Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ أيِ: المُشاتَمَةَ والمُضارَبَةَ والمُقاتَلَةَ: ﴿والبَغْضاءَ﴾ القاطِعَةَ لِلتَّعاوُنِ الَّذِي لا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِنهُ في مَعِيشَتِهِ: ﴿فِي الخَمْرِ﴾ أيْ: إذا صِرْتُمْ نَشاوى: ﴿والمَيْسِرِ﴾ إذا ذَهَبَ مالُكم. وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ رُبَّما قامَرَ الرَّجُلُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ فَإذا أخَذَهُ الخَصْمُ وقَعَتِ العَداوَةُ بَيْنَهُما أبَدًا. ثُمَّ أشارَ إلى مَفاسِدِهِما الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إذْ يَغْلِبُ السُّرُورُ والطَّرَبُ عَلى النُّفُوسِ والِاسْتِغْراقُ في المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ فَيُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. والمَيْسِرُ، إنْ كانَ صاحِبُهُ غالِبًا انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ ومَنَعَهُ حُبُّ الغَلَبَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وإنْ كانَ مَغْلُوبًا، مِمّا حَصَلَ مِنَ الِانْقِباضِ أوِ الِاحْتِيالِ إلى أنْ يَصِيرَ غالِبًا لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذِكْرُ اللَّهِ: ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: ويَصُدَّكم عَنْ مُراعاةِ أوْقاتِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ مِن أبْلَغِ ما يُنْهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ والمَوانِعِ. فَهَلْ أنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَّوارِفِ مُنْتَهُونَ؟ أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَأنْ لَمْ تُوعَظُوا ولَمْ تُزْجَرُوا؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: سَبَقَ الكَلامُ عَلى الخَمْرِ والمَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] وسَلَفَ أيْضًا مَعْنى الأنْصابِ والأزْلامِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] فَتَذَكَّرْ.

الثّانِي: إنَّما جُمِعَ الخَمْرُ والمَيْسِرُ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ أوَّلًا، ثُمَّ أُفْرِدا آخِرًا، وخُصِّصا بِشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِما. وذِكْرُ الأصْنامِ والأزْلامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلَهُما في الحُرْمَةِ. كَأنَّهُ لا مُبايَنَةَ بَيْنَ مَن عَبَدَ صَنَمًا وأشْرَكَ بِاللَّهِ في عِلْمِ الغَيْبِ، وبَيْنَ مَن شَرِبَ خَمْرًا أوْ قامَرَ.

رَوى الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في "مُسْنَدِهِ" عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: ««شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ وثَنٍ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى»» . وإسْنادُهُ حَسَنٌ.

وتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالإفْرادِ، مَعَ دُخُولِها في الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ، لِما أنَّها عِمادُهُ.

الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن وُجُوهٍ:

(ومِنها): تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِ (ما) وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا رِجْسَ ولا شَيْءَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إلّا الخَمْرُ والمَيْسِرُ وما ذُكِرَ مَعَهُما.

و(مِنها): أنَّهُ قَرَنَهُما بِعِبادَةِ الأوْثانِ.

و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَها رِجْسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]

و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ.

و(مِنها): أنَّهُ أمَرَ بِالِاجْتِنابِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.

و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ …

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ ما أمَرا بِهِ ونَهَيا عَنْهُ: ﴿واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما في ذَلِكَ. فَيَدْخُلُ فِيهِ مُخالَفَةُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

و(مِنها): قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الِامْتِثالِ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَقَدْ قامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ وانْتَهَتِ الأعْذارُ. والرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ إذْ أدّاهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. فَما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا العِقابُ. وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ في حَقِّ مَن خالَفَ وأعْرَضَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وبَيانِهِ.

الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ الِاعْتِسافَ، عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ عَلى كَوْنِها مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ومِنَ المَعْلُومِ في بِدائِهِ العُقُولِ أنَّ تِلْكَ المَفاسِدَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن كَوْنِها مُؤَثِّرَةً في السُّكْرِ. وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ عِلَّةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] هي كَوْنُ الخَمْرِ مُؤَثِّرًا في الإسْكارِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. قالَ: ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذا التَّقْرِيرِ، وبَقِيَ مُصِرًّا عَلى قَوْلِهِ، فَلَيْسَ لِعِنادِهِ عِلاجٌ. انْتَهى.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى رَفْعَ الإثْمِ عَمَّنْ ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ - كَما سَنُفَصِّلُهُ - بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٣] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ أيْ: إثْمٌ: ﴿فِيما طَعِمُوا﴾ مِمّا حُرِّمَ بَعْدَ تَناوُلِهِمْ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

وهُنا مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِنَفْيِ الجُناحِ في الطَّيِّباتِ إذا ما اتَّقَوْا، والكافِرُ كَذَلِكَ؟ قالَ الحاكِمُ: لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَفْيُ الجُناحِ عَنِ الكافِرِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَيَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الكافِرَ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ. انْتَهى.

وفِي "العِنايَةِ": تَعْلِيقُ نَفْيِ الجُناحِ بِهَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ اشْتِراطِها، فَإنَّ عَدَمَ الجُناحِ في تَناوُلِ المُباحِ الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ لا يُشْتَرَطُ بِشَرْطٍ. بَلْ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثالُهُ أنْ يُقالَ لَكَ: هَلْ عَلى زَيْدٍ فِيما فَعَلَ جُناحٌ؟ فَتَقُولُ - وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُباحٌ - لَيْسَ عَلى أحَدٍ جُناحٌ في المُباحِ إذا اتَّقى المَحارِمَ وكانَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا، تُرِيدُ: إنَّ زَيْدًا تَقِيٌّ مُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ، وأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِما فَعَلَ.

وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ، لا دَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ. وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزِ (إذا) شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها، ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ، وحَمَدًا لِأحْوالِهِمْ. وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ما لَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ؛ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ - وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَنعُوتِ فِيما سَيَأْتِي بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ (إذْ ما) - لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ لِإثْباتِ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ في ضِمْنِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَتِهِ تَعالى. مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ - بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ - وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ في حَياتِهِمْ لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ. ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ، لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ المَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الزَّهادَةَ عَنِ المُسْتَلَذّاتِ وتَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ. وإنَّما المَطْلُوبُ مِنهُمُ التَّرَقِّي في مَدارِجِ التَّقْوى والإيمانِ إلى مَراتِبِ الإخْلاصِ واليَقِينِ ومَعارِجِ القُدْسِ والكَمالِ. وذَلِكَ بِأنْ يَثْبُتُوا عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وعَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وعَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِقامَةِ التّامَّةِ الَّتِي يُتَمَكَّنُ بِها إلى التَّرَقِّي إلى مَرْتَبَةِ المُشاهَدَةِ ومَعارِجِ (أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أيْ: يُرْسِلُهُ إلَيْكم وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾ لِتَأْخُذُوهُ، وهو الضَّعِيفُ مِنَ الصَّيْدِ وصَغِيرُهُ: ﴿ورِماحُكُمْ﴾ لِتَطْعَنُوهُ، وهو كِبارُ الصَّيْدِ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ فَيَمْتَنِعَ عَنِ الِاصْطِيادِ لِقُوَّةِ إيمانِهِ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ. فَكانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ والصَّيْدُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فِيما خَلا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ وهم مُحْرِمُونَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَبْتَلِيهِمْ بِالصَّيْدِ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ، يَتَمَكَّنُونَ مِن أخْذِهِ بِالأيْدِي والرِّماحِ سِرًّا وجَهْرًا، لِتَظْهَرَ طاعَةُ مَن يُطِيعُ مِنهم في سِرِّهِ أوْ جَهْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أيْ: بِالصَّيْدِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي بَعْدَ الإعْلامِ والإنْذارِ: ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِمُخالَفَتِهِ أمْرَ اللَّهِ وشَرْعَهُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ في قَوْلِهِ: بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ؟ قُلْتُ: قَلَّلَ وصَغَّرَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ الَّتِي تَدْحَضُ عِنْدَها أقْدامُ الثّابِتِينَ - كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأرْواحِ والأمْوالِ - وإنَّما هو شَبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم إذا لَمْ يَثْبُتُوا عِنْدَهُ، فَكَيْفَ شَأْنُهم عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ...؟

