Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

ولَمّا كانَ مِنَ الأجْرِ ما يَحْصُلُ مِن أسْبابِ السَّعادَةِ في الدُّنْيا؛ قالَ (تَعالى) - ذاكِرًا لَهم بَعْضَ ذَلِكَ؛ مُذَكِّرًا بِبَعْضِ ما خاطَبَهم بِهِ؛ لِيُقْدِمُوا عَلى مُبايَنَةِ الكَفَرَةِ؛ ويَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ؛ كائِنَةً ما كانَتْ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: صَدَّقُوا بِاللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ وكِتابِهِ؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ عَظَّمَها بِإبْهامِها؛ ثُمَّ زادَها تَعْظِيمًا بِالتَّذْكِيرِ بِوَقْتِها؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿هَمَّ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: لَهم قُوَّةٌ ومَنعَهٌ؛ وقُدْرَةٌ عَلى ما يَقُومُونَ فِيهِ؛ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالقِتالِ؛ والقَتْلِ؛ وهو شامِلٌ - مَعَ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ نُزُولِهِ - لِما اتَّفَقَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ العَقَبَةِ مِن أنَّ قُرَيْشًا تَنَطَّسَتِ الحِبْرَ عَنِ البَيْعَةِ؛ فَلَمّا صَحَّ عِنْدَهم طَلَبُوا أهْلَ البَيْعَةِ فَفاتُوهُمْ؛ إلّا أنَّهم أدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ بِأذاخِرَ؛ والمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو؛ أخا بَنِي ساعِدَةَ؛ وكِلاهُما كانَ نَقِيبًا؛ فَأمّا المُنْذِرُ فَأعْجَزَهُمْ؛ وأمّا سَعْدٌ فَأخَذُوهُ؛ فَرَبَطُوهُ؛ وأقْبَلُوا يَضْرِبُونَهُ؛ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنهم بِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ؛ والحارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ؛ بِما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما مِنَ الجِوارِ؛ فَكانَ في سَوْقِ الآيَةِ بَعْدَ آيَةِ المِيثاقِ؛ الَّذِي أعْظَمُهُ ما كانَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؛ أعْظَمُ مُذَكِّرٍ بِذَلِكَ؛ ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ قِلَّتِكُمْ؛ وكَثْرَتِهِمْ؛ وضَعْفِكُمْ؛ وقُوَّتِهِمْ؛ ولَمْ يَكُنْ لَكم ناصِرٌ إلّا الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ وتَوَكَّلْتُمْ عَلَيْهِ؛ وبايَعْتُمْ رَسُولَهُ؛ فَكَفَّ بِبَعْضِ الأعْداءِ عَنْكم أيْدِيَ بَعْضٍ؛ ولَوْ شاءَ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ كَما سَلَّطَ ابْنَ آدَمَ عَلى أخِيهِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القِصَّةَ الَّتِي عُزِيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ هُنا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ في الِاسْتِعانَةِ في دِيَةِ القَتِيلَيْنِ إنَّما هي لَبَنِي النَّضِيرِ؛ وهي كانَتْ سَبَبَ إجْلائِهِمْ.

ولَمّا أمَرَهم بِذِكْرِ النِّعْمَةِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ الأمْرَ بِالخَوْفِ مِنَ المُنْعِمِ أنْ يُبَدِّلَ نِعْمَتَهُ بِنِقْمَةٍ؛ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم أعْداءَكُمْ؛ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن سَطْواتِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”عَلى اللَّهِ وحْدَهُ في كُلِّ حالَةٍ فَتَوَكَّلُوا؛ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِنَصْرِ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ؛ ولَمْ يَعْتَمِدْ إلّا عَلَيْهِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ -: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لِكَوْنِهِ لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ؛ فَإنَّهُ يَمْنَعُهم إذا شاءَ كَهَذا المَنعِ؛ وإنِ اشْتَدَّ الخَطْبُ؛ وتَعاظَمَ الأمْرُ؛ فَتَوَكَّلُوا؛ ولا تَنْكِلُوا عَنْ أعْدائِكُمُ الَّذِينَ وعَدَكُمُ اللَّهُ أرْضَهُمْ؛ ودِيارَهُمْ؛ وأبْناءَهُمْ؛ وتَهابُوا جُمُوعَهُمْ؛ كَما هابَ بَنُو إسْرائِيلَ - كَما سَيُقَصُّ عَلَيْكم -؛ وقَوْلُهُ هُنا:“المُؤْمِنُونَ”؛ وفي قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ:“ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "؛ شَدِيدُ التَّآخِي؛ مُعْلِمٌ بِمَقامَيِ الفَرِيقَيْنِ؛ وحِينَئِذٍ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَعْقِيبُها مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ العَقَبَةِ؛ وأمْرِ بَنِي النَّضِيرِ؛ في نَقْضِهِمْ عَهْدَهُمْ؛ وغَدْرِهِمْ؛ بِما هَمُّوا بِهِ مَن قَتْلِ …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن جَمِيعِ الجَلالِ؛ والعَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: العَهْدَ المُوَثَّقَ بِما أُخِذَ عَلَيْكُمْ؛ مِنَ السَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ ﴿وبَعَثْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ أيْ: شاهِدًا؛ عَلى كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ يَكْفُلُهم بِالوَفاءِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَفاءِ بِهِ - كَما بَعَثْنا مِنكم لَيْلَةَ العَقَبَةِ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا؛ وأخَذْنا مِنكُمُ المِيثاقَ عَلى ما أحالَهُ الإسْلامُ - كَما قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - في تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ: «”ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؛ حِينَ تَواثَقْنا عَلى الإسْلامِ“؛» وأمّا تَفْصِيلُهُ فَمَذْكُورٌ في السِّيَرِ؛ و”النَّقِيبُ“: الَّذِي يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ؛ كَما قِيلَ: ”عَرِّيفٌ“؛ لِأنَّهُ يَتَعَرَّفُها؛ ومِن ذَلِكَ ”المَناقِبُ“؛ وهي الفَضائِلُ؛ لِأنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْها؛ ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وأكَّدَ لِتَكَرُّرِ جَزَعِهِمْ؛ وتَقَلُّبِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾؛ وهو كِنايَةٌ عَنِ الكِفايَةِ؛ لِأنَّ القادِرَ إذا كانَ مَعَ أحَدٍ؛ كانَ كَذَلِكَ إذا لَمْ يُغْضِبْهُ.

