Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾

اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ شَهَواتٌ؛ وعاداتٌ قَدْ تُلُبِّسَ بِها في الجاهِلِيَّةِ؛ وغَلَبَتْ عَلى النُفُوسِ؛ فَكانَ بَقِيَ مِنها في نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ؛ وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ قِمارٌ؛ ولَذَّةٌ لِلْفارِغِ مِنَ النُفُوسِ؛ ونَفْعٌ أيْضًا بِوَجْهٍ ما؛ وأمّا الأنْصابُ فَهي حِجارَةٌ يُذَكُّونَ عِنْدَها لِفَضْلٍ يَعْتَقِدُونَهُ فِيها؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ المَعْبُودَةُ؛ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها؛ وعِنْدَها؛ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الحِجارَةَ الَّتِي يُذْبَحُ عِنْدَها فَقَطْ؛ فَذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في نَفْسِ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ تِلْكَ الحِجارَةِ؛ وهَذا كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَوْسِيِّ لِزَوْجِها: أتَخافُ عَلى الصِبْيَةِ مِن ذِي الشَرى شَيْئًا؟ و"ذُو الشَرى" صَنَمٌ لِدَوْسٍ؛ وإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الأصْنامَ فَإنَّما قُرِنَتْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لِيَبِينَ النَقْصُ في هَذِهِ إذْ تُقْرَنُ بِالأصْنامِ؛ ولا يُتَأوَّلُ أنَّهُ بَقِيَ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ الأصْنامِ؛ والتَلَبُّسِ بِها؛ حَتّى يُقالَ لَهُ: اِجْتَنِبْهُ.

وأمّا الأزْلامُ فَهي الثَلاثَةُ الَّتِي كانَ أكْثَرُ الناسِ يَتَّخِذُونَها؛ في أحَدِها "لا"؛ وفي الآخَرِ "نَعَمْ"؛ والآخَرُ غُفْلٌ؛ وهي الَّتِي حَبَسَها سُراقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ؛ حِينَ اتَّبَعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ الهِجْرَةِ؛ فَكانُوا يُعَظِّمُونَها؛ وبَقِيَ مِنها في بَعْضِ النُفُوسِ شَيْءٌ؛ ومِن هَذا القَبِيلِ هَوى الزَجْرِ بِالطَيْرِ؛ وأخْذُ الفَأْلِ مِنها في الكُتُبِ؛ ونَحْوُهُ مِمّا يَصْنَعُهُ الناسُ اليَوْمَ؛ وقَدْ يُقالُ لِسِهامِ المَيْسِرِ "أزْلامٌ"؛ والزَلْمُ: اَلسَّهْمُ؛ وكانَ مِنَ الأزْلامِ أيْضًا ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ؛ وكانَ مِنها سِهامٌ عِنْدَ الأصْنامِ؛ وهي الَّتِي ضُرِبَ بِها عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ أبِي النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وكانَ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ أزْلامٌ؛ فِيها أحْكامٌ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ رِجْسٌ؛ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلرِّجْسُ: اَلشَّرُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كُلُّ مَكْرُوهٍ ذَمِيمٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلْعَذابِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: رِجْسٌ: سَخَطٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلنَّتِنِ؛ ولِلْعُذْرَةِ؛ والأقْذارِ: "رِجْسٌ"؛ والرِجْزُ: اَلْعَذابُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِكْسُ: العُذْرَةُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ واقْتَرَنَتْ بِصِيغَةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: "فاجْتَنِبُوهُ"؛ نُصُوصُ الأحادِيثِ؛ وإجْماعُ الأُمَّةِ؛ فَحَصَلَ الِاجْتِنابُ في رُتْبَةِ التَحْرِيمِ؛ فَبِهَذا حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظاهِرِ القُرْآنِ؛ ونَصِّ الحَدِيثِ؛ وإجْماعِ الأُمَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ الخَمْرِ ومَعْناها؛ …

