Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 101–110 of 120

101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النّاسَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَقامَ مُغْضَبًا خَطِيبًا، فَقالَ: "سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ"، فَقامَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟ قالَ في النّارِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، إنّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ مَن آباؤُنا، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ عَنْ أنَسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: أما إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن هَلَكَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ"» رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: إنَّ السّائِلَ عَنْ ذَلِكَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو الجَوْرِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: «أنَّ قَوْمًا سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عِكْرِمَةَ.

والسّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في تَمَنِّيهِمُ الفَرائِضَ، وقَوْلِهِمْ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَنا في قِتالِ المُشْرِكِينَ، وسُؤالِهِمْ عَنْ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ الزَّجّاجُ: "أشْياءَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّها فُتِحَتْ، لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ. و "تُبْدَ لَكُمْ": تَظْهَرُ لَكم. فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ السُّؤالَ عَنْ مِثْلِ هَذا الجِنْسِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، لِأنَّهُ يَسُوءُ الجَوابُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُبْدَ لَكم، أيْ: إنْ نَزَلَ القُرْآنُ فِيها بِغَلِيظٍ، ساءَكم ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾ أيْ: حِينَ يَنْزِلُ القُرْآنُ فِيها بِفَرْضٍ أوْ إيجابٍ، أوْ نَهْيٍ أوْ حُكْمٍ، ولَيْسَ في ظاهِرِ ما نَزَلَ دَلِيلٌ عَلى شَرْحِ ما بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ، فَإذا سَألْتُمْ حِينَئِذٍ عَنْها تُبْدَ لَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأشْياءِ.

والثّانِي: إلى المَسْألَةِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم، عَفا اللَّهُ عَنْها. ويَكُونُ مَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: أمْسَكَ عَنْ ذِكْرِها، فَلَمْ يُوجِبْ فِيها حُكْمًا. وعَلى القَوْلِ الثّانِي، الآيَةُ عَلى نَظْمِها، ومَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: …

Al-Maaida 5:101Listen in Qur'an →
102

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ سَألُوا عِيسى نُزُولَ المائِدَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ حِينَ سَألُوا النّاقَةَ، هَذا عَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ. وهَذانَ القَوْلانِ. يُخَرَّجانِ عَلى أنَّهُما سَألُوا الآياتِ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ هُمُ الَّذِينَ سَألُوا في شَأْنِ البَقَرَةِ وذَبْحِها، فَلَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً لَأجْزَأتْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وهَذا يَخْرُجُ عَلى سُؤالِ مَن سَألَ عَنِ الحَجِّ، إذْ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُشَدِّدَ عَلَيْهِمْ بِالزِّيادَةِ في الفَرْضِ لَشَدَّدَ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا، وهو يَخْرُجُ عَلى مَن قالَ: إنَّما سَألُوا عَنِ الجِهادِ والفَرائِضِ تَمَنِّيًا لِذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أخْبَرُوهم بِها تَرَكُوا قَوْلَهم ولَمْ يُصَدِّقُوهم، فَأصْبَحُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ كافِرِينَ.

Al-Maaida 5:102Listen in Qur'an →
103

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ أيْ: ما أوْجَبَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِهِ.

وَفِي "البَحِيرَةِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها النّاقَةُ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا نَحَرُوهُ، فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَها، وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لا يَنْتَفِعْنَ بِها، ولا يَذُقْنَ مِن لَبَنِها، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ خاصَّةً، فَإذا ماتَتْ، اشْتَرَكَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّها النّاقَةُ تَلِدُ خَمْسَ إناثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، فَيَعْمِدُونَ إلى الخامِسَةِ، فَيَبْتِكُونَ أُذُنَها، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّها ابْنَةُ السّائِبَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والفَرّاءُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ النّاقَةُ إذا تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ، فَإذا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُنْثى، شُقَّتْ أُذُنُها، وسُمِّيَتْ بَحِيرَةً، وخُلِّيَتْ مَعَ أُمِّها.

