Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾

اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ …

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾

اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ …

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.

والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ …

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.

والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ …

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.

والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ …

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.

والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ …

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ …

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ …

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾

قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَطَوَّعَتْ"؛ والمَعْنى أنَّ القَتْلَ في ذاتِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُفُوسِ؛ فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَفْسُ اللَجُوجَةُ الأمّارَةُ بِالسُوءِ طائِعًا؛ مُنْقادًا؛ حَتّى واقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَفْسِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والجَرّاحُ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ ؛ وأبُو واقِدٍ: "فَطاوَعَتْ"؛ والمَعْنى: كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ؛ بِسَبَبِ الحِقْدِ؛ والحَسَدِ الَّذِي أصابَ قابِيلَ؛ وكَأنَّ النَفْسَ تَأْبى لِذَلِكَ؛ ويَصْعُبُ عَلَيْها؛ وكُلُّ جِهَةٍ تُرِيدُ أنْ تُطِيعَها الأُخْرى؛ إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ؛ وطاوَعَتِ النَفْسُ القَتْلَ فَواقَعَتْهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ التَمَسَ الغِرَّةَ في قَتْلِهِ؛ حَتّى وجَدَهُ نائِمًا في غَنَمِهِ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَجاءَ إبْلِيسُ بِطائِرٍ؛ أو حَيَوانٍ غَيْرِهِ فَجَعَلَ يَشْدَخُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قابِيلُ؛ فَفَعَلَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ قابِيلُ إلى آدَمَ قالَ لَهُ: "أيْنَ هابِيلُ؟"؛ قالَ: لا أدْرِي؛ كَأنَّكَ وكَّلْتَنِي بِحِفْظِهِ؛ فَقالَ لَهُ آدَمُ: "أفَعَلْتَها؟ واللهِ إنَّ دَمَهُ لِيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ؛ اللهُمَّ العن أرْضًا شَرِبَتْ دَمَ هابِيلَ"؛ فَرُوِيَ أنَّهُ مِن حِينِئِذٍ ما شَرِبَتْ أرْضٌ دَمًا؛ ثُمَّ إنَّ آدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَقِيَ مِائَةَ عامٍ لَمْ يَتَبَسَّمْ حَتّى جاءَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: حَيّاكَ اللهُ يا آدَمُ وبَيّاكَ؛ فَقالَ آدَمُ: "ما بَيّاكَ؟"؛ قالَ: أضْحَكَكَ؛ فَرُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ حِينَئِذٍ:

؎ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ

؎ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ

وكَذا هو الشِعْرُ؛ بِنَصْبِ "بَشاشَةَ" وكَفِّ التَنْوِينِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: عَلَقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِئِذٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ووَجْهُهُ إلى الشَمْسِ حَيْثُما دارَتْ؛ عَلَيْهِ في الصَيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ؛ وعَلَيْهِ في الشِتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَإنْ صَحَّ هَذا فَهو مِن خُسْرانِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ؛ ومِن خُسْرانِهِ ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: "إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً العَذابَ؛ عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ"؛ ومِن خُسْرانِهِ ما ثَبَتَ وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.

وقَوْلُهُ: "فَأصْبَحَ"؛ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ أوقاتِهِ؛ أُقِيمَ بَعْضُ الزَمَنِ مَقامَ كُلِّهِ؛ وخُصَّ الصَباحُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بَدْءُ النَهارِ؛ والِانْبِعاثُ إلى الأُمُورِ؛ ومَطِيَّةُ النَشاطِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ:

؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ∗∗∗ ∗∗∗.................

ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلى الإسْلامِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ …

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.