ولَمّا أنْهى التَّرْغِيبَ بِالمَعِيَّةِ؛ اسْتَأْنَفَ بَيانَ شَرْطِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى -: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ﴾؛ أيْ: أنْشَأْتُمْ؛ ﴿الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي صِلَةٌ ما بَيْنَ العَبْدِ؛ والخالِقِ؛ بِجَمِيعِ شُرُوطِها؛ وأرْكانِها؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الإنْفاقِ المُؤاساةَ بِالإيتاءِ؛ قالَ: ﴿وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي بَيْنَ الحَقِّ؛ والخَلائِقِ.

ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانُوا في كُلِّ قَلِيلٍ يَتَرَدَّعُونَ عَنِ اتِّباعِهِ؛ أوْ كَمالِ اتِّباعِهِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّ مَيْلَهم بَعْدَهُ يَكُونُ أكْثَرَ؛ فَرَتَّبَ في الأزَلِ أنَّهُ تَواتَرَ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ الرُّسُلُ؛ يَحْفَظُونَهم عَنِ الزَّيْغِ؛ ويُقَوِّمُونَ مِنهُمُ المَيْلَ؛ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أيْ: أدَمْتُمُ الإيمانَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وجَدَدْتُمُ الإيمانَ بِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ؛ فَصَدَّقْتُمُوهم في جَمِيعِ ما يَأْمُرُونَكم بِهِ؛ ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: ذَبَبْتُمْ عَنْهُمْ؛ ونَصَرْتُمُوهُمْ؛ ومَنَعْتُمُوهم أشَدَّ المَنعِ؛ و”التَّعْزِيرُ“؛ و”التَّأْزِيرُ“؛ مِن بابٍ واحِدٍ.

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المُصَدِّقِ لِلْإيمانِ؛ ونَصْرِ الرُّسُلِ بَذْلُ المالِ؛ فَهو البُرْهانُ؛ قالَ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ؛ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: بِالإنْفاقِ في جَمِيعِ سُبُلِ الخَيْرِ؛ وأعْظَمُها الجِهادُ؛ والإعانَةُ فِيهِ لِلضُّعَفاءِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ؛ فَهو لا يَنْفَكُّ عَنْ زَلَلٍ؛ أوْ تَقْصِيرٍ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في صالِحِ العَمَلِ؛ قالَ - سادًّا بِجَوابِ القَسَمِ؛ الَّذِي وطَّأتْ لَهُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ؛ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾؛ أيْ: لَأسْتُرَنَّ؛ ﴿عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: فِعْلَكُمْ؛ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ؛ ﴿ولأُدْخِلَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: فَضْلًا مِنِّي؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ الماءُ لا يَحْسُنُ إلّا بِقُرْبِهِ؛ وانْكِشافِهِ عَنْ بَعْضِ الأرْضِ؛ قالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: مِن شِدَّةِ الرِّيِّ؛ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾؛ ولَمّا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يُعَذِّبُ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ وكانَ المُهْلِكُ …

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أُخِذَ عَلى اليَهُودِ مِنَ المِيثاقِ؛ ووَعِيدِهِ لَهم إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ ذَكَرَ أنَّهم نَقَضُوا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وغَيْرِها كَثِيرٍ؛ مِنهُ عَنْ نَصِّ ما عِنْدَهم مِنَ التَّوْراةِ - فاسْتَحَقُّوا ما هم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَمّا مَضى؛ مُؤَكِّدًا بِـ ”ما“؛ النّافِيَةِ لِضِدِّ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ -: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ الآتِينَ مِن بَعْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ؛ ونَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ في كِتْمانِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما نَقَضَ بَنُو النَّضِيرِ؛ فَسَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ بِما أشارَ إلَيْهِمْ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“؛ ﴿لَعَنّاهُمْ﴾؛ أيْ: أبْعَدْناهم بَعْدَ أنْ وعَدْناهُمُ القُرْبَ بِالكَوْنِ مَعَهم إنْ وفَوْا.

