Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

سُورَةُ المائِدَةِ

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ. والعَقْدُ: العَهْدُ المُوَثَّقُ. شُبِّهَ بِعَقْدِ الحَبْلِ ونَحْوِهِ، وهِيَ: عُقُودُ اللهِ الَّتِي عَقَدَها عَلى عِبادِهِ، وألْزَمَها إيّاهم مِن مَواجِبِ التَكْلِيفِ، أوْ ما عَقَدَ اللهُ عَلَيْكُمْ، وما تَعاقَدْتُمْ بَيْنَكُمْ، والظاهِرُ: أنَّها عُقُودُ اللهِ عَلَيْهِمْ في دِينِهِ مِن تَحْلِيلِ حَلالِهِ، وتَحْرِيمِ حَرامِهِ، وأنَّهُ كَلامٌ قُدِّمَ مُجْمَلًا، ثُمَّ عُقِّبَ بِالتَفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ والبَهِيمَةُ: كُلُّ ذاتِ أرْبَعِ قَوائِمَ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، وهي بِمَعْنى "مِن"، كَخاتَمِ فِضَّةٍ، ومَعْناهُ: البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَمانِيَةُ. وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: الظِباءُ، وبَقْرُ الوَحْشِ، ونَحْوُهُما.

﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ آيَةُ تَحْرِيمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" أيْ: أُحِلَّتْ لَكم هَذِهِ الأشْياءُ، لا مَحِلِّينَ الصَيْدَ.

﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ مِن مُحِلِّي الصَيْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أحْلَلْنا لَكَ بَعْضَ الأنْعامِ في حالِ امْتِناعِكم مِنَ الصَيْدِ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ، لِئَلّا يُضَيَّقُ عَلَيْكُمْ، والحَرَمُ: جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ.

﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِنَ الأحْكامِ، أوْ مِنَ التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ.

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

وَنَزَلَ نَهْيًا عَنْ تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي اسْمُ ما أُشْعِرَ، أيْ: جُعِلَ شِعارًا وعَلَمًا لِلنُّسُكِ بِهِ مِن مَواقِفِ الحَجِّ، ومَرامِي الجِمارِ، والمَطافِ، والمَسْعى، والأفْعالِ الَّتِي هي عَلاماتُ الحاجِّ، يُعْرَفُ بِها مِنَ الإحْرامِ، والطَوافِ، والسَعْيِ، والحَلْقِ، والنَحْرِ.

﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: أشْهُرَ الحَجِّ ﴿وَلا الهَدْيَ﴾ وهو ما أُهْدِيَ إلى البَيْتِ، وتُقُرِّبَ بِهِ إلى اللهِ تَعالى مِنَ النِسائِكِ، وهو جَمْعُ هَدِيَّةٍ.

﴿وَلا القَلائِدَ﴾ جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما قُلِّدَ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ، أوْ عُرْوَةِ مَزادَةٍ، أوْ لِحاءِ الشَجَرِ، أوْ غَيْرِهِ.

﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ ولا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وهُمُ الحُجّاجُ، والعُمّارُ. وإحْلالُ هَذِهِ الأشْياءِ: أنْ يُتَهاوَنَ بِحُرْمَةِ الشَعائِرِ، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِها، وأنْ يُحْدِثُوا في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّونَ بِهِ الناسَ عَنِ الحَجِّ، وأنْ يَتَعَرَّضُوا لِلْهَدْيِ بِالغَصْبِ، أوْ بِالمَنعِ مِن بُلُوغِ مَحَلِّهِ، وأمّا القَلائِدُ فَجازَ أنْ يُرادَ بِها ذَواتُ القَلائِدِ، وهي البُدْنُ، وتُعْطَفُ عَلى الهَدْيِ لِلِاخْتِصاصِ، لِأنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةُ: ٩٨] كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنها خُصُوصًا، وجازَ أنْ يَنْهى عَنِ التَعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنِ التَعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، أيْ: ولا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا أنْ تُحِلُّوها، كَما قالَ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُورُ: ٣١] فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِينَةِ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعِها ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "آمِّينَ" ﴿فَضْلا مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿وَرِضْوانًا﴾ وأنْ يَرْضى عَنْهم. لا تَتَعَرَّضُوا لِقَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهم تَعْظِيمًا لَهم ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ﴾ خَرَجْتُمْ مِنَ الإحْرامِ ﴿فاصْطادُوا﴾ إباحَةً لِلِاصْطِيادِ بَعْدَ حَظْرِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ "جَرَمَ" مِثْلُ "كَسَبَ" في تَعْدِيَتِهِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ واثْنَيْنِ، تَقُولُ: جَرَمَ ذَنْبًا، نَحْوُ: كَسَبَهُ، وجَرَمْتُهُ ذَنْبًا، نَحْوُ: كَسَبْتُهُ إيّاهُ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ، والثانِي: أنْ تَعْتَدُوا. و﴿أنْ صَدُّوكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالشَنَآنِ بِمَعْنى العِلَّةِ، وهو شِدَّةُ البُغْضِ. وبِسُكُونِ النُونِ: شامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. والمَعْنى: ولا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ - لِأنْ صَدُّوكُمُ - الِاعْتِداءَ، ولا يَحْمِلَنَّكم عَلَيْهِ. (إنْ صَدُّوكُمْ) عَلى الشَرْطِ: مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. ومَعْنى صَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَنعُ أهْلِ مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ العُمْرَةِ. ومَعْنى الِاعْتِداءِ: الِانْتِقامُ مِنهم بِإلْحاقِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَقْوى﴾ عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ عَلى الِانْتِقامِ والتَشَفِّي، أوِ البِرُّ: فِعْلُ المَأْمُورِ، والتَقْوى: تَرْكُ المَحْظُورِ، والإثْمُ: تَرْكُ المَأْمُورِ، والعُدْوانُ: فِعْلُ المَحْظُورِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العُمُومُ لِكُلِّ بِرٍّ وتَقْوى، ولِكُلِّ إثْمٍ وعُدْوانٍ، فَيَتَناوَلُ بِعُمُومِهِ: العَفْوَ، والِانْتِصارَ.

﴿واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن عَصاهُ، وما …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ فَقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ أيِ: البَهِيمَةُ الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أنْفِها ﴿والدَمُ﴾ أيِ: المَسْفُوحُ، وهو السائِلُ ﴿وَلَحْمُ الخِنْـزِيرِ﴾ وكُلُّهُ نَجِسٌ، وإنَّما خُصَّ اللَحْمُ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ أيْ: رُفِعَ الصَوْتُ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وهو قَوْلُهُمْ: بِاسْمِ اللاتِ والعُزّى عِنْدَ ذَبْحِهِ ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ الَّتِي خَنَقُوها حَتّى ماتَتْ، أوِ انْخَنَقَتْ بِالشَبَكَةِ، أوْ غَيْرِها.

﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ الَّتِي أثْخَنُوها ضَرْبًا بِعَصًا، أوْ حَجَرٍ، حَتّى ماتَتْ.

﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَرَدَّتْ مِن جَبَلٍ، أوْ في بِئْرٍ فَماتَتْ.

﴿والنَطِيحَةُ﴾ المَنطُوحَةُ، وهي الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَطْحِ.

﴿وَما أكَلَ السَبُعُ﴾ بَعْضَهُ، وماتَ بِجُرْحِهِ.

﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ، وهو يَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ. والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى المُنْخَنِقَةِ وما بَعْدَها، فَإنَّهُ إذا أدْرَكَها وبِها حَياةٌ، فَذَبَحَها، وسَمّى عَلَيْها حَلَّتْ.

﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ﴾ كانَتْ لَهم حِجارَةٌ مَنصُوبَةٌ حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها يُعَظِّمُونَها بِذَلِكَ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها تُسَمّى: الأنْصابُ. واحِدُها: نُصُبٌ، أوْ هو جَمْعٌ، والواحِدُ: نِصابٌ.

﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى المَيْتَةِ، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ، وكَذا وكَذا، والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: وهي القِداحُ المُعَلَّمَةُ واحِدُها زَلَمٌ وزُلَمٌ، كانَ أحَدُهم إذا أرادَ سَفَرًا، أوْ غَزْوًا، أوْ تِجارَةً، أوْ نِكاحًا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَعْمِدُ إلى قِداحٍ ثَلاثَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها مَكْتُوبٌ: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى الآخَرِ: نَهانِي، والثالِثُ غُفْلٌ، فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ مَضى لِحاجَتِهِ، وإنْ خَرَجَ الناهِي أمَسَكَ، وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أعادَهُ، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ: طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهُ مِمّا لَمْ يُقْسَمْ لَهُ بِالأزْلامِ. قالَ الزَجّاجُ: لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ: لا تَخْرُجْ مِن أجْلِ نَجْمِ كَذا، واخْرُجْ لِطُلُوعِ نَجْمِ كَذا. و"فِي شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" رَدُّ هَذا، وقالَ: لا يَقُولُ المُنَجِّمُ: إنَّ نَجْمَ كَذا يَأْمُرُ بِكَذا، ونَجْمَ كَذا يَنْهى عَنْ كَذا، كَما كانَ فِعْلَ أُولَئِكَ، ولَكِنَّ المَنَجِّمَ جَعَلَ النُجُومَ دَلالاتٍ وعَلاماتٍ عَلى أحْكامِ اللهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ في النُجُومِ مَعانِيَ وأعْلامًا يُدْرِكُ بِها الأحْكامَ، ويَسْتَخْرِجُ بِها الأشْياءَ، ولا لائِمَةَ في ذَلِكَ، إنَّما اللائِمَةُ عَلَيْهِ فِيما يَحْكُمُ عَلى اللهِ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو المَيْسِرُ، وقِسْمَتُهُمُ الجَزُورَ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ.

﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ خُرُوجٌ عَنِ الطاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى كُلِّ مُحَرَّمٍ في الآيَةِ ﴿اليَوْمَ﴾ ظَرْفٌ لِـ "يَئِسَ". ولَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّما مَعْناهُ: الآنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا اليَوْمَ قَدْ كَبِرْتُ، تُرِيدُ: الآنَ. وقِيلَ: أُرِيدَ يَوْمَ نُزُولِها، وقَدْ نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ،

﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ يَئِسُوا مِنهُ أنْ يُبْطِلُوهُ، أوْ يَئِسُوا مِن دِينِكم أنْ يَغْلِبُوهُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى وفّى بِوَعْدِهِ مِن إظْهارِهِ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِ الدِينِ وزَوالِ الخَوْفِ …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

﴿يَسْألُونَكَ﴾ في السُؤالِ مَعْنى القَوْلِ، فَلِذا وقَعَ بَعْدَهُ ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ لَكَ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ماذا أحِلُّ لَنا؟ حِكايَةً لِما قالُوا، لِأنَّ "يَسْألُونَكَ" بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ، ولَوْ قِيلَ: لَأفْعَلَنَّ، وأُحِلَّ لَنا لَكانَ صَوابًا. و"ماذا" مُبْتَدَأٌ، و﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، كَقَوْلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أحِلُّ لَهُمْ؟ ومَعْناهُ: ماذا أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ. كَأنَّهم حِينَ تَلا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِن خَبِيثاتِ المَآكِلِ، سَألُوا عَمّا أحِلُّ لَهم مِنها، فَقالَ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ أيْ: ما لَيْسَ بِخَبِيثٍ مِنها، أوْ هو كُلُّ ما لَمْ يَأْتِ تَحْرِيمُهُ في كِتابِ اللهِ، أوْ سُنَّةِ، أوْ إجْماعٍ، أوْ قِياسٍ.

