وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ
And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى …