Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. .

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ إذْ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدٍ: إنَّهُ الذَّبْحُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: «أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، ولا أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ خافَتْ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ أنْ يُدالَ عَلَيْهِمُ الكُفّارُ، فَقالَ رَجُلٌ لِصاحِبِهِ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِفُلانٍ اليَهُودِيِّ، فَآخُذُ مِنهُ أمانًا، أوْ أتَهَوَّدُ مَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَتَوَلَّوْهم في الدِّينِ. وقالَ غَيْرُهُ: لا تَسْتَنْصِرُوا بِهِمْ، ولا تَسْتَعِينُوا، ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في العَوْنِ والنُّصْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَن يَتَوَلَّهم في الدِّينِ، فَإنَّهُ مِنهم في الكُفْرِ.

والثّانِي: مَن يَتَوَلَّهم في العَهْدِ فَإنَّهُ مِنهم في مُخالَفَةِ الأمْرِ.

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ثُمَّ