Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 120

81

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ

And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾

﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ عَبَدَةَ الأوْثانِ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ: ﴿ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ إذِ الإيمانُ بِاللَّهِ يَمْنَعُ مِن تَوَلِّي مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ. يَعْنِي: أنَّ مُوالاتَهم لِلْمُشْرِكِينَ كَفى بِها دَلِيلًا عَلى نِفاقِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم لَيْسَ بِإيمانٍ، لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكَّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ، فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَلِهَذا وصَفَهم تَعالى بِالفِسْقِ.

وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانُوا - أيْ: مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ المُدَّعُونَ لِلْإيمانِ - يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ حَقَّ الإيمانِ، ما ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوهُ، مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ في الباطِنِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوَمُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ما تَقَدَّمَ مِن مَثالِبِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِ:

Al-Maaida 5:81Listen in Qur'an →
82

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allah; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وإنَّما عاداهُمُ اليَهُودُ لِإيمانِهِمْ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ؛ وعادَهُمُ المُشْرِكُونَ لِتَوْحِيدِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ - أشارَ إلَيْهِ المَهايِمِيُّ.

وقالَ غَيْرُهُ: لِشِدَّةِ إبائِهِمْ، وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، ورُكُونِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والِاسْتِعْصاءِ عَلى الأنْبِياءِ، والِاجْتِراءِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ومُناصَبَتِهِمْ لَهم. ولِهَذا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنهم حَتّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ، وسَمُّوهُ، وسَحَرُوهُ، وألَّبُوا عَلَيْهِ أشْباهَهم مِنَ المُشْرِكِينَ. وفي تَقْدِيمِ (اليَهُودِ) عَلى (المُشْرِكِينَ)، بَعْدَ لَزِّهِما في قَرَنٍ واحِدٍ، إشْعارٌ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في العَداوَةِ، كَما أنَّ فِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦] إيذانًا بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ لِلِينِ جانِبِهِمْ وقِلَّةِ غِلِّ قُلُوبِهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وما ذاكَ إلّا لِما في قُلُوبِهِمْ، إذْ كانُوا عَلى دِينِ المَسِيحِ، مِنَ الرِّقَّةِ والرَّأْفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كِتابِهِمْ: مَن ضَرَبَكَ عَلى خَدِّكَ الأيْمَنِ فَأدِرْ لَهُ خَدَّكَ الأيْسَرَ. ولَيْسَ القِتالُ مَشْرُوعًا في مِلَّتِهِمْ. انْتَهى.

ولِأنَّ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ، أنَّهُ يَجِبُ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن خالَفَ دِينَهم بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، مِنَ القَتْلِ ونَهْبِ المالِ ونَحْوِهِما، وهو عِنْدَ النَّصارى حَرامٌ. فَحَصَلَ الفَرْقُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ»» .

ولِكَثْرَةِ اهْتِمامِ النَّصارى بِالعِلْمِ والتَّرْهُّبِ، مِمّا يَدْعُو إلى قِلَّةِ البَغْضاءِ والحَسَدِ، ولِينِ العَرِيكَةِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: كَوْنُهم أقْرَبَ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿بِأنَّ مِنهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ مِنهُمْ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ أيْ: عُلَماءَ: ﴿ورُهْبانًا﴾ أيْ: عُبّادًا مُتَجَرِّدِينَ: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: يَتَواضَعُونَ لِوَداعَتِهِمْ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْبالَ عَلى العِلْمِ، والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ، والبَراءَةَ مِنَ الكِبْرِ - مَحْمُودٌ. وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كافِرٍ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ":

إنَّما قالَ تَعالى: الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ولَمْ يَقُلْ (النَّصارى) تَعْرِيضًا بِصَلابَةِ اليَهُودِ في الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ، لِأنَّ اليَهُودَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] فَقابَلُوا ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] والنَّصارى قالُوا: نَحْنُ أنْصارُ …

