وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ عن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "جاؤُوكُمْ"؛ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وخاصَّةً لِلْمُنافِقِينَ؛ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم دَخَلُوا وهم كُفّارٌ؛ وخَرَجُوا كَذَلِكَ؛ لَمْ تَنْفَعْهُمُ المَوْعِظَةُ؛ ولا نَفَعَ فِيهِمُ التَذْكِيرُ؛ وقَوْلُهُ: "وَهُمْ"؛ تَخْلِيصٌ مِنَ احْتِمالِ العِبادَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ ثُمَّ يُؤْمِنُوا؛ ويَخْرُجَ قَوْمٌ وهم كَفَرَةٌ؛ فَكانَ يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ: "وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وقَدْ خَرَجُوا بِهِ"؛ فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ؛ ثُمَّ فَضَحَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: "وَتَرى"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي: "يُسارِعُونَ"؛ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ "يُسارِعُونَ" حالٌ.
و"فِي الإثْمِ"؛ مَعْناهُ: في مُوجِباتِ الإثْمِ؛ إذِ الإثْمُ إنَّما هو الحُكْمُ المُعَلَّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها إذا وقَعَ الذَنْبُ؛ وهو مِن هَؤُلاءِ: كُفْرُهُمْ؛ و"والعُدْوانِ"؛ مَصْدَرٌ مِن: "عَدا الرَجُلُ"؛ إذا ظَلَمَ؛ وتَجاوَزَ الحَدَّ؛ و"اَلسُّحْتَ"؛ هو الرِشا؛ وَسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ؛ واللامُ في "لَبِئْسَ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والعِدْوانِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ في ضِمْنِهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ إذْ تَرَكُوا اللازِمَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كُلُّ العُلَماءِ يَقُولُونَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ هي أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا أخْوَفُ عَلَيْهِمْ مِنها؛ وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها؛ أنّا لا نَنْهى؛ وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ؛ وأبُو واقِدٍ: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ واحِدُهُمْ: رِبِّيٌ؛ إمّا مَنسُوبٌ إلى عِلْمِ الرَبِّ؛ وإمّا مِن تَرْبِيَةِ الناسِ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في نِسْبَتِهِ مُبالَغَةً؛ كَـ "شَعْرانِيٌّ"؛ و"مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلرَّبّانِيُّ: عالِمُ الإنْجِيلِ؛ والحَبْرُ: عالِمُ التَوْراةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في "اَلرَّبّانِيُّ"؛ شاذٌّ بَعِيدٌ.
و"اَلْأحْبارُ": واحِدُهم "حَبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وفَتْحِها؛ وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ لا يُعْنُونَ لِإصْلاحِ الناسِ؛ ولا يَكْلُفُونَ ذَلِكَ؛ والرَبّانِيُّ هو العالِمُ …