والرّابِعُ: أنَّها النّاقَةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وكانَ آخِرُها ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَها، أيْ: شَقُّوها، وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، وإذا لَقِيَها لَمْ يَرْكَبْها، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا "السّائِبَةُ": فَهي فاعِلَةٌ بِمَعْنى: مَفْعُولَةٍ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: مَرَضِيَّةٍ. وفي السّائِبَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الَّتِي تُسَيَّبُ مِنَ الأنْعامِ لِلْآلِهَةِ، لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ مِنها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما شاءَ، فَيَأْتِي بِهِ خَزَنَةَ الآلِهَةِ، فَيُطْعِمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ مِن ألْبانِهِ ولُحُومِهِ إلّا النِّساءَ، فَلا يُطْعِمُونَهُنَّ شَيْئًا مِنهُ إلّا أنْ يَمُوتَ، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانُوا يَهْدُونَ لِآلِهَتِهِمُ الإبِلَ والغَنَمَ، ويَتْرُكُونَها عِنْدَ الآلِهَةِ، فَلا يَشْرَبُ مِنها إلّا رَجُلٌ، فَإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

والثّالِثُ: أنَّها النّاقَةُ إذا ولَدَتْ عَشْرَةَ أبْطُنٍ، كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ أوْ ولَدُها حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ أكَلَها الرِّجالُ والنِّساءُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّها البَعِيرُ يُسَيَّبُ بِنَذْرٍ يَكُونُ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مَن مَرَضٍ، أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: كانَ الرَّجُلُ إذا نَذَرَ لِشَيْءٍ مِن هَذا، قالَ: ناقَتِي سائِبَةٌ، فَكانَتْ كالبَحِيرَةِ في أنْ لا يُنْتَفَعَ بِها ولا تُمْنَعَ مِن ماءٍ ومَرْعًى.

والخامِسُ: أنَّهُ البَعِيرُ يُحَجُّ عَلَيْهِ الحَجَّةُ، فَيُسَيَّبُ، ولا يُسْتَعْمَلُ شُكْرًا لَنَجَحِها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وفي "الوَصِيلَةِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشّاةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ أُنْثى، لَمْ يَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ إلّا أنْ تَمُوتَ، فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلُوهُ جَمِيعًا، وإنْ كانَ ذَكَرانِ وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، …

Al-Maaida 5:103Listen in Qur'an →
104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي: إذا قِيلَ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ: تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن تَحْلِيلِ ما حَرَّمْتُمْ عَلى أنْفُسِكم، قالُوا: ﴿حَسْبُنا﴾ أيْ: يَكْفِينا ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مِنَ الدِّينِ والمِنهاجِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لَهُ، أيَتَّبِعُونَهم في خَطَئِهِمْ.

Al-Maaida 5:104Listen in Qur'an →
105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى هَجَرٍ، وعَلَيْهِمُ المُنْذِرُ بْنُ ساوِي يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَلَمّا أتاهُ الكِتابُ، عَرَضَهُ عَلى مَن عِنْدَهُ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، فَأقَرُّوا بِالجِزْيَةِ، وكَرِهُوا الإسْلامَ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أمّا العَرَبُ فَلا تَقْبَلْ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فاقْبَلْ مِنهُمُ الجِزْيَةَ" فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسْلَمَتِ العَرَبُ، وأعْطى أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ الجِزْيَةَ، فَقالَ مُنافِقُو مَكَّةَ: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، وقَدْ قَبِلَ مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، وأهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَلّا أكْرَهَهم عَلى الإسْلامِ، وقَدْ رَدَّها عَلى إخْوانِنا مِنَ العَرَبِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَقْبَلُ الجِزْيَةَ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ فَلَمّا أسْلَمَتِ العَرَبُ طَوْعًا وكُرْهًا، قَبِلَها مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، فَطَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ، قالُوا لَهُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلَتْهم، وكانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَنْصُرَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما ألْزَمَكُمُ اللَّهُ أمْرَ أنْفُسِكم، ولا يُؤاخِذُكم بِذُنُوبِ غَيْرِكم، وهَذِهِ الآيَةُ لا تُوجِبُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا تَرَكَهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لَهُ، فَهو ضالٌّ، ولَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: لَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَأْوِيلُها في آخِرِ الزَّمانِ: قُولُوا ما قُبِلَ مِنكم، فَإذا غُلِبْتُمْ، فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إذا اهْتَدَيْتُمْ أنْتُمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الجَزاءِ.

