Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 120

81

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ

And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ﴾؛ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ دَعْواهُمُ الإيمانَ؛ والحالُ أنَّهم لَوْ ﴿كانُوا﴾؛ أيْ: كُلُّهُمْ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنهم إيمانٌ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿والنَّبِيِّ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الوَصْلَةُ التّامَّةُ بِاللَّهِ؛ ولِذا أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ أعَمَّ مِنَ القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ إيمانًا خالِصًا؛ مِن غَيْرِ نِفاقٍ؛ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾؛ أيْ: المُشْرِكِينَ؛ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ لِأنَّ مُخالَفَةَ الِاعْتِقادِ تَمْنَعُ الوِدادَ؛ فَمَن كانَ مِنهم باقِيًا عَلى يَهُودِيَّتِهِ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ فالألِفُ في ”النَّبِيِّ“؛ لِكَشْفِ سَرِيرَتِهِ؛ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: النَّبِيِّ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ؛ ويَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ لِلْحَقِيقَةِ؛ أيْ: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ - أيْ: حَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ - ما والَوْهُمْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ إلّا بِتَكْفِيرِ المُشْرِكِينَ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ ﷺ – بِقَوْلِهِ: «”الأنْبِياءُ أوْلادُ عِلّاتٍ؛ أُمَّهاتُهم شَتّى؛ ودِينُهم واحِدٌ“؛» كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ شَرائِعَهُمْ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ في الفُرُوعِ؛ فَهي مُتَّفِقَةٌ في الأصْلِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ ومَن كانَ مِنهم قَدْ أظْهَرَ الإيمانَ؛ فالمُرادُ بِالنَّبِيِّ في إظْهارِ زَيْغِهِ؛ ومَيْلِهِ؛ وحَيْفِهِ؛ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأنَّهُ نَهى عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ؛ بَلْ عَنْ مُتارَكَتِهِمْ؛ ولَمْ يَرْضَ إلّا بِمُقارَعَتِهِمْ؛ ومُعارَكَتِهِمْ.

ولَمّا أفْهَمَتِ الشَّرْطِيَّةُ عَدَمَ إيمانِهِمُ؛ اسْتَثْنى مِنها؛ مُنَبِّهًا بِوَضْعِ الفِسْقِ مَوْضِعَ عَدَمِ الإيمانِ؛ عَلى أنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾؛ أيْ: مُتَمَكِّنُونَ في خُلُقِ المُرُوقِ مِن دَوائِرِ الطّاعاتِ.

Al-Maaida 5:81Listen in Qur'an →
82

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allah; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

ولَمّا دَلَّ - كالشَّمْسِ - مَيْلُهم إلى المُشْرِكِينَ دُونَ المُؤْمِنِينَ؛ عَلى أنَّهم في غايَةِ العَداوَةِ لَهُمْ؛ صَرَّحَ (تَعالى) بِذَلِكَ؛ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى رُسُوخِهِمْ في الفِسْقِ -: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ﴿عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أظْهَرُوا الإقْرارَ بِالإيمانِ؛ فَكَيْفَ بِالرّاسِخِينَ فِيهِ؟! ﴿اليَهُودَ﴾؛ قَدَّمَهم لِأنَّهم أشَدُّ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا أقْبَحَ مِن ضالٍّ عَلى عِلْمٍ؛ ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ لِما جَمَعَهم مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِالأنْبِياءِ؛ هَؤُلاءِ جَهْلًا؛ وأُولَئِكَ عِنادًا؛ وبَغْيًا؛ فَعُرِفَ أنَّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ لا يُوالِيهِمْ بِقَلْبِهِ؛ ولا بِلِسانِهِ؛ وأنَّهم ما اجْتَمَعُوا عَلى المُوالاةِ إلّا لِاجْتِماعِهِمْ في أشَدِّيَّةِ العَداوَةِ لِمَن آمَنَ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ؛ والنَّبِيِّ؛ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي مُوادَّةَ المُشْرِكِينَ؛ فَلِمَ والَوْهم حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ اجْتَمَعُوا في أشَدِّيَّةِ العَداوَةِ لِلَّذِينِ آمَنُوا.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) بِأبْعَدِ النّاسِ مَوَدَّةً لَهُمْ؛ أخْبَرَ بِضِدِّهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ﴾؛ أيْ: النّاسِ؛ ﴿مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الإيمانَ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾؛ وفي التَّوْرِيكِ عَلى قَوْلِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّهم ما كانُوا عَلى حَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ؛ ﴿إنّا نَصارى﴾؛ أيْ: لِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِالدُّنْيا؛ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ؛ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا عَرِيقِينَ في الدِّينِ؛ وإقْبالِهِمْ عَلى عِلْمِ الباطِنِ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾؛ أيْ: مُقْبِلِينَ عَلى العِلْمِ؛ مِن ”القَسُّ“؛ وهو مُلازَمَةُ الشَّيْءِ؛ وتَتَبُّعُهُ؛ ﴿ورُهْبانًا﴾؛ أيْ: في غايَةِ التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا؛ ولَمّا كانَ التَّخَلِّي مِنها مُوجِبًا لِلْبُعْدِ مِنَ الحَسَدِ؛ وهو سَبَبٌ لِمُجانَبَةِ التَّكَبُّرِ؛ قالَ: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَطْلُبُونَ الرِّفْعَةَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولا يُوجِدُونَها.

