Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ مِن مَجْلِسِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَلْبِهِمْ شَيْءٌ مِن دَلائِلِكَ وتَقْرِيراتِكَ ونَصائِحِكَ وتَذْكِيراتِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ يُفِيدُ بَقاءَ الكُفْرِ مَعَهم حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَغْيِيرٍ فِيهِ ألْبَتَّةَ، كَما تَقُولُ: دَخَلَ زَيْدٌ بِثَوْبِهِ وخَرَجَ بِهِ، أيْ بَقِيَ ثَوْبُهُ حالَ الخُرُوجِ كَما كانَ حالَ الدُّخُولِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ عِنْدَ الدُّخُولِ كَلِمَةَ: ”قَدْ“ فَقالَ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ وذَكَرَ عِنْدَ الخُرُوجِ كَلِمَةَ ”هم“ فَقالَ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ قالُوا: الفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”قَدْ“ تَقْرِيبُ الماضِي مِنَ الحالِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”هم“ التَّأْكِيدُ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ فِعْلٌ، أيْ لَمْ يَسْمَعُوا مِنكَ يا مُحَمَّدُ عِنْدَ جُلُوسِهِمْ مَعَكَ ما يُوجِبُ كُفْرًا، فَتَكُونَ أنْتَ الَّذِي ألْقَيْتَهم في الكُفْرِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، وبالَغَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الإضافَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ.

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ فِيما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ في المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ بِهِمْ والبُغْضِ والعَداوَةِ لَهم.

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في

صفحة ٣٤

تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

مَعْنى (لَوْلا) هَهُنا التَّخْصِيصُ والتَّوْبِيخُ، وهو بِمَعْنى هَلّا، والكَلامُ في تَفْسِيرِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ قَدْ تَقَدَّمَ،قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم ما نَهَوْا سَفَلَتَهم وعَوامَّهم عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ مُرْتَكِبِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَمَّ تارِكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المُقْدِمِينَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِ السُّحْتِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ في العُلَماءِ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصُّنْعُ أقْوى مِنَ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ إنَّما يُسَمّى صِناعَةً إذا صارَ مُسْتَقِرًّا راسِخًا مُتَمَكِّنًا، فَجَعَلَ جُرْمَ العامِلِينَ ذَنْبًا غَيْرَ راسِخٍ، وذَنْبَ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ذَنْبًا راسِخًا، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَرَضُ الرُّوحِ، وعِلاجُهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ وبِأحْكامِهِ، فَإذا حَصَلَ هَذا العِلْمُ وما زالَتِ المَعْصِيَةُ كانَ مِثْلَ المَرَضِ الَّذِي شَرِبَ صاحِبُهُ الدَّواءَ فَما زالَ، فَكَما أنَّ هُناكَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ المَرَضَ صَعْبٌ شَدِيدٌ لا يَكادُ يَزُولُ، فَكَذَلِكَ العالِمُ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفَ عِنْدِي مِنها واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في

صفحة ٣٤

تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

مَعْنى (لَوْلا) هَهُنا التَّخْصِيصُ والتَّوْبِيخُ، وهو بِمَعْنى هَلّا، والكَلامُ في تَفْسِيرِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ قَدْ تَقَدَّمَ،قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم ما نَهَوْا سَفَلَتَهم وعَوامَّهم عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ مُرْتَكِبِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَمَّ تارِكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المُقْدِمِينَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِ السُّحْتِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ في العُلَماءِ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصُّنْعُ أقْوى مِنَ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ إنَّما يُسَمّى صِناعَةً إذا صارَ مُسْتَقِرًّا راسِخًا مُتَمَكِّنًا، فَجَعَلَ جُرْمَ العامِلِينَ ذَنْبًا غَيْرَ راسِخٍ، وذَنْبَ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ذَنْبًا راسِخًا، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَرَضُ الرُّوحِ، وعِلاجُهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ وبِأحْكامِهِ، فَإذا حَصَلَ هَذا العِلْمُ وما زالَتِ المَعْصِيَةُ كانَ مِثْلَ المَرَضِ الَّذِي شَرِبَ صاحِبُهُ الدَّواءَ فَما زالَ، فَكَما أنَّ هُناكَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ المَرَضَ صَعْبٌ شَدِيدٌ لا يَكادُ يَزُولُ، فَكَذَلِكَ العالِمُ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفَ عِنْدِي مِنها واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

صفحة ٣٥

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا المَوْضِعِ إشْكالٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ونَرى اليَهُودَ مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى أنّا لا نَقُولُ ذَلِكَ ولا نَعْتَقِدُهُ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا المَذْهَبُ الَّذِي يُحْكى عَنِ العُقَلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قَوْلٌ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا (اللَّهُ) اسْمٌ لِمَوْجُودٍ قَدِيمٍ، وقادِرٍ عَلى خَلْقِ العالَمِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذا المَوْجُودُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ مَغْلُولَةً وقُدْرَتُهُ مُقَيَّدَةً وقاصِرَةً، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ مَعَ القُدْرَةِ النّاقِصَةِ حِفْظُ العالَمِ وتَدْبِيرُهُ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ الإشْكالُ الشَّدِيدُ في كَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ هَذا النَّقْلِ وهَذِهِ الرِّوايَةِ، فَنَقُولُ: عِنْدَنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] قالُوا: لَوِ احْتاجَ إلى القَرْضِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، فَلَمّا حَكَمُوا بِأنَّ الإلَهَ الَّذِي يَسْتَقْرِضُ شَيْئًا مِن عِبادِهِ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدَيْنِ، لا جَرَمَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.

الثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ الشِّدَّةِ والفَقْرِ والحاجَةِ قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدِ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.

الثّالِثُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اليَهُودُ كانُوا أكْثَرَ النّاسِ مالًا وثَرْوَةً، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وكَذَّبُوا بِهِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَعِيشَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ اليَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ الصِّفَةِ بِالبُخْلِ، والجاهِلُ إذا وقَعَ في البَلاءِ والشِّدَّةِ والمِحْنَةِ يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الألْفاظِ.

الرّابِعُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ عَلى مَذْهَبِ الفَلْسَفَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مُوجِبٌ لِذاتِهِ، وأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ عَنْهُ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ وسُنَنٍ واحِدٍ، وأنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْها تَقَعُ، فَعَبَّرُوا عَنْ عَدَمِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِغِلِّ اليَدِ.

الخامِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ هو قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا إلّا بِقَدْرِ الأيّامِ الَّتِي عَبَدْنا العِجْلَ فِيها، إلّا أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ مُعَذِّبٍ لَهم إلّا في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفاسِدَةِ، واسْتَوْجَبُوا اللَّعْنَ بِسَبَبِ فَسادِ العِبارَةِ وعَدَمِ رِعايَةِ الأدَبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ صَحِيحَةٌ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ لا سِيَّما …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

صفحة ٣٥

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا المَوْضِعِ إشْكالٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ونَرى اليَهُودَ مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى أنّا لا نَقُولُ ذَلِكَ ولا نَعْتَقِدُهُ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا المَذْهَبُ الَّذِي يُحْكى عَنِ العُقَلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قَوْلٌ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا (اللَّهُ) اسْمٌ لِمَوْجُودٍ قَدِيمٍ، وقادِرٍ عَلى خَلْقِ العالَمِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذا المَوْجُودُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ مَغْلُولَةً وقُدْرَتُهُ مُقَيَّدَةً وقاصِرَةً، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ مَعَ القُدْرَةِ النّاقِصَةِ حِفْظُ العالَمِ وتَدْبِيرُهُ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ الإشْكالُ الشَّدِيدُ في كَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ هَذا النَّقْلِ وهَذِهِ الرِّوايَةِ، فَنَقُولُ: عِنْدَنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] قالُوا: لَوِ احْتاجَ إلى القَرْضِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، فَلَمّا حَكَمُوا بِأنَّ الإلَهَ الَّذِي يَسْتَقْرِضُ شَيْئًا مِن عِبادِهِ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدَيْنِ، لا جَرَمَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.

الثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ الشِّدَّةِ والفَقْرِ والحاجَةِ قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدِ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.

الثّالِثُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اليَهُودُ كانُوا أكْثَرَ النّاسِ مالًا وثَرْوَةً، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وكَذَّبُوا بِهِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَعِيشَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ اليَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ الصِّفَةِ بِالبُخْلِ، والجاهِلُ إذا وقَعَ في البَلاءِ والشِّدَّةِ والمِحْنَةِ يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الألْفاظِ.

الرّابِعُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ عَلى مَذْهَبِ الفَلْسَفَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مُوجِبٌ لِذاتِهِ، وأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ عَنْهُ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ وسُنَنٍ واحِدٍ، وأنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْها تَقَعُ، فَعَبَّرُوا عَنْ عَدَمِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِغِلِّ اليَدِ.

الخامِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ هو قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا إلّا بِقَدْرِ الأيّامِ الَّتِي عَبَدْنا العِجْلَ فِيها، إلّا أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ مُعَذِّبٍ لَهم إلّا في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفاسِدَةِ، واسْتَوْجَبُوا اللَّعْنَ بِسَبَبِ فَسادِ العِبارَةِ وعَدَمِ رِعايَةِ الأدَبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ صَحِيحَةٌ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ لا سِيَّما …

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في ذَمِّهِمْ وفي تَهْجِينِ طَرِيقَتِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم لَوْ آمَنُوا واتَّقَوْا لَوَجَدُوا سَعاداتِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: أحَدُهُما: رَفْعُ العِقابِ.

والثّانِي: إيصالُ الثَّوابِ، أمّا رَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ وأمّا إيصالُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: الإيمانُ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإعْطاءِ الحَسَناتِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَرْطَ التَّقْوى ؟

صفحة ٤٠

قُلْنا: المُرادُ كَوْنُهُ آتِيًا بِالإيمانِ لِغَرَضِ التَّقْوى والطّاعَةِ، لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الأغْراضِ العاجِلَةِ مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَفازُوا بِسَعاداتِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَفازُوا بِسَعاداتِ الدُّنْيا ووَجَدُوا طَيِّباتِها وخَيْراتِها، وفي إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها مِنَ الوَفاءِ بِعُهُودِ اللَّهِ فِيها، ومِنَ الإقْرارِ بِاشْتِمالِها في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وثانِيها: إقامَةُ التَّوْراةِ إقامَةُ أحْكامِها وحُدُودِها كَما يُقالُ: أقامَ الصَّلاةَ إذا قامَ بِحُقُوقِها، ولا يُقالُ لِمَن لَمْ يُوفِ بِشَرائِطِها: إنَّهُ أقامَها.

وثالِثُها: أقامُوها نُصْبَ أعْيُنِهِمْ لِئَلّا يَزِلُّوا في شَيْءٍ مِن حُدُودِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها حَسَنَةٌ لَكِنَّ الأوَّلَ أحْسَنُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ.

والثّانِي: أنَّهُ كُتُبُ سائِرِ الأنْبِياءِ: مِثْلُ كِتابِ شَعْياءَ ومِثْلُ كِتابِ حَيْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ مَمْلُوءَةٌ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ لَمّا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصابَهُمُ القَحْطُ والشِّدَّةُ، وبَلَغُوا إلى حَيْثُ قالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَوْ تَرَكُوا ذَلِكَ الكُفْرَ لانْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَ الخِصْبُ والسَّعَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخِصْبِ لا أنَّ هُناكَ فَوْقًا وتَحْتًا، والمَعْنى لَأكَلُوا أكْلًا مُتَّصِلًا كَثِيرًا، وهو كَما تَقُولُ: فُلانٌ في الخَيْرِ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، تُرِيدُ تَكاثُفَ الخَيْرِ وكَثْرَتَهُ عِنْدَهُ.

الثّانِي: أنَّ الأكْلَ مِن فَوْقُ نُزُولُ القَطْرِ، ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ حُصُولُ النَّباتِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] .

الثّالِثُ: الأكْلُ مِن فَوْقُ كَثْرَةُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ الزُّرُوعُ المُغَلَّةُ.

والرّابِعُ: …

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ لا يَنْظُرَ إلى قِلَّةِ المُقْتَصِدِينَ وكَثْرَةِ الفاسِقِينَ ولا يَخْشى مَكْرُوهَهم، فَقالَ: (بَلِّغْ) أيْ واصْبِرْ عَلى تَبْلِيغِ ما أنْزَلْتُهُ إلَيْكَ مِن كَشْفِ أسْرارِهِمْ وفَضائِحِ أفْعالِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن كَيْدِهِمْ ويَصُونُكَ مِن مَكْرِهِمْ.

ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونِي، واليَهُودُ والنَّصارى وقُرَيْشٌ يُخَوِّفُونِي، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ زالَ الخَوْفُ بِالكُلِّيَّةِ» ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أيّامَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ يُجاهِرُ بِبَعْضِ القُرْآنِ ويُخْفِي بَعْضَهُ إشْفاقًا عَلى نَفْسِهِ مِن تَسَرُّعِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، فَلَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ لَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ خَوْفًا مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (رِسالاتِهِ) في هَذِهِ الآيَةِ وفي الأنْعامِ (حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ) [الأنْعامِ: ١٢٤] عَلى الجَمْعِ، وفي الأعْرافِ (بِرِسالَتِي) [الأعْرافِ: ١٤٤] عَلى الواحِدِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى الضِّدِّ، فَفي المائِدَةِ والأنْعامِ عَلى الواحِدِ، وفي الأعْرافِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الجَمِيعِ عَلى الواحِدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ كُلُّهُ عَلى الجَمْعِ.

حُجَّةُ مَن جَمَعَ أنَّ الرُّسُلَ يُبْعَثُونَ بِضُرُوبٍ مِنَ الرِّسالاتِ وأحْكامٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكُلُّ آيَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَهي رِسالَةٌ، فَحَسُنَ لَفْظُ الجَمْعِ، وأمّا مَن أفْرَدَ فَقالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ رِسالَةٌ واحِدَةٌ، وأيْضًا فَإنَّ لَفْظَ الواحِدِ قَدْ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وإنْ لَمْ يُجْمَعْ كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٤] فَوَقَعَ الِاسْمُ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ، وكَذا هَهُنا لَفْظُ الرِّسالَةِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ مَعْناهُ فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا الكَلامِ ؟

أجابَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ: إنَّكَ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ واحِدًا مِنها كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا مِنها، وهَذا الجَوابُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَن أتى بِالبَعْضِ وتَرَكَ البَعْضَ لَوْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ لَكانَ كَذِبًا ولَوْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ مِقْدارِ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ فَهو أيْضًا مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَسَقَطَ هَذا الجَوابُ.

صفحة ٤٢

والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا خَرَجَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِ:

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

ومَعْناهُ أنَّ شِعْرِي قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والفَصاحَةِ إلى حَيْثُ مَتى قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهى مَدْحُهُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها، فَهَذا الكَلامُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ التّامَّةَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكَذا هَهُنا: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ سَواءٌ طابَ لِلسّامِعِ أوْ ثَقُلَ عَلَيْهِ أمَرَ بِأنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ هَذا الكَلامَ وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ جِدًّا فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الدِّينِ ولا في أيْدِيكم شَيْءٌ مِنَ الحَقِّ والصَّوابِ، كَما تَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا أرَدْتَ تَحْقِيرَهُ وتَصْغِيرَ شَأْنِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾

وهَذا مَذْكُورٌ فِيما قَبْلُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ زِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ لا إلَيْكَ ولا إلى المُؤْمِنِينَ.

الثّانِي: لا تَتَأسَّفْ بِسَبَبِ نُزُولِ اللَّعْنِ والعَذابِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم مِنَ الكافِرِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «جاءَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تُقِرُّ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَإنّا مُؤْمِنُونَ بِها ولا نُؤْمِنُ بِغَيْرِها»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَقِيَ هَهُنا مَسائِلُ:

صفحة ٤٤

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الإعْرابِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: والصّابِئِينَ، وهَكَذا قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في عِلَّةِ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ارْتَفَعَ الصّابِئُونَ بِالِابْتِداءِ عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ كَذَلِكَ، فَحُذِفَ خَبَرُهُ، والفائِدَةُ في عَدَمِ عَطْفِهِمْ عَلى مَن قَبْلَهم هو أنَّ الصّابِئِينَ أشَدُّ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَلالًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ هَؤُلاءِ الفِرَقِ إنْ آمَنُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم وأنْزَلَ ذَنْبَهم، حَتّى الصّابِئُونَ فَإنَّهم إنْ آمَنُوا كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ هَهُنا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) إنَّما تَعْمَلُ لِكَوْنِها مُشابِهَةً لِلْفِعْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ الحَرْفِ ضَعِيفَةٌ.

