Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَكُونَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَكُونُ" بِالرَّفْعِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في رَفْعِ "فِتْنَةٌ" . قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن رَفَعَ جَعَلَ "أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ مَعَها "الهاءَ"، وجَعَلَ "حَسِبُوا" بِمَعْنى: أيْقَنُوا، لِأنَّ "أنْ" لِلتَّأْكِيدِ، والتَّأْكِيدُ لا يَجُوزُ إلّا مَعَ اليَقِينِ. والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ. ومَن نَصَبَ جَعَلَ "أنْ" هي النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ، وجَعَلَ "حَسِبُوا" بِمَعْنى: ظَنُّوا. ولَوْ كانَ قَبْلَ "أنْ" فِعْلٌ لا يَصْلُحُ لِلشَّكِّ، لَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ إلّا مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَجُزْ نَصْبُ الفِعْلِ بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ﴾ [طَه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ٢٠] وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الأفْعالُ ثَلاثَةٌ: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الشَّيْءِ واسْتِقْرارِهِ، نَحْوُ العِلْمِ والتَّيَقُّنِ، وفِعْلٌ يَدُلُّ عَلى خِلافِ الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ، وفِعْلٌ يُجْذَبُ إلى هَذا مَرَّةً، وإلى هَذا أُخْرى، فَما كانَ مَعْناهُ العِلْمَ، وقَعَتْ بَعْدَهُ "أنَّ" الثَّقِيلَةُ، لِأنَّ مَعْناها ثُبُوتُ الشَّيْءِ واسْتِقْرارُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النُّورِ: ٢٥] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العَلَقِ: ١٤] وما كانَ عَلى غَيْرِ وجْهِ الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ نَحْوُ: أطْمَعُ وأخافُ وأرْجُو، وقَعَتْ بَعْدَهُ "أنِ" الخَفِيفَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٩] ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ [الأنْفال ٢٦] ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ [الكَهْفِ: ٨٠] ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وما كانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الحالَيْنِ مِثْلُ حَسِبْتُ وظَنَنْتُ، فَإنَّهُ يُجْعَلُ تارَةً بِمَنزِلَةِ العِلْمِ، وتارَةً بِمَنزِلَةِ أرْجُو وأطْمَعُ وكِلْتا القِراءَتَيْنِ في ﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَدْ جاءَ بِها التَّنْزِيلُ. فَمِثْلُ مَذْهَبِ مِن نَصَبَ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢] ومِثْلُ مَذْهَبِ مَن رَفَعَ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ ٥٥] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم، ولا يَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَثَلٌ تَأْوِيلُهُ: أنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِما سَمِعُوا، ورَأوْا مِنَ الآياتِ، فَصارُوا كالعُمْيِ الصُّمِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: رَفَعَ عَنْهُمُ البَلاءَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: هو ظُفْرُهم بِالأعْداءِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٦]

والثّانِي: أنَّ مَعْنى "تابَ عَلَيْهِمْ": أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا يُعْلِمُهم أنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ إنْ آمَنُوا وصَدَقُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَتُوبُوا بَعْدَ رَفْعِ البَلاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالُوا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ المَسِيحُ﴾ أيْ: وقَدْ كانَ المَسِيحُ قالَ لَهم وهو بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَّصارى. قالَ وهْبُّ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا وُلِدَ عِيسى لَمْ يَبْقَ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ، فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ إلى إبْلِيسَ، فَأخْبَرُوهُ، فَذَهَبَ فَطافَ أقْطارَ الأرْضِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: هَذا المَوْلُودُ الَّذِي وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، أرَدْتُ أنْ أنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدْتُ المَلائِكَةَ قَدْ حَفَّتْ بِأُمِّهِ، فَلْيَتَخَلَّفْ عِنْدِي اثْنانِ مِن مَرَدَتِكم، فَلَمّا أصْبَحَ، خَرَجَ بِهِما في صُورَةِ الرِّجالِ، فَأتَوْا مَسْجِدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم يَتَحَدَّثُونَ بِأمْرِ عِيسى ويَقُولُونَ: مَوْلُودٌ مِن غَيْرِ أبٍ. فَقالَ إبْلِيسُ: ما هَذا بِبَشَرٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ في امْرَأةٍ لِيَخْتَبِرَ العِبادَ، فَقالَ أحَدُ صاحِبَيْهِ: ما أعْظَمَ ما قُلْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أحَبَّ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا. وقالَ الثّالِثُ: ما أعْظَمَ ما قُلْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَجْعَلَ إلَهًا في الأرْضِ، فَألْقَوْا هَذا الكَلامَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَتَكَلَّمَ بِهِ النّاسُ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَمّا رُفِعَ عِيسى اجْتَمَعَ مِئَةٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وانْتَخَبُوا مِنهم أرْبَعَةً، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى هو اللَّهُ كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعَدَ إلى السَّماءِ، لِأنَّهُ لا يُحْيِي المَوْتى ولا يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الثّانِي: لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنّا قَدْ عَرَفْنا عِيسى، وعَرْفَنا أُمَّهُ. ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وقالَ الثّالِثُ: لا أقُولُ كَما قُلْتُما، ولَكِنْ جاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ. فَقالَ: الرّابِعُ لَقَدْ قُلْتُمْ قَبِيحًا، ولَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ، فَخَرَجُوا، فاتَّبَعَ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم عُنُقٌ مِنَ النّاسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النَّصارى قالَتِ: الإلَهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وعِيسى ومَرْيَمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم إلَهٌ. وفي الآيَةِ إضْمارٌ، فالمَعْنى: ثالِثُ ثَلاثَةِ آلِهَةٌ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الآلِهَةِ، لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ، لِأنَّهُ لا يَكْفُرُ مَن قالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ولَمْ يُرِدِ الآلِهَةَ، لِأنَّهُ ما مِنِ اثْنَيْنِ إلّا وهو ثالِثُهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ثالِثُ ثَلاثَةٍ: أنَّهُ أحَدُ ثَلاثَةٍ. ودَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَما مِن إلَهٍ﴾ لِلتَّوْكِيدِ.

والَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم، هُمُ المُقِيمُونَ عَلى هَذا القَوْلِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَسِيحُ هو اللَّهُ، والَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكُلَّ كافِرٍ يَسْلُكُ سَبِيلَهم، عَذابٌ ألِيمٌ.

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] .

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَتَهُ، وعَلى النَّصارى في ادِّعائِهِمْ إلَهِيَّتَهُ. والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنَّما حُكْمُهُ حُكْمُ مَن سَبَقَهُ مِنَ الرُّسُلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ رَدٌّ عَلى مَن نَسَبَها مِنَ اليَهُودِ إلى الفاحِشَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: والصِّدِّيقَةُ: المُبالِغَةُ في الصِّدْقِ، وصِدِّيقٌ "فِعِّيلٌ" مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ سِكِّيتٌ، أيْ: مُبالِغٌ في السُّكُوتِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُما يَعِيشانِ بِالغِذاءِ، ومَن لا يُقِيمُهُ إلّا أكْلُ الطَّعامِ فَلَيْسَ بِإلَهٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ بِأكْلِ الطَّعامِ عَلى عاقِبَتِهِ، وهو الحَدَثُ، إذْ لا بُدَّ لِآكِلِ الطَّعامِ مِنَ الحَدَثِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ مِن ألْطَفِ ما يَكُونُ مِنَ الكِنايَةِ. و "يُؤْفَكُونَ": يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْدَلُونَ، يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ عَنْ كَذا: إذا عَدَلَ عَنْهُ، وأرْضٌ مَأْفُوكَةٌ: مَحْرُومَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، كَأنَّ ذَلِكَ صُرِفَ عَنْها وعُدِلَ.

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قُلْ لِنَصارى نَجْرانَ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا في الدُّنْيا، ولا نَفْعًا في الآخِرَةِ. واللَّهُ هو السَّمِيعُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، العَلِيمُ بِمَقالَتِهِمْ.

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هم نَصارى نَجْرانَ. والمَعْنى: لا تَغْلُوا في دِينِكم، فَتَقُولُوا غَيْرَ الحَقِّ في عِيسى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الغُلُوِّ" في آخِرِ سُورَةِ (النِّساءِ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: مِن قَبْلِ أنْ تَضِلُّوا. وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم رُؤَساءُ الضَّلالَةِ مِنَ اليَهُودِ.

والثّانِي: رُؤَساءُ اليَهُودِ والنَّصارى، والآيَةُ خِطابٌ لِلَّذِينِ كانُوا في عَصْرِ نَبِيِّنا ﷺ نُهُوا أنْ يَتَّبِعُوا أسْلافَهم فِيما ابْتَدَعُوهُ بِأهْوائِهِمْ.

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ في لَعْنِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْسُ اللَّعْنِ، ومَعْناهُ: المُباعَدَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، فَصارُوا قِرَدَةً، و لُعِنُوا عَلى لِسانِ عِيسى في الإنْجِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ داوُدُ وعِيسى أُعْلِما أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ، ولَعَنا مَن كَفَرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ المَسْخُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَصارُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى، فَصارُوا خَنازِيرَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لُعِنَ أصْحابُ السَّبْتِ عَلى لِسانِ داوُدَ، فَإنَّهم لَمّا اعْتَدَوْا، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم، واجْعَلْهم آيَةً، فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولُعِنَ أصْحابُ المائِدَةِ عَلى لِسانِ عِيسى، فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنها ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَجُعِلُوا خَنازِيرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في مُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وبِاعْتِدائِهِمْ في مُجاوَزَةِ ما حَدَّهُ لَهم.

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ التَّناهِي: تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ: كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُنْكَرِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذا المُنْكَرِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ. والثّانِي: أخْذُ الرِّشْوَةِ في الحُكْمِ.

والثّالِثُ: أكْلُ الرِّبا، وأثْمانَ الشُّحُومِ. وذِكْرُ المُنْكَرِ مُنَكَّرًا يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْنَعُ هَذا الحَصْرَ، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا رَأى أخاهُ عَلى الذَّنْبِ نَهاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ ما رَأى مِنهُ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وخَلِيطَهُ وشَرِيبَهُ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ دَخَلَتْ لِلْقَسَمِ والتَّوْكِيدِ، والمَعْنى: لَبِئْسَ شَيْئًا فِعْلُهم.

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ. فَعَلى هَذا القَوْلِ انْتِظامُ الآياتِ ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ يَرْجِعُ الكَلامُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ . وفي الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ أرْبابُ هَذا القَوْلِ الثّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: بِئْسَما قَدَّمُوا لِمَعادِهِمْ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هو، كَأنَّهُ قِيلَ: هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.