Al-Maaida 5:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ عِلَّةً في الظّاهِرِ؛ ومَعْلُولًا في الباطِنِ؛ لِرِقَّةِ القَلْبِ؛ قالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا﴾؛ أيْ: أتْباعُ النَّصْرانِيَّةِ؛ ﴿ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِالمُعْجِزِ؛ فَكانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبَلِّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لِلنّاسِ؛ ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ البُكاءُ سَبَبًا لِامْتِلاءِ العَيْنِ بِالدَّمْعِ؛ وكانَ الِامْتِلاءُ سَبَبًا لِلْفَيْضِ؛ الَّذِي حَقِيقَتُهُ السَّيَلانُ بَعْدَ الِامْتِلاءِ؛ عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ؛ فَقالَ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أصْلُهُ: ”يَفِيضُ دَمْعُها؛ ثُمَّ تَفِيضُ هي دَمْعًا“؛ فَهو مِن أنْواعِ التَّمْيِيزِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الفَيْضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: ولَيْسَ لَهم غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ يَمْنَعُهم عَنْ قَبُولِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم في مَقالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿آمَنّا﴾؛ أيْ: بِما سَمِعْنا؛ ﴿فاكْتُبْنا﴾؛ ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الشّاهِدِ إحْضارُ القَلْبِ؛ وإلْقاءُ السَّمْعِ؛ والقِيامُ التّامُّ بِما يُتْلى عَلَيْهِ؛ ويُنْدَبُ إلَيْهِ؛ قالَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾؛ أيْ: أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَإنَّ تَقْوِيَتَنا عَلى ذَلِكَ لَيْسَتْ إلّا إلَيْكَ؛

Al-Maaida 5:83Listen in Qur'an →
84

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ

And why should we not believe in Allah and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

﴿وما﴾؛ أيْ: ويَقُولُونَ: ”ما“؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ؛ أوْ يَحْصُلُ ﴿لَنا﴾؛ حالَ كَوْنِنا؛ ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ولا خَيْرَ إلّا مِنهُ؛ ﴿وما﴾؛ أيْ: وبِما؛ ﴿جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي مَهْما عُرِضَ عَلى الواقِعِ طابَقَهُ الواقِعُ؛ سَواءٌ كانَ حالًا؛ أوْ ماضِيًا؛ أوْ آتِيًا؟

ولَمّا كانُوا يَهْضِمُونَ أنْفُسَهُمْ؛ عَبَّرُوا بِالطَّمَعِ؛ الَّذِي لا نَظَرَ مَعَهُ لِعَمَلٍ؛ فَقالُوا: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ إحْسانِهِ؛ لا بِعَمَلٍ مِنّا؛ ولِجَرْيِهِمْ في هَذا المِضْمارِ؛ عَبَّرُوا بِـ ”مَعَ“؛ دُونَ ”فِي“؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ؛ وتَعْظِيمًا لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ.

