Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧١] ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم لا يُصِيبُهم مِنَ اللَّهِ عَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى (حَسِبُوا)، و(الفاءُ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ، وعَمُوا عَنِ الدِّينِ، بَعْدَما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ الظّاهِرَةِ، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِمّا كانُوا فِيهِ.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَمْ يُسْنِدِ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى والصَّمَمِ، تَجافِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ كَرَّةً أُخْرى: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهُمْ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما عَمِلُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها الفَظِيعَةِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُشِيرَ بِهِ إلى بُطْلانِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ. ووُقُوعِ العَذابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ، اكْتَفى بِها تَعْوِيلًا عَلى ما فُصِّلَ نَوْعَ تَفْصِيلٍ في سُورَةِ (بَنِي إسْرائِيلَ) أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ القَفّالِ، كَما سَيَأْتِي:

تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما اكْتَنَفَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الفِتْنَةِ وعَذابِ اللَّهِ الَّذِي حاقَ بِهِمْ قَبْلَ عِيسى وبَعْدَهُ. وذَلِكَ أنَّ أنْبِياءَهم قَبْلَ عِيسى كانُوا يُوَبِّخُونَ رُؤَساءَهُمُ الأشْرارَ وشَعْبَهم عَلى خَطاياهم. ولا سِيَّما في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ. ويَنْصَحُونَهم أنْ يَرْجِعُوا إلى اللَّهِ. ويُنْذِرُونَهم بِعِقابِهِ تَعالى الشَّدِيدِ ودَمارِهِمْ إنْ لَمْ يَتُوبُوا. كَما أنْبَأهم إرْمِيا عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَرابِ بَلَدِهِمْ، وقَضائِهِ تَعالى الهائِلِ عَلَيْهِمْ، إنْ أصَرُّوا عَلى طُغْيانِهِمْ. فَما اسْتَمَعُوا لَهُ. حَتّى رُوِيَ أنَّهُ خُتِمَ لَهُ بِالشَّهادَةِ. إذْ رَجَمَتْهُ اليَهُودُ بِمِصْرَ عُتُوًّا واسْتِكْبارًا. ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، مَلِكَ بابِلَ، وسَبى شَعْبَهم وهَدَمَتْ جُنُودُهم مَدِينَتَهم بَيْتَ المَقْدِسِ وهَيْكَلَها. وصارَ تِلالَ خَرابٍ. وذَلِكَ لِاسْتِئْصالِ كُفْرِهِمْ وشُرُورِهِمْ، وتَطْهِيرِ هَيْكَلِهِمْ مِن نَجاسَةِ أوْثانِهِمْ. فَحَلَّ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِلِيَّةِ الشَّقاءُ والوَيْلُ. وأُخِذُوا أسْرى إلى ما وراءَ الفُراتِ. ولَمْ يَتْرُكْ مِنهم إلّا الفُقَراءَ فَقَطْ،. وبِذَلِكَ انْتَهى مُلْكُهُمْ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوِ خَمْسِمِائَةِ وثَمانٍ وثَمانِينَ سَنَةً. ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم مِن سَبْيِهِمْ، وأعادَهم بِرَحْمَتِهِ إلى مَدِينَتِهِمْ بَيْتِ المَقْدِسِ. بَعْدَ أنْ أقامُوا في بابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. وابْتَدَأُوا بِبِناءِ هَيْكَلِهِمْ ثانِيَةً. وأرْجَعُوا العِبادَةَ إلَيْهِ. وقامَ حَزْقِيالُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَعْظِهِمْ …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾

قالَ الرّازِيُّ: هَذا قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ مِنهم. يَقُولُونَ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا. قالَ: ولَعَلَّ مَعْنى هَذا المَذْهَبِ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِها، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُفَصَّلًا، فَتَذَكَّرْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم صَمُّوا عَنْ مَقالاتِ عِيسى الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، كَما عَمُوا عَمّا فِيهِ مِن أماراتِ الحُدُوثِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ولَمْ يَقُلِ اعْبُدُونِي. ثُمَّ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ قَلْعًا لِمادَّةِ تَوَهُّمِ الِاتِّحادِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ كَيْفَ والشِّرْكُ أعْظَمُ وُجُوهِ الظُّلْمِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ: ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، إمّا بِطْرِيقِ المُبالَغَةِ أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ. والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِ (الظّالِمِينَ)؛ و(اللّامُ) إمّا لِلْعَهْدِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى: مَن، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وما لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ووَضَعَهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، تَأْكِيدًا لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرا لِمَضْمُونِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كُفْرَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ: أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بِمَعْنًى واحِدٍ مِنها، وهُمُ اللَّهُ ومَرْيَمُ وعِيسى.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ فِرْقَةٌ مِنهم تُسَمّى (كُولِي رِي دِينِسْ) تَقُولُ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ: الأبُ والِابْنُ ومَرْيَمُ.