ولَمّا كانَ البَعِيدُ قَدْ يَكُونُ رَقِيقَ القَلْبِ؛ مُتَأسِّفًا عَلى بُعْدِهِ؛ ساعِيًا في أسْبابِ قُرْبِهِ؛ باقِيًا عَلى عافِيَةِ رَبِّهِ؛ فَيُرْجى بِذَلِكَ لَهُ الغُفْرانُ لِذَنْبِهِ؛ أخْبَرَ أنَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾؛ أيْ: صُلْبَةً؛ عاسِيَةً بِالغِشِّ فَهي غَيْرُ قابِلَةٍ لِلنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّ الذَّهَبَ الخالِصَ يَكُونُ لَيِّنًا؛ والمَغْشُوشَ يَكُونُ فِيهِ يَبَسٌ وصَلابَةٌ؛ وكُلُّ لَيِّنٍ قابِلٌ لِلصَّلاحِ بِسُهُولَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَساوَتَها بِما دَلَّ عَلى نَقْضِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ كُلَّ وقْتٍ تَحْرِيفَهُ؛ ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾؛ فَإنَّهم كُلَّما وجَدُوا شَيْئًا مِن كَلامِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِضَلالِهِمْ حَرَّفُوهُ إلى شَهَواتِهِمْ؛ وأوَّلُوهُ التَّأْوِيلَ الباطِلَ بِأهْوائِهِمْ؛ فَهم يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ومَعانِيَها.

ولَمّا كانُوا قَدْ تَرَكُوا أصْلًا ورَأْسًا ما لا يَقْدِرُونَ لِصَراحَتِهِ عَلى تَحْرِيفِهِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ إعْلامًا بِحَرْمِهِمُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ -: ﴿ونَسُوا حَظًّا﴾؛ أيْ: نَصِيبًا نافِعًا؛ مُعْلِيًا لَهُمْ؛ ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ؛ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ؛ عِيسى ومَن قَبْلَهُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ تَرَكُوهُ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ؛ لِقِلَّةِ مُبالاتِهِ بِهِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم رُجُوعٌ إلَيْهِ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَفْعَلُونَهُ في حَقِّهِ في كَلامِهِ؛ الَّذِي هو صِفَتُهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَعُمُّ حَقَّهُ وحَقَّ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ أنَّ الخِيانَةَ دَيْدَنُهُمْ؛ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ فَقالَ: ﴿ولا تَزالُ﴾؛ أيْ: بِما نُطْلِعُكَ عَلَيْهِ يا أكْرَمَ الخَلْقِ؛ ﴿تَطَّلِعُ﴾؛ أيْ: تُظْهَرُ ظُهُورًا بَلِيغًا ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾؛ أيْ: خِيانَةٍ عَظِيمَةٍ؛ تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمِّيَ فاعِلَها الخَؤُونَ؛ لِشِدَّتِها؛ و﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في حَقِّكَ؛ بِقَصْدِ الأذى؛ وفي حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ بِإخْفاءِ بَعْضِ ما شَرَعَهُ لَهُمْ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾؛ فَإنَّهم يَكُونُونَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ؛ إمّا بِالإيمانِ؛ وإمّا بِالوَفاءِ؛ وهم مُتَمَسِّكُونَ بِالكُفْرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الَّذِي في حَقِّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: امْحُ ذَنْبَهم ذَلِكَ الَّذِي اجْتَرَحُوهُ؛ وهو دُونَ النَّقْضِ والتَّحْرِيفِ؛ فَلا تُعاقِبْهم عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ العَفْوُ لا يَمْنَعُ …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

ولَمّا دَخَلَ النَّصارى فِيما مَضى؛ لِأنَّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ خَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم أشَدُّ وأسْمَجُ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ أيْ: مُسَمِّينَ أنْفُسَهُمْ؛ مُلْزِمِينَ لَها النُّصْرَةَ لِلَّهِ؛ مُؤَكِّدِينَ قَوْلَهُمْ؛ رَدًّا عَلى مَن يَرْتابُ فِيهِ: ﴿إنّا نَصارى﴾؛ أيْ: مُبالِغُونَ في نُصْرَةِ الحَقِّ؛ فالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ ”ومِنَ النَّصارى“؛ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم تَسَمَّوْا بِما لَمْ يَفُوا بِهِ؛ ﴿أخَذْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: كَما أُخِذَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

ولَمّا كانَ كُفْرُهم في غايَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ؛ لَمْ يَنْسِبْهم إلى غَيْرِ التَّرْكِ؛ فَقالَ: ﴿فَنَسُوا﴾؛ أيْ: تَرَكُوا تَرْكَ النّاسِي؛ ﴿حَظًّا﴾ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا؛ يُتَنافَسُ في مِثْلِهِ؛ ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: في الإنْجِيلِ؛ مِمّا سَبَقَ لَهم ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ؛ مِن أوْصافِ نَبِيِّهِ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ.

ولَمّا أدّى ذَلِكَ إلى تَشَعُّبِهِمْ فِرَقًا؛ فَأنْتَجَ تَشاحُنَهُمْ؛ وتَقاطُعَهُمْ؛ وتَدابُرَهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأغْرَيْنا﴾؛ أيْ: ألْصَقْنا بِعَظَمَتِنا؛ إلْصاقَ ما هو بِالغِراءِ؛ لا يَنْفَكُّ؛ بَلْ يَصِيرُ كَجُزْءِ الشَّيْءٍ؛ ﴿بَيْنَهُمُ﴾؛ أيْ: النَّصارى؛ بَعْدَ أنْ جَعَلْناهم فِرَقًا مُتَبايِنِينَ؛ بِتَفْرِيقِ الدِّينِ؛ وكَذا بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ؛ ﴿العَداوَةَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ بَغْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ إذا زالَ زالَتْ؛ أوْ خَفَّتْ؛ قالَ مُعْلِمًا أنَّها لِأمْرٍ باطِنِيٍّ؛ نَشَأ مِن تَزْيِينِ الهَوى؛ فَهو ثابِتٌ غَيْرُ مُنْفَكٍّ؛ ﴿والبَغْضاءَ﴾؛ بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ؛ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾

ولَمّا أخْبَرَ بِنَكَدِهِمْ في الدُّنْيا؛ أعْقَبَهُ ما لَهم في الأُخْرى؛ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ﴾؛ أيْ: يُخْبِرُهُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ إخْبارًا بِعَظِيمِ الشَّأْنِ بِما فِيهِ مِن عِظَمِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في الآخِرَةِ؛ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ولَمّا كانَتْ خِيانَتُهم قَدْ صارَتْ لَهم فِيها مَلَكاتٍ؛ بِما لازَمُوا مِنها؛ حَتّى ضُرِبُوا بِها؛ وتَدَرَّبُوا عَلَيْها؛ حَتّى صارَتْ لَهم أحْوالًا لِأنْفُسِهِمْ؛ وأخْلاقًا لِقُلُوبِهِمْ؛ سَمّاها صَنائِعَ؛ فَقالَ: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أيْ: دَرَّبُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ؛ حَتّى صارَ كالصَّنْعَةِ؛ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ بِما يُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ.

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أحْوالُ الفَرِيقَيْنِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ واعِظًا؛ مُنادِيًا؛ مُتَلَطِّفًا؛ مُسْتَعْطِفًا؛ مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾؛ أيْ: الَّذِي أرْسَلْناهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ فَلْيُظْهَرَنَّ بِذَلِكَ عَلى مَن ناوَأهُ؛ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: يُوَضِّحُ إيضاحًا شافِيًا؛ ﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَكم مِن جِبِلَّةِ الشَّرِّ والخِيانَةِ؛ ﴿تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: العَظِيمِ المُنَزَّلِ عَلَيْكُمْ؛ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وحُكْمِ الزِّنا؛ وغَيْرِهِما؛ لِإحْياءِ سُنَّةٍ؛ وإماتَةِ بِدَعَةٍ - كَما مَضى مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وذَلِكَ دالٌّ بِلا شُبْهَةٍ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ؛ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: فَلا يَفْضَحْكم بِإظْهارِهِ امْتِثالًا لِأمْرِنا لَهُ بِذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ إحْسانٌ مِنهُ ﷺ إلَيْكُمْ؛ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِهِ إلّا فَضِيحَتُكم.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ فَصْلِهِ لِلْخَفايا؛ وكانَ التَّفْصِيلُ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّورِ؛ اقْتَضى الحالُ تَوَقُّعَ الإخْبارِ بِأنَّهُ نُورٌ؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوْقِيعِ والتَّحْقِيقِ -: ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾؛ وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ -: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿نُورٌ﴾؛ أيْ: واضِحُ النُّورِيَّةِ؛ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ الَّذِي كَشَفَ ظُلُماتِ الشَّكِّ؛ والشِّرْكِ؛ ودَلَّ عَلى جَمْعِهِ مَعَ فَرْقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكِتابٌ﴾؛ أيْ: جامِعٌ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنٌ في نَفْسِهِ؛ مُبَيِّنٌ لِما كانَ خافِيًا عَلى النّاسِ مِنَ الحَقِّ.

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

ولَمّا كانَتْ هِدايَتُهُ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ صَلاحِ الجِبِلَّةِ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - واصِفًا لَهُ -: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾؛ أيْ: الكِتابِ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ القادِرُ عَلى التَّصَرُّفِ في البَواطِنِ؛ والظَّواهِرِ؛ ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾؛ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ وأجْهَدَها في الخَلاصِ مِن أسْرِ الهَوى؛ بِأنْ تَبِعَ؛ ﴿رِضْوانَهُ﴾؛ أيْ: غايَةَ ما يُرْضِيهِ مِنَ الإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَفْعُولَ؛ ”يَهْدِي“؛ فَقالَ: ﴿سُبُلَ﴾؛ أيْ: طُرُقَ؛ ﴿السَّلامِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِاتِّباعِ شَرائِعِ دِينِهِ؛ والعافِيَةِ والسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ؛ ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: كَدُوراتِ النُّفُوسِ؛ والأهْواءِ؛ والوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ؛ ﴿إلى النُّورِ﴾؛ أيْ: الَّذِي دَعا إلَيْهِ العَقْلُ؛ فَيَصِيرُوا عامِلِينَ بِأحْسَنِ الأعْمالِ؛ كَما يَقْتَضِيهِ اخْتِيارُ مَن هو في النُّورِ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِهِ.