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": قَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ بِعَيْنِها في الفِتَنِ العَظِيمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] فَلا خَفاءَ في عِظَمِ هَذِهِ البَلايا والمِحَنِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ الصّابِرُ عَلَيْها أنْ يُبَشَّرَ؛ لِأنَّهُ صَبْرٌ عَظِيمٌ. فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ قَلَّلَ وصَغَّرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الفِتْنَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ - مَدْفُوعٌ بِاسْتِعْمالِها مَعَ الفِتَنِ المُتَّفَقِ عَلى عِظَمِها. والظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ بِما أشْعَرَ بِهِ اللَّفْظُ مِنَ التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ، التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَقَعُ الِابْتِلاءُ بِهِ مِن هَذِهِ البَلايا بَعْضٌ مِن كُلٍّ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى. وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَكُونَ ما يَبْلُوهم بِهِ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ مِمّا يَقَعُ وأهْوَلَ. وأنَّهُ مَهْما انْدَفَعَ عَنْهم مِمّا هو أعْظَمُ في المَقْدُورِ فَإنَّما يَدْفَعُهُ عَنْهم إلى ما هو أخَفُّ وأسْهَلُ، لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً. لِيَكُونَ هَذا التَّنْبِيهُ باعِثًا لَهم عَلى الصَّبْرِ، وحامِلًا عَلى الِاحْتِمالِ. والَّذِي يُرْشِدُ إلى أنَّ هَذا مُرادٌ، أنَّ سَبْقَ التَّوَعُّدِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا لِيَكُونُوا مُتَوَطِّنِينَ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ. فَيَكُونُ أيْضًا باعِثًا عَلى تَحَمُّلِهِ. لِأنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ بَغْتَةً أصْعَبُ. والإنْذارُ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرَمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ قَتْلَهُ تَجَبُّرٌ. والمُحْرِمُ في غايَةِ التَّذَلُّلِ. انْتَهى.

وذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذَّكاةِ، لِلتَّعْمِيمِ. أوْ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في حُكْمِ المَيْتَةِ. والصَّيْدُ: ما يُصادُ مَأْكُولًا أوْ غَيْرُهُ. ولا يُسْتَثْنى إلّا ما ثَبَتَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««خَمْسُ فَواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ»» . وفي رِوايَةٍ: (الحَيَّةُ) بَدَلَ (العَقْرَبِ).

قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ عُيَيْنَةَ: الكَلْبُ العَقُورُ يَشْمَلُ السِّباعَ العادِيَةَ كُلَّها. ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعا عَلى عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ قالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ» . فَأكَلَهُ السَّبُعُ بِالزَّرْقاءِ».

﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُحْرِمُونَ: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ: ﴿فَجَزاءٌ﴾ بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ هُوَ: ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ: شَبَهُهُ في الخِلْقَةِ. وفي قِراءَةٍ بِإضافَةِ (جَزاءٍ): ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ: بِالمِثْلِ مُجْتَهِدانِ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ لَهُما فِطْنَةٌ يُمَيِّزانِ بِها أشْبَهَ الأشْياءِ بِهِ. وقَدْ حَكَمَ ابْنُ عَبّاسٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ. وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ في بَقَرِ الوَحْشِ وحِمارِهِ بِبَقَرَةٍ. وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَوْفٍ في الظَّبْيِ بِشاةٍ. وحَكَمَ بِها ابْنُ عَبّاسٍ وعُمَرُ وغَيْرُهُما في الحَمامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُها في العَبِّ: ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِن (جَزاءٌ): ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أيْ: يُبْلَغُ بِهِ الحَرَمُ. فَيُذْبَحُ فِيهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلى مَساكِينِهِ. فَلا يَجُوزُ أنْ يُذْبَحَ حَيْثُ كانَ: ﴿أوْ﴾ عَلَيْهِ: ﴿كَفّارَةٌ﴾ غَيْرُ الجَزاءِ. وإنْ وجَدَهُ. هِيَ: ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ ما يُساوِي قِيمَةَ الجَزاءِ. لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ. وفي قِراءَةٍ بِإضافَةِ (كَفّارَةٍ) لِما بَعْدَهُ، وهي لِلْبَيانِ: ﴿أوْ﴾ عَلَيْهِ: ﴿عَدْلٍ﴾ مِثْلُ: ﴿ذَلِكَ﴾ الطَّعامِ: ﴿صِيامًا﴾ يَصُومُ، عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا: ﴿لِيَذُوقَ﴾ أيْ: هاتِكُ حُرْمَةِ اللَّهِ: ﴿وبالَ أمْرِهِ﴾ أيْ: شَدَّةَ وثِقْلَ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ. و(ولِيَذُوقَ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ. أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ لِيَذُوقَ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ. أيْ: شُرِعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلَيْهِ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ بِطَلَبِ الجَزاءِ في الدُّنْيا والمُعاقَبَةِ في الآخِرَةِ. وكَيْفَ يَتْرُكُ ذَلِكَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ. ومُقْتَضى عِزَّتِهِ الِانْتِقامُ مِن هاتِكِ حُرْمَتِهِ، فَهو لا مَحالَةَ: ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمَّنْ عَصاهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: - رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُحْرِمِينَ: ﴿صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: إذْ لَيْسَ فِيهِ التَّجَبُّرُ المُنافِي لِلتَّذَلُّلِ الإحْرامِيِّ. و: صَيْدُ البَحْرِ ما يُصْطادُ مِنهُ طَرِيًّا، و: ﴿وطَعامُهُ﴾ ما يُتَزَوَّدُ مِنهُ مُمَلَّحًا يابِسًا، كَذا في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والمَشْهُورُ عَنْهُ أنَّ صَيْدَهُ ما أُخِذَ مِنهُ حَيًّا، وطَعامُهُ ما لَفَظَهُ مَيِّتًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ التّابِعِينَ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: طَعامُهُ: كُلُّ ما فِيهِ.

وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: طَعامُهُ: ما لَفَظَهُ حَيًّا أوْ حُسِرَ عَنْهُ فَماتَ.

﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ أيْ: تَمْتِيعًا لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا: ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا.

و(السَّيّارَةُ) القَوْمُ يَسِيرُونَ. أُنِّثَ عَلى الرُّفْقَةِ والجَماعَةِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلى حِلِّ مِيتَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ كَيْسانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السّاحِلِ. فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ - قالَ: وأنا فِيهِمْ - قالَ: فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزّادُ. فَأمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأزْوادِ ذَلِكَ الجَيْشِ. فَجَمَعَ ذَلِكَ فَكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، قالَ: فَكانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى فَنِيَ ولَمْ تُصِبْنا إلّا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقُلْتُ: وما تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقالَ: لَقَدْ وجَدْنا فَقْدَها حِينَ فُقِدَتْ. قالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنا إلى البَحْرِ فَإذا حُوتٌ مِثْلَ الظَّرِبِ. فَأكَلَ مِنهُ ذَلِكَ الجَيْشُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِن أضْلاعِهِ فَنُصِبا. ثُمَّ أمَرَ بِراحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَها ولَمْ تُصِبْها».

وهَذا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" ولَهُ طُرُقٌ عَنْ جابِرٍ. وفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ جابِرٍ: «وتَزَوَّدْنا مِن لَحْمِهِ وشائِقَ. فَلَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: هو رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَكم. هَلْ مَعَكم مِن لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونا؟ قالَ: فَأرْسَلْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُ فَأكَلَهُ».

وفِي بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ: أنَّهم كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي واقِعَةٌ أُخْرى. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ولَكِنْ كانُوا أوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ بَعَثَهم سِرِّيَّةً مَعَ أبِي عُبَيْدَةَ. فَوَجَدُوا هَذِهِ في سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أبِي عُبَيْدَةَ. واللَّهُ أعْلَمُ؟

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَرْكَبُ البَحْرَ ونَحْمِلُ مَعَنا القَلِيلَ مِنَ الماءِ. فَإنْ تَوَضَّأْنا بِهِ عَطِشْنا. أفَنَتَوَضَّأُ بِماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» . رَواهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ. …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أيْ: مَدارًا لِقِيامِ أمْرِ دِينِهِمْ بِالحَجِّ إلَيْهِ، ودُنْياهم بِأمْنِ داخِلِهِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ وجَبْيِ ثَمَراتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ في عِبادَتِهِ لِلنّاسِ المُتَفَرِّقِينَ في العالَمِ، لِيَحْصُلَ لَهُمُ الِاجْتِماعُ المُوجِبُ لِلتَّألُّفِ، الَّذِي يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في تَمَدُّنِهِمْ، الَّذِي بِهِ كَمالُ مَعايِشِهِمْ ومَعاهِدِهِمْ، لِاحْتِياجِهِمْ إلى المُعاوَنَةِ فِيهِما.

﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ بِمَعْنى الأشْهُرِ الحُرُمِ - ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ - قِيامًا لَهم بِأمْنِهِمْ مِنَ القِتالِ فِيها. لِأنَّهُ حُرِّمَ فِيها لِيَحْصُلَ التَّآلُفُ فِيها: ﴿والهَدْيَ﴾ وهو ما يُهْدى إلى مَكَّةَ: ﴿والقَلائِدَ﴾ جَمْعُ قِلادَةٍ. وهي ما يُجْعَلُ في عُنُقِ البَدَنَةِ الَّتِي تُهْدى وغَيْرِهِ. والمُرادُ بِ (القَلائِدِ) ذَواتُ القَلائِدِ وهي البُدْنُ. خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الثَّوابَ فِيها أكْثَرُ، وبِهاءُ الحَجِّ بِها أظْهَرُ. والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِما مَرَّ، أيْ: جَعَلَ الهَدْيَ والقَلائِدَ أيْضًا قِيامًا لَهُمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ بِسَوْقِ الهَدْيِ إلى البَيْتِ الحَرامِ عَلى أنْفُسِهِمْ. وفِيهِ قِوامٌ لِمَعِيشَةِ الفُقَراءِ ثَمَّتَ. وكَذَلِكَ كانُوا يَأْمَنُونَ إذا قَلَّدُوها أوْ قَلَّدُوا أنْفُسَهُمْ، عِنْدَ الإحْرامِ، مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ. فَلا يَتَعَرَّضُ لَهم أحَدٌ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الجَعْلُ المَذْكُورُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَإنَّ جَعْلَهُ ذَلِكَ لِجَلْبِ المَصالِحِ لَكم ودَفْعِ المَضارِّ عَنْكم قَبْلَ وُقُوعِها، دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ بِما هو في الوُجُودِ وما هو كائِنٌ.

وقَدْ جَوَّدَ الرّازِيُّ تَقْرِيرَ هَذا المَقامِ فَأبْدَعَ، فَلْيُنْظَرْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٨] ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وعِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ أوْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِمَن حافَظَ عَلى مُراعاةِ حُرُماتِهِ تَعالى.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٩] ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾

﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ يَعْنِي: لَيْسَ عَلى رَسُولِنا الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْكُمْ، إلّا تَبْلِيغُ ما أُرْسِلَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ بِما فِيهِ قَطْعُ الحُجَجِ. وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأنَّ الرَّسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ. وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَّفْرِيطِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُجازِيكم بِذَلِكَ.

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٠] ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأمْوالِ، وجَيِّدِها. قُصِدَ بِهِ التَّرْغِيبُ في صالِحِ العَمَلِ وحَلالِ المالِ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ، دُونَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ. فَإنَّ المَحْمُودَ القَلِيلَ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ. والخِطابُ عامٌّ لِكُلِّ مُعْتَبِرٍ - أيْ: ناظِرٌ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ - ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ. وآثِرُوا الطَّيِّبَ وإنْ قَلَّ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: بِمُنازِلِ القُرْبِ عِنْدَهُ تَعالى المُعَدِّ لِلطَّيِّبِينَ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: - قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ الآيَةَ. ثُمَّ بِما بَعْدَها أيْضًا - أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ: قُلْ لا يَسْتَوِي الآيَةَ.. وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ: أحَدُهُما الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا. وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ. وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ. وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ. فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَتِهِ تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ. وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى، المُواظَبَةُ عَلى خِدْمَتِهِ، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ. وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ فِي عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ. بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ ومَنفَعَةٌ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ. وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ. وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ. وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافِقَةُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مِن ثَمَرَةِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي إجْلالُ الصّالِحِ وتَمْيِيزُهُ عَلى الطّالِحِ. وأنَّ الحاكِمَ إذا تَحاكَمَ إلَيْهِ الكافِرُ والمُؤْمِنُ، مَيَّزَ المُؤْمِنَ في المَجْلِسِ. انْتَهى.

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.