Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَطَفَ - سُبْحانَهُ - عَلى ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]؛ قَوْلَهُ - دالًّا عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلَّعْنِ؛ وعَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن شَرِّهِمْ؛ وضَلالِهِمْ؛ بِما فَضَحَهم بِهِ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ؛ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ؛ بِإطْلاعِ شارِعِهِ - عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ - عَلى خَفايا الأسْرارِ -: ﴿وإذا جاءُوكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ وإعادَةُ ضَمِيرِ الفَرِيقَيْنِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم في الحَقِيقَةِ مِنهُمْ؛ ما أفادَتْهم دَعْوى الإيمانِ شَيْئًا عِنْدَ اللَّهِ؛ والعُدُولُ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ دالٌّ عَلى عَطْفِهِ عَلى ما ذَكَرْتُ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْرِفُهم في لَحْنِ القَوْلِ؛ فَلا يَغْتَرُّ بِخِداعِهِمْ؛ ولا يَسْكُنُ إلى مَكْرِهِمْ؛ بِما أُعْطِيَ مِن صِدْقِ الفِراسَةِ؛ وصِحَّةِ التَّوَسُّمِ؛ ﴿قالُوا آمَنّا﴾؛ أيْ: لا تَغْتَرُّوا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمُ الحَسَنِ؛ الخالِي عَنِ البَيانِ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الأفْعالِ؛ فَكَيْفَ بِالمُقْتَرِنِ بِما يَنْفِيهِ مِنها؟! وقَدْ عُلِمَ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِالآيَتَيْنِ السّالِفَتَيْنِ لا يَضُرُّ؛ لِكَوْنِهِما عِلَّةً لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ فَهُما كالجُزْءِ مِنهُ.

ولَمّا ادَّعَوُا الإيمانَ كَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْواهم بِقَوْلِهِ - مُقَرِّبًا لِماضِيهِمْ مِنَ الحالِ؛ رَجاءً لَهم غَيْرَ الدُّخُولِ؛ لِأنَّها تَكادُ تُظْهِرُ ما هم مُخْفُوهُ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّعُ لِلتَّصْرِيحِ بِها -: ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم قَدْ؛ ﴿دَخَلُوا﴾؛ أيْ: إلَيْكُمْ؛ ﴿بِالكُفْرِ﴾؛ مُصاحِبِينَ لَهُ؛ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي لَهم بَعْدَ الدُّخُولِ حُسْنَ الحالِ؛ لِما يَرَوْنَ مِن سَمْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجَلِيلِ؛ وكَلامِهِ العَذْبِ؛ ودِينِهِ العَدْلِ؛ وهَدْيِهِ الحَسَنِ؛ فَلَمْ يَتَأثَّرُوا؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الحَسَدِ المُوجِبِ لِلْعِنادِ؛ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأبْلَغَ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي أخْبَرَتْ بِكُفْرِهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِلْإخْبارِ عَنْ ثَباتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ يُنْكِرُهُ العاقِلُ؛ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ؛ لِسُوءِ ضَمائِرِهِمْ؛ وجِبِلّاتِهِمْ؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِن أحَدٍ مِنكُمْ؛ لا مِنكَ؛ ولا مِن أتْباعِكَ؛ ﴿قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾؛ أيْ: الكُفْرِ؛ بَعْدَ دُخُولِهِمْ؛ ورُؤْيَةِ ما رَأوْا مِنَ الخَيْرِ؛ دالًّا عَلى قُوَّةِ عِنادِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلثَّباتِ؛ وذَكَرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ؛ وهم بِما أظْهَرُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُخْفِي ما أضْمَرُوا.

ولَمّا كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الفَسادِ والمَكْرِ بِالإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ ما يَطُولُ شَرْحُهُ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وبِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِمَّنْ تَوَسَّمَ فِيهِمُ النِّفاقَ؛ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الدَّواعِي العَظِيمَةِ لِلْفَسادِ؛ ﴿يَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا وغَيْرِهِ؛ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ؛ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

ولَمّا كَذَّبَهم في دَعْوى الإيمانِ؛ أقامَ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِمَن لَهُ الصَّبْرُ التّامُّ؛ مُفِيدًا أنَّهُ أطْلَعَهُ ﷺ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهُمْ؛ مِمّا يَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]؛ إطْلاعًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وقَدْ أخْبَرْنا غَيْرَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما نَعْلَمُ مِنهم مِن ذَلِكَ؛ وأمّا أنْتَ فَتَرى ما في قُلُوبِهِمْ بِما آتَيْناكَ مِنَ الكَشْفِ -: ﴿وتَرى﴾؛ أيْ: لا تَزالُ يَتَجَدَّدُ لَكَ ذَلِكَ؛ ﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ والكُفّارِ؛ مُنافِقِهِمْ؛ ومُصارِحِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالعَجَلَةِ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا في شَيْءٍ لَهُ وقْتانِ؛ وقْتٌ لائِقٌ؛ ووَقْتٌ غَيْرُ لائِقٍ؛ والإثْمُ لا يَتَأتّى فِيهِ ذَلِكَ؛ قالَ: ﴿يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ في تَهالُكِهِمْ عَلى ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُناظِرُ خَصْمًا في السُّرْعَةِ فِيما هو فِيهِ مُحِقٌّ؛ وعالِمٌ بِأنَّهُ في غايَةِ الخَيْرِ؛ وكانَ المَوْضِعَ لِأنْ يُعَبِّرُ بِالضَّمِيرِ؛ فَيُقالَ: ”فِيهِ“ - أيْ: الكُفْرِ؛ فَعَبَّرَ عَنْهُ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ إفادَةً لِأنَّ كُفْرَهم عَنْ حِيلَةٍ هي في غايَةِ الرَّداءَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الإثْمِ﴾؛ أيْ: كُلِّ ما يُوجِبُ إثْمًا مِنَ الذُّنُوبِ؛ وخَصَّ مِنهُ أعْظَمَهُ؛ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾؛ أيْ: مُجاوَزَةِ الحَدِّ في ذَلِكَ الَّذِي أعْظَمُهُ الشِّرْكُ؛ ثُمَّ حَقَّقَ الأمْرَ وصَوَّرَهُ بِما يَكُونُ لِوُضُوحِهِ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن إقْدامِهِمْ عَلى الحَرامِ؛ الَّذِي لا تُمْكِنُ مَعَهُ صِحَّةُ القَلْبِ أصْلًا؛ ولا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ؛ فَقالَ: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أيْ: الحَرامَ؛ الَّذِي يَسْتَأْصِلُ البَرَكَةَ مِن أصْلِها؛ فَيَمْحَقُها؛ ومِنهُ الرَّشْوَةُ؛ وكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ما أصَرُّوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِجَمِيعِهِ؟! فَكَيْفَ بِالمُسارَعَةِ فِيهِ؟! ولِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا غايَةَ الذَّمِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا﴾؛ ولَمّا كانُوا يَزْعُمُونَ العِلْمَ؛ عَبَّرَ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالعَمَلِ؛ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ مِنَ الأُمِّيِّينَ وأهْلِ الكِتابِ قَدْ صارُوا شَيْئًا واحِدًا في الِانْحِيازِ إلى المُصارِحِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَأنْزَلَ فِيهِمْ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الآياتِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ حَتّى تَبَيَّنَتْ أحْوالُهُمْ؛ وانْكَشَفَ زَيْغُهُمْ؛ ومِحالُهم - أنْكَرَ - عَلى مَن يُودِعُونَهم أسْرارَهُمْ؛ ويَمْنَحُونَهم مَوَدَّتَهم وأخْبارَهُمْ؛ مِن عُلَمائِهِمْ؛ وزُهّادِهِمْ - عَدَمَ أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِكَوْنِهِمْ جَدِيرِينَ بِذَلِكَ؛ لِما يَزْعُمُونَهُ مِنَ اتِّباعِ كِتابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْلا﴾؛ أيْ: هَلّا؛ ولِمَ لا؛ ﴿يَنْهاهُمُ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ النَّهْيَ؛ ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾؛ أيْ: المُدَّعُونَ لِلتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا إلى سَبِيلِ الرَّبِّ؛ ﴿والأحْبارُ﴾؛ أيْ: العُلَماءُ؛ ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾؛ أيْ: الكَذِبِ الَّذِي يُوجِبُهُ؛ وهو مُجْمِعٌ لَهُ؛ ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤]؛ وقَوْلَهم لَهُمْ: ﴿إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]؛ لا يَخْلُو عَنْ كَذِبٍ؛ وهو مُحَرَّمٌ في تَوْراتِهِمْ؛ وكَذا أكْلُهُمُ الحَرامَ؛ فَما سُكُوتُهم عَنْهم في ذَلِكَ إلّا لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى المَعاصِي؛ وتَمَرُّدِهِمْ في الكُفْرِ؛ واسْتِهانَتِهِمْ بِالجُرْأةِ عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ولا يَبْقى لِمَن عاداهُ باقِيَةٌ.

ولَمّا كانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ الإنْكارُ عَلى مَن خالَفَهُ؛ كانَتِ الفِطْرَةُ الأُولى مُطابِقَةً لِما أتَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَباحَةِ الكَذِبِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الفُسُوقِ؛ وكانَ الإنْسانُ لا يَنْزِلُ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ إلى السُّكُوتِ عَنِ الفاسِقِينَ؛ فَضْلًا عَنْ تَحْسِينِ أحْوالِهِمْ إلّا بِتَدَرُّبٍ طَوِيلٍ وتَمَرُّنٍ عَظِيمٍ؛ حَتّى يَصِيرَ لَهُ ذَلِكَ كالصِّفَةِ الَّتِي صارَتْ بِالتَّدْرِيبِ صَنْعَةً يَأْلَفُها؛ ومَلَكَةً لا يَتَكَلَّفُها؛ فَجَعَلَ ذَنْبَ المُرْتَكِبِ لِلْمَعْصِيَةِ غَيْرَ راسِخٍ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ تَدْعُوهُ إلَيْها؛ وذَنْبَ التّارِكِ لِلنَّهْيِ راسِخًا لِأنَّهُ لا شَهْوَةَ لَهُ تَدْعُوهُ إلى التَّرْكِ؛ بَلْ مَعَهُ حامِلٌ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ؛ تَحُثُّهُ عَلى النَّهْيِ؛ فَكانَ أشَدَّ حالًا؛ قالَ: ﴿لَبِئْسَ ما﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ في جِبِلّاتِهِمْ؛ عَبَّرَ بِالكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أيْ: في سُكُوتِهِمْ عَنْهُمْ؛ وسَماعِهِمْ مِنهم.

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

ولَمّا لَمْ تَزَلِ الدَّلائِلُ عَلى إبْطالِ دَعْوى أهْلِ الكِتابِ في البُنُوَّةِ والمَحَبَّةِ تَقُومُ؛ وجُيُوشُ البَراهِينِ تُنْجِدُ؛ حَتّى انْتَشَبَتْ فِيهِمْ سِهامُ الكَلامِ أيَّ انْتِشابٍ؛ قالَ (تَعالى) - مُعَجِّبًا مِن عامَّتِهِمْ؛ بَعْدَ تَعْيِينِ خاصَّتِهِمْ؛ مُعْلِمًا بِأنَّهم لَمْ يَقْنَعُوا بِالسُّكُوتِ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَكَلَّمُوا بِأنْكَرِهِ؛ مُشِيرًا إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ؛ ودَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ؛ بِأداةِ التَّأْنِيثِ -: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾؛ مُعَبِّرِينَ عَنِ البُخْلِ؛ والعَجْزِ؛ جُرْأةً وجَهْلًا؛ بِأنْ قالُوا - ذاكِرِينَ اليَدَ لِأنَّها مَوْضِعُ القُدْرَةِ؛ وإفاضَةِ الجُودِ والنُّصْرَةِ -: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَعْلَمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مَغْلُولَةٌ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَبْسُطُ الرِّزْقَ غايَةَ البَسْطِ؛ وهَذا كِنايَةٌ عَنِ البُخْلِ؛ والعَجْزِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَدْلُولِ كُلٍّ مِن ألْفاظِهِ عَلى حِيالِهِ أصْلًا؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]؛ ولَمْ يَقْصِدْ مِن ذَلِكَ غَيْرَ الجُودِ وضِدِّهِ؛ لا غَلٌّ ولا عُنُقٌ ولا بَسْطٌ أصْلًا؛ بَلْ صارَ هَذا الكَلامُ عِبارَةً عَمّا وقَعَ مَجازًا عَنْهُ؛ كَأنَّهُما مُتَعَقِّبانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ؛ حَتّى لَوْ جادَ الأقْطَعُ إلى المَنكِبِ لَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ مِنهُ الِاسْتِواءُ؛ ”وقالَتْ: في السَّماءِ“؛ المُرادُ مِنهُ - كَما قالَهُ العُلَماءُ - أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الأوْثانِ؛ قالَ في الكَشّافِ: ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ عَمِيَ عَنْ تَبَصُّرِ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ولَمْ يَتَخَلَّصْ عَنْ يَدِ الطّاعِنِ إذا عَبِثَتْ بِهِ.

ولَمّا نَطَقُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ؛ وفاهُوا بِتِلْكَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ؛ أخْبَرَ عَمّا جازاهم بِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى صُورَةِ ما كانَ العَرَبُ يُقابِلُونَ بِهِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ مِنَ الدُّعاءِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ إفادَةً لِتَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَعْلِيمًا لَنا كَيْفَ نَدْعُو عَلَيْهِمْ؛ ولَمْ يُسَبِّبْهُ عَمّا قَبْلَهُ بِالفاءِ تَقْوِيَةً لَهُ؛ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ -: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾؛ دُعاءً مَقْبُولًا؛ وخَبَرًا صادِقًا؛ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ فَلا تَكادُ تَجِدُ فِيهِمْ كَرِيمًا؛ ولا شُجاعًا؛ ولا حاذِقًا في فَنٍّ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ ثَمَرَةٌ؛ ﴿ولُعِنُوا﴾؛ أيْ: أُبْعِدُوا مَطْرُودِينَ عَنِ الجَنابِ الكَرِيمِ؛ ﴿بِما قالُوا﴾؛ والمَعْنى أنَّهم كَما رَأوْا أحْوالَ المُنافِقِينَ المَقْضِيِّ في التَّوْراةِ بِأنَّها إثْمٌ؛ وأقَرُّوا عَلَيْها؛ فَكَذَلِكَ نَطَقَ بَعْضُهم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ؛ الَّتِي لا أفْظَعَ مِنها؛ وسَكَتَ عَلَيْهِ الباقُونَ؛ فَشارَكُوهُ؛ ولَمّا كانَ الغَلُّ كِنايَةً عَنِ البُخْلِ؛ وعَدَمِ الإنْفاقِ؛ وكانَ الدُّعاءُ بِغَلِّهِمْ ولَعْنِهِمْ مُتَضَمِّنًا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قالُوا؛ تَرْجَمَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ﴾؛ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ؛ وعَنْ كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ؛ ﴿مَبْسُوطَتانِ﴾؛ مُشِيرًا بِالتَّثْنِيَةِ إلى غايَةِ الجُودِ؛ لِيَكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ في قَطْعِ تَعَنُّتِهِمْ؛ وتَكْذِيبِ قَوْلِهِمْ.

ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا إثْباتَ ما نَفَوْهُ عَلى أبْلَغِ الأحْوالِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ؛ مُعَرِّفًا أنَّهُ في إنْفاقِهِ مُخْتارٌ؛ فَلا غَرْوَ أنْ يَبْسُطَ لِبَعْضٍ …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

ولَمّا أثْبَتَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أنَّهم كانُوا كَفَرَةً قَبْلَ إتْيانِ هَذا الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكَرَّرَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخِزْيِ الدّائِمِ؛ عَلى نَحْوِ ما أخْبَرَهم بِهِ كِتابُهُمْ؛ وعَظَهُمْ؛ ورَجّاهم - سُبْحانَهُ -؛ اسْتِعْطافًا لَهُمْ؛ لِئَلّا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ؛ عَلى عادَةٍ مِنهُ في رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ؛ ورَأْفَتِهِ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَوْ أنَّهم كَفُّوا عَنْ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظائِمِ لاضْمَحَلَّتْ صَغائِرُهُمْ؛ فَلَمْ تَكُنْ لَهم سَيِّئاتٌ“ -: ﴿ولَوْ أنَّ﴾؛ ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِنَ العالِمِ أقْبَحَ؛ قالَ: ﴿أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الفَرِيقَيْنِ مِنهُمْ؛ ولَمّا كانَ الإيمانُ أساسَ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ قَدَّمَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ لا نَجاةَ لِأحَدٍ إلّا بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ هَذا مَعَ أنَّهُ حَقِيقٌ بِاشْتِدادِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ لِمُبالَغَتِهِمْ في كِتْمانِ ما عِنْدَهم مِنهُ ﷺ فَقالَ: ﴿آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن هَذا الهُدى؛ ﴿واتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما هُدِّدُوا بِهِ في كِتابِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ؛ عَلى حَسَبِ ما دَعاهم إلَيْهِ كِتابُهُمْ؛ كَما في قِصَّةِ إسْماعِيلَ؛ وغَيْرِها؛ إلى أنْ كانَ آخِرُ ما فارَقَهم عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ كِتابِهِمُ التَّصْرِيحَ بِنُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإشارَةَ إلى أنَّ اتِّباعَهُ أحَقُّ مِنَ اتِّباعِهِ؛ فَقالَ: (جاءَ رَبُّنا مِن سَيْناءَ؛ وشَرَّقَ مِن ساعِيرَ؛ وتَبَدّى مِن جِبالِ فارانَ - فَأضافَ الرَّبَّ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلَ الإتْيانَ مِن جِبال فارانَ - الَّتِي هي مَكَّةُ؛ لا نِزاعَ لَهم في ذَلِكَ - تَبَدِّيًا وظُهُورًا؛ أيْ: لا خَفاءَ بِهِ بِوَجْهٍ؛ ولا ظُهُورَ أتَمُّ مِنهُ؛ ﴿لَكَفَّرْنا﴾؛ وأشارَ إلى عَظِيمِ جُرْأتِهِمْ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي ارْتَكَبُوها قَبْلَ مَجِيئِهِ؛ وهي مِمّا يَسُوءُ؛ أيْ: يَشْتَدُّ تَنَكُّرُ النَّفْسِ لَهُ؛ أوْ تَكَرُّهُها؛ وأشارَ إلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ وأنَّها لا تَضِيقُ عَنْ شَيْءٍ أرادَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿ولأدْخَلْناهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ؛ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أيْ: بَدَلَ ما هم فِيهِ مِن هَذا الشَّقاءِ الَّذِي لا يُدانِيهِ شَقاءٌ.

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ما فَعَلُوا ذَلِكَ؛ فَألْزَمْناهُمُ الخِزْيَ في الدُّنْيا؛ والعَذابَ الدّائِمَ في الآخِرَةِ؛ وكانَ هَذا إجْمالًا لِحالَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ وكانَ مَحَطُّ نَظَرِهِمُ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ رَجَعَ - بَعْدَ إرْشادِهِمْ إلى إصْلاحِ الحالَةِ الأُخْرَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ في نَفْسِها - إلى سَبَبِ قَوْلِهِمْ تِلْكَ الكَلِمَةَ الشَّنْعاءَ؛ والدّاهِيَةَ القَبِيحَةَ الصَّلْعاءَ؛ وهو تَقْتِيرُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ؛ وبَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ إنَّما هو مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾؛ أيْ: قَبْلَ إنْزالِ الإنْجِيلِ؛ بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما دَعَتْ إلَيْهِ؛ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ وثَباتٍ عَلَيْها؛ وانْتِقالٍ عَنْها؛ ﴿والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِهِ كَذَلِكَ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ التَّوْراةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ المُبَشِّرَةِ بِعِيسى؛ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِنَ القُرْآنِ بَعْدَ إنْزالِهِ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُبَشِّرٌ بِهِ؛ وداعٍ إلَيْهِ؛ ﴿لأكَلُوا﴾؛ أيْ: لِتَيَسَّرَ لَهُمُ الرِّزْقُ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مِن“؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ جِهَةِ المَأْكُولِ؛ لا الأكْلُ؛ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ التَّوْسِعَةِ؛ قالَ - مُوَضِّحًا لَهُ؛ مُعَبِّرًا بِالأحْسَنِ؛ لِيُفْهَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى -: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾؛ أيْ: تَيَسُّرًا واسِعًا جِدًّا؛ مُتَّصِلًا؛ لا يُحْصَرُ؛ أوْ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ؛ فَبَيَّنَ ذَلِكَ أنَّهُ ما ضَرَبَهم بِالذُّلِّ والمَسْكَنَةِ إلّا تَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِهِ في التَّوْراةِ؛ قالَ مُتَرْجِمُها في السِّفْرِ الخامِسِ ”الدُّعاءُ والبَرَكاتُ“: (وإنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ وحَفِظْتُمْ؛ وعَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ الوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ؛ فَتَصِيرُوا إلى هَذا الدُّعاءِ؛ يُبارِكُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنكم في القَرْيَةِ؛ والحَقْلِ؛ يُبارِكُ في أوْلادِكُمْ؛ وأرْضِكُمْ؛ يُبارِكُ لَكم في بَهائِمِكُمْ؛ وما يَضَعُ في أقَطاعِ بَقَرِكُمْ؛ وأحْزابِ غَنَمِكُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا دَخَلْتُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا خَرَجْتُمْ؛ ويَدْفَعُ إلَيْكُمُ اللَّهُ أعْداءَكم أُسارى؛ يَخْرُجُونَ إلَيْكم في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ ويَهْرُبُونَ مِنكم في سَبْعَةِ طُرُقٍ؛ يَأْمُرُ اللَّهُ بِبَرَكاتِهِ في أهْرائِكُمْ؛ وفي جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي تَمُدُّونَ أيْدِيَكم إلَيْها؛ ويَنْظُرُ إلَيْكم جَمِيعُ شُعُوبِ الأرْضِ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ اسْمَ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ؛ وقَدْ وُسِمْتُمْ بِهِ؛ فَيَخافُونَكُمْ؛ ويَزِيدُكُمُ الرَّبُّ خَيْرًا؛ ويُبارِكُ في ثِمارِ أرْضِكُمْ؛ يَفْتَحُ اللَّهُ رَبُّكم أهْراءَ السَّماءِ؛ ويَهْبِطُ المَطَرُ عَلى أهْلِهِ في زَمانِهِ؛ وتَتَسَلَّطُونَ عَلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ؛ ولا يَتَسَلَّطُ عَلَيْكم أحَدٌ؛ ويُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ رَأْسًا؛ ولا يُصَيِّرُكم ذَنَبًا؛ وتَصِيرُونَ فَوْقَ؛ ولا تَصِيرُونَ أسْفَلَ؛ إذا عَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ وصايا اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَرُوغُوا عَنْها يُمْنَةً ولا يُسْرَةً؛ ولا تَتَّبِعُوا الشُّعُوبَ؛ ولا تَعْبُدُوا آلِهَتَها؛ وإنْ أنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَحْفَظُوا؛ ولَمْ تَعْمَلُوا بِجَمِيعِ سُنَنِهِ؛ ووَصاياهُ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُنْزِلُ بِكم هَذا اللَّعْنَ الَّذِي أقُصُّ عَلَيْكم كُلَّهُ؛ ويُدْرِكُكُمُ العِقابُ؛ …

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ وعُلِمَ مِنهُ أنَّ مَن أُرِيدَتْ سَعادَتُهُ يُؤْمِنُ؛ ولا بُدَّ؛ ومَن أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا؛ ومَن أقامَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ سَعِدَ؛ ومَن كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنهُ شَقِيَ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما فَتَرَ عَنِ الإبْلاغِ؛ قَرَنَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ قَوْلَهُ - حاثًّا عَلى الإبْلاغِ لِإسْعادِ مَن أُرِيدَ لِلسَّعادَةِ؛ وهُمُ الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ مِنهُمْ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلًا؛ وكَذا إبْلاغِ جَمِيعِ مَن عَداهم -: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَوْضُوعُ أمْرِهِ البَلاغُ؛ ﴿بَلِّغْ﴾؛ أيْ: أوْصِلْ إلى مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا؛ ولا خائِفٍ شَيْئًا؛ لِتَعْلَمَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛ ويُهْدى عَلى يَدِكَ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ؛ فَيَكُونَ لَكَ مِثْلُ أجْرِهِ.

ولَمّا كانَ إبْلاغُ ما يُخالِفُ الأهْواءَ مِنَ الشِّدَّةِ عَلى النُّفُوسِ بِمَكانٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا ذَوُو الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والأخْلاقِ الزّاكِيَةِ؛ كانَ المَقامُ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِتَأْكِيدِ الحَثِّ عَلى الإبْلاغِ؛ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الحالِ؛ والعامِلِ فِيها؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى داعِيَةٍ؛ هي الرَّدْعُ؛ بِأنْ قالَ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾؛ أيْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ أوْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ؛ ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ”ما“؛ تَقَعُ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِمّا أُنْزِلَ؛ فَلَوْ تُرِكَ مِنهُ حَرْفٌ واحِدٌ صَدَقَ نَفْيُ البَلاغِ لِما أنْزَلَ؛ ولِأنَّ بَعْضَها لَيْسَ بِأوْلى بِالإبْلاغِ مِن بَعْضٍ؛ فَمَن أغْفَلَ شَيْئًا مِنها فَكَأنَّهُ أغْفَلَ الكُلُّ؛ كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها؛ لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ الآخَرُ؛ فَكانَتْ لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ والمَعْنى: فَلَنُجازِيَنَّكَ؛ ولَكِنَّهُ كَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ؛ إجْلالًا لَهُ ﷺ وإفادَةً لِأنَّ المُؤاخَذَةَ تَقَعُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الجُزْءِ.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم يُسَعِّرُونَ الحُرُوبَ؛ ويَسْعَوْنَ في إيقاعِ أشَدِّ الكُرُوبِ؛ وكانَ ذَلِكَ - وإنْ وعَدَ - سُبْحانَهُ - بِإخْمادِهِ عِنْدَ إيقادِهِ - لا يَمْنَعُ مِن تَجْوِيزِ أنَّهُ لا يُخْمَدُ إلّا بَعْدَ قَتْلِ ناسٍ وجِراحِ آخَرِينَ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ وهو يُنَقِّصُ أدْيانَهم خِيفَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: بَلِّغْ أنْتَ والحالُ أنَّ الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ؛ وهو المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿يَعْصِمُكَ﴾؛ أيْ: يَمْنَعُكَ مَنعًا تامًّا؛ ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: مِن أنْ يَقْتُلُوكَ قَبْلَ إتْمامِ البَلاغِ؛ وظُهُورِ الدِّينِ؛ فَلا مانِعَ مِن إبْلاغِ شَيْءٍ مِنها لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ كائِنًا مَن كانَ. ولَمّا آذَنَ ضَمانَ العِصْمَةِ بِالمُخالَفَةِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَنْفَعُهُ البَلاغُ؛ فَهو لا يُؤْمِنُ؛ فَلا يَزالُ يَبْغِي الغَوائِلَ؛ أقَرَّ عَلى هَذا الفَهْمِ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ في عِلْمِ اللَّهِ؛ مُطابَقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]؛ ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ في عِلْمِهِ؛ المُشارَ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالتَّبْلِيغِ العامِّ؛ أمَرَهُ بِنَوْعٍ مِنهُ عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ما خُتِمَتْ بِهِ آيَةُ التَّبْلِيغِ مِن عَدَمِ الهِدايَةِ لِمَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ؛ ويُبْطِلُ - مَعَ تَأْكِيدِهِ - هَذِهِ الدَّعْوى؛ قَوْلَهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ فَقالَ - مُرَهِّبًا لَهُمْ؛ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في إقامَتِهِ -: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ ؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سارٍّ؛ أوْ يُعْتَدُّ بِهِ؛ مِن دُنْيا ولا آخِرَةٍ؛ لِأنَّهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ لِبُطْلانِهِ لا يُسَمّى شَيْئًا أصْلًا؛ ﴿حَتّى تُقِيمُوا﴾؛ أيْ: بِالعَمَلِ بِالقَلْبِ؛ والقالَبِ؛ ﴿التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾؛ وما فِيهِما مِنَ الإيمانِ بِعِيسى؛ ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالإشارَةِ إلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ؛ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الإشْراقِ مِن ساعِيرَ؛ والظُّهُورِ مِن فارانَ؛ وبِالإشارَةِ بِالعُمُومِ إلى تَصْدِيقِ كُلِّ مَن أتى بِالمُعْجِزِ؛ وصَدَّقَ ما قَبْلَهُ مِن مِنهاجِ الرُّسُلِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ﴾؛ ولَمّا كانَ ما عِنْدَهم إنَّما أُوتِيَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ؛ عَدّاهُ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإنْزالِهِ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِكم مِنَ البِشارَةِ بِهِما؛ وعَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ؛ مِمّا يُصَدِّقُ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَهُ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ: ”لِأنَّ أكْثَرَهم هالِكٌ“؛ صَرَّحَ بِهِ دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَلَيُؤْمِنَنَّ بِهِ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُمْ“؛ فَقالَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: ما عِنْدَهم مِنَ الكُفْرِ بِما في كِتابِهِمْ؛ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾؛ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ ﴿طُغْيانًا﴾؛ تَجاوُزًا شَدِيدًا لِلْحَدِّ؛ ﴿وكُفْرًا﴾؛ أيْ: سَتْرًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ.

ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ سَلّاهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إعْلامِ اللَّهِ لَكَ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ؛ ثُمَّ عَنْ وُقُوعِهِ كَما أخْبَرَ؛ أنْ تَعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَقالَ لَكَ: لا ﴿تَأْسَ﴾؛ أيْ: تَحْزَنْ؛ ﴿عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: عَلى فَواتِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَضُرُّوا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ رَبَّكَ العَلِيمَ القَدِيرَ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأقْبَلَ بِهِمْ إلَيْكَ؛ والحاصِلُ أنَّهُ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْلُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”بَلِّغْ؛ فَإنَّ اللَّهَ هو الهادِي المُضِلُّ؛ فَلا تَحْزَنْ عَلى مَن أدْبَرَ“.

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

ولَمّا كانَ ما مَضى في هَذِهِ السُّورَةِ غالِبًا؛ في فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ لا سِيَّما اليَهُودَ؛ وبَيانِ أنَّهم عَضُّوا عَلى الكُفْرِ؛ ومَرَدُوا عَلى الجَحْدِ؛ وتَمَرَّنُوا عَلى البُهْتِ؛ وعَتَوْا عَنْ أوامِرِ اللَّهِ؛ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِأنَّهُ رُبَّما حُدِّثَ في الخاطِرِ أنَّهُ إنْ آمَنَ مِنهم أحَدٌ ما يُقْبَلُ؛ أوْ لِأنْ يَقُولُوا هُمْ: لَيْسَ في دُعائِنا حِينَئِذٍ فائِدَةٌ؛ فَلا تَدْعُنا؛ أخْبَرَ أنَّ البابَ مَفْتُوحٌ لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِهِ إلّا عَدَمُ الإخْلاصِ؛ فَإذا أخْلَصَ أُذِنَ في دُخُولِهِ؛ ونُودِيَ بِقَبُولِهِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أحْسَنُ -: لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم بِالزِّيادَةِ في الكُفْرِ؛ رَغَّبَ القِسْمَ الآخَرَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ مَعَهم كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الأمْرَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ وأمْرًا؛ ونَهْيًا - خاصٌّ بِهِمْ؛ فَوَقَعَ الإعْلامُ بِأنَّهم وغَيْرَهم مِن جَمِيعِ الفِرَقِ في ذَلِكَ سَواءٌ؛ تَشْرِيفًا لِمِقْدارِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ وإحاطَةِ الرِّسالَةِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: قالُوا: آمَنّا؛ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودَ؛ ﴿والصّابِئُونَ﴾؛ أيْ: القائِلُونَ بِالأوْثانِ السَّماوِيَّةِ؛ والأصْنامِ الأرْضِيَّةِ؛ ﴿والنَّصارى﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّباعَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَمّا كانَ اليَهُودُ قَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ؛ مُتَقَرِّبِينَ بِها إلى النُّجُومِ؛ في اسْتِنْزالِ الرُّوحانِيّاتِ؛ انْهِماكًا في السِّحْرِ؛ الَّذِي جاءَ نَبِيُّهم مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِإبْطالِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ هو مَعْنى دِينِ الصّابِئَةِ؛ وفَرَّقَ بَيْنَ فَرِيقَيْ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِمْ؛ مُكْتَفِيًا بِهِمْ عَنْ ذِكْرِ بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ؛ لِما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ ولِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن ذَمِّ اليَهُودِ؛ بِالنَّقْضِ لِلْمِيثاقِ؛ والكُفْرِ؛ واللَّعْنِ؛ والقَسْوَةِ؛ وتَكَرُّرِ الخِيانَةِ؛ وإخْفاءِ الكِتابِ؛ والمُسارَعَةِ في الكُفْرِ؛ والنِّفاقِ؛ والتَّخْصِيصِ بِالكُفْرِ؛ والظُّلْمِ؛ والفِسْقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّامّاتِ ما يَسُدُّ الأسْماعَ؛ كانَ قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ جَدِيرًا بِالإنْكارِ؛ وكانُوا هم يُنْكِرُونَ - عِنادًا - فَلاحَ العَرَبِ؛ مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن؛ فاقْتَضى الحالُ كَوْنَ الفَرِيقَيْنِ في حَيِّزِ التَّأْكِيدِ؛ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لِلصّابِئَةِ ذِكْرٌ هُنا؛ فَأُخْرِجُوا مِنهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقامَ لا يَقْتَضِيهِ لَهُمْ؛ فابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمُ اعْتِراضًا؛ ودَلَّ عَلى الخَبَرِ عَنْهم بِخَبَرِ ”إنَّ“؛ أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْغِيبِ في التَّوْبَةِ؛ وجَعْلِ هَؤُلاءِ؛ مَعَ شَناعَةِ حالِهِمْ بِظُهُورِ ضَلالِهِمْ؛ كَمَن لا إنْكارَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ؛ كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ حالُ النَّصارى مُشْتَبِهًا؛ جُعِلُوا في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِلْعَطْفِ عَلى اليَهُودِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن ذَمِّهِمْ؛ وعَلى الصّابِئَةِ؛ لِخِفَّةِ حالِهِمْ؛ بِأنَّهم - مَعَ أنَّ أصْلُ دِينِهِمْ صَحِيحٌ - لَمْ يَبْلُغْ ذَمُّهُمُ السّابِقُ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْلَغَ ذَمِّ اليَهُودِ؛ ﴿مَن آمَنَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مُخْلِصًا مِن قَلْبِهِ؛ ولَعَلَّهُ تَرَكَ الجارَّ إعْراقًا في التَّعْمِيمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ العِبادُ بِأرْواحِهِمْ؛ وأشْباحِهِمْ؛ ويُبْعَثُ مَن ذَكَرَهُ …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ - الصّادِقَةُ مِنَ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ الَّذِي أهْلُ الكِتابِ أعْرَفُ النّاسِ بِهِ - لِمَن آمَنَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ مُوجِبَةً لِلدُّخُولِ في الإيمانِ؛ والتَّعَجُّبِ مِمَّنْ لَمْ يُسارِعْ إلَيْهِ؛ وكانَ أكْثَرُ أهْلِ الكِتابِ إنَّما يُسارِعُونَ في الكُفْرِ؛ كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِتَذَكُّرِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]؛ وزِيادَةِ العَجَبِ مِنهُمْ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ فَأعادَ - سُبْحانَهُ - الإخْبارَ بِهِ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ؛ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ وساقَهُ عَلى وجْهٍ يَرُدُّ دَعْوى البُنُوَّةِ؛ والمَحَبَّةِ؛ مُلْتَفِتًا - مَعَ التَّذْكِيرِ بِأوَّلِ قَصَصِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ - إلى أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ وعَبَّرَ في مَوْضِعِ الجَلالَةِ بِـ ”نُونِ العَظَمَةِ“؛ وجَعَلَ بَدَلَ النُّقَباءِ الرُّسُلَ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿لَقَدْ أخَذْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ ثُمَّ بِمَن يَأْتِي بِالمُعْجِزِ؛ مُصَدِّقًا لِما عِنْدَهُ؛ بِحَيْثُ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مِن رُسُلِ اللَّهِ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أخْذُ العَهْدِ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بِهِمْ؛ ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ - في مَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾؛ أيْ: لَمْ نَكْتَفِ بِهَذا العَهْدِ؛ بَلْ لَمْ نُخْلِهِمْ مِن بَعْدِ مُوسى مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُرُونَهُمُ الآياتِ؛ ويُجَدِّدُونَ لَهم أوامِرَ الرَّبِّ؛ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ البُخارِيُّ؛ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومُسْلِمٌ؛ في المَغازِي؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ؛ كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ؛ وإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؛ وسَيَكُونُ خُلَفاءُ فَيَكْثُرُونَ“؛ قالُوا: فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: ”فُوا بِبَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ؛ وأعْطُوهم حَقَّهُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ سائِلُهم عَمّا اسْتَرْعاهُمْ“؛» انْتَهى.

ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْلُ لَهم زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الكُفْرِ؛ لا في زَمَنِ مُوسى؛ ولا في زَمَنِ مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ حَتّى قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ؟ -: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾؛ أيْ: مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ أيَّ رَسُولٍ كانَ؛ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾؛ أيْ: بِشَيْءٍ لا تُحِبُّهُ نُفُوسُهُمْ؛ مَحَبَّةً تَتَساقَطُ بِها إلَيْهِ؛ خالَفُوهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ مُخالَفَةٍ؟ فَقِيلَ: ﴿فَرِيقًا﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ؛ ﴿كَذَّبُوا﴾؛ أيْ: كَذَّبَهم بَنُو إسْرائِيلَ؛ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ ودَلَّ عَلى شِدَّةِ بَشاعَةِ القَتْلِ؛ وعَظِيمِ شَناعَتِهِ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ؛ تَصْوِيرًا لِلْحالِ الماضِيَةِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا دَيْدَنُهُمْ؛ وهُوَ أشَدُّ مِنَ التَّكْذِيبِ؛ فَقالَ: ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾؛ أيْ: مَعَ التَّكْذِيبِ؛ ولِيَدُلَّ عَلى ما وقَعَ مِنهم في سَمِّ النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لِلدَّلالَةِ عَلى انْحِصارِ أمْرِهِمْ في حالِ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ؛ فَلا حَظَّ لَهم في تَصْدِيقٍ مُخالِفٍ لِأهْوِيَتِهِمْ؛

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.