وجاءَ في كِتابِ "عِلْمُ اليَقِينِ": أنَّ فِرْقَةَ مِنهم تُسَمّى (المَرْيَمِيِّينَ) قالَ: يَعْتَقِدُونَ أنَّ المَرْيَمَ والمَسِيحَ إلَهانِ. قالَ: وكَذَلِكَ البَرْبِرانِيُّونَ وغَيْرُهم. انْتَهى.

وأسْلَفْنا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ نَصارى نَجْرانَ، مِنهم مَن قالَ بِهَذا أيْضًا.

أوِ المَعْنى: أحَدُ ثَلاثَةِ أقانِيمَ كَما اشْتُهِرَ عَنْهم. أيْ: هو جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ. وزَعَمُوا، أنَّ الأبَ إلَهٌ والِابْنَ إلَهٌ والرُّوحَ إلَهٌ والكُلَّ إلَهٌ واحِدٌ. كَما قَدَّمْنا عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]

قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: واعْلَمْ أنَّ هَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ فَإنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، والواحِدُ لا يَكُونُ ثَلاثَةً. ولا يُرى في الدُّنْيا مُقالَةً أشَدَّ فَسادًا وأظْهَرَ بُطْلانًا مِن مَقالَةِ النَّصارى. انْتَهى.

وقَدْ صَنَّفْتُ عِدَّةَ مُصَنَّفاتٍ في تَزْيِيفِ مُعْتَقَدِهِمْ هَذا، وهي شَهِيرَةٌ مُتَداوَلَةٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ.

لَطِيفَةٌ:

اتَّفَقَ النُّحاةُ واللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ثالِثُ ثَلاثَةٍ ورابِعُ أرْبَعَةٍ) ونَحْوَ ذَلِكَ أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا. لا الوَصْفُ بِالثّالِثِ والرّابِعِ.

وفِي "التَّوْضِيحِ وشَرْحِهِ": لَكَ في اسْمِ الفاعِلِ المَصُوغِ مِن لَفْظِ اثْنَيْنِ وعَشَرَةٍ وما بَيْنَهُما أنْ تَسْتَعْمِلَهُ عَلى سَبْعَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: - أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مُفْرَدًا عَنِ الإضافَةِ، لِيُفِيدَ الِاتِّصافَ بِمَعْناهُ. فَتَقُولُ: ثالِثٌ ورابِعٌ. ومَعْناهُ حِينَئِذٍ واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وهي كَوْنُهُ ثالِثًا ورابِعًا.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَعَ أصْلِهِ الَّذِي صِيغَ هو مِنهُ، لِيُفِيدَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ بَعْضُ تِلْكَ العِدَّةِ المُعَيَّنَةِ لا غَيْرَ. فَتَقُولُ: خامِسُ خَمْسَةٍ أيْ: واحِدٌ مِن خَمْسَةٍ لا زائِدٌ عَلَيْها، ويَجِبُ حِينَئِذٍ إضافَتُهُ إلى أصْلِهِ. كَما يَجِبُ إضافَةُ البَعْضِ إلى كُلِّهِ. كَ: يَدُ زَيْدٍ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وزَعَمَ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ والكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ أنَّهُ يَجُوزُ إضافَةُ الأوَّلِ إلى الثّانِي، ونَصْبُهُ إيّاهُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ بِجَرِّ (ثَلاثَةٍ) ونَصْبِها. كَما يَجُوزُ في (ضارِبُ زَيْدٍ).

الوَجْهُ الثّالِثُ: - أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَعَ ما دُونَ أصْلِهِ الَّذِي صِيغَ مِنهُ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، لِيُفِيدَ مَعْنى التَّصْيِيرِ، فَتَقُولُ: هَذا رابِعُ ثَلاثَةٍ؛ أيْ: جاعِلُ الثَّلاثَةِ بِنَفْسِهِ أرْبَعَةً، قالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أيْ: إلّا هو مُصَيِّرُهم أرْبَعَةً ومُصَيِّرُهم سِتَّةً. ويَجُوزُ حِينَئِذٍ إضافَتُهُ وإعْمالُهُ، كَما يَجُوزُ الوَجْهانِ في جاعِلٍ ومُصَيِّرٍ ونَحْوِهِما. …