فَصْلٌ

فَعَلى ما ذَكَرْنا عَنِ الزَّجّاجِ في مَعْنى الآيَةِ هي مُحْكَمَةٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ آيَةُ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ آخِرَها نَسَخَ أوَّلَها. رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ جَمَعَتِ النّاسِخَ والمَنسُوخَ غَيْرُ هَذِهِ، ومَوْضِعُ المَنسُوخِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ والنّاسِخُ: قَوْلُهُ: إذا اهْتَدَيْتُمْ. والهُدى هاهُنا: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

Al-Maaida 5:105Listen in Qur'an →
106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَداءٍ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَصَحِبَهُما رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مَن بَنِي سَهْمٍ، فَماتَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأوْصى إلَيْهِما بِتَرِكَتِهِ، فَلَمّا قَدِما، دَفَعاها إلى أهْلِهِ، وكَتَما جامًا كانَ مَعَهُ مِن فِضَّةٍ، وكانَ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَقالا: لَمْ نَرَهُ، فَأُتِيَ بِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاسْتَحْلَفَهُما بِاللَّهِ: ما كَتَما، وخَلّى سَبِيلَهُما. ثُمَّ إنَّ الجامَ وُجِدَ عِنْدَ قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: ابْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، فَقامَ أوْلِياءُ السَّهْمِيِّ، فَأخَذُوا الجامَ، وحَلَفَ رَجُلانِ مِنهم بِاللَّهِ: إنَّ هَذا الجامَ جامُ صاحِبِنا، وشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وما اعْتَدَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها.» قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ المَيِّتِ: بِزِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وكانَ تَمِيمٌ، وعَدِيٌّ نَصْرانِيَّيْنِ، فَأسْلَمَ تَمِيمٌ، وماتَ عَدِيٌّ نَصْرانِيًّا. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكُمُ اثْنانِ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: شَهادَةُ هَذِهِ الحالِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحَذَفَ "شَهادَةً"، ويَقُومُ "اثْنانِ" مَقامَهُما. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكم في سَفَرِكم إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ، وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ اثْنانِ. وفي هَذِهِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عِنْدَ الحُكّامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، وشُرَيْحٍ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها أيْمانُ الوَصِيِّ بِاللَّهِ تَعالى إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ بِهِما، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها شَهادَةُ الوَصِيَّةِ، أيْ: حُضُورُها، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣] جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّ هاهُنا اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا، واسْتَدَلَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ قالُوا: والشّاهِدُ لا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ. فَأمّا "حُضُورُ المَوْتِ" فَهو حُضُورُ أسْبابِهِ ومُقَدِّماتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ أيْ: وقْتَ الوَصِيَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.

والثّانِي: مِن عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا. قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن غَيْرِ مِلَّتِكم ودِينِكم، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الثّانِي. وفي "أوْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وإنَّما المَعْنى: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنكم، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَصْلٌ

فالقائِلُ بِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ شَهادَةُ مُسْلِمِينَ مِنَ القَبِيلَةِ …

Al-Maaida 5:106Listen in Qur'an →
107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدِيًّا وتَمِيمًا، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ: أنَّهُما لَمْ يَخُونا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ إلَيْهِما، فَحَلَفا، وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ ظَهَرَ الإناءُ الَّذِي كَتَماهُ، فَرَفَعَهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾» ومَعْنى "عُثِرَ": اطُّلِعَ، أيْ: إنْ عَثَرَ أهْلُ المَيِّتِ، أوْ مَن يَلِي أمْرَهُ، عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما آخَرانِ مِن غَيْرِنا ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ لِمَيْلِهِما عَنِ الِاسْتِقامَةِ في شَهادَتِهِما ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ: مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "اسْتُحِقَّ" بِضَمِّ التّاءِ، "الأوْلَيانِ" عَلى التَّثْنِيَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما الذِّمِّيّانِ. والثّانِي: الوَلِيّانِ، فَعَلى الأوَّلِ في مَعْنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الإيصاءُ، اسْتَحَقَّهُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّتِ الوَصِيَّةُ أوِ الإيصاءُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ الظُّلْمُ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الأوْلَيانِ، فَحَذَفَ الظُّلْمَ، وأقامَ الأوْلَيَيْنِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُرُوجُ مِمّا قاما بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ، لِظُهُورِ خِيانَتِهِما.