Al-Maaida 5:84Listen in Qur'an →
85

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah rewarded them for what they said with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُمُ الدّالَّ عَلى حُسْنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وجَمِيلِ اسْتِعْدادِهِمْ؛ ذَكَرَ جَزاءَهم عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿بِما قالُوا﴾؛ أيْ: جَعَلَ ثَوابَهم عَلى هَذا القَوْلِ المُسْتَنِدِ إلى خُلُوصِ النِّيَّةِ؛ النّاشِئِ عَنْ حُسْنِ الطَّوِيَّةِ؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ الماءُ لَوِ اسْتَغْرَقَ المَكانَ أُفْسِدَ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ اللَّذَّةُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالدَّوامِ؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِإحْسانِهِمْ“؛ طَرَدَ الأمْرَ في غَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ﴾؛ أيْ: الجَزاءُ العَظِيمُ؛ ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها في النَّجاشِيِّ؛ وأصْحابِهِ؛ وذَلِكَ مَبْسُوطٌ في شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ مَعَ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم -؛ قَدِمَ مَعَهم سَبْعُونَ رَجُلًا؛ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ وعَنِ الجَمِيعِ؛ وفْدًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ؛ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ؛ وثَمانِيَةٌ مِن أهْلِ الشّامِ؛ وهُمْ: بَحِيرا الرّاهِبُ؛ وأبْرَهَةُ؛ وإدْرِيسُ؛ وأشْرَفُ؛ وثُمامَةُ؛ وقُثَمٌ؛ ودُرَيْدٌ؛ وأيْمَنُ؛ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ ”يـس“ إلى آخِرِها؛ فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ؛ وآمَنُوا؛ وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى ! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٢]؛ إلى آخِرِها؛» ذَكَرَ ذَلِكَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ؛ بِغَيْرِ سَنَدٍ؛ ثُمَّ أسْنَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢]؛ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن خِيارِ أصْحابِهِ ثَلاثِينَ رَجُلًا؛ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”يـس“؛ فَبَكَوْا؛ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وإذا نَظَرْتَ مُكاتَباتِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُلُوكِ ازْدَدْتَ بَصِيرَةً في صِدْقِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ ما كاتَبَ نَصْرانِيًّا إلّا آمَنَ؛ أوْ كانَ لَيِّنًا؛ ولَوْ لَمْ يُسْلِمْ؛ كَهِرَقْلَ؛ والمُقَوْقِسِ؛ وهَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وغايَتُهم أنَّهم ضَنُّوا بِمُلْكِهِمْ؛ وأمّا غَيْرُ النَّصارى فَإنَّهم كانُوا عَلى غايَةِ الفَظاظَةِ؛ كَكِسْرى؛ فَإنَّهُ مَزَّقَ كِتابَهُ ﷺ؛ ولَمْ يَجْزِ رَسُولَهُ بِشَيْءٍ؛ وأمّا اليَهُودُ فَكانُوا جِيرانَ الأنْصارِ؛ ومَوالِيَهُمْ؛ وأحْبابَهُمْ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَأحْوالُهم في العَداوَةِ غايَةٌ؛ كَما هو واضِحٌ في السِّيَرِ؛ مُبِيَّنٌ جِدًّا في شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ؛ وكانَ السِّرُّ في ذَلِكَ - مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن باعِثِ الزُّهْدِ - أنَّهُ لَمّا كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْرَبَ الأنْبِياءِ زَمَنًا مِن زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ المُنْتَمُونَ إلَيْهِ؛ ولَوْ كانُوا كَفَرَةً؛ أقْرَبَ الأُمَمِ مَوَدَّةً لِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ؛ في الفَضائِلِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ؛» في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ الأنْبِياءُ أوْلادُ عِلّاتٍ - وفي …

Al-Maaida 5:85Listen in Qur'an →
86

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَزاءَ المُطِيعِينَ؛ المُبادِرِينَ إلى الإذْعانِ؛ تَرْغِيبًا؛ ذَكَرَ جَزاءَ مَن لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُمْ؛ تَرْهِيبًا؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما أوْضَحَتْهُ لَهم عُقُولُهم مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ ما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ؛ ﴿وكَذَّبُوا﴾؛ أيْ: عِنادًا؛ ﴿بِآياتِنا﴾؛ أيْ: بِالعَلاماتِ المُضافَةِ لِعِظَمِها إلَيْنا؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها؛ لا غَيْرُهم مِنَ العُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ وإنْ كَثُرَتْ كَبائِرُهم.