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٤] ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِاتِّحادِ والحُلُولِ، فَيَرْجِعُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالمُتَشابِهاتِ إلى القَطْعِيّاتِ، فالِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ، فِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ. ومَدارُ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَدَمُ الِانْتِهاءِ والتَّوْبَةِ مَعًا. أوْ مَعْناهُ: ألا يَتُوبُونَ - بَعْدَ هَذِهِ الشَّهادَةِ المُكَرَّرَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ وهَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ - مِمّا هم عَلَيْهِ. فَمَدارُهُما عَدَمُ التَّوْبَةِ عَقِبَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُها مِن سَماعِ تِلْكَ القَوارِعِ الهائِلَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِن كَرَمِهِ تَعالى وجُودِهِ ولُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ. مَعَ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ، وهَذا الِافْتِراءِ والكَذِبِ والإفْكِ، يَدْعُوهم إلى التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ. فَكُلُّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ. كَما قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لِهَؤُلاءِ إنْ تابُوا، ولِغَيْرِهِمْ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ: يَسْتَغْفِرُونَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ. أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ. فَيَغْفِرُ لَهم عِنْدَ اسْتِغْفارِهِمْ، ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى بُطْلانِ التَّمَسُّكِ بِمُعْجِزاتِ عِيسى وكَراماتِ أُمِّهِ عَلى إلَهِيَّتِهِما. بِأنَّ غايَتَهُما الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ووِلايَتِها، اسْتِنْزالًا لَهم عَنِ الإصْرارِ عَلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، وإرْشادًا لَهم إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ فَقالَ:

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٥] ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

﴿ما المَسِيحُ﴾ أيِ: المَعْلُومُ حُدُوثُهُ مِن كَوْنِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بِالخَوارِقِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدَيْهِ. ﴿إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مَضَتْ: ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أُولُو الخَوارِقِ الباهِرَةِ. فَلَهُ أُسْوَةٌ أمْثالُهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا قَبْلَهُ، جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها. إنْ أبْرَأ اللَّهُ الأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ، فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ بِها البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى. وهو أعْجَبُ. وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ. وهو أغْرَبُ مِنهُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: أيْ: مَضَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فَهو يَمْضِي مِثْلَهم. فالجُمْلَةُ - عَلى كُلٍّ - مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: مُبالِغَةٌ في الصِّدْقِ. ووَقَعَ اسْمُ الصِّدِّيقَةِ عَلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] والوَصْفُ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالإغْراقِ في العُبُودِيَّةِ والقِيامِ بِمَراسِمِها. فَمَن أيْنَ لَهم أنْ يَصِفُوها بِما يُبايِنُ وصْفَها؟

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ. كَما زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وغَيْرُهُ - مِمَّنْ ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ ونُبُوَّةِ أُمِّ مُوسى ونُبُوَّةِ أُمِّ عِيسى - اسْتِدْلالًا مِنهم بِخِطابِ المَلائِكَةِ لِسارَّةَ ومَرْيَمَ وبِقَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهَذا مَعْنى النُّبُوَّةِ. والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا مِنَ الرِّجالِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقَدْ حَكى الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.

فائِدَةٌ (فِي حَقِيقَةِ الصِّدِّيقِ والصِّدْقِ):

قالَ العارِفُ القاشانِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في "لَطائِفِ الأعْلامِ":

الصِّدِّيقُ الكَثِيرُ الصِّدْقِ. كَما يُقالُ: سِكِّيتٌ وصِرِّيعٌ إذا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ.

الصِّدِّيقُ مِنَ النّاسِ مَن كانَ كامِلًا في تَصْدِيقِهِ لِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ عِلْمًا وعَمَلًا، قَوْلًا وفِعْلًا ولَيْسَ يَعْلُو عَلى مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ إلّا مَقامُ النُّبُوَّةِ. بِحَيْثُ إنَّ مَن تَخَطّى مَقامَ الصِّدِّيقِيَّةِ حَصَلَ في مَقامِ النُّبُوَّةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٥٨] الآيَةَ. فَلَمْ يَجْعَلْ تَعالى بَيْنَ مَرْتَبَتَيِ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى تَتَخَلَّلُهُما. ثُمَّ بَيَّنَ قُدِّسَ سِرُّهُ صِدْقَ الأقْوالِ، وصِدْقَ الأفْعالِ، وصِدْقَ الأحْوالِ.