Al-Maaida 5:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾

﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يَسْتَكْبِرُونَ). قالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا في اللَّفْظِ وإنْ كانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَهُ في المَعْنى. يَعْنِي: وإذا سَمِعُوا القُرْآنَ: ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ﴾ أيْ: تَنْصَبُّ: ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ الحاصِلِ مِنَ اجْتِماعِ حَرارَةِ الحُبِّ والخَوْفِ، مَعَ بَرْدِ اليَقِينِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، فَوَجَدُوهُ أكْمَلَ مِنهُ وأفْضَلَ، أوْ مِنَ الَّذِي نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو الحَقُّ، أوْ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعَتِهِ في كِتابِهِمْ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِن عَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ: ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ: بِكَ وبِما أنْزَلْتَ وبِرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ شَهِدُوا بِأنَّهُ حَقٌّ أوْ بِنُبُوَّتِهِ. رَوى الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أيْ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأُمَّتُهُ هُمُ الشّاهِدُونَ. يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، ولِلرُّسُلِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Maaida 5:83Listen in Qur'an →
84

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ

And why should we not believe in Allah and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إنْكارُ اسْتِبْعادٍ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ - وهو الطَّمَعُ - في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصُحْبَةِ الصّالِحِينَ: ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: وبِما جاءَنا مِنَ القُرْآنِ. وفي إعْرابِهِ وجْهٌ آخَرُ يَأْتِي. ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أوِ المَعْنى: أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجَنَّةَ مَعَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

Al-Maaida 5:84Listen in Qur'an →
85

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah rewarded them for what they said with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٥] ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾

﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: رَبَّنا آمَنّا الصّادِرِ عَنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ واعْتِرافٍ بِالحَقِّ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها: ﴿الأنْهارُ﴾ يَعْنِي أنْهارَ الماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنها: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ المُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعَ نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ. فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ. فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ وأرْسَلَ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ. ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ. فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. فَهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ [المائدة: ٨٢] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]»

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ ثَلاثِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ (يس) فَبَكَوْا، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ».

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]

ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَحْوِهِ، بِأبْسَطَ مِنهُ.

- كَذا في "أسْبابِ النُّزُولِ لِلسُّيُوطِيِّ" -

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ، حِينَ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ بِالحَبَشَةِ القُرْآنَ، بَكَوْا حَتّى أخْضَبُوا لِحاهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجاشِيِّ قَبْلَ الهِجْرَةِ. انْتَهى.

أقُولُ: إنَّ نَظَرَهُ مَدْفُوعٌ؛ فَإنَّهُ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ما وقَعَ قَبْلَها، ونَظائِرُهُ في التَّنْزِيلِ كَثِيرَةٌ، ولا إشْكالَ فِيهِ. وظاهِرٌ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذِهِ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِعِنادِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ. وهم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وبِعِنادِ المُشْرِكِينَ أيْضًا، وقَساوَةِ قُلُوبِ الفَرِيقَيْنِ، وأنَّهُ كانَ الأجْدَرُ بِهِما أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ كَما اعْتَرَفَ بِهِ النَّجّاشِيُّ وأصْحابُهُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الصِّنْفُ مِنَ النَّصارى هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةَ. وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ …

Al-Maaida 5:85Listen in Qur'an →
86

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٦] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ: الَّذِينَ جَحَدُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَهم وكَذَّبُوا بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ، أيِ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الحَرارَةِ. جَزاءً وِفاقًا.

Al-Maaida 5:86Listen in Qur'an →
87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allah has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allah does not like transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: ما طابَ ولَذَّ مِنهُ. كَأنَّهُ - لَمّا تَضَمَّنَ ما سَلَفَ مَدْحَ النَّصارى عَلى التَّرْهِيبِ، والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ. ورَفْضِ الشَّهَواتِ - عَقَّبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ اللَّذائِذِ مِنَ المُباحاتِ الشَّرْعِيَّةِ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ اعْتِداءٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا. أوْ: ولا تَعْتَدُوا في تَناوُلِ الحَلالِ فَتُجاوِزُوا الحَدَّ فِيهِ إلى الإسْرافِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أوْ: ولا تَعْتَدُوا عَلى النَّفْسِ والأهْلِ بِمَنعِ الحُقُوقِ. أوْ: ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ في كُلِّ ما ذُكِرَ، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ.