ولَمّا كانَ مَن في النُّورِ قَدْ يَغِيبُ عَنْهُ غَرَضُهُ الأعْظَمُ؛ فَلا يَنْظُرُهُ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ؛ بِبُعْدِهِ مِنهُ؛ وتَكْثُرُ عَلَيْهِ الأسْبابُ؛ فَلا يَدْرِي أيُّها الوَصْفُ؛ أوْ يَقْرُبُ إيصالُهُ؛ ويَسْهُلُ أمْرُهُ؛ قالَ - كافِلًا لَهم بِالنُّورِ؛ مُرِيحًا مِن تَعَبِ السَّيْرِ -: ﴿ويَهْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى الغَرَضِ؛ مِن غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا؛ وهو الدِّينُ الحَقُّ؛ وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلتَّقَرُّبِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِسُرْعَةِ الوُصُولِ.

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ مُوَضِّحًا لِأنَّ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الكِتابَ المَوْصُوفَ؛ كانَ كافِرًا؛ وعَنِ الطَّرِيقِ الأمَمِ جائِرًا حائِرًا؛ وكانَ مُحَصَّلُ حالِ اليَهُودِ - كَما رَأيْتَ فِيما تَقَدَّمَ؛ ويَأْتِي مِن نُصُوصِ التَّوْراةِ - أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ؛ عَلى كَثْرَةِ ما يَرَوْنَ مِنَ الآياتِ؛ أنَّ اللَّهَ مَعَ نَبِيِّهِمْ دائِمًا؛ وكانَ أنْسَبُ الأشْياءِ بَعْدَ الوَعْظِ أنْ يَذْكُرَ حالَ النَّصارى في نَبِيِّهِمْ؛ فَإنَّهُ مُبايِنٌ لِحالِ اليَهُودِ؛ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَأُولَئِكَ عَلى شَكٍّ في أنَّهُ مَعَهُ؛ وهَؤُلاءِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ هُوَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّهم في أظْلَمِ الظَّلامِ؛ وأعْمى العَمى -: ”لَقَدْ“؛ أوْ يُقالُ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا فَرَّطُوا فَكَفَرُوا؛ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى لَمّا أفْرَطُوا كَفَرُوا؛ فَصارَ حالُهم كالنَّتِيجَةِ لِما مَضى؛ فَقالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ مُؤَكِّدِينَ لِبُعْدِ ما قالُوهُ مِنَ العَقْلِ؛ فَهو في غايَةِ الإنْكارِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي لا يَجْهَلُها مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ؛ إذا تَرَجّى الهُدى؛ وانْخَلَعَ مِن أسْرِ الهَوى؛ ﴿هُوَ المَسِيحُ﴾؛ أيْ: عَيْنُهُ؛ وهو أقْطَعُ الكُفْرِ؛ وأبْيَنُهُ بُطْلانًا؛ ووَصَفَهُ بِما هو في غايَةِ الوُضُوحِ في بُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ لِبُعْدِهِ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ في الحاجَةِ إلى امْرَأةٍ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى كَفالَتِها؛ بِما لَها مِنَ الأُمُومَةِ.

ولَمّا بَطَلَ مُدَعّاهم عَلى أتْقَنِ مِنهاجٍ؛ وأخْصَرِهِ؛ وكانَ بِما دَقَّ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ؛ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ دالًّا عَلى أنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ؛ مُسَبَّبًا عَنْ كُفْرِهِمْ؛ ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ أنَّها قَدْ تَمْنَعُهُ مِمّا يُرِيدُ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَمْلُوكُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ؛ ولا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ؛ ﴿إنْ أرادَ﴾؛ أيْ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ﴾؛ وكَرَّرَ وصْفَهُ بِالبُنُوَّةِ؛ إيضاحًا لِلْمُرادِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ وأزالَ الشُّبْهَةَ جِدًّا بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهُ﴾؛ ولَمّا خَصَّهُما دَلِيلًا عَلى ضَعْفِهِما المُسْتَلْزِمِ لِلْمُرادِ؛ عَمَّ دَلالَةً عَلى عُمُومِ القُدْرَةِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِتَمامِ القَهْرِ لِكُلِّ مَن يُماثِلُهُما؛ المُسْتَلْزِمِ لِعَجْزِ الكُلِّ؛ المُبْعِدِ مِن رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ فَقالَ - مُوَضِّحًا لِلدَّلِيلِ بِتَسْوِيَتِهِما بِبَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ -: ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ: فَمَن يَمْلِكُ مَنعَهُ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ؛ يُهْلِكُهُ كَيْفَ شاءَ؛ مَتى شاءَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مالِكًا مَلِكًا؛ لَهُ تَمامُ التَّصَرُّفِ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الَّتِي بِها قِيامُ الأرْضِ؛ ﴿والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: ما بَيْنَ النَّوْعَيْنِ وبَيْنَ أفْرادِهِما؛ بِما بِهِ تَمامُ أمْرِهِما؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ؛ ونَتِيجَةً لَهُ -: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾؛ عَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ أرادَ - كَما تَقَدَّمَ أنَّ لَهُ أنْ يُعْدِمَ ما يَشاءُ كَذَلِكَ -؛ فَلا عَجَبَ في خَلْقِهِ بَشَرًا مِن أُنْثى فَقَطْ؛ لا بِواسِطَةِ ذَكَرٍ؛ حَتّى يَكُونَ سَبَبًا في ضَلالِ مَن ضَلَّ بِهِ؛ ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى تَمامِ …