Al-Maaida 5:86Listen in Qur'an →
87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allah has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allah does not like transgressors.

ولَمّا مَدَحَ - سُبْحانَهُ - الرُّهْبانَ؛ وكانَ ذَلِكَ داعِيًا إلى التَّرَهُّبِ؛ وكانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ حَسَنَةً بِالذّاتِ؛ قَبِيحَةً بِالعَرَضِ؛ شَرِيفَةً في المَبْدَإ؛ دَنِيَّةً في المَآلِ؛ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الشِّدَّةِ؛ والِاجْتِهادِ في الطّاعاتِ؛ والتَّوَرُّعِ عَنْ أكْثَرِ المُباحاتُ؛ والإنْسانُ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّعْفِ؛ مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ؛ فَيَدْعُوهُ طَبْعُهُ؛ ويُساعِدُهُ ضَعْفُهُ إلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما عاقَدَ عَلَيْهِ؛ ويُسْرِعُ بِما لَهُ مِن صِفَةِ العَجَلَةِ إلَيْهِ؛ فَيَقَعُ في الخِيانَةِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧]؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْها في هَذا الدِّينِ؛ والإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ بَناهُ عَلى التَّوَسُّطِ؛ رَحْمَةً مِنهُ لِأهْلِهِ؛ ولُطْفًا بِهِمْ؛ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِمْ ﷺ؛ ونَهاهم عَنِ الإفْراطِ فِيهِ؛ والتَّفْرِيطِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِذَلِكَ؛ ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾؛ أيْ: تَمْنَعُوا أنْفُسَكم بِنَذْرٍ؛ أوْ يَمِينٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ تَصْدِيقًا لِما أقْرَرْتُمْ بِهِ؛ ورَغَّبَهم في امْتِثالِ أمْرِهِ بِأنْ جَعْلَهُ مُوافِقًا لِطِباعِهِمْ؛ مُلائِمًا لِشَهَواتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿طَيِّباتِ ما﴾؛ أيْ: المُطَيَّباتِ؛ وهي اللَّذائِذُ؛ الَّتِي ﴿أحَلَّ اللَّهُ﴾؛ وذِكْرُ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ مُرَغِّبٌ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المِنحَةِ يَكُونُ عَلى مِقْدارِ المُعْطِي؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: وأمّا هو - سُبْحانَهُ - فَهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ؛ لا ضُرَّ يَلْحَقُهُ؛ ولا نَفْعٌ؛ لِأنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.

ولَمّا أطْلَقَ لَهم ذَلِكَ؛ حَثَّهم عَلى الِاقْتِصادِ؛ وحَذَّرَهم مِن مُجاوَزَةِ الحَدِّ؛ إفْراطًا؛ وتَفْرِيطًا؛ فَقالَ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾؛ فَدَلَّ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى مَبْنِيَّةٌ عَلى العَدْلِ؛ فَعُدُولُها عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ أنْ يَنْهى عَنِ الإمْعانِ في العِبادَةِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ؛ مِنَ الإكْرامِ؛ لِلْمُفْرِطِينَ في الوَرَعِ؛ بِحَيْثُ يُحَرِّمُونَ ما أحْلَلْتُ؛ ولا لِلْمُفَرِّطِينَ فِيهِ؛ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ ما حَرَّمْتُ؛ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ المُحَرِّمِ؛ مِنَ المَنعِ؛ وفِعْلَ المُحَلِّلِ؛ مِنَ التَّناوُلِ؛ وما ذُكِرَ مِن سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ؛ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي إذا أكَلْتُ مِن هَذا اللَّحْمِ انْتَشَرْتُ إلى النِّساءِ؛ وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ ونَزَلَتْ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨]» وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ مِن جامِعِهِ؛ وقالَ: حَسَنٌ؛ غَرِيبٌ؛ ورَواهُ خالِدٌ الحَذّاءُ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ مُرْسَلًا؛ وقالَ الواحِدِيُّ؛ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ البَغَوِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاسَ؛ ووَصْفَ القِيامَةِ؛ ولَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ؛ فَرَقَّ النّاسُ وبَكَوْا؛ فاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ؛ وهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ …

Al-Maaida 5:87Listen in Qur'an →
88

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ

And eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allah, in whom you are believers.