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾

اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ شَهَواتٌ؛ وعاداتٌ قَدْ تُلُبِّسَ بِها في الجاهِلِيَّةِ؛ وغَلَبَتْ عَلى النُفُوسِ؛ فَكانَ بَقِيَ مِنها في نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ؛ وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ قِمارٌ؛ ولَذَّةٌ لِلْفارِغِ مِنَ النُفُوسِ؛ ونَفْعٌ أيْضًا بِوَجْهٍ ما؛ وأمّا الأنْصابُ فَهي حِجارَةٌ يُذَكُّونَ عِنْدَها لِفَضْلٍ يَعْتَقِدُونَهُ فِيها؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ المَعْبُودَةُ؛ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها؛ وعِنْدَها؛ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الحِجارَةَ الَّتِي يُذْبَحُ عِنْدَها فَقَطْ؛ فَذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في نَفْسِ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ تِلْكَ الحِجارَةِ؛ وهَذا كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَوْسِيِّ لِزَوْجِها: أتَخافُ عَلى الصِبْيَةِ مِن ذِي الشَرى شَيْئًا؟ و"ذُو الشَرى" صَنَمٌ لِدَوْسٍ؛ وإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الأصْنامَ فَإنَّما قُرِنَتْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لِيَبِينَ النَقْصُ في هَذِهِ إذْ تُقْرَنُ بِالأصْنامِ؛ ولا يُتَأوَّلُ أنَّهُ بَقِيَ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ الأصْنامِ؛ والتَلَبُّسِ بِها؛ حَتّى يُقالَ لَهُ: اِجْتَنِبْهُ.

وأمّا الأزْلامُ فَهي الثَلاثَةُ الَّتِي كانَ أكْثَرُ الناسِ يَتَّخِذُونَها؛ في أحَدِها "لا"؛ وفي الآخَرِ "نَعَمْ"؛ والآخَرُ غُفْلٌ؛ وهي الَّتِي حَبَسَها سُراقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ؛ حِينَ اتَّبَعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ الهِجْرَةِ؛ فَكانُوا يُعَظِّمُونَها؛ وبَقِيَ مِنها في بَعْضِ النُفُوسِ شَيْءٌ؛ ومِن هَذا القَبِيلِ هَوى الزَجْرِ بِالطَيْرِ؛ وأخْذُ الفَأْلِ مِنها في الكُتُبِ؛ ونَحْوُهُ مِمّا يَصْنَعُهُ الناسُ اليَوْمَ؛ وقَدْ يُقالُ لِسِهامِ المَيْسِرِ "أزْلامٌ"؛ والزَلْمُ: اَلسَّهْمُ؛ وكانَ مِنَ الأزْلامِ أيْضًا ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ؛ وكانَ مِنها سِهامٌ عِنْدَ الأصْنامِ؛ وهي الَّتِي ضُرِبَ بِها عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ أبِي النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وكانَ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ أزْلامٌ؛ فِيها أحْكامٌ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ رِجْسٌ؛ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلرِّجْسُ: اَلشَّرُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كُلُّ مَكْرُوهٍ ذَمِيمٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلْعَذابِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: رِجْسٌ: سَخَطٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلنَّتِنِ؛ ولِلْعُذْرَةِ؛ والأقْذارِ: "رِجْسٌ"؛ والرِجْزُ: اَلْعَذابُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِكْسُ: العُذْرَةُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ واقْتَرَنَتْ بِصِيغَةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: "فاجْتَنِبُوهُ"؛ نُصُوصُ الأحادِيثِ؛ وإجْماعُ الأُمَّةِ؛ فَحَصَلَ الِاجْتِنابُ في رُتْبَةِ التَحْرِيمِ؛ فَبِهَذا حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظاهِرِ القُرْآنِ؛ ونَصِّ الحَدِيثِ؛ وإجْماعِ الأُمَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ الخَمْرِ ومَعْناها؛ …