﴿وَما عَلَّمْتُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الطَيِّباتِ، أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ، وصَيْدِ ما عُلِّمْتُمْ، فَحُذِفَ المُضافُ، أوْ تَجْعَلُ "ما" شَرْطِيَّةً وجَوابُها "فَكُلُوا" ﴿مِنَ الجَوارِحِ﴾ أيِ: الكَواسِبِ لِلصَّيْدِ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَيْرِ، كالكَلْبِ، والفَهْدِ، والعُقابِ، والصَقْرِ، والبازِي، والشاهِينِ. وقِيلَ: هي مِنَ الجِراحَةِ، فَيُشْتَرَطُ لِلْحَلِّ الجُرْحُ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حالٌ مِن عَلَّمْتُمْ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ - مَعَ أنَّهُ اسْتَغْنى عَنْها بِـ "عَلَّمْتُمْ"- أنْ يَكُونَ مَن يُعَلِّمُ الجَوارِحَ مَوْصُوفًا بِالتَكْلِيبِ. والمُكَلِّبُ مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُعَلِّمُها، مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلَبِ، لِأنَّ التَأْدِيبَ في الكِلابِ أكْثَرُ، فاشْتُقَّ مَن لَفْظِهِ لِكَثْرَتِهِ في جِنْسِهِ، أوْ لِأنَّ السَبُعَ يُسَمّى كَلْبًا، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "اللهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ" » فَأكَلَهُ الأسَدُ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ، ولا مَوْضِعَ لَهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَلى كُلِّ آخِذٍ عِلْمًا عَلى ألّا يَأْخُذَهُ إلّا مِن أقْتَلِ أهْلِهِ عِلْمًا، وأنْحَرِهِمْ دِرايَةً، فَكَمْ مِن آخِذٍ مِن غَيْرِ مُتْقِنٍ قَدْ ضَيَّعَ أيّامَهُ، وعَضَّ عِنْدَ لِقاءِ النَحارِيرِ أنامِلَهُ؟! ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ مِنَ التَكْلِيبِ ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الإمْساكُ عَلى صاحِبِهِ ألّا يَأْكُلَ مِنهُ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ لَمْ يُؤْكَلْ إذا كانَ صَيْدَ كَلْبٍ ونَحْوِهِ، فَأمّا صَيْدُ البازِي ونَحْوُهُ فَأكْلُهُ لا يُحَرِّمُهُ، وقَدْ عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، والضَمِيرُ في ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ يَرْجِعُ إلى " ما أمْسَكْنَ " عَلى مَعْنى: وسَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ. أوْ إلى " ما عَلِمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ " أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ واحْذَرُوا مُخالَفَةَ أمْرِهِ في هَذا كُلِّهِ ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إنَّهُ مُحاسِبُكم عَلى أفْعالِكُمْ، ولا يَلْحَقُهُ فِيهِ لَبِثَ.

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿اليَوْمَ﴾ الآنَ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْمِنَّةِ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَبائِحُهُمْ، لِأنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ لا يَخْتَصُّ حِلُّها بِالمِلَّةِ ﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهُمْ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ طَعامُ المُؤْمِنِينَ لَما ساغَ لَهم إطْعامُهم ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ هي الحَرائِرُ، أوِ العَفائِفُ، ولَيْسَ هَذا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ النِكاحِ، بَلْ هو لِلِاسْتِحْبابِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ نِكاحُ الإماءِ مِنَ المُسْلِماتِ، ونِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ. وتَخْصِيصُهُنَّ بَعْثٌ عَلى تَخَيُّرِ المُؤْمِنِينَ لِنُطَفِهِمْ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَيِّباتِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ حِلٌّ لَكم ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هي الحَرائِرُ الكِتابِيّاتُ، أوِ العَفائِفُ الكِتابِيّاتُ.

﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أعْطَيْتُمُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ مُتَزَوِّجِينَ غَيْرَ زانِينَ ﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ صَدائِقَ، والخِدْنُ: يَقَعُ عَلى الذَكَرِ والأُنْثى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وما أحَلَّ اللهُ، وحَرَّمَ ﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾ بَطَلَ ﴿عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَلاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النَحْلُ: ٩٨] أيْ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، فَعَبِّرْ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ، لِأنَّ الفِعْلَ مُسَبَّبٌ عَنِ الإرادَةِ، فَأُقِيمَ المُسَبَّبُ مَقامَ السَبَبِ، لِمُلابَسَةٍ بَيْنَهُما طَلَبًا لِلْإيجازِ، ونَحْوُهُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، عَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ الِابْتِدائِيِّ، الَّذِي هو سَبَبُ الجَزاءِ، بِلَفْظِ الجَزاءِ، الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ. وتَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ مُحَدِّثُونَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أوْ مِنَ النَوْمِ، لِأنَّهُ دَلِيلُ الحَدَثِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والصَحابَةُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ. » وقِيلَ: كانَ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ واجِبًا أوَّلَ ما فُرِضَ، ثُمَّ نَسَخَ ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ "إلى" تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ مُطْلَقًا، فَأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ وخُرُوجُها فَأمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَلِيلِ. فَما فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الخُرُوجِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٨٠]، لِأنَّ الإعْسارَ عِلَّةُ الإنْظارِ وبِوُجُودِ المَيْسَرَةِ تَزُولُ العِلَّةُ، ولَوْ دَخَلَتِ المُيَسَّرَةُ فِيهِ لَكانَ مَنظَرًا في الحالَتَيْنِ مُعْسِرًا ومُوسِرًا. وكَذَلِكَ ﴿أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٨٧] لَوْ دَخَلَ اللَيْلُ لَوَجَبَ الوِصالُ. ومِمّا فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الدُخُولِ، قَوْلُكَ: حَفِظْتُ القُرْآنَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحِفْظِ القُرْآنِ كُلِّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسْراءُ: ١] لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّهُ ﷺ لا يُسْرى بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَأخَذَ الجُمْهُورُ بِالِاحْتِياطِ، فَحَكَمُوا بِدُخُولِها في الغَسْلِ، وأخَذَ زُفَرُ وداوُدُ بِالمُتَيَقَّنِ فَلَمْ يُدْخِلاها. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يُدِيرُ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ. »﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المُرادُ: إلْصاقُ المَسْحِ بِالرَأْسِ، وماسِحُ بَعْضِهِ ومُسْتَوْعِبُهُ بِالمَسْحِ كِلاهُما مُلْصِقٌ لِلْمَسْحِ بِرَأْسِهِ، فَأخَذَ مالِكٌ بِالِاحْتِياطِ فَأوْجَبَ الِاسْتِيعابَ، والشافِعِيُّ بِاليَقِينِ فَأوْجَبَ أقَلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْحِ. وأخَذْنا بِبَيانِ النَبِيِّ ﷺ، وهو ما رُوِيَ: «أنَّهُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ. » وقُدِّرَتِ الناصِيَةُ بِرُبُعِ الرَأْسِ. (وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ) بِالنَصْبِ: شامِيٌّ، ونافِعٌ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ. والمَعْنى: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ، وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم عَلى التَقْدِيمِ والتَأْخِيرِ. غَيْرُهم بِالجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى الرُؤُوسِ، لِأنَّ الأرْجُلَ مِن بَيْنِ الأعْضاءِ الثَلاثَةِ المَغْسُولَةِ، تُغْسَلُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها، فَكانَتْ مَظِنَّةَ لِلْإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَعُطِفَتْ عَلى المَمْسُوحِ لا لِتُمْسَحَ، ولَكِنْ لِيُنَبَّهَ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصادِ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها. وقِيلَ: "إلى الكَعْبَيْنِ" فَجِيءَ بِالغايَةِ إماطَةً لِظَنِّ ظانٍّ يَحْسَبُها مَمْسُوحَةً، لِأنَّ المَسْحَ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ غايَةٌ في الشَرِيعَةِ. وقالَ في "جامِعِ العُلُومِ": إنَّها مَجْرُورَةٌ لِلْجِوارِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى قَوْمًا يَمْسَحُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ، فَقالَ: "وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النارِ". » وعَنْ عَطاءٍ: واللهِ ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: عاقَدَكم بِهِ عَقْدًا وثِيقًا، وهو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَمْعِ والطاعَةِ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، فَقَبِلُوا، وقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا. وقِيلَ: هو المِيثاقُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وفي بَيْعَةِ الرِضْوانِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في نَقْضِ المِيثاقِ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ بِسَرائِرِ الصُدُورِ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ عُدِّيَ "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ مُضَمَّنًا مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ فِيهِمْ.

﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيِ: العَدْلُ أقْرَبُ إلى التَقْوى. نَهاهم أوَّلًا أنْ تَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَذَكَرَ لَهم وجْهَ الأمْرِ بِالعَدْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وإذا كانَ وُجُوبُ العَدْلِ مَعَ الكُفّارِ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ القُوَّةِ، فَما الظَنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ؟! ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَ ونَهى ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ولِذا ذَكَرَ بَعْدَها آيَةَ الوَعْدِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وعَدَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فالأوَّلُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والثانِي مَحْذُوفٌ، اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والوَعِيدُ وهو قَوْلُهُ:

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ: لا يُفارِقُونَها.

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.