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

ولَمّا عَمَّ - سُبْحانَهُ - في ذِكْرِ فَضائِحِ بَنِي إسْرائِيلَ تارَةً؛ وخَصَّ أُخْرى؛ عَمَّ بِذِكْرِ طامَّةٍ مِن طَوامِّهِمْ؛ حَمَلَهم عَلَيْها العُجْبُ والبَطَرُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾؛ أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ قالَتْ ذَلِكَ عَلى حِدَتِها؛ خاصَّةً لِنَفْسِها؛ دُونَ الخَلْقِ أجْمَعِينَ؛ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِما هو ناظِرٌ إلَيْنا بِهِ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿وأحِبّاؤُهُ﴾؛ أيْ: غَرِيقُونَ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالواوِ -؛ ثُمَّ شَرَعَ يَنْقُضُ هَذِهِ الدَّعْوى نَقْضًا بَعْدَ نَقْضٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ البُنُوَّةِ عَلى حَقِيقَتِها؛ أوْ مَجازِها؛ والَّذِي أوْرَثَهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ - إنْ لَمْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عِنادًا - أنَّ في مَوْضِعٍ مِنَ التَّوْراةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (تَعالى) لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (شَعْبِي بِكْرِي)؛ وقالَ في أوَّلِ نُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما ذَكَرْتُهُ في ”الأعْرافِ“: (وقُلْ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ: ابْنِي بِكْرِي إسْرائِيلُ أُرْسِلَ لِيَعْبُدَنِي؛ فَإنْ أبَيْتَ أنْ تُرْسِلَ ابْنِي فَإنِّي أقْتُلُ ابْنَكَ بِكْرَكَ)؛ ونَحْوُ هَذا؛ وفي كَثِيرٍ مِمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الإنْجِيلِ عَنْ قَوْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”افْعَلُوا كَذا لِتَكُونُوا بَنِي أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ“؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ بَيَّنْتُ مَعْناهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِما يُوجِبُ رَدَّهُ إلى المُحَكِّمِ بِلا شُبْهَةٍ في أوَّلِ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ قالَ البَيْضاوِيُّ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“: إنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ في تِلْكَ الأدْيانِ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ؛ وقالَ في ”البَقَرَةِ“؛ في تَفْسِيرِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ [البقرة: ١١٧] إنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ عَلى اللَّهِ؛ بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأصْلِيُّ؛ ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ مِنهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ؛ فَلِذاكَ كَفَرَ قائِلُهُ؛ ومُنِعَ مِنهُ مَنعًا مُطْلَقًا؛ انْتَهى.

فَأوَّلُ نَقْضٍ نَقَضَ بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ الدَّعْوى بَيانُ أنَّهُ يُعَذِّبُهُمْ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ جامِعِينَ بَيْنَ كَوْنِكم أبْناءَ؛ وأحِبّاءَ؛ بَيْنَ عَطْفِ البُنُوَّةِ؛ وحُنُوِّ المَحَبَّةِ؛ ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ وعَذابُهم مَذْكُورٌ في نَصِّ تَوْراتِهِمْ؛ في غَيْرِ مَوْطِنٍ؛ ومَشْهُورٌ في تَوارِيخِهِمْ؛ بِجَعْلِهِمْ قِرَدَةً؛ وخَنازِيرَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: فَإنْ كانَ المُرادُ بِالبُنُوَّةِ الحَقِيقَةَ فابْنُ الإلَهِ لا يَكُونُ لَهُ ذَنْبٌ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعَذَّبَ بِهِ؛ لِأنَّ الِابْنَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأبِ - (تَعالى) اللَّهُ عَنِ النَّوْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ والصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ عُلُوًّا كَبِيرًا -؛ وإنْ كانَ المُرادُ المَجازَ؛ أيْ: بِكَوْنِهِ يُكْرِمُكم إكْرامَ الوَلَدِ والحَبِيبِ؛ كانَ ذَلِكَ مانِعًا مِنَ التَّعْذِيبِ.

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يُعَذِّبُكم لِأنَّكم لَسْتُمْ أبْناءَ؛ ولا أحِبّاءَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ نَقْضًا آخَرَ؛ أوْضَحَ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ وذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ؛ والمُشاهَداتُ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ؛ فَأنْتُمْ مُساوُونَ لِغَيْرِكم في البَشَرِيَّةِ؛ والحُدُوثِ؛ لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم عَلى غَيْرِهِ في الخَلْقِ والبَشَرِيَّةِ؛ وهُما يَمْنَعانِ البُنُوَّةَ؛ فَإنَّ القَدِيمَ لا يَلِدُ بَشَرًا؛ والأبُ لا يَخْلُقُ ابْنَهُ؛ فامْتَنَعَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ البُنُوَّةُ؛ …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