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللهُ مِنَ يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؛ وَيَأْكُلُ المَيْسِرَ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى؛ ونَزَلَتْ: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ؛ ولَمّا كانَ أمْرُ القِبْلَةِ خَطِيرًا؛ ومَعْلَمًا مِن مَعالِمِ الدِينِ؛ تَخَيَّلَ قَوْمٌ نَقْصَ مَن فاتَهُ؛ وكَذَلِكَ لَمّا حَصَلَتِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ في هَذا الحَدِّ العَظِيمِ مِنَ الذَمِّ؛ أشْفَقَ قَوْمٌ وتَخَيَّلُوا نَقْصَ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ المَذَمّاتِ؛ فَأعْلَمَ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ أنَّ الذَمَّ والجُناحَ إنَّما يَلْحَقُ مِن جِهَةِ المَعاصِي؛ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَحْرِيمِ لَمْ يَعْصُوا في ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ بَعْدُ؛ بَلْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مَكْرُوهَةً؛ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْها بِتَحْرِيمٍ؛ والشَرْعُ هو الَّذِي قَبَّحَها؛ وحَسَّنَ تَجَنُّبَها؛ والجُناحُ: اَلْإثْمُ والحَرَجُ؛ وهو كُلُّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلُ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ لِلْعاصِي.

و"طَعِمُوا"؛ مَعْناهُ: ذاقُوا؛ فَصاعِدًا؛ في رُتَبِ الأكْلِ والشُرْبِ؛ وقَدْ يُسْتَعارُ لِلنَّوْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ وحَقِيقَتُهُ في حاسَّةِ الذَوْقِ.

والتَكْرارُ في قَوْلِهِ: "اِتَّقُوا"؛ يَقْتَضِي في كُلِّ واحِدَةٍ زِيادَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في هَذِهِ الصِفاتِ لَهُمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنْ يُعَيِّنَ المُرادَ بِهَذا التَكْرارِ؛ فَقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى هي اتِّقاءُ الشِرْكِ والكَبائِرِ؛ والإيمانُ عَلى كَمالِهِ؛ وعَمَلُ الصالِحاتِ؛ والرُتْبَةُ الثانِيَةُ هي الثُبُوتُ والدَوامُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ والرُتْبَةُ الثالِثَةُ هي الِانْتِهاءُ في التَقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَوافِلِ في الصَلاةِ؛ والصَدَقَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَمَنِ؛ والثانِيَةُ لِلْحالِ؛ والثالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو في الشِرْكِ؛ والتِزامِ الشَرْعِ؛ والثانِي في الكَبائِرِ؛ والثالِثُ في الصَغائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقْفًا عَلى مَن عَمِلَ الصالِحاتِ كُلِّها؛ واتَّقى كُلَّ التَقْوى؛ بَلْ هي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ عاصِيًا أحْيانًا؛ إذا كانَ قَدْ عَمِلَ مِن هَذِهِ الخِصالِ المَمْدُوحَةِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ عامِلٌ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقٍ في غالِبِ أمْرِهِ؛ مُحْسِنٌ؛ فَلَيْسَ عَلى هَذا الصِنْفِ جُناحٌ فِيما طَعِمَ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.

وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ؛ مِنَ الصَحابَةِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهو مِمَّنْ هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَعَ أخَوَيْهِ؛ عُثْمانَ وعَبْدِ اللهِ؛ …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللهُ مِنَ يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؛ وَيَأْكُلُ المَيْسِرَ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى؛ ونَزَلَتْ: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ؛ ولَمّا كانَ أمْرُ القِبْلَةِ خَطِيرًا؛ ومَعْلَمًا مِن مَعالِمِ الدِينِ؛ تَخَيَّلَ قَوْمٌ نَقْصَ مَن فاتَهُ؛ وكَذَلِكَ لَمّا حَصَلَتِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ في هَذا الحَدِّ العَظِيمِ مِنَ الذَمِّ؛ أشْفَقَ قَوْمٌ وتَخَيَّلُوا نَقْصَ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ المَذَمّاتِ؛ فَأعْلَمَ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ أنَّ الذَمَّ والجُناحَ إنَّما يَلْحَقُ مِن جِهَةِ المَعاصِي؛ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَحْرِيمِ لَمْ يَعْصُوا في ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ بَعْدُ؛ بَلْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مَكْرُوهَةً؛ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْها بِتَحْرِيمٍ؛ والشَرْعُ هو الَّذِي قَبَّحَها؛ وحَسَّنَ تَجَنُّبَها؛ والجُناحُ: اَلْإثْمُ والحَرَجُ؛ وهو كُلُّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلُ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ لِلْعاصِي.

