Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١] ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾

﴿وإذا جاءُوكُمْ﴾ يَعْنِي سَفَلَةَ اليَهُودِ، ويُقالُ: المُنافِقُونَ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: بِكَ ونَعْتِكَ أنَّهُ في كِتابِنا: ﴿وقَدْ دَخَلُوا﴾ إلَيْكم مُتَلَبِّسِينَ: ﴿بِالكُفْرِ﴾ بِكُفْرِ السِّرِّ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا﴾ أيْ: مِن عِنْدِكم مُتَلَبِّسِينَ: ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِكُفْرِ السِّرِّ، فَهم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم.

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيِ: اليَهُودِ: ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ أيِ: الحَرامِ، كالكَذِبِ والعِصْيانِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِنَ النّاسِ: ﴿والعُدْوانِ﴾ أيِ: الظُّلْمِ والِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ: الحَرامَ كالرِّشا. وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في الإثْمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْبِيحِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الرِّشا؛ لِأنَّ ذَلِكَ ورَدَ في كُبَرائِهِمْ أنَّهم يَسْتَرْشُونَ في تَغْيِيرِ الحُكْمِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِمّا ذُكِرَ.

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣] ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا: ﴿يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ أيِ: الزُّهّادُ مِنهم والعِبادُ: ﴿والأحْبارُ﴾ أيِ: العُلَماءُ: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾ أيِ: الكَذِبَ: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ: الرَّشْوَةَ، المَفْسَدَةَ أمْرِ العالَمِ كُلِّهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ مِن تَرْهُّبِهِمْ وتَعَلُّمِهِمْ لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ. أوْ مِن تَرْكِهِمْ نَهْيَهم. وهَذا الذَّمُّ المَقُولُ فِيهِمْ، أبْلَغُ مِمّا قِيلَ في حَقِّ عامَّتِهِمْ. أوَّلًا: لِأنَّهُ لَمّا عَبَّرَ عَنِ الواقِعِ المَذْمُومِ مِن مُرْتَكِبِي المَناكِيرِ بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ ذَمَّهُ بِالصِّناعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ - كانَ هَذا الذَّمُّ أشَدَّ. لِأنَّهُ جَعَلَ المَذْمُومَ عَلَيْهِ صِناعَةً لَهم ولِلرُّؤَساءِ، وحِرْفَةً لازِمَةً، هم فِيها أمْكَنُ مِن أصْحابِ المَناكِيرِ في أعْمالِهِمْ.

وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: كَأنَّهم جُعِلُوا آثَمَ مِن مُرْتَكِبِي المَناكِيرِ، لِأنَّ كُلَّ عامِلٍ لا يُسَمّى صانِعًا، ولا كُلَّ عَمَلٍ يُسَمّى صِناعَةً، حَتّى يُتَمَكَّنَ فِيهِ ويُتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وكَأنَّ المَعْنى في ذَلِكَ، أنَّ مُواقِعَ المَعْصِيَةِ مَعَهُ الشَّهْوَةُ الَّتِي تَدْعُوهُ إلَيْها وتَحْمِلُهُ عَلى ارْتِكابِها. وأمّا الَّذِي يَنْهاهُ، فَلا شَهْوَةَ مَعَهُ في فِعْلِ غَيْرِهِ. فَإذا فَرَّطَ في الإنْكارِ كانَ أشَدَّ حالًا مِنَ المُواقِعِ. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَعَمْرِي! إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا يَقِذُ السّامِعَ ويَنْعِي عَلى العُلَماءِ تَوانِيَهم. انْتَهى.

وفِي "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ النُّهى عَنِ المُنْكَرِ عَلى العُلَماءِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ بِهِمْ.

وقالَ البَيْضاوِيُّ: فِيها تَحْضِيضٌ لِعُلَمائِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ (لَوْلا) إذا دَخَلَ عَلى الماضِي أفادَ التَّوْبِيخَ، وإذا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ أفادَ التَّحْضِيضَ.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدَّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ قالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ! إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِرُكُوبِهِمُ المَعاصِيَ ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ. فَلَمّا تَمادَوْا أخَذَتْهُمُ العُقُوباتُ. فَمُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ. واعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يَقْطَعُ رِزْقًا ولا يُقَرِّبُ أجَلًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جَرِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَن يَعْمَلُ بِالمَعاصِي، هم أعَزُّ مِنهُ وأمْنَعُ. ولَمْ يُغَيِّرُوا، إلّا أصابَهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعَذابٍ».

ولَفْظُ أبِي داوُدَ عَنْهُ، مَرْفُوعًا: «ما مِن رَجُلٍ يَكُونُ في قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي، يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ فَلا يُغَيِّرُوا، إلّا أصابَهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ قَبْلَ أنْ يَمُوتُوا».

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾

﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ شاسُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ. فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: نَزَلَتْ في فِنْحاصَ، رَأْسِ يَهُودِ قَيْنُقاعَ، وتَقَدَّمَ أنَّهُ الَّذِي قالَ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ. فَضَرَبَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَيَكُونُ أُرِيدَ بِالآيَةِ هُنا، ما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ المَذْكُورِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا لَمْ يُنْكِرُ عَلى القائِلِ قَوْمُهُ ورَضُوا بِهِ، نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا. وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهم. و(غُلُّ اليَدِ وبَسْطُها): مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها﴾ [الإسراء: ٢٩] قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ. لا سِيَّما لِدَفْعِ المالِ ولِإنْفاقِهِ. فَأطْلَقُوا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وأسْنَدُوا الجُودَ والبُخْلَ إلى اليَدِ والبَنانِ والكَفِّ والأنامِلِ. فَقِيلَ لِلْجَوادِ: فَيّاضُ الكَفِّ. مَبْسُوطُ اليَدِ، وسَبْطُ البَنانِ نَزِهُ الأنامِلِ. ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: كَزُّ الأصابِعِ، مَقْبُوضُ الكَفِّ، جَعْدُ الأنامِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ أوْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ أوْ بِغُلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً. يُغَلُّونَ أيْ: تُشَدُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ أُسارى في الدُّنْيا ومَسْحُوبِينَ إلى النّارِ في الآخِرَةِ: ﴿ولُعِنُوا﴾ أيْ: أُبْعِدُوا عَنِ الرَّحْمَةِ فَلا يُوَفَّقُونَ لِلتَّوْبَةِ: ﴿بِما قالُوا﴾ مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَصِحُّ في حَقِّ اللَّهِ حَقِيقَةً ولا مَجازًا: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أيْ: بِأنْواعِ العَطايا المُخْتَلِفَةِ. وثَنّى (اليَدَ) مُبالَغَةً في الرَّدِّ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ تَعالى، وإثْباتًا لِغايَةِ الجُودِ، فَإنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ مِن مالِهِ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، مُنَبَّهٌ عَلى أنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ، المَبْنِيَّةِ عَلى الحُكْمِ، الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ.

وهاهُنا مَباحِثُ:

الأوَّلُ: ما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تابَعَهُ - مِن أنَّ إثْباتَ اليَدِ لا يَصِحُّ حَقِيقَةً لَهُ تَعالى - فَإنَّهُ نَزْعَةٌ كَلامِيَّةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

قالَ الإمامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في "شَرْحِ المُوَطَّأِ": أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ كُلِّها في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، والإيمانِ بِها، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ. إلّا أنَّهم لا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً. وأمّا أهْلُ البِدَعِ، الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ كُلُّها، والخَوارِجُ، فَكُلُّهم يُنْكِرُها ولا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنها عَلى الحَقِيقَةِ. ويَزْعُمُ أنَّ …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ﴾ أيْ: مَعَ ما عَدَّدْنا مِن سَيِّئاتِهِمْ: ﴿آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ: ﴿واتَّقَوْا﴾ مُباشَرَةَ الكَبائِرِ: ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَهُمْ: ﴿ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ في الآخِرَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ. وفِيهِ إعْلامٌ بِعِظَمِ مَعاصِي اليَهُودِ والنَّصارى وكَثْرَةِ سَيِّئاتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَتْحِهِ بابَ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ عاصٍ، وإنْ عَظُمَتْ مَعاصِيهِ وبَلَغَتْ مَبالِغَ سَيِّئاتِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وإنْ جَلَّ. وأنَّ الكِتابِيَّ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ما لَمْ يُسْلِمْ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى، كَما قالَ الحَسَنُ: هَذا العَمُودُ، فَأيْنَ الأطْنابُ؟ انْتَهى.

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في "الِانْتِصافِ": هو يَنْتَهِزُ الفُرْصَةَ مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ فَيَجْعَلُهُ دَلِيلًا عَلى قاعِدَتِهِ، في أنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ لا يُنْجِي مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، حَتّى يَنْضافَ إلَيْهِ التَّقْوى. لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المَجْمُوعَ في هَذِهِ الآيَةِ شَرْطًا لِلتَّكْفِيرِ ولِإدْخالِ الجَنَّةِ. وظاهِرُهُ أنَّهُما ما لَمْ يَجْتَمِعا لا يُوجَدُ تَكْفِيرٌ ولا دُخُولُ الجَنَّةِ. وأنّى لَهُ ذَلِكَ؟ والإجْماعُ والِاتِّفاقُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، والمُعْتَزِلَةِ - عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ ويَمْحُوهُ كَما ورَدَ النَّصُّ. فَلَوْ فَرَضْنا مَوْتَ الدّاخِلِ في الإيمانِ عَقِيبَ دُخُولِهِ فِيهِ، لَكانَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ - بِاتِّفاقٍ - مُكَفَّرَ الخَطايا مَحْكُومًا لَهُ بِالجَنَّةِ. فَدَلَّ عَلى أنَّ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، هَذا إنْ كانَ المُرادُ بِالتَّقْوى الأعْمالَ. وإنْ كانَتِ التَّقْوى - عَلى أصْلِ مَوْضِعِها - الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهَذا المَعْنى ثابِتٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وإنْ قارَفَ الكَبائِرَ وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ لِلزَّمَخْشَرِيِّ مِنهُ غَرَضٌ. وما هَذا إلّا إلْحاحٌ ولَجاجٌ في مُخالَفَةِ المُعْتَقَدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ وإنْ زَنى أوْ سَرَقَ. كَرَّرَها النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا، ثُمَّ قالَ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي ذَرٍّ»» . لَمّا راجَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في ذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ القَدَرِيَّةِ. انْتَهى.

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾

﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا أحْكامَهُما وحُدُودَهُما وما فِيهِما مِن نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أصْلُ الإقامَةِ الثَّباتُ في المَكانِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ إقامَةُ الشَّيْءِ لِتَوْفِيَةِ حَقِّهِ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بَيَّنُوا ما بَيَّنَ لَهم رَبُّهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ويُقالُ: أقَرُّوا بِجُمْلَةِ الكُتُبِ والرُّسُلِ مِن رَبِّهِمْ، ويُقالُ: هو القُرْآنُ: ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهُمْ، بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، ويُكْثِرَ ثَمَرَةَ الأشْجارِ وغَلَّةَ الزُّرُوعِ، أوْ يَرْزُقَهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارِ، فَيَجْتَنُونَها مِن رَأْسِ الشَّجَرِ، ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ. وجَعْلُ (مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ) بِمَعْنى الأمْطارِ والأنْهارِ الَّتِي تَحْصُلُ بِها أقْواتُهم - بَعِيدٌ مِنَ الأكْلِ. والأقْرَبُ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ المُتَقَدِّمَةُ. ونَبَّهَ تَعالى بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الضَّنْكِ والضَّيِّقِ، إنَّما هو بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ. وكُفْرِهِمْ، لا لِقُصُورٍ في فَيْضِ الكَرِيمِ، تَعالى. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِسَعَةِ الرِّزْقِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآياتِ. ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ زِيادِ بْنِ لَبِيدٍ أنَّهُ قالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقالَ: «وذاكَ عِنْدَ ذَهابِ العِلْمِ» . قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وكَيْفَ يَذْهَبُ العِلْمُ ونَحْنُ نَقْرَأُ القُرْآنَ ونُقْرِئُهُ أبْناءَنا، ويُقْرِئُهُ أبْناؤُنا أبْناءَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فَقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ أُمِّ لَبِيَدٍ! إنْ كُنْتُ لَأراكَ مِن أفْقَهِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ. أوَلَيْسَ هَذِهِ اليَهُودُ والنَّصارى يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، لا يَنْتَفِعُونَ مِمّا فِيهِما بِشَيْءٍ»» .

وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: «أوَلَيْسَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِأيْدِي اليَهُودِ والنَّصارى؟ فَما أغْنى عَنْهم حِينَ تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ».

﴿مِنهم أُمَّةٌ﴾ أيْ: طائِفَةٌ: ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ أيْ: عادِلَةُ مُسْتَقِيمَةٌ، وهم مَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ والنَّجاشِيِّ وسَلْمانَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ﴾ أيْ: بِئْسَ: ﴿ما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن تَحْرِيفِ الحَقِّ والإعْراضِ عَنْهُ والإفْراطِ في العَداوَةِ. والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ نُودِيَ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَشْرِيفًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّها مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِمّا يُفَصِّلُ مَساوِئَ الكُفّارِ، ومِن قِتالِهِمْ، والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، غَيْرَ مُراقِبٍ في التَّبْلِيغِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيْ: ما تُؤْمَرُ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ، سَتْرًا لِبَعْضِ مَساوِئِهِمْ: ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا أُرْسِلْتَ بِهِ. لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ. فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا. كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها، كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها.

قالَ في "الِانْتِصافِ": ولَمّا كانَ عَدَمُ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرًّا في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ، يُنْقَمُ عَلى مُرْتَكِبِهِ، بَلْ عَدَمُ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ، فَضْلًا عَنْ كِتْمانِ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ - اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ. وإنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وحَسُنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا بِقَوْلِهِ: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ. حَتّى يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَغايِرًا، وهَذِهِ المُغايَرَةُ اللَّفْظِيَّةُ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً، مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ. وهَذا الفَصْلُ كاللُّبابِ مِن عِلْمِ البَيانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِحِفْظِهِ مِن لُحُوقِ ضَرَرٍ بِرُوحِهِ الشَّرِيفَةِ، باعِثٌ لَهُ عَلى الجِدِّ فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِعَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعِصْمَتِهِ، أيْ: لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقَ الإساءَةِ إلَيْكَ، فَما عُذْرُكَ في مُراقَبَتِهِمْ؟

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: لا خَفاءَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَلَّغَ البَلاغَ التّامَّ، وقامَ بِهِ أتَمَّ القِيامِ، وثَبَتَ في الشَّدائِدِ وهو مَطْلُوبٌ، وصَبَرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وهو مَكْرُوبٌ ومَحْرُوبٌ، وقَدْ لَقِيَ بِمَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ ما يُشِيبُ النَّواصِيَ، ويَهُدُّ الصَّياصِيَ. وهُوَ، مَعَ الضَّعْفِ، يُصابِرُ صَبْرَ المُسْتَعْلِي، ويَثْبُتُ ثَباتَ المُسْتَوْلِي، ثُمَّ انْتَصَبَ لِجِهادِ الأعْداءِ وقَدْ أحاطُوا بِجِهاتِهِ، وأحْدَقُوا بِجَنْباتِهِ، وصارَ بِإثْخانِهِ في الأعْداءِ مَحْذُورًا، وبِالرُّعْبِ مِنهُ مَنصُورًا، حَتّى أصْبَحَ سِراجُ الدِّينِ وهّاجًا، ودَخَلَ النّاسُ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ لِمَسْرُوقٍ: مَن حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ.

وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْها أيْضًا …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الدِّينِ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: تُراعُوهُما وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ واتِّباعُهُ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ:

مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: تَعْمَلُوا طِبْقَ الواجِبِ بِأحْكامِهِما، وتُحْيُوا شَرائِعَهُما، وتُطِيعُوا أوامِرَهُما، وتَنْتَهُوا بِنَواهِيهِما. فَإنَّ الإقامَةَ هي الإتْيانُ بِالعَمَلِ عَلى أحْسَنِ أوْجُهِهِ، كَإقامَةِ الصَّلاةِ مَثَلًا. أيْ: فِعْلُها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِها. ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ القَصَصُ الَّتِي فِيهِما ولا العَقائِدُ ونَحْوَها فَإنَّها لَيْسَتْ عَمَلِيَّةً. والمُرادُ أنْ يَعْمَلُوا بِما بَقِيَ عِنْدَهم مِن أحْكامِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى عِلّاتِهِ وعَلى ما بِهِ مِن نَقْصٍ وتَحْرِيفٍ وزِيادَةٍ. فَإنَّ شَرائِعَ هَذِهِ الكُتُبِ وأوامِرَها ونَواهِيَها هي أقَلُّ أقْسامِها تَحْرِيفًا، وأكْثَرُ التَّحْرِيفِ في القِصَصِ والأخْبارِ والعَقائِدِ وما ماثَلَها، وهي لا تَدْخُلُ في الأمْرِ بِالإقامَةِ. ولا شَكَّ أنَّ أحْكامَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما فِيهِما مِن شَرائِعَ ومَواعِظَ ونَصائِحَ ونَحْوِها، لا تَزالُ فِيهِما أشْياءُ كَثِيرَةٌ لا عَيْبَ فِيها، ونافِعَةٌ لِلْبَشَرِ وفِيها هِدايَةٌ عُظْمى لِلنّاسِ، فَهي مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] فَإذا أقامَ أهْلُ الكِتابِ أحْكامَهُما عَلى عِلّاتِها كانُوا لا شَكَّ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى دِينًا. وإذا لَمْ يُقِيمُوها وجَرُوا عَلى خِلافِهِما، كانُوا مُجَرَّدِينَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى دِينًا. وكانُوا مُشاغِبِينَ مُعانِدِينَ، وبِدِينِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ إيمانًا كامِلًا. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ. فَأيُّ شَيْءٍ في هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وعَلى وُجُودِهِما كامِلَيْنِ، كَما يَدَّعِي ذَلِكَ المُكابِرُونَ مِن أهْلِهِما، وخُصُوصًا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]

ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الحَقِيقِيَّيْنِ. وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ البَحْثَ والتَّنْقِيبَ والجِدَّ والِاجْتِهادَ في نَقْدِ ما عِنْدَهم مِنهُما نَقْدًا عَقْلِيًّا تارِيخِيًّا صَحِيحًا، حَتّى يَسْتَخْلِصُوا حَقَّهُما مِن باطِلِهِما بِقَدْرِ الإمْكانِ، ونَتِيجَةُ ذَلِكَ العَناءِ كُلِّهِ، أنْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وهَذا أمْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ولَوِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ لَأراحُوا واسْتَراحُوا. ولَكِنَّهم - كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم - لا يَزِيدُهُمُ القُرْآنُ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا حَسَدًا وعِنادًا فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ. ولا يَهْتَمُّ جُمْهُورُهم بِإصْلاحِ دِينِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ وتَنْقِيَتِهِ مِنَ الشَّوائِبِ. فَلَمْ يُدْرِكُوا خَيْرَ هَذا ولا ذاكَ. فَكَأنَّ الآيَةَ تُرِيهِمْ أنَّهم إذا لَمْ يَتَّبِعُوا القُرْآنَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ القِيامُ بِعِبْءٍ ثَقِيلٍ جِدًّا مِنَ البَحْثِ …

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيما يَسْتَقْبِلُهم مِنَ العَذابِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ إذا خافَ المُقَصِّرُونَ وحَزِنُوا عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ.

لَطائِفُ:

الأوَّلُ: (الصّابِئُونَ) رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ. وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. والنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ (إنَّ) مِنَ اسْمِها وخَبَرِها. كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حَكَمَهم كَذا. والصّائِبُونَ كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ شاهِدًا لَهُ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ: فاعْلَمُوا أنا بُغاةٌ، وأنْتُمْ كَذَلِكَ. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ إلّا لِفائِدَةٍ، فَما فائِدَةُ التَّقْدِيمِ؟ قُلْتُ: فائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الصّابِئِينَ يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِمْ؟ وذَلِكَ أنَّ الصّابِئِينَ أبْيَنُ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ ضَلالًا وأشَدُّهم غَيًّا، وما سُمُّوا صابِئِينَ إلّا لِأنَّهم صَبَئُوا عَنِ الأدْيانِ كُلِّها. أيْ: خَرَجُوا. كَما أنَّ الشّاعِرَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (وأنْتُمْ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ أوْغَلُ في الوَصْفِ بِالبُغاةِ مِن قَوْمِهِ. مَعَ كَوْنِهِمْ أوْغَلَ فِيهِ مِنهم وأثْبَتَ قَدَمًا. انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ":

ثَمَّةَ سُؤالٌ، وهو أنْ يُقالَ: لَوْ عَطَفَ (الصّابِئِينَ) ونَصَبَهُ - كَما قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - لَأفادَ أيْضًا دُخُولَهم في جُمْلَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ، ولَفُهِمَ مِن تَقْدِيمِ ذِكْرِهِمْ عَلى (النَّصارى) ما يُفْهَمُ مِنَ الرَّفْعِ مِن أنَّ هَؤُلاءِ الصّابِئِينَ - وهم أوْغَلُ النّاسِ في الكُفْرِ - يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَما الظَّنُّ بِالنَّصارى؟ ولَكانَ الكَلامُ جُمْلَةً واحِدَةً بَلِيغًا مُخْتَصَرًا، والعَطْفُ إفْرادِيٌّ. فَلِمَ عَدَلَ إلى الرَّفْعِ وجَعَلَ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ؟ وهو يَمْتازُ بِفائِدَةٍ عَلى النَّصْبِ والعَطْفِ الإفْرادِيِّ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنَّهُ لَوْ نَصَبَهُ وعَطَفَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إفْهامُ خُصُوصِيَّةٍ لِهَذا الصِّنْفِ. لِأنَّ الأصْنافَ كُلَّها مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وهَذا الصِّنْفُ مِن جُمْلَتِها، والخَبَرُ عَنْها واحِدٌ. وأمّا مَعَ الرَّفْعِ فَيَنْقَطِعُ عَنِ العَطْفِ الإفْرادِيِّ وتَبْقى بَقِيَّةُ الأصْنافِ مُخَصَّصَةً بِالخَبَرِ المَعْطُوفِ بِهِ. ويَكُونُ خَبَرُ هَذا الصِّنْفِ المُنْفَرِدِ بِمَعْزِلٍ. تَقْدِيرُهُ مَثَلًا (والصّابِئُونَ كَذَلِكَ) فَجِيءَ كَأنَّهُ مَقِيسٌ عَلى بَقِيَّةِ الأصْنافِ ومُلْحَقٌ بِها. وهو بِهَذِهِ المَثابَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا اسْتَقَرَّ بَعْدَ الأصْنافِ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَكانُوا أحِقّاءَ بِجَعْلِهِمْ تَبَعًا وفَرْعًا مُشَبَّهِينَ بِمَن هم أقْعَدُ مِنهم بِهَذا الخَبَرِ، وفائِدَةُ التَّقْدِيمِ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ مِن ذِكْرِهِ، بَعْدَ تَقَضِّي الكَلامِ وتَمامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِيَةُ: - فَإنْ قُلْتَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: مَن آمَنَ مِنهم كَيْفَ يَقَعُ خَبَرًا عَنْ: الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا، وهو يَقْتَضِي انْقِسامَ المُؤْمِنِينَ إلى مُؤْمِنِينَ وغَيْرِ مُؤْمِنِينَ؟

أُجِيبُكَ بِأنَّ …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠] ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾

﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيَقِفُوهم عَلى ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ في دِينِهِمْ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: بِما يُخالِفُ هَواهم ويُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ. مَعَ أنَّ وضْعَ الرِّسالَةِ، الدَّعْوَةُ إلى مُخالَفَةِ الهَوى: ﴿فَرِيقًا﴾ مِنهُمْ: ﴿كَذَّبُوا﴾ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِهِمْ: ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ بَعْدَ التَّكْذِيبِ سَدًّا لِدَعْوَتِهِمْ إلى ما يُخالِفُ أهَوِيَتَهم.

لَطِيفَتانِ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ومِمّا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ الجَوابِ أنَّهُ جاءَ ظاهِرًا في الآيَةِ الأُخْرى، وهي تَوْأمَةُ هَذِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] فَأوْقَعَ قَوْلَهُ: اسْتَكْبَرْتُمْ جَوابًا. ثُمَّ فَسَّرَ اسْتِكْبارَهم وصَنِيعَهم بِالأنْبِياءِ بِقَتْلِ البَعْضِ وتَكْذِيبِ البَعْضِ. فَلَوْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَهُنا الجَوابَ المَحْذُوفَ مِثْلَ المَنطُوقِ بِهِ في أُخْتِ الآيَةِ فَقالَ: وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمُ اسْتَكْبَرُوا، لَكانَ أوْلى، لِدَلالَةِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ.

الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْ قُلْتَ: لِمَ جِيءَ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ ماضِيًا وبِالآخَرِ مُضارِعًا؟ قُلْتُ: جِيءَ: يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ، لِلتَّعْجِيبِ مِنها.

قالَ في "الِانْتِصافِ": أوْ يَكُونُ حالًا عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهم دارُوا حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَدْ قِيلَ هَذا الوَجْهُ في أُخْتِ هَذِهِ الآيَةِ في (البَقَرَةِ)؛ وقَدْ مَضى وجْهُ اقْتِضاءِ صِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ دُونَ الماضِي، وتَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] فَعَدَلَ عَنْ (فَأصْبَحَتْ) إلى (فَتُصْبِحُ) تَصْوِيرًا لِلْحالِ واسْتِحْضارًا لَها في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ:

؎بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوِي بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ

؎فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ

وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ. انْتَهى.

قالَ الخَفاجِيُّ: اقْتَصَرَ العَلّامَةُ هُنا عَلى حِكايَةِ حالِ أسْلافِهِمْ، لِقَرِينَةِ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ، وتَرَكَ تِلْكَ الآيَةَ - يَعْنِي آيَةَ البَقَرَةِ - عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِقَرِينَةِ ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ. لِيَكُونَ تَوْبِيخًا وتَعْبِيرًا لِلْحاضِرِينَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ. ولِذا عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَتَأمَّلْ.

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.