فالأوَّلُ: هو مُوافَقَةُ الضَّمِيرِ لِلنُّطْقِ. قالَ الجُنَيْدُ: حَقِيقَةُ الصِّدْقِ أنْ تَصْدُقَ في مُواطِنَ لا يُنْجِيكَ فِيهِ إلّا الكَذِبُ. وصِدْقُ الأفْعالِ: هو الوَفاءُ لِلَّهِ بِالعَمَلِ مِن غَيْرِ مُداهَنَةٍ. قالَ المُحاسَبِيُّ: الصّادِقُ هو الَّذِي لا يُبالِي لَوْ خَرَجَ كُلُّ قَدْرٍ لَهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ مِن أجْلِ إصْلاحِ قَلْبِهِ. ولا يُحِبُّ …

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٦] ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، والمَوْصُولِ كِنايَةً عَنْ عِيسى وأُمِّهِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعانِ أنْ يَضُرّاكم بِمِثْلِ ما يَضُرُّكم بِهِ اللَّهُ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ. ولا أنْ يَنْفَعاكم بِمِثْلِ ما يَنْفَعُكم بِهِ مِن صِحَّةِ البَدَنِ والسِّعَةِ والخِصْبِ. ولِأنَّ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البِشْرُ مِنَ المَضارِّ والمَنافِعِ، فَبِإقْدارِ اللَّهِ وتَمْكِينِهِ، فَكَأنَّهُما لا يَمْلِكانِ مِنهُ شَيْئًا. وإيثارُ (ما) عَلى (مَن) لِتَحْقِيقِ ما هو المُرادُ مِن كَوْنِهِما بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ رَأْسًا. بِبَيانِ انْتِظامِهِما في سِلْكِ الأشْياءِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا؛ أيْ: وصِفَةُ الرَّبِّ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ قُدْرَتِهِ. وإنَّما قَدَّمَ (الضُّرَّ) لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ بِالأقْوالِ والعَقائِدِ. فَيُجازِي عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: جَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: أتَعْبُدُونَ عامًّا لِلنَّصارى وغَيْرِهِمْ، أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ العابِدِينَ غَيْرَ اللَّهِ مِن سائِرِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ.

وفِي "تَنْوِيرِ المِقْباسِ" أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ الأصْنامِ خاصَّةً.

وكِلاهُما مِمّا يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ.

الثّانِي: قالَ في "فَتْحِ البَيانِ": إذا كانَ هَذا في حَقِّ عِيسى النَّبِيِّ، فَما ظَنُّكَ بِوَلِيٍّ مِنَ الأوْلِياءِ؟ فَإنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ.

الثّالِثُ: جَعَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ (ما) كِنايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَطْ، والمَقامُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْهُ وعَنْ أُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما أوْضَحَهُ المَهايِمِيُّ واعْتَمَدْناهُ.

الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الحِجاجِ في الدِّينِ؛ فَإنْ كانَ مَعَ الكُفّارِ وأهْلِ البِدَعِ، فَذَلِكَ ظاهِرُ الجَوازِ؛ وإنْ كانَ مَعَ المُؤْمِنِ جازَ بِشَرْطِ أنْ يُقْصَدَ إرْشادُهُ إلى الحَقِّ، لا إنْ قَصَدَ العُلُوَّ فَمَحْظُورٌ. وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا جادَلَ أحَدًا قالَ: اللَّهُمَّ ألْقِ الحَقَّ عَلى لِسانِهِ. أفادَهُ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ.

ولَمّا أقامَ تَعالى الأدِلَّةَ القاهِرَةَ عَلى بُطْلانِ ما تَقُولَهُ النَّصارى، أرْشَدَهم إلى اتِّباعِ الحَقِّ ومُجانَبَةِ الغُلُوِّ الباطِلِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ: الَّذِي هو مِيزانُ العَدْلِ: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ في تَعْظِيمِ عِيسى وأُمِّهِ، وتَرْفَعُوهُما عَنْ رُتْبَتِهِما إلى ما تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِما مِنَ العَظِيمَةِ، فَأدْخَلْتُمْ في دِينِكُمُ اعْتِقادًا غَيْرَ الحَقِّ بِلا دَلِيلٍ عَلَيْهِ، مَعَ تَظاهُرِ الأدِلَّةِ عَلى خِلافِهِ. ونَصَبَ (غَيْرَ) أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ. يَعْنِي غُلُوًّا باطِلًا. أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: مُجاوَزِينَ الحَقَّ. و(الغُلُوُّ) نَقِيضُ التَّقْصِيرِ، ومَعْناهُ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ودِينُ اللَّهِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: (غُلُوٌّ حَقٌّ) كَأنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ؛ و(غُلُوٌّ باطِلٌ) وهو أنْ يَتَجاوَزَ الحَقَّ ويَتَخَطّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ.

قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ لا يَجُوزُ، وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَقِّ إلى الباطِلِ. ومِن هَذا: الغُلُوُّ في الطِّهارَةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، بِالزِّيادَةِ عَلى ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ. انْتَهى.

ومِن هَذا القَبِيلِ الغُلُوُّ في تَعْظِيمِ الصّالِحِينَ وقُبُورِهِمْ حَتّى يُصَيِّرَها كالأوْثانِ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إيّاكم والغُلُوَّ في الدِّينِ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالغُلُوِّ في الدِّينِ»» .

وعَنْ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى ابْنَ مَرْيَمَ، إنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» . أخْرَجاهُ.

ولِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» ! قالَها ثَلاثًا». ثُمَّ نَهاهم تَعالى عَنِ اتِّباعِ سَلَفِهِمْ وأئِمَّتِهِمُ الضّالِّينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: تَقْلِيدًا: أهْواءَ قَوْمٍ تَمَسَّكُوا بِخَوارِقِهِما عَلى إلَهِيَّتِهِما. فَإنْ نَظَرُوا إلى سَبْقِهِمْ فَغايَتُهم أنَّهُمْ: قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ إلى كَثْرَةِ أتْباعِهِمْ فَغايَتُهم أنَّهُمْ: أضَلُّوا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم عَلى التَّثْلِيثِ: "و" إلى تَمَسُّكِهِمْ بِمُتَشابِهاتِ الإنْجِيلِ، فَغايَتُهم أنَّهُمْ: ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ إذْ لَمْ يَرُدُّوها إلى المُحْكَماتِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ:

الأهْواءُ - هَهُنا - المَذاهِبُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشَّهْوَةُ دُونَ الحُجَّةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: ما ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الهَوى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ. قالَ: ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَجِدِ الهَوى يُوضَعُ إلّا في مَوْضِعِ الشَّرِّ. لا يُقالُ: فُلانٌ يَهْوى الخَيْرَ. إنَّما يُقالُ: يُرِيدُ الخَيْرَ ويُحِبُّهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: سُمِّيَ الهَوى …

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٨] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ: لِسانَيْهِما. وأُفْرِدَ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، إنْ أُرِيدَ بِاللِّسانِ الجارِحَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكَلامُ وما نَزَلَ عَلَيْهِما. كَذا في "العِنايَةِ".

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: لَعْنُهُمُ الهائِلُ: ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ واسْتِحْلالِ المَعاصِي.

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩] ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ: لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ ارْتِكابِ المَآثِمِ والمَحارِمِ. ثُمَّ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ لِيُحَذِّرَ مِنَ ارْتِكابِ مِثْلِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِلامِ القَسَمِ. تَعْجِيبًا مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ أدّاهم إلى ما شُرِحَ مِنَ اللَّعْنِ الكَبِيرِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى المَنعِ مِنَ الذَّرائِعِ الَّتِي تُبْطِلُ مَقاصِدَ الشَّرْعِ. لِما رَواهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ الَّذِينَ لَعَنَهم داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ واصْطادُوا الحِيتانَ فِيهِ. وسَتَأْتِي قِصَّتُهم في (الأعْرافِ).

الثّالِثُ: دَلَّتْ أيْضًا عَلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ مِنَ الكَبائِرِ.

الرّابِعُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَعْنى الآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا وقَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في المَعاصِي نَهَتْهم عُلَماؤُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجالَسُوهم في مَجالِسِهِمْ، أوْ في أسْواقِهِمْ، وواكَلُوهم وشارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقالَ: «لا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتّى تَأْطِرُوهم عَلى الحَقِّ أطْرًا» . أيْ: تَعْطِفُوهم عَلَيْهِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْهُ فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ. فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ، ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ. ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ تَقْصُرْنَهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا»» .

زادَ في رِوايَةٍ: «أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، ثُمَّ يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهم».

وكَذا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ ماجَهْ.

والأحادِيثُ في (الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ) كَثِيرَةٌ، ومِمّا يُناسِبُ مِنها هَذا المَقامَ:

ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»» .

وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ …

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٠] ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قالَ الرّازِيُّ: والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ، حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ: وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١]

﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوا لِمَعادِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ. والمَعْنى: ﴿لَبِئْسَ﴾ زادُهم في الآخِرَةِ مُوجِبُ سُخْطِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ: ﴿وفِي العَذابِ﴾ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ. ﴿هم خالِدُونَ﴾

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.