Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 120

81

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ

And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:

صفحة ٥٤

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾

قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .

والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟

صفحة ٥٥

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ

الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.

الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى …

Al-Maaida 5:81Listen in Qur'an →
82

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allah; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما ذَكَرَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ في غايَةِ العَدَواةِ مَعَ المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ جَعَلَهم قُرَناءَ لِلْمُشْرِكِينَ في شِدَّةِ العَدَواةِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم أشَدُّ في العَدَواةِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ المُشْرِكِينَ، ولَعَمْرِي إنَّهم كَذَلِكَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» “ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ النَّصارى ألْيَنُ عَرِيكَةً مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُسْلِمِينَ مِنهم.

صفحة ٥٦

وهَهُنا مَسْألَتانِ:

الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وقَوْمُهُ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، ولَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّصارى مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقالَ آخَرُونَ: مَذْهَبُ اليَهُودِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن يُخالِفُهم في الدِّينِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، فَإنْ قَدَرُوا عَلى القَتْلِ فَذاكَ، وإلّا فَبِغَصْبِ المالِ أوْ بِالسَّرِقَةِ أوْ بِنَوْعٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ والحِيلَةِ، وأمّا النَّصارى فَلَيْسَ مَذْهَبُهم ذاكَ بَلِ الإيذاءُ في دِينِهِمْ حَرامٌ، فَهَذا هو وجْهُ التَّفاوُتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن بَيانِ هَذا التَّفاوُتِ تَخْفِيفُ أمْرِ اليَهُودِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَتَجِدَنَّ) لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: قَسَمًا إنَّكَ تَجِدُ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ أشَدَّ النّاسِ عَدَواةً مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ شَرَحْتُ لَكَ أنَّ هَذا التَّمَرُّدَ والمَعْصِيَةَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم، فَفَرِّغْ خاطِرَكَ عَنْهم ولا تُبالِ بِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ هَذا التَّفاوُتِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

الأُولى: عِلَّةُ هَذا التَّفاوُتِ أنَّ اليَهُودَ مَخْصُوصُونَ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى الدُّنْيا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] فَقَرَنَهم في الحِرْصِ بِالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، والحِرْصُ مَعْدِنُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طَرَحَ دِينَهُ في طَلَبِ الدُّنْيا وأقْدَمَ عَلى كُلِّ مَحْظُورٍ ومُنْكَرٍ بِطَلَبِ الدُّنْيا، فَلا جَرَمَ تَشْتَدُّ عَداوَتُهُ مَعَ كُلِّ مَن نالَ مالًا أوْ جاهًا، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم في أكْثَرِ الأمْرِ مُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلُونَ عَلى العِبادَةِ وتَرْكِ طَلَبِ الرِّياسَةِ والتَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحْسُدُ النّاسَ ولا يُؤْذِيهِمْ ولا يُخاصِمُهم بَلْ يَكُونُ لَيِّنَ العَرِيكَةِ في طَلَبِ الحَقِّ سَهْلَ الِانْقِيادِ لَهُ، فَهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا البابِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

وهَهُنا دَقِيقَةٌ نافِعَةٌ في طَلَبِ الدِّينِ وهو أنَّ كُفْرَ النَّصارى أغْلَظُ مِن كُفْرِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ النَّصارى يُنازِعُونَ في الإلَهِيّاتِ وفي النُّبُوّاتِ، …

Al-Maaida 5:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .

قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .

والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٥٨

فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟

قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ …

Al-Maaida 5:83Listen in Qur'an →
84

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ

And why should we not believe in Allah and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .

قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .

والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٥٨

فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟

قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ …

Al-Maaida 5:84Listen in Qur'an →
85

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah rewarded them for what they said with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .

قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .

والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٥٨

فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟

قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ …

Al-Maaida 5:85Listen in Qur'an →
86

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .

قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .

والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٥٨

فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟

قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ …

Al-Maaida 5:86Listen in Qur'an →
87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allah has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allah does not like transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى في المُناظَرَةِ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، عادَ بَعْدَهُ إلى بَيانِ الأحْكامِ وذَكَرَ جُمْلَةً مِنها.

النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِحِلِّ المَطاعِمِ والمَشارِبِ واللَّذّاتِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الطَّيِّباتُ: اللَّذِيذاتُ الَّتِي تَشْتَهِيها النُّفُوسُ وتَمِيلُ إلَيْها القُلُوبُ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأصْحابِهِ في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وبالَغَ وأشْبَعَ الكَلامَ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، فَعَزَمُوا عَلى أنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا ويُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ الطَّيِّبَةَ والمُشارِبَ اللَّذِيذَةَ، وأنْ يَصُومُوا النَّهارَ ويَقُومُوا اللَّيْلَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ، ويَخْصُوا أنْفُسَهم، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ”«إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَصُومُوا وأفْطِرُوا وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» “ .