ولَمّا كانَ الحالُ لِما ألْزَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مُقْتَضِيًا لِلتَّأْكِيدِ؛ أمَرَ بِالأكْلِ؛ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ التَّرْكِ؛ لِيَجْتَمِعَ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ الأمْرُ والنَّهْيُ؛ فَقالَ: ﴿وكُلُوا﴾؛ ورَغَّبَهم فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا يُرَدُ عَطاؤُهُ.

ولَمّا كانَ الرِّزْقُ يَقَعُ عَلى الحَرامِ؛ قَيَّدَهُ بَعْدَ القَيْدِ بِالتَّبْعِيضِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَلالا﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ الرِّزْقَ شَهِيًّا؛ وصَفَهُ امْتِنانًا؛ وتَرْغِيبًا؛ فَقالَ: ﴿طَيِّبًا﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَيْدًا مُحَذِّرًا مِمّا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَرَعِ؛ ويَكُونَ مَعْنى طِيبِهِ تَيَقُّنَ حِلِّهِ؛ فَيَكُونَ بِحَيْثُ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى تَناوُلِهِ دِينًا؛ تَوَفُّرَها عَلى تَناوُلِ ما هو نِهايَةٌ في اللَّذَّةِ شَهْوَةً وطَبْعًا؛ وأنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِما تَعافُّهُ النَّفْسُ مِمّا أخَذَ في الفَسادِ مِنَ الأطْعِمَةِ؛ لِئَلّا يَضُرَّ؛ قالَ ابْنُ المُبارَكِ: الحَلالُ ما أُخِذَ مِن جِهَتِهِ؛ والطَّيِّبُ ما غُذِّيَ ونُمِّيَ؛ فَأمّا الطِّينُ والجَوامِدُ وما لا يُغَذِّي فَمَكْرُوهٌ؛ إلّا عَلى جِهَةِ التَّداوِي؛ وأنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِما فَوْقَ سَدِّ الرَّمَقِ؛ في حالَةِ الضَّرُورَةِ؛ ولِهَذا وأمْثالِهِ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِن أنْ تُحِلُّوا حَرامًا؛ أوْ تُحَرِّمُوا حَلالًا؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ رَعْيَ عُهُودِهِ؛ والوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتُونَ عَلى الإيمانِ بِهِ؛ فَإنَّ هَذا الوَصْفَ يَقْتَضِي رَعْيَ العُهُودِ؛ وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الأكْلَ؛ والمُرادُ جَمِيعُ ما نَهى عَنْ تَحْرِيمِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَمَتَّعاتِ؛

Al-Maaida 5:88Listen in Qur'an →
89

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Allah will not impose blame upon you for what is meaningless in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be grateful.

