Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم.

قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ.

( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى.

قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. …

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم.

قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ.

( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى.

قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. …

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم.

قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ.

( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى.

قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. …

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم.

قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ.

( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى.

قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. …

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.