ولَمّا دُحِضَتْ حُجَّتُهُمْ؛ ووَضَحَتْ أُكْذُوبَتُهُمُ؛ اقْتَضى ذَلِكَ الِالتِفاتَ إلى وعْظِهِمْ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ؛ وإبْطالِ ما عَساهم يَظُنُّونَهُ حُجَّةً؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ولَمّا كانَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الضَّلالِ بِتَضْيِيعِ ما عِنْدَهم مِنَ البَيِّناتِ؛ وتَغْيِيرِها ما لا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ الإرْسالُ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾؛ أيْ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِنا؛ فَإعْظامُهُ وإجْلالُهُ واجِبٌ لِذَلِكَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ؛ مُقَدِّمًا لَهُ عَلى مُتَعَلِّقٍ جاءَ بَيانًا لِأنَّهُ أهَمُّ ما إلى الرُّسُلِ إلَيْهِمْ؛ إرْشادًا إلى قَبُولِ كُلِّ ما جاءَ بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: يُوقِعُ لَكُمُ البَيانَ في كُلِّ ما يَنْفَعُكُمْ؛ بَيانًا شافِيًا لِما تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ مَجِيئُهُ مُلْتَبِسًا بِبَيانِهِ؛ وظَرْفًا لَهُ؛ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ؛ وكانَ بَيانًا مُسْتَعْلِيًا عَلى وقْتِ مَجِيئِهِ؛ وما مَضى قَبْلَهُ وما يَأْتِي بَعْدَهُ؛ بِبَقاءِ كِتابِهِ مَحْفُوظًا؛ لِعُمُومِ دَعْوَتِهِ؛ وخِتامِهِ؛ وتَفَرُّدِهِ؛ فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ قالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”جاءَ“ -: ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾؛ أيْ: طَوِيلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانَ يَكُونُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُبْتَدِئَةً تِلْكَ الفَتْرَةُ ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ: انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ؛ شَبَّهَ فَقْدَهُمْ؛ وبُعْدَ العَهْدِ بِهِمْ؛ ونِسْيانَ أخْبارِهِمْ؛ وبَلاءَ رُسُومِهِمْ وآثارِهِمْ؛ وانْطِماسَ مَعالِمِهِمْ وأنْوارِهِمْ؛ بِشَيْءٍ كانَ يَفْنى فَفَتَرَ؛ لَمْ يَبْقَ مِن وصْفِهِ المَقْصُودِ مِنهُ إلّا أثَرٌ خافٍ؛ ورَسْمٌ دارِسٌ؛ يُقالُ: ”فَتَرَ الشَّيْءُ“؛ إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ؛ وصارَ أقَلَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ فَسَدَ فِيها أمْرُ النّاسِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في ”يُبَيِّنُ“؛ إشارَةً إلى أنَّ دِينَهُ وبَيانَهُ لا يَنْقَطِعُ أصْلًا بِحِفْظِ كِتابِهِ؛ فَكُلَّما دَرَسَتْ سُنَّةٌ مَنَحَ اللَّهُ بِعالِمٍ يَرُدُّ النّاسَ إلَيْها بِالكِتابِ المُعْجِزِ القائِمِ أبَدًا؛ فَلِذَلِكَ لا يَحْتاجُ الأمْرُ إلى نَبِيٍّ مُجَدِّدٍ؛ إلّا عِنْدَ الفِتْنَةِ الَّتِي لا يُطِيقُها العُلَماءُ؛ وهي فِتْنَةُ الدَّجّالِ؛ ويَأْجُوجِ ومَأْجُوجِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ؛ ﴿تَقُولُوا﴾؛ أيْ: إذا حُشِرْتُمْ؛ وسُئِلْتُمْ عَنْ أعْمالِكُمْ؛ ﴿ما جاءَنا﴾؛ ولِتَأْكِيدِ النَّفْيِ قِيلَ: ﴿مِن بَشِيرٍ﴾؛ أيْ: يُبَشِّرُنا لِنَرْغَبَ فَنَعْمَلَ بِما يُسْعِدُنا؛ فَنَفُوزَ؛ ﴿ولا نَذِيرٍ﴾؛ أيْ: يُحَذِّرُنا لِنَرْهَبَ فَنَتْرُكَ ما يُشْقِينا؛ فَنُسْلِمَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مُوَزَّعُ النُّقْصانِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ؛ والرَّهْبَةِ؛ وقَدْ كانَ اخْتَلَطَ في تِلْكَ الفَتْرَةِ الحَقُّ بِالباطِلِ؛ فالتَبَسَ الأمْرُ وجُهِلَ الحالَ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُجْهَلْ جَهْلًا يَحْصُلُ بِهِ عُذْرٌ في الشِّرْكِ؛ وسَأُبَيِّنُهُ في أوَّلِ ”ص“.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ”فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾؛ أيْ: مَن هو مُتَّصِفٌ بِالوَصْفَيْنِ مَعًا؛ فَهو ﴿بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾؛ أيْ: كامِلٌ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ؛ وإنْ تَبايَنا؛ ولَمّا كانَ رُبَّما كانَ تَوَهَّمَ أحَدٌ مِن تَرْكِ الإرْسالِ زَمَنَ الفَتْرَةِ؛ ومِن تَرْكِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ حُجَّةِ الإرْسالِ؛ وبِالعُدُولِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْماعِيلَ شَيْئًا في القُدْرَةِ؛ قالَ - كاشِفًا لِتِلْكَ الغُمَّةِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ …

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

ولَمّا ذَكَرَ سَعَةَ مَمْلَكَتِهِ؛ وتَمامَ عِلْمِهِ؛ وشُمُولَ قُدْرَتِهِ؛ أتْبَعُ ذَلِكَ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ في اسْتِنْقاذِهِمْ مِن أسْرِ العُبُودِيَّةِ؛ والرِّقِّ؛ وإعْلاءِ شَأْنِهِمْ؛ وإيراثِهِمْ أرْضَ الجَبّارِينَ بَعْدَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ؛ إظْهارًا - بِعَدَمِ رَدِّهِمْ إلى مِصْرَ الَّتِي بادَ أهْلُها - لِتَمامِ القُدْرَةِ؛ وسَعَةِ المُلْكِ؛ ونُفُوذِ الأمْرِ؛ وهي مَعَ ذَلِكَ دالَّةٌ عَلى نَقْضِهِمُ المِيثاقَ؛ وقَساوَتِهِمْ؛ ونَقْضِ ما ادَّعَوْهُ مِن بُنُوَّتِهِمْ؛ ومَحَبَّتِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّها ناطِقَةٌ بِتَعْذِيبِهِمْ؛ وتَفْسِيقِهِمْ؛ وتَبَرُّئِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ ولا شَيْءَ مِن ذَلِكَ فِعْلُ حَبِيبٍ ولا ولَدٍ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”نِعْمَةَ“؛ فِي: ”واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ“؛ تَذْكِيرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِنِعْمَةِ التَّوْثِيقِ لِلسَّمْعِ والطّاعَةِ؛ الَّتِي أباها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الآياتِ؛ وبِما كَفَّ عَنْهم عَلى ضَعْفِهِمْ؛ وشَجَّعَ بِهِ قُلُوبَهُمْ؛ وألْزَمَهُمُ الطّاعَةَ؛ وكَرَّهَ إلَيْهِمُ المَعْصِيَةَ بِضِدِّ ما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرْشِدُ إلَيْهِ إنْعامُ النَّظَرِ في القِصَّةِ -: ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: واذْكُرُوا حِينَ؛ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا﴾؛ أيْ: بِالقَلْبِ واللِّسانِ؛ أيْ: ذِكْرَ اعْتِبارٍ؛ واتِّعاظٍ؛ بِما لَكم مِن قُوَّةِ القِيامِ بِما تُحاوِلُونَهُ؛ لِيَقَعَ مِنكُمُ الشُّكْرُ؛ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إنْعامَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الإنْعامِ بِالغايَةِ؛ لِأنَّها المَقْصُودُ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ وعَظَّمَ ذَلِكَ التَّذْكِيرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ونَبَّهَ بِذِكْرِ ظَرْفِها عَلى أجَلِّ النِّعَمِ؛ وهي النُّبُوَّةُ؛ المُنْقِذَةُ لَهم مِنَ النّارِ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾؛ وبَشَّرَهم بِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَجَمَعَ جَمْعَ الكَثْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِياءَ﴾؛ أيْ: يَحْفَظُونَكم مِنَ المَهالِكِ الدّائِمَةِ؛ فَفَعَلَ مَعَكم - بِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي فَضَّلَكم بِها عَلى العالَمِينَ في تِلْكَ الأزْمانِ - فِعْلَ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ؛ والوالِدِ مَعَ ولَدِهِ؛ ومَعَ ذَلِكَ عاقَبَكم حِينَ عَصَيْتُمْ؛ وغَضِبَ عَلَيْكم إذْ أبَيْتُمْ؛ فَعَلِمَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ دائِرانِ؛ بَعْدَ مَشِيئَتِهِ؛ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

ولَمّا نَقَلَهم مِنَ الحَيْثِيَّةِ الَّتِي كانُوا فِيها عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ؛ لا يَصْلُحُونَ مَعَها لِمُلْكٍ؛ ولا تُحَدِّثُهم أنْفُسُهم بِهِ؛ إلى حَيْثِيَّةِ الحُرِّيَّةِ القابِلَةِ لِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهم مَعَها مَلِكًا؛ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا؛ وبَشَّرَ بِأنَّهُ يَتْبَعُهُ مِنَ الأنْبِياءِ ما لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ غَيْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾؛ أيْ: فَكَما جَعَلَكم كَذَلِكَ بَعْدَما كُنْتُمْ غَيْرَ طامِعِينَ في شَيْءٍ مِنهُ؛ فَقَدْ نَقَلَهُ مِنكُمْ؛ وجَعَلَهُ في غَيْرِكم بِتِلْكَ القُدْرَةِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِها؛ وذَلِكَ لِكُفْرِكم بِالنِّعَمِ؛ وإيثارِكُمُ الجَهْلَ عَلى العِلْمِ؛ فَإنْكارُكم لِذَلِكَ؛ وتَخْصِيصُ النِّعَمِ بِكم تَحَكُّمٌ؛ وتَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ؛ ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ لِزَوالِها؛ وقَدْ كانُوا يُهَدَّدُونَ؛ في التَّوْراةِ وغَيْرِها؛ بِما هم فِيهِ الآنَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ الَّتِي لا يَصْلُحُونَ مَعَها …

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.