الثّانِي: أنَّها وإنْ كانَتْ تَعْمَلُ لَكِنْ إنَّما تَعْمَلُ في الِاسْمِ فَقَطْ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهُ بَقِيَ مَرْفُوعًا بِكَوْنِهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ لِهَذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ تَأْثِيرٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ بَيَّناهُ بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] .

الثّالِثُ: أنَّها إنَّما يَظْهَرُ أثَرُها في بَعْضِ الأسْماءِ، أمّا الأسْماءُ الَّتِي لا يَتَغَيَّرُ حالُها عِنْدَ اخْتِلافِ العَوامِلِ فَلا يَظْهَرُ أثَرُ هَذا الحَرْفِ فِيها، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هَهُنا هو قَوْلُهُ: (الَّذِينَ) وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا يَظْهَرُ فِيها أثَرُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا كانَ اسْمُ (إنَّ) بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، فالَّذِي يَعْطِفُ عَلَيْهِ يُجَوِّزُ النَّصْبَ عَلى إعْمالِ هَذا الحَرْفِ، والرَّفْعَ عَلى إسْقاطِ عَمَلِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمانِ؛ لِأنَّ زَيْدًا ظَهَرَ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، لَكِنْ إنَّما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ وإخْوَتُكَ يُكْرِمُونَنا، وإنَّ هَذا نَفْسُهُ شُجاعٌ، وإنَّ قَطامِ وهِنْدٌ عِنْدَنا، والسَّبَبُ في جَوازِ ذَلِكَ أنَّ كَلِمَةَ إنْ كانَتْ في الأصْلِ ضَعِيفَةَ العَمَلِ، وإذا صارَتْ بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لَها أثَرٌ في اسْمِها صارَتْ في غايَةِ الضَّعْفِ، فَجازَ الرَّفْعُ بِمُقْتَضى الحُكْمِ الثّابِتِ قَبْلَ دُخُولِ هَذا الحَرْفِ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُهُ مُبْتَدَأً، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ وأوْلى مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الَّذِي قالُوهُ يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ اللَّهِ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما تَحْصُلُ الصِّحَّةُ عِنْدَ تَفْكِيكِ هَذا النَّظْمِ، وأمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ عُتُوِّ بَنِي إسْرائِيلَ وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِمْ عَنِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِ السُّورَةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾، فَقالَ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي خَلَقْنا الدَّلائِلَ وخَلَقْنا العَقْلَ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ، وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا بِتَعْرِيفِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما﴾

صفحة ٤٧

﴿لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِقَوْلِهِ (رُسُلًا) والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، أيْ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم وما يُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ.

وهَهُنا سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِهَذا الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ.

والجَوابُ: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ ناصَبُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ ناصَبُوهُ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، وقَوْلُهُ: الرَّسُولُ الواحِدُ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ ذُكِرَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ ماضِيًا، والآخَرُ مُضارِعًا ؟

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُكَذِّبُونَ عِيسى ومُوسى في كُلِّ مَقامٍ، وكَيْفَ كانُوا يَتَمَرَّدُونَ عَلى أوامِرِهِ وتَكالِيفِهِ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تُوُفِّيَ في التِّيهِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ في مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ.

وأمّا القَتْلُ فَهو ما اتَّفَقَ لَهم في حَقِّ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانُوا قَدْ قَصَدُوا أيْضًا قَتْلَ عِيسى وإنْ كانَ اللَّهُ مَنَعَهم عَنْ مُرادِهِمْ وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم قَتَلُوهُ، فَذِكْرُ التَّكْذِيبِ بِلَفْظِ الماضِي هُنا إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَضى مِن ذَلِكَ الزَّمانِ أدْوارٌ كَثِيرَةٌ، وذِكْرُ القَتْلِ بِلَفْظِ المُضارِعِ إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ زَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الزَّمانِ قَرِيبًا فَكانَ كالحاضِرِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ .

والجَوابُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ التَّقْدِيمَ إنَّما يَكُونُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ، فالتَّكْذِيبُ والقَتْلُ وإنْ كانا مُنْكَرَيْنِ إلّا أنَّ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَتْلَهم أقْبَحُ، فَكانَ التَّقْدِيمُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ.

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.