وبِهَذا الكَلامِ ظَهَرَ وجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلَمّا مَدَحَهم أوْهَمَ ذَلِكَ المَدْحُ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، فَذَكَرَ تَعالى [ ذَلِكَ ] عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ إزالَةً لِذَلِكَ الوَهْمِ، لِيُظْهِرَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذا النَّهْيِ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الطِّباعِ والقُلُوبِ، فَإذا تَوَسَّعَ الإنْسانُ في اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أقْوى وأعْظَمَ، وكُلَّما ازْدادَ المَيْلُ قُوَّةً ورَغْبَةً ازْدادَ حِرْصُهُ في طَلَبِ الدُّنْيا واسْتِغْراقُهُ في تَحْصِيلِها، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي طاعَتِهِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، وأمّا إذا أعْرَضَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَكُلَّما كانَ ذَلِكَ الإعْراضُ أتَمَّ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أضْعَفَ والرَّغْبَةُ أقَلَّ، وحِينَئِذٍ تَتَفَرَّغُ النَّفْسُ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ في خِدْمَتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما الحِكْمَةُ في نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الرَّهْبانِيَّةِ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ المُفْرِطَةَ والِاحْتِرازَ التّامَّ عَنِ الطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ مِمّا يُوقِعُ الضَّعْفَ في الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي القَلْبُ والدِّماغُ، وإذا وقَعَ الضَّعْفُ فِيهِما اخْتَلَّتِ الفِكْرَةُ وتَشَوَّشَ العَقْلُ. ولا شَكَّ أنَّ أكْمَلَ السَّعاداتِ وأعْظَمَ القُرُباتِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ الشَّدِيدَةُ

صفحة ٦٠

مِمّا يُوقِعُ الخَلَلَ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لا جَرَمَ وقَعَ النَّهْيُ …

Al-Maaida 5:87Listen in Qur'an →
88

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ

And eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allah, in whom you are believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .

صفحة ٦١

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وكُلُوا) صِيغَةُ أمْرٍ، وظاهِرُها لِلْوُجُوبِ لا أنَّ المُرادَ هاهُنا الإباحَةُ والتَّحْلِيلُ. واحْتَجَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِهِ في أنَّ التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وقالُوا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي إباحَةَ الأكْلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَتَناوَلُ ما بَعْدَ الشُّرُوعِ في الصَّوْمِ، غايَتُهُ أنَّهُ خُصَّ في بَعْضِ الصُّوَرِ إلّا أنَّ العامَّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأكْلِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَأْكُولِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُوا حَلالًا طَيِّبًا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: كُلُوا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ دالَّةٌ عَلى الإذْنِ في أكْلِ كُلِّ ما رَزَقَ اللَّهُ تَعالى وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى في أكْلِ الحَلالِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ رِزْقًا كانَ حَلالًا، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِأصْحابِنا عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ إذْنَ الأكْلِ بِالرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، ولَوْلا أنَّ الرِّزْقَ قَدْ لا يَكُونُ حَلالًا وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ والتَّقْيِيدِ فائِدَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: كُلُوا ما رَزَقَكم، ولَكِنْ قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اقْتَصِرُوا في الأكْلِ عَلى البَعْضِ واصْرِفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدَقاتِ والخَيْراتِ لِأنَّهُ إرْشادٌ إلى تَرْكِ الإسْرافِ كَما قالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ كُلِّ أحَدٍ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَكَفَّلْ بِرِزْقِهِ لَما قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وإذا تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ وجَبَ أنْ لا يُبالِغَ في الطَّلَبِ، وأنْ يُعَوِّلَ عَلى وعْدِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ، فَإنَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» أمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، زادَهُ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوى في الِانْتِهاءِ إلى ما أمَرَ بِهِ وعَمّا نَهى عَنْهُ.

Al-Maaida 5:88Listen in Qur'an →
89

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Allah will not impose blame upon you for what is meaningless in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be grateful.

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .

قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذا الحُكْمِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ والمَلابِسَ واخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ وحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

صفحة ٦٢

واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في يَمِينَ اللَّغْوِ ما هو، قَدْ سَبَقَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (عَقَّدْتُمُ) بِتَشْدِيدِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَقَدْتُمْ) بِتَخْفِيفِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (عاقَدْتُمْ) بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: عَقَدَ فُلانٌ اليَمِينَ والعَهْدَ والحَبْلَ عَقْدًا: إذا وكَّدَهُ وأحْكَمَهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا: عَقَّدَ، بِالتَّشْدِيدِ: إذا وكَّدَ، ومِثْلُهُ أيْضًا عاقَدَ، بِالألِفِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّهُ صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، يُقالُ: عَقَدَ زَيْدٌ يَمِينَهُ، وعَقَدُوا أيْمانَهم، وأمّا مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فاعْلَمْ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ زَيَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: التَّشْدِيدُ لِلتَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فالقِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تُوجِبُ سُقُوطَ الكَفّارَةِ عَنِ اليَمِينِ الواحِدَةِ لِأنَّها لَمْ تَتَكَرَّرْ.

وأجابَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: (عَقَدَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ واحِدٌ في المَعْنى.

الثّانِي: هَبْ أنَّها تُفِيدُ التَّكْرِيرَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣] إلّا أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَحْصُلُ بِأنْ يَعْقِدَها بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، ومَتى جَمَعَ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّكْرِيرُ، أمّا لَوْ عَقَدَ اليَمِينَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ مُعَقِّدًا. وأمّا مَن قَرَأ بِالألِفِ فَإنَّهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالواحِدِ مِثْلُ عافاهُ اللَّهُ وطارَقْتُ النَّعْلَ وعاقَبْتُ اللِّصَّ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ كَقِراءَةِ مَن خَفَّفَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ما) مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِعَقْدِكم أوْ بِتَعْقِيدِكم أوْ بِمُعاقَدَتِكُمُ الأيْمانَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنَثْتُمْ، فَحَذَفَ وقْتَ المُؤاخَذَةِ لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ. وأمّا كَيْفِيَّةُ اسْتِدْلالِ الشّافِعِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ الغَمُوسَ تُوجِبُ الكَفّارَةَ فَقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن …

Al-Maaida 5:89Listen in Qur'an →
90

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allah], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid it that you may be successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ثُمَّ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ المُسْتَطابَةِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُما غَيْرُ داخِلَيْنِ في المُحَلَّلاتِ، بَلْ في المُحَرَّماتِ.

واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الخَمْرِ والمَيْسِرِ وذَكَرْنا مَعْنى الأنْصابِ والأزْلامِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فَعَلَيْهِ بِهَذِهِ المَواضِعِ.

وفِي اشْتِقاقِ لَفْظِ الخَمْرِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها خامَرَتِ العَقْلَ، أيْ خالَطَتْهُ فَسَتَرَتْهُ.

والثّانِي: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: تُرِكَتْ فاخْتَمَرَتْ، أيْ تَغَيَّرَ رِيحُها، والمَيْسِرُ هو قِمارُهم في الجَزُورِ، والأنْصابُ هي آلِهَتُهُمُ الَّتِي نَصَبُوها يَعْبُدُونَها، والأزْلامُ سِهامٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها خَيْرٌ وشَرٌّ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِوَصْفَيْنِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رِجْسٌ) والرِّجْسُ في اللُّغَةِ كُلُّ ما اسْتُقْذِرَ مِن عَمَلٍ، يُقالُ: رَجُسَ الرَّجُلُ رِجْسًا ورَجِسَ يَرْجَسُ: إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا، وأصْلُهُ مِنَ الرَّجْسِ بِفَتْحِ الرّاءِ،

صفحة ٦٧

وهُوَ شِدَّةُ الصَّوْتِ، يُقالُ: سَحابٌ رَجّاسٌ: إذا كانَ شَدِيدَ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ، فَكانَ الرَّجْسُ هو العَمَلُ الَّذِي يَكُونُ قَوِيَّ الدَّرَجَةِ كامِلَ الرُّتْبَةِ في القُبْحِ.

الوَصْفُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهَذا أيْضًا مُكَمِّلٌ لِكَوْنِهِ رِجْسًا لِأنَّ الشَّيْطانَ نَجَسٌ خَبِيثٌ لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ نَجَسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والخَبِيثُ لا يَدْعُو إلّا إلى الخَبِيثِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النُّورِ: ٢٦] وأيْضًا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى الشَّيْطانِ فالمُرادُ مِن تِلْكَ الإضافَةِ المُبالَغَةُ في كَمالِ قُبْحِهِ. قالَ تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القَصَصِ: ١٥] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيْ كُونُوا جانِبًا مِنهُ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عائِدَةٌ إلى الرِّجْسِ، والرِّجْسٌ واقِعٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ.

الثّانِي: أنَّها عائِدَةٌ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .

Al-Maaida 5:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.