والرّابِعُ: أنَّهُ الإثْمُ، والمَعْنى: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمُ، ونابَتْ "عَلى" عَنْ "مَن" كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المُطَفِّفِينَ ٢] أيْ: مِنهم. وقالَ الفَرّاءُ: "عَلى" بِمَعْنى "فِي" كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ: في مُلْكِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَفْعُولُ "اسْتَحَقَّ" مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الأوْلَيانِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: جَنى عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا "الأوْلَيانِ"، فَقالَ الأخْفَشُ: الأوْلَيانِ: اثْنانِ، واحِدُهُما: الأوْلى، والجَمْعُ: الأوْلَوْنَ. ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: " الأوْلَيانِ " في قَوْلِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ يَرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِ مِمّا في "يَقُومانِ" والمَعْنى: فَلْيَقُمِ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَخْلُو الأوْلَيانِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، أوْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، هُما الأوْلَيانِ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ" . والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "الأوْلَيانِ": هُما الذِّمِّيّانِ، والمَعْنى: أنَّهُما الأوْلَيانِ بِالخِيانَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَقُومانِ، إلّا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى …

Al-Maaida 5:107Listen in Qur'an →
108

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أنْ تَحْلِفُوا كاذِبِينَ، أوْ تَخُونُوا أمانَةً، واسْمَعُوا المَوْعِظَةَ.

Al-Maaida 5:108Listen in Qur'an →
109

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "يَوْمٍ" مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾: واتَّقَوْا يَوْمَ جَمْعِهِ لِلرُّسُلِ. ومَعْنى مَسْألَتِهِ لِلرُّسُلِ تَوْبِيخُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ. فَأمّا قَوْلُ الرُّسُلِ: "لا عِلْمَ لَنا" فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم طاشَتْ عُقُولُهم حِينَ زَفَرَتْ جَهَنَّمُ، فَقالُوا: "لا عِلْمَ لَنا" ثُمَّ تُرَدُّ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، فَيَنْطَلِقُونَ بِحُجَّتِهِمْ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ إلّا عِلْمٌ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم، وأحْدَثُوا، فَيَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وفِيهِ بُعْدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ مَعَ عِلْمِكَ، لِأنَّكَ تَعْلَمُ الغَيْبَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ كَعِلْمِكَ، إذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ما أظْهَرَ القَوْمُ وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ نَعْلَمُ ما أظْهَرُوا، ولا نَعْلَمُ ما أضْمَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

والسّادِسُ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ إذْ كُنّا نَعْلَمُ بَعْضَها وقْتَ حَياتِنا، ولا نَعْلَمُ ما كانَ بَعْدَ وفاتِنا، وإنَّما يُسْتَحَقُّ الجَزاءُ بِما تَقَعُ بِهِ الخاتِمَةُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا رَدَّ الأنْبِياءُ العِلْمَ إلى اللَّهِ أبْلَسَتِ الأُمَمُ، وعَلِمَتْ أنَّ ما أتَتْهُ في الدُّنْيا غَيْرُ غائِبٍ عَنْهُ، وأنَّ الكُلَّ لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: العَلّامُ: بِمَنزِلَةِ العَلِيمِ، وبِناءُ "فَعّالٍ" بِناءُ التَّكْثِيرِ، فَأمّا "الغُيُوبُ" فَجَمْعُ غَيْبٍ، وهو ما غابَ عَنْكَ.

Al-Maaida 5:109Listen in Qur'an →
110

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: وإذْ يَقُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ في تَذْكِيرِهِ النِّعَمَ فائِدَتانِ.

إحْداهُما: إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ.

والثّانِيَةُ: تَوْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. ومِن نِعَمِهِ عَلى مَرْيَمَ أنَّهُ اصْطَفاها وطَهَّرَها، وأتاها بِرِزْقِها مِن غَيْرِ سَبَبٍ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ: الشُّكْرُ. فَأمّا النِّعْمَةُ، فَلَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناها الجَمْعُ. فَإنْ قِيلَ: لَمَ قالَ هاهُنا: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وفي (آلِ عِمْرانَ) "فِيهِ"؟ فالجَوابُ: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطَّيْرِ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، وَأنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ. وجازَ أنْ يَكُونَ "فِيهِ" لِلطَّيْرِ، و"فِيها" لِلْهَيْأةِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ هاهُنا: وفي (هُودٍ) و (الصَّفِّ) ( إلّا سِحْر مُبِين )، وقَرَأ في (يُونُسَ) ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ بِألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: الأرْبَعَةَ ( سِحْر مُبِين ) بِغَيْرِ ألِفٍ، فَمَن قَرَأ "سِحْرَ" أشارَ إلى ما جاءَ بِهِ، ومَن قَرَأ "ساحِرَ" أشارَ إلى الشَّخْصِ.

Al-Maaida 5:110Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.