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾؛ أيِ: اسْتَهْزَؤُا بِهِمْ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ.

وَتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ، و" ما " إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.