Al-Maaida 5:87Listen in Qur'an →
88

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ

And eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allah, in whom you are believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ: كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. فَيَكُونُ: حَلالًا مَفْعُولَ: وكُلُوا و: مِمّا حالٌ مِنهُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِ: كُلُوا، أوْ هو المَفْعُولُ و: حَلالًا حالٌ مِن: ما أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا حَلالًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوى، في الِانْتِهاءِ إلى ما أمَرَ بِهِ وعَمّا نَهى عَنْهُ.

قالَ المَهايِمِيُّ: مُقْتَضى إيمانِكم أنْ لا تُغَيِّرُوا شَيْئًا مِن أحْكامِ دِينِكُمْ، وأنْ لا تُعارِضُوا في أحْكامِهِ ولَوْ بِكَراهَةٍ مِن أنْفُسِكُمْ، وأنْ تَتَّقُوهُ في وضْعِ قَواعِدَ تَخالُفِ قَواعِدَ الشَّرْعِ، بَلْ غايَةُ ما يَجُوزُ أخْذُ مَعانٍ مِن عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مُؤَكِّدَةٍ لِمُقْتَضاهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: فِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها:

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي إذا أصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا﴾ [المائدة: ٨٧] الآيَةَ».

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما تَفْعَلُ الرُّهْبانُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ. فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ، فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأنْكِحُ النِّساءَ. فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ.

وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أنامُ عَلى فِراشٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدَهم كَذا وكَذا؟ لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأنامُ وأقُومُ، وآكُلُ اللَّحْمَ. وأتَزَوَّجُ النِّساءَ. فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»» .

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ جاءَهُ مَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ فِراشِي. فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَجِيءَ بِضَرْعٍ فَتَنَحّى رَجُلٌ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ. فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ أنْ آكُلَهُ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ مِنَ الحَلالِ. وذَكَرَ الحاكِمُ: أنَّ هَذا النَّهْيَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى جَمِيعِها: أحَدُهُما لا تَعْتَقِدُوا التَّحْرِيمَ. ومِنها: لا تُحَرِّمُوا عَلى غَيْرِكم بِالفَتْوى والحُكْمِ. ومِنها: لا تُجْرُوهُ …

Al-Maaida 5:88Listen in Qur'an →
89

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Allah will not impose blame upon you for what is meaningless in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّغْوِ في اليَمِينِ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) وإنَّهُ ما يَسْبِقُ إلَيْهِ اللِّسانُ بِلا قَصْدِ الحَلِفِ، كَقَوْلِ الإنْسانِ: لا، واللَّهِ! وبَلى واللَّهِ! والمُرادُ بِالمُؤاخَذَةِ: مُؤاخَذَةُ الإثْمِ والتَّكْفِيرِ، أيْ: فَلا إثْمَ في اللَّغْوِ ولا كَفّارَةَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ وتَوْثِيقِها عَلَيْهِ بِأنْ حَلَفْتُمْ عَنْ قَصْدٍ مِنكُمْ، أيْ: إذا حَنِثْتُمْ. أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ (عاقَدْتُمْ) بِمَعْنى عَقَدْتُمْ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، أيِ: الخَصْلَةُ الماحِيَةُ لِإثْمِهِ: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ يَعْنِي مَحاوِيجَ مِنَ الفُقَراءِ ومَن لا يَجِدُ ما يَكْفِيهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ أيْ: لا مِن أجْوَدِهِ فَضْلًا عَمّا تَخُصُّونَهُ بِأنْفُسِهِمْ. ولا مِن أرْدَأِ ما تُطْعِمُونَهم فَضْلًا عَنِ الَّذِي تُعْطُونَهُ السّائِلَ: ﴿أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: عِتْقُها: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ كَفّارَتُهُ: ذَلِكَ أيِ: المَذْكُورُ: ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي اجْتَرَأْتُمْ بِها عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ أيْ: وحَنِثْتُمْ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإكْثارِ مِنها - أوْ عَنِ الحِنْثِ - إذا لَمْ يَكُنْ ما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، لِئَلّا يَذْهَبَ تَعْظِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَنْ قُلُوبِكُمْ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَيانِ الكامِلِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيْ: أعْلامَ شَرائِعِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: نِعْمَتَهُ فِيما يُعَلِّمُكم ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ.

قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: تَشْكُرُونَ نِعَمَهُ بِصَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، ومِن جُمْلَتِها صَرْفُ اللِّسانِ، الَّذِي خُلِقَ لِذِكْرِ اللَّهِ وتَعْظِيمِهِ، إلى ذَلِكَ. فَإذا فاتَ صَرْفُ بَعْضِ ما مَلَكَهُ إلى بَعْضِ ما يَجْبُرُهُ لِيَقُومَ مَقامَ الشُّكْرِ بِاللِّسانِ، إذْ بِهِ يَتِمُّ تَعْظِيمُهُ. فَإذا لَمْ يَجِدُ كَسَرَ هَوى النَّفْسِ مِن أجْلِهِ فَهو أيْضًا مِن تَعْظِيمِهِ. فافْهَمْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: مَعْنى (أوْ) التَّخْيِيرُ وإيجابُ إحْدى الكَفّاراتِ الثَّلاثِ. فَإذا لَمْ يَجِدِ انْتَقَلَ إلى الصَّوْمِ.

فَأمّا الإطْعامُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحَدِيدٌ بِقَدْرٍ. لا في وجْبَةٍ ولا وجْبَتَيْنِ، ولا في قَدْرٍ مِنَ الكَيْلِ.

ولِذا رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ فِيهِ وُجُوهٌ. جَمِيعُها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّاهُ، فَبِأيِّها أخَذَ أجْزَأهُ. فَمِنها ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ. كَأنَّهُ ذَهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى المُرادِ بِالإطْعامِ الكامِلِ - أعْنِي قُوتَ اليَوْمِ وهو وجْبَتانِ - وإلّا فالإطْعامُ يَصْدُقُ عَلى الوَجْبَةِ الواحِدَةِ.

ولِذا قالَ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: يَكْفِيهِ إطْعامُهم أكْلَةً …

Al-Maaida 5:89Listen in Qur'an →
90

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allah], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid it that you may be successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ أيِ: الشَّرابُ الَّذِي خامَرَ العَقْلَ، أيْ: خالَطَهُ فَسَتَرَهُ: ﴿والمَيْسِرُ﴾ أيِ: القِمارُ: ﴿والأنْصابُ﴾ أيِ: الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ: ﴿والأزْلامُ﴾ أيِ: القِداحُ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: خَبِيثٌ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، وقَذَرٌ تَعافُ عَنْهُ العُقُولُ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الخَمْرَ تُضَيِّعُ العَقْلَ، وما دُونَ السُّكْرِ داعٍ إلى ما يَسْتَكْمِلُهُ، فَأُقِيمَ مَقامَهُ في الشَّرْعِ الكامِلِ. والمَيْسِرُ يُضَيِّعُ المالَ. والأنْصابُ تُضَيِّعُ عِزَّةَ الإنْسانِ بِتَذَلُّلِهِ لِما هو أدْنى مِنهُ. والأزْلامُ تُضَيِّعُ العِلْمَ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ والمُثَمَّنِ. انْتَهى.

وما ذَكَرَهُ هو شَذْرَةٌ مِن مَفاسِدِها.

﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيِ: اتْرُكُوهُ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ. أوِ (الرِّجْسَ) الواقِعَ عَلى الكُلِّ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تَنالُوا الفَلاحَ فَتَنْجُوا مِنَ السُّخْطِ والعَذابِ وتَأْمَنُوا في الآخِرَةِ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِبَيانِ مَفاسِدِهِما الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ. فالأُولى في قَوْلِهِ:

Al-Maaida 5:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.