قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك، فلما نزل: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله هذه الآية أخرجه الطبري عن ابن عباس 7/ 13، "الوسيط" 2/ 220، البغوي 3/ 90، "زاد المسير" 2/ 412..
وقد مضى الكلام في معنى لغو اليمين وحكمه مستقصى في سورة البقرة الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (225) سورة البقرة..
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، اختلف القراء في (عقدتم) فقرؤوا مخففًا، ومشددًا، وبالألف من عاقد [[قال أبو علي: " ... فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (بما عقَّدتُمْ) بغير ألف مشددة القاف، وكذا روى حفص عن عاصم. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (بما عَقَدتُمْ) بغير ألف خفيفة، وكذلك قرأ حمزة والكسائي".
وقرأ ابن عامر: (عاقدتم) بألف. "الحجة للقراء السبعة" 3/ 251.]]، يقال: عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدًا، إذا وكده وأحكمه، ومثل ذلك أيضًا عقَّد بالتشديد إذا وكَّد، وعاقد بالألف "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد).، قال الحطيئة:
وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا [["ديوانه" ص 140 وصدره:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى
وهو في تهذيب اللغة 3/ 2512 (عقد).]]
وقال في عقد:
قومٌ إذا عَقَدوا عقدًا لجارِهُم [[صدر بيت للحطيئة في ديوانه ص 128، وعجزه:
شدوا العِنَاج وشدوا فوقه الكربا
وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد)، و"الحجة" 3/ 252.]]
فقال في بيت: عاقدوا، وفي بيت: عقدوا، فمن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، لأنه خاطب بهذا الجماعة، فصار كقوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: 23]، والآخر أن يكون عَقَّد مثل عقد في أنه لا يراد به التكثير "الحجة للقراءة السبعة" 3/ 251.، وزيَّف أبو عبيد هذه القراءة فقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن توجب هذه القراءة سقوط الكفارة في اليمين الواحدة، لأنها لم تكرر، ووهم فيما قال؛ لأن معنى تعقيد اليمين أن يعقدها في قلبه ولفظه، ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدًا، ومتى ما جمع بين اللسان والقلب في قصد اليمين فقد عَقَّد اليمين، ومن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للكثير والقليل، يقال: عقدوا أيمانهم، وعقد زيد يمينه "الحجة للقراء السبعة" 3/ 252..
قال أبو عبيد: على هذا وجدنا الآثار كلها، يقال: الأيمان ما عُقِدتَ عليه القلوب، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللص، فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف "الحجة" 3/ 252.، و (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وليست الموصولة التي تقتضي راجعًا، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الإيمان "الحجة للقراء السبعة" 3/ 253، 254..
وأما التفسير قال عطاء: "هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين لم أقف عليه..
وقال مجاهد: ما عقد عليه قلبك وتعمدته، يعني كفارة عقدكم (...) بياض في (ج) فقط بمقدار كلمة. العقد أخرجه بمعناه الطبري 7/ 14، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 413..
قال الكلبي: هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب [[لم أقف عليه، وفي هذا نظر لأن اليمين الكاذبة، وهي الغموس، لا تكفر.
انظر: بحر العلوم 1/ 456 وما نقله عن وهب بن منبه، "الدر المنثور" 2/ 551 وما رواه عن أبي مالك.]].
وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن اليمين يؤاخذ بها العبد، ويجب في بعضها الكفارة، وهو ما جرى على عقد "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 201، 202..
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾، أي: …