Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ.

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ.

قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ:

؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا

وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ …

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ.

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ.

قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ:

؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا

وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ …

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ.

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ.

قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ:

؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا

وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ …

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ

؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ

فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ.

قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ

؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ

فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ.

قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. …

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ

؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ

فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ.

قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى.

قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. …

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

العُمُومُ الكائِنُ في ( ما أُنْزِلَ ) يُفِيدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ لا يَكْتُمُ مِنهُ شَيْئًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسِرَّ إلى أحَدٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْئًا، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ كَذَبَ» . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ وهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السِّوائِيِّ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ مِمّا لَيْسَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في القُرْآنِ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ.

( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ بَلْ كَتَمْتَ ولَوْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ ( ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ) .

قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا شُعْبَةَ ( رِسالَتَهُ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الشّامِ ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمْعِ، قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُبَيِّنُهُ انْتَهى. وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ نَفْيَ التَّبْلِيغِ عَنِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ عَنِ الرِّسالاتِ، كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، وقالَ لَهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ: هَلْ بَلَّغْتُ ؟ فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَيانِ، فَجَزاهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ دَفْعًا لِما يُظَنُّ أنَّهُ حامِلٌ عَلى كَتْمِ البَيانِ، وهو خَوْفُ لِحُوقِ الضَّرَرِ مِنَ النّاسِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ بَيَّنَ لِعِبادِ اللَّهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ التَّمامِ، ثُمَّ حَمَلَ مَن أبى مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ طَوْعًا أوْ كُرْهًا وقَتَلَ صَنادِيدَ الشِّرْكِ وفَرَّقَ جُمُوعَهم وبَدَّدَ شَمْلَهم، وكانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَأسْلَمَ كُلُّ مَن نازَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ السَّيْفُ العَذَلَ حَتّى قالَ يَوْمَ الفَتْحِ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ وأكابِرِهِمْ: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ،» وهَكَذا مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنايَةُ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، إنْ قامَ بِبَيانِ حُجَجِ اللَّهِ وإيضاحِ بَراهِينِهِ، وصَرَخَ بَيْنَ ظَهَرانَيْ مَن ضادَّ اللَّهَ وعانَدَهُ ولَمْ يَمْتَثِلْ لِشَرْعِهِ كَطَوائِفِ المُبْتَدَعَةِ، وقَدْ رَأيْنا مِن هَذا في أنْفُسِنا وسَمِعْناهُ في غَيْرِنا ما يَزِيدُ المُؤْمِنَ إيمانًا وصَلابَةً في دِينِ اللَّهِ وشِدَّةَ شَكِيمَةٍ في القِيامِ بِحُجَّةِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَظُنُّهُ مُتَزَلْزِلُو الأقْدامِ ومُضْطَرِبُو القُلُوبِ مِن نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِمْ وحُصُولِ المِحَنِ عَلَيْهِمْ فَهو خَيالاتٌ مُخْتَلَّةٌ وتَوَهُّماتٌ باطِلَةٌ، فَإنَّ كُلَّ مِحْنَةٍ في الظّاهِرِ هي مِحْنَةٌ في …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ:

؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:

؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ …

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.