و"طَعِمُوا"؛ مَعْناهُ: ذاقُوا؛ فَصاعِدًا؛ في رُتَبِ الأكْلِ والشُرْبِ؛ وقَدْ يُسْتَعارُ لِلنَّوْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ وحَقِيقَتُهُ في حاسَّةِ الذَوْقِ.

والتَكْرارُ في قَوْلِهِ: "اِتَّقُوا"؛ يَقْتَضِي في كُلِّ واحِدَةٍ زِيادَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في هَذِهِ الصِفاتِ لَهُمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنْ يُعَيِّنَ المُرادَ بِهَذا التَكْرارِ؛ فَقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى هي اتِّقاءُ الشِرْكِ والكَبائِرِ؛ والإيمانُ عَلى كَمالِهِ؛ وعَمَلُ الصالِحاتِ؛ والرُتْبَةُ الثانِيَةُ هي الثُبُوتُ والدَوامُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ والرُتْبَةُ الثالِثَةُ هي الِانْتِهاءُ في التَقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَوافِلِ في الصَلاةِ؛ والصَدَقَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَمَنِ؛ والثانِيَةُ لِلْحالِ؛ والثالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو في الشِرْكِ؛ والتِزامِ الشَرْعِ؛ والثانِي في الكَبائِرِ؛ والثالِثُ في الصَغائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقْفًا عَلى مَن عَمِلَ الصالِحاتِ كُلِّها؛ واتَّقى كُلَّ التَقْوى؛ بَلْ هي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ عاصِيًا أحْيانًا؛ إذا كانَ قَدْ عَمِلَ مِن هَذِهِ الخِصالِ المَمْدُوحَةِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ عامِلٌ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقٍ في غالِبِ أمْرِهِ؛ مُحْسِنٌ؛ فَلَيْسَ عَلى هَذا الصِنْفِ جُناحٌ فِيما طَعِمَ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.

وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ؛ مِنَ الصَحابَةِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهو مِمَّنْ هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَعَ أخَوَيْهِ؛ عُثْمانَ وعَبْدِ اللهِ؛ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أو كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أو عَدْلٍ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وهَذا النَهْيُ هو الِابْتِلاءُ الَّذِي أعْلَمَ بِهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: "لَيَبْلُوَنَّكُمُ"؛ والصَيْدَ مَصْدَرٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ فَأُوقِعَ عَلى الحَيَوانِ المَصِيدِ؛ ولَفْظُ الصَيْدِ هُنا عامٌّ؛ ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الحَيَوانَ الَّذِي أباحَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَتْلَهُ في الحَرَمِ؛ ثَبَتَ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "خَمْسُ فَواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: اَلْغُرابُ؛ والحِدَأةُ؛ والفَأْرَةُ؛ والعَقْرَبُ؛ والكَلْبُ العَقُورُ"؛» ووَقَفَ مَعَ ظاهِرِ هَذا الحَدِيثِ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ فَلَمْ يُبِيحُوا لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ شَيْءٍ سِوى ما ذُكِرَ؛ وقاسَ؛ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى الكَلْبِ العَقُورِ كُلَّ ما كَلَبَ عَلى الناسِ وعَقَرَهُمْ؛ ورَآهُ داخِلًا في اللَفْظِ؛ فَقالَ: لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَ الأسَدَ؛ والنَمِرَ؛ والفَهْدَ؛ والذِئْبَ؛ وكُلَّ السِباعِ العادِيَةِ؛ مُبْتَدِئًا بِها؛ فَأمّا الهِرُّ؛ والثَعْلَبُ؛ والضَبُعُ فَلا يَقْتُلُها المُحْرِمُ؛ وإنْ قَتَلَها فَدى؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ بَدَأ السَبُعُ المُحْرِمُ فَلَهُ أنْ يَقْتُلَهُ؛ وإنِ ابْتَدَأهُ المُحْرِمُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ والنَخَعِيُّ: لا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ السِباعِ إلّا ما عَدا عَلَيْهِ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: ما حَلَّ بِكَ مِنَ السِباعِ فَحِلَّ بِهِ؛ وأمّا فِراخُ السَبُعِ الصِغارُ قَبْلَ أنْ تَفْرُسَ؛ فَقالَ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": لا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ قَتْلُها؛ قالَ أشْهَبُ في كِتابِ "مُحَمَّدٌ": فَإنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ؛ وقالَ أيْضًا أشْهَبُ؛ وابْنُ القاسِمِ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ؛ وثَبَتَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ أمَرَ المُحْرِمِينَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ؛ وأجْمَعَ الناسُ عَلى إباحَةِ قَتْلِها؛ وثَبَتَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - إباحَةُ قَتْلِ الزُنْبُورِ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ العَقْرَبِ؛ وقالَ مالِكٌ: يُطْعِمُ قاتِلُهُ شَيْئًا؛ وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ فِيمَن قَتَلَ البُرْغُوثَ؛ والذُبابَ؛ والنَمْلَ؛ ونَحْوَهُ؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: لا شَيْءَ عَلى قاتِلِ هَذِهِ كُلِّها؛ وأمّا سِباعُ الطَيْرِ فَقالَ مالِكٌ: لا يَقْتُلُها المُحْرِمُ؛ وإنْ فَعَلَ فَدى؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في كِتابِ "مُحَمَّدٌ": وأحَبُّ إلَيَّ ألّا يَقْتُلَ الغُرابَ؛ والحِدَأةَ؛ حَتّى يُؤْذِياهُ؛ ولَكِنْ إنْ فَعَلَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَواتُ السُمُومِ كُلُّها في حُكْمِ الحَيَّةِ؛ كالأفْعى؛ والرُتَيْلا؛ وما عَدا ما ذَكَرْناهُ فَهو مِمّا نَهى اللهُ عن قَتْلِهِ في الحُرْمَةِ بِالبَلَدِ؛ أو بِالحالِّ؛ وفَرَضَ الجَزاءَ عَلى مَن قَتَلَهُ.

