(فصل)
وَإذا تَأمَّلت الحِكْمَة الباهرة في هَذا الدّين القويم والملَّة الحنيفية والشريعة المحمدية الَّتِي لا تنال العبارَة كمالها ولا يدْرك الوَصْف حسنها، ولا تقترح عقول العُقَلاء، ولَو اجْتمعت وكانَت على أكمل عقل رجل مِنهُم فَوْقها، وحسب العُقُول الكامِلَة الفاضلة إن أدركت حسنها وشهِدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شَرِيعَة أكمل ولا أجل ولا أعظم مِنها.
فَهِيَ نَفسها الشّاهِد والمشهود لَهُ، والحجّة والمحتج لَهُ، والدَّعْوى والبرهان، ولَو لم يَأْتِ الرَّسُول ببرهان عَلَيْها لكفى بها برهانا وآيَة وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة لَهُ بِكَمال العلم، وكَمال الحِكْمَة، وسعة الرَّحْمَة والبر والإحسان والإحاطة بِالغَيْبِ والشَّهادَة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنَّها من أعظم نعم الله الَّتِي أنعم بها على عباده، فَما أنعم عَلَيْهِم بِنِعْمَة أجل من أن هداهُم لَها، وجعلهم من أهلها ومِمَّنْ ارتضاهم لَها، فَلهَذا امتن على عباده بأن هداهُم لَها قالَ تَعالى ﴿لقد من الله على المُؤمنِينَ إذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آياته ويزكيهم ويُعلمهُم الكتاب والحكمَة وإن كانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾
وَقالَ مُعَرفا لِعِبادِهِ ومذكرا لَهُم عَظِيم نعْمَته عَلَيْهِم مستدعيا مِنهُم شكره على أن جعلهم من أهلها ﴿اليَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ الآية.
وَتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه، بل هو الكامل في حسنه وجلالته ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها، وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها بل يتمها لهم بالدوام في هذا الدار وفي دار القرار.
وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة الدين إليهم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقا، وهم قابلوها.
وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم.
وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء «أتممت» في مقابلة أكْمَلْتُ و «عليكم» في مقابلة لَكم و «نعمتي» في مقابلة دِينِكم وأكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾.
[فصل: أقْسامُ النِّعْمَةِ]
والنِّعْمَةُ نِعْمَتانِ: نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ ونِعْمَةٌ مُقَيَّدَةٌ.
١ - فالنِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ: هي المُتَّصِلَةُ بِسَعادَةِ الأبَدِ وهي نِعْمَةُ الإسْلامِ والسُّنَّةِ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ نَسْألَهُ في صَلاتِنا أنْ يَهْدِيَنا صِراطَ أهْلِها ومَن خَصَّهم بِها وجَعَلَهم أهْلَ الرَّفِيقِ الأعْلى حَيْثُ يَقُولُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
فَهَؤُلاءِ الأصْنافُ الأرْبَعَةُ، هم أهْلُ هَذِهِ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ، وأصْحابُها أيْضًا هُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا - فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. . .﴾، فَأضافَ الدِّينَ إلَيْهِمْ؛ إذْ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذا الدِّينِ القَيِّمِ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، والدِّينُ تارَةً يُضافُ إلى العَبْدِ، وتارَةً يُضافُ إلى الرَّبِّ، فَيُقالُ الإسْلامُ دِينُ اللَّهِ (الَّذِي) لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ دِينًا سِواهُ
وَلِهَذا يُقالُ في الدُّعاءِ: (اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ الَّذِي …