فَلَمّا نَزَلَتْ - كَما نَقَلَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ وكانُوا حَلَفُوا عَلى ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ - كَما تَقَدَّمَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن تَمامِ الجَلالِ؛ ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ وهو ما يَسْبِقُ إلَيْهِ اللَّفْظُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ ﴿فِي أيْمانِكُمْ﴾؛ عَلى أنِّي لَمْ أعْتَمِدْ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ في المُناسَبَةِ إلّا لِدُخُولِهِ في المَعْنى؛ لا لِكَوْنِهِ سَبَبًا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ يَدْخُلُ في المُناسَبَةِ - كَما بَيَّنْتُهُ في أوَّلِ غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ وإنَّما كانَ السَّبَبُ هُنا داخِلًا في مُناسَبَةِ النَّظْمِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ يَكُونُ تارَةً بِنَذْرٍ؛ وتارَةً بِيَمِينٍ؛ والنَّذْرُ في المُباحِ - وهو مَسْألَتُنا - لا يَنْعَقِدُ؛ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ فَحِينَئِذٍ لَمْ تَدْعُ الحاجَةُ إلّا إلى التَّعْرِيفِ بِالأيْمانِ؛ وأحْكامِها؛ فَقَسَّمَها - سُبْحانَهُ - إلى قِسْمَيْنِ: مَقْصُودٍ؛ وغَيْرِ مَقْصُودٍ؛ فَأمّا غَيْرُ المَقْصُودِ فَلا اعْتِبارَ بِهِ؛ وأمّا المَقْصُودُ فَقِسْمانِ: حَلِفٌ عَلى ماضٍ؛ وحَلِفٌ عَلى آتٍ؛ فَأمّا الحَلِفُ عَلى الماضِي فَهو اليَمِينُ الغَمُوسُ؛ الَّتِي لا كَفّارَةَ لَها عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ؛ وسَيَأْتِي في آيَةِ الوَصِيَّةِ؛ وأمّا الحَلِفُ عَلى الآتِي - وهو الَّذِي يُمْكِنُ التَّحْرِيمُ بِهِ - فَذَكَرَ حُكْمَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الحَلِفِ؛ الَّذِي مِنهُ اللَّغْوُ؛ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِلْيَمِينِ؛ أعْلَمَ أنَّ المُؤاخَذَةَ إنَّما هي بِتَعَمُّدِ القَلْبِ؛ وهو المُرادُ بِالكَسْبِ في الآيَةِ الأُخْرى؛ فَعَبَّرَ بِـ ”التَّفْعِيلِ“؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ و”المُفاعَلَةِ“؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَقالَ ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَوْثِيقِها؛ وتَوْكِيدِها؛ وإحْكامِها بِالجَمْعِ بَيْنَ اللِّسانِ والقَلْبِ؛ سَواءٌ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ؛ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ؛ أوْ عَلى أعْلاها؛ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ؛ فَلا يَحِلُّ لَكُمُ الحِنْثُ فِيها؛ إلّا بِالكَفّارَةِ؛ بِخِلافِ اللَّغْوِ؛ فَإنَّهُ بِاللِّسانِ فَقَطْ؛ فَلا عَقْدَ فِيهِ؛ فَضْلًا عَنْ تَعْقِيدٍ؛ و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ.

ولَمّا أثْبَتَ المُؤاخَذَةَ سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الَّذِي يَسْتُرُ النَّكْثَ والحِنْثَ عَنْ هَذا التَّعْقِيدِ؛ ويُزِيلُ أثَرَهُ؛ بِحَيْثُ تَصِيرُونَ كَأنَّكم ما حَلَفْتُمْ؛ ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾؛ أيْ: أحْرارٍ مَساكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ رُبْعُ صاعٍ؛ وهو مُدٌّ مِن طَعامٍ؛ وهو رِطْلٌ وثُلُثٌ؛ ﴿مِن أوْسَطِ ما﴾؛ كانَ عادَةً لَكم أنَّكم ﴿تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أعْدَلِهِ في الجَوْدَةِ؛ والقَدْرِ؛ كَمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً؛ فَهو مُدٌّ جَيِّدٌ مِن غالِبِ القُوتِ؛ سَواءٌ كانَ مِنَ الحِنْطَةِ؛ أوْ مِنَ التَّمْرِ؛ أوْ غَيْرِهِما.

ولَمّا بَدَأ بِأقَلِّ ما يَكْفِي؛ تَخْفِيفًا ورَحْمَةً؛ عَطَفَ عَلى الإطْعامِ تَرَقِّيًا قَوْلَهُ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾؛ أيْ: بِثَوْبٍ يُغَطِّي العَوْرَةَ؛ مِن قَمِيصٍ؛ أوْ إزارٍ؛ أوْ غَيْرِهِما مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِسْوَةِ؛ ﴿أوْ تَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: إعْتاقُ؛ ﴿رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنَةٍ؛ سَلِيمَةٍ؛ عَمّا يُخِلُّ بِالعَمَلِ - كَما تَقَدَّمَ …

Al-Maaida 5:89Listen in Qur'an →
90

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allah], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid it that you may be successful.

ولَمّا تَمَّ بَيانُ حالِ المَأْكَلِ؛ وكانَ داعِيَةً إلى المَشْرَبِ؛ احْتِيجَ إلى بَيانِهِ؛ فَبَيَّنَ (تَعالى) المُحَرَّمَ مِنهُ؛ فَعُلِمَ أنَّ ما عَداهُ مَأْذُونٌ في التَّمَتُّعِ بِهِ؛ وذَلِكَ مُحاذٍ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ مُقْتَرِنٍ بِاللّازِمِ؛ بَعْدَ إحْلالِ آخَرَ؛ لِما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ؛ وما ذُكِرَ مَعَها بَعْدَ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ وما مَعَها؛ فَقالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لَهم بِما أقَرُّوا بِهِ مِنَ الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ الإذْعانُ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِهِ؛ ونَبَّهَهم عَلى ما يُرِيدُ العَدُوُّ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾؛ وهي كُلُّ ما أسْكَرَ؛ سَواءٌ فِيهِ قَلِيلُهُ؛ وكَثِيرُهُ؛ وأضافَ إلَيْها ما واخاها في الضَّرَرِ دِينًا؛ ودُنْيا؛ وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْخِصامِ؛ وكَثْرَةِ اللَّغَطِ المُقْتَضِي لِلْحَلِفِ والإقْسامِ؛ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ شارِبِها؛ والذّابِحِ عَلى النُّصْبِ؛ والمُعْتَمِدِ عَلى الأزْلامِ؛ فَقالَ: ﴿والمَيْسِرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ ﴿والأنْصابُ والأزْلامُ﴾؛ المُتَقَدِّمُ أيْضًا ذِكْرُهُما أوَّلَ السُّورَةِ؛ والزَّلْمُ: القِدْحُ لا رِيشَ لَهُ؛ قالَهُ البُخارِيُّ؛ وحِكْمَةُ تَرْتِيبِها هَكَذا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ غايَةً في الحَمْلِ عَلى إتْلافِ المالِ؛ قَرَنَ بِها ما يَلِيها في ذَلِكَ؛ وهو القِمارُ؛ ولَمّا كانَ المَيْسِرُ مَفْسَدَةَ المالِ؛ قَرَنَ بِهِ مَفْسَدَةَ الدِّينِ؛ وهي الأنْصابُ؛ ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الأنْصابِ شِرْكًا جَلِيًّا إنْ عُبِدَتْ؛ وخَفِيًّا إنْ ذُبِحَ عَلَيْها دُونَ عِبادَةٍ؛ قَرَنَ بِها نَوْعًا مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ؛ وهو الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: ثُمَّ أمَرَ بِاجْتِنابِ الكُلِّ؛ إشارَةً وعِبارَةً؛ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أيْ: قَذَرٌ؛ أهْلٌ لِأنْ يُبْعَدَ عَنْهُ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ حَتّى عَنْ ذِكْرِهِ؛ سَواءٌ كانَ عَيْنًا؛ أوْ مَعْنًى؛ وسَواءٌ كانَتِ الرِّجْسِيَّةُ في الحِسِّ؛ أوِ المَعْنى؛ ووَحَّدَ الخَبَرَ لِلنَّصِّ عَلى الخَمْرِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ أخْبارَ الثَّلاثَةِ حُذِفَتْ؛ وقُدِّرَتْ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يُقالُ في كُلٍّ واحِدَةٍ مِنها عَلى حِدَتِها كَذَلِكَ؛ ولا يَكْفِي عَنْها خَبَرٌ واحِدٌ؛ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ؛ ثُمَّ زادَ في التَّنْفِيرِ عَنْها؛ تَأْكِيدًا لِرِجْسِيَّتِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقِ؛ البَعِيدِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الِاجْتِنابِ؛ فَقالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أيْ: تَعَمَّدُوا أنْ تَكُونُوا عَنْهُ في جانِبٍ آخَرَ؛ غَيْرِ جانِبِهِ؛ وأفْرَدَ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِما يُفْهَمُ أنَّهُ لا فَوْزَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ مَعَ مُباشَرَتِها؛ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: تَظْفَرُونَ بِجَمِيعِ مَطالِبِكُمْ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ؛ وفي رِوايَةٍ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لِخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ؛ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: سَمِعْتُ عُمَرَ؛ عَلى مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: ”أمّا بَعْدُ؛ أيُّها النّاسُ؛ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؛ وهي مِن خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ - وفي رِوايَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ -؛ والتَّمْرِ؛ والعَسَلِ؛ والحِنْطَةِ؛ والشَّعِيرِ؛ والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ“؛ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - …

Al-Maaida 5:90Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.