وَ"حُرُمٌ": جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو الَّذِي يَدْخُلُ في الحَرَمِ؛ أو في الإحْرامِ؛ وحَرامٌ؛ يُقالُ لِلذَّكَرِ؛ والأُنْثى؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "مُتَعَمِّدًا"؛ فَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُتَعَمِّدًا …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذا حُكْمٌ بِتَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ؛ وهو كُلُّ ما صِيدَ مِن حِيتانِهِ؛ وهَذا التَحْلِيلُ هو لِلْمُحْرِمِ؛ ولِلْحَلالِ؛ والصَيْدُ هُنا أيْضًا يُرادُ بِهِ المَصِيدُ؛ وأُضِيفَ إلى البَحْرِ لِما كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ والبَحْرُ: اَلْماءُ الكَثِيرُ؛ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا؛ وكُلُّ نَهْرٍ كَبِيرٍ بَحْرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَطَعامُهُ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهُمْ: هو ما قَذَفَ بِهِ؛ وما طَفا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَعامٌ؛ لا صَيْدٌ؛ وسَألَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عن حِيتانٍ طَرَحَها البَحْرُ؛ فَنَهاهُ عنها؛ ثُمَّ قَرَأ المُصْحَفَ فَقالَ لِنافِعٍ: اِلْحَقْهُ؛ فَمُرْهُ بِأكْلِها؛ فَإنَّها طَعامُ البَحْرِ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "هُوَ الطَهُورُ ماؤُهُ؛ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".»

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ: "طَعامُهُ": كُلُّ ما مَلَحَ مِنهُ؛ وبَقِيَ؛ وتِلْكَ صَنائِعُ تَدْخُلُهُ؛ فَتَرُدُّهُ طَعامًا؛ وإنَّما الصَيْدُ الغَرِيضُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "طَعامُهُ": مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ؛ ونَحْوِهِ.

وكَرِهَ قَوْمٌ خِنْزِيرَ الماءِ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْتُمْ تَقُولُونَ: "خِنْزِيرٌ"؛ ومَذْهَبُهُ إباحَتُهُ.

وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هو أرْجَحُ الأقْوالِ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ: "وَطُعْمُهُ"؛ بِضَمِّ الطاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ دُونَ ألِفٍ.

و"مَتاعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والمَعْنى: "مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ"؛ و"لَكُمْ"؛ يُرِيدُ حاضِرِي البَحْرِ؛ ومُدُنَهُ؛ "وَلِلسَّيّارَةِ": اَلْمُسافِرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أهْلُ القُرى هُمُ المُخاطَبُونَ؛ والسَيّارَةُ: أهْلُ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يُرِيدُ أهْلَ قُرى البَحْرِ؛ وأنَّ السَيّارَةَ مِن أهْلِ الأمْصارِ غَيْرِ تِلْكَ القُرى يَجْلِبُونَهُ إلى الأمْصارِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ؛ فَتَلَقّاهُ بَعْضُهم عَلى العُمُومِ؛ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ فَقالُوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَصِيدَ؛ ولا أنْ يَأْمُرَ بِصَيْدٍ؛ ولا أنْ يَأْكُلَ صَيْدًا صِيدَ مِن أجْلِهِ؛ ولا مِن غَيْرِ أجْلِهِ؛ ولَحْمُ الصَيْدِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُثْمانَ حَجَّ؛ وحَجَّ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَأُتِيَ عُثْمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ؛ فَأكَلَ مِنهُ؛ ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ؛ فَقالَ عُثْمانُ: واللهِ ما صِدْنا؛ ولا أمَرْنا؛ ولا أشَرْنا؛ فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ اسْتَعْمَلَ عَلى العَرُوضِ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ ؛ فَصادَ …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذا حُكْمٌ بِتَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ؛ وهو كُلُّ ما صِيدَ مِن حِيتانِهِ؛ وهَذا التَحْلِيلُ هو لِلْمُحْرِمِ؛ ولِلْحَلالِ؛ والصَيْدُ هُنا أيْضًا يُرادُ بِهِ المَصِيدُ؛ وأُضِيفَ إلى البَحْرِ لِما كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ والبَحْرُ: اَلْماءُ الكَثِيرُ؛ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا؛ وكُلُّ نَهْرٍ كَبِيرٍ بَحْرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَطَعامُهُ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهُمْ: هو ما قَذَفَ بِهِ؛ وما طَفا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَعامٌ؛ لا صَيْدٌ؛ وسَألَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عن حِيتانٍ طَرَحَها البَحْرُ؛ فَنَهاهُ عنها؛ ثُمَّ قَرَأ المُصْحَفَ فَقالَ لِنافِعٍ: اِلْحَقْهُ؛ فَمُرْهُ بِأكْلِها؛ فَإنَّها طَعامُ البَحْرِ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "هُوَ الطَهُورُ ماؤُهُ؛ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".»

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ: "طَعامُهُ": كُلُّ ما مَلَحَ مِنهُ؛ وبَقِيَ؛ وتِلْكَ صَنائِعُ تَدْخُلُهُ؛ فَتَرُدُّهُ طَعامًا؛ وإنَّما الصَيْدُ الغَرِيضُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "طَعامُهُ": مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ؛ ونَحْوِهِ.

وكَرِهَ قَوْمٌ خِنْزِيرَ الماءِ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْتُمْ تَقُولُونَ: "خِنْزِيرٌ"؛ ومَذْهَبُهُ إباحَتُهُ.

وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هو أرْجَحُ الأقْوالِ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ: "وَطُعْمُهُ"؛ بِضَمِّ الطاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ دُونَ ألِفٍ.

و"مَتاعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والمَعْنى: "مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ"؛ و"لَكُمْ"؛ يُرِيدُ حاضِرِي البَحْرِ؛ ومُدُنَهُ؛ "وَلِلسَّيّارَةِ": اَلْمُسافِرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أهْلُ القُرى هُمُ المُخاطَبُونَ؛ والسَيّارَةُ: أهْلُ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يُرِيدُ أهْلَ قُرى البَحْرِ؛ وأنَّ السَيّارَةَ مِن أهْلِ الأمْصارِ غَيْرِ تِلْكَ القُرى يَجْلِبُونَهُ إلى الأمْصارِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ؛ فَتَلَقّاهُ بَعْضُهم عَلى العُمُومِ؛ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ فَقالُوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَصِيدَ؛ ولا أنْ يَأْمُرَ بِصَيْدٍ؛ ولا أنْ يَأْكُلَ صَيْدًا صِيدَ مِن أجْلِهِ؛ ولا مِن غَيْرِ أجْلِهِ؛ ولَحْمُ الصَيْدِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُثْمانَ حَجَّ؛ وحَجَّ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَأُتِيَ عُثْمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ؛ فَأكَلَ مِنهُ؛ ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ؛ فَقالَ عُثْمانُ: واللهِ ما صِدْنا؛ ولا أمَرْنا؛ ولا أشَرْنا؛ فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ اسْتَعْمَلَ عَلى العَرُوضِ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ ؛ فَصادَ …

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذا حُكْمٌ بِتَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ؛ وهو كُلُّ ما صِيدَ مِن حِيتانِهِ؛ وهَذا التَحْلِيلُ هو لِلْمُحْرِمِ؛ ولِلْحَلالِ؛ والصَيْدُ هُنا أيْضًا يُرادُ بِهِ المَصِيدُ؛ وأُضِيفَ إلى البَحْرِ لِما كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ والبَحْرُ: اَلْماءُ الكَثِيرُ؛ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا؛ وكُلُّ نَهْرٍ كَبِيرٍ بَحْرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَطَعامُهُ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهُمْ: هو ما قَذَفَ بِهِ؛ وما طَفا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَعامٌ؛ لا صَيْدٌ؛ وسَألَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عن حِيتانٍ طَرَحَها البَحْرُ؛ فَنَهاهُ عنها؛ ثُمَّ قَرَأ المُصْحَفَ فَقالَ لِنافِعٍ: اِلْحَقْهُ؛ فَمُرْهُ بِأكْلِها؛ فَإنَّها طَعامُ البَحْرِ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "هُوَ الطَهُورُ ماؤُهُ؛ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".»

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ: "طَعامُهُ": كُلُّ ما مَلَحَ مِنهُ؛ وبَقِيَ؛ وتِلْكَ صَنائِعُ تَدْخُلُهُ؛ فَتَرُدُّهُ طَعامًا؛ وإنَّما الصَيْدُ الغَرِيضُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "طَعامُهُ": مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ؛ ونَحْوِهِ.

وكَرِهَ قَوْمٌ خِنْزِيرَ الماءِ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْتُمْ تَقُولُونَ: "خِنْزِيرٌ"؛ ومَذْهَبُهُ إباحَتُهُ.

وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هو أرْجَحُ الأقْوالِ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ: "وَطُعْمُهُ"؛ بِضَمِّ الطاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ دُونَ ألِفٍ.

و"مَتاعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والمَعْنى: "مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ"؛ و"لَكُمْ"؛ يُرِيدُ حاضِرِي البَحْرِ؛ ومُدُنَهُ؛ "وَلِلسَّيّارَةِ": اَلْمُسافِرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: أهْلُ القُرى هُمُ المُخاطَبُونَ؛ والسَيّارَةُ: أهْلُ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يُرِيدُ أهْلَ قُرى البَحْرِ؛ وأنَّ السَيّارَةَ مِن أهْلِ الأمْصارِ غَيْرِ تِلْكَ القُرى يَجْلِبُونَهُ إلى الأمْصارِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ؛ فَتَلَقّاهُ بَعْضُهم عَلى العُمُومِ؛ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ فَقالُوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَصِيدَ؛ ولا أنْ يَأْمُرَ بِصَيْدٍ؛ ولا أنْ يَأْكُلَ صَيْدًا صِيدَ مِن أجْلِهِ؛ ولا مِن غَيْرِ أجْلِهِ؛ ولَحْمُ الصَيْدِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُثْمانَ حَجَّ؛ وحَجَّ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ فَأُتِيَ عُثْمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ؛ فَأكَلَ مِنهُ؛ ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ؛ فَقالَ عُثْمانُ: واللهِ ما صِدْنا؛ ولا أمَرْنا؛ ولا أشَرْنا؛ فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ اسْتَعْمَلَ عَلى العَرُوضِ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ ؛ فَصادَ …

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.

والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.

ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ …

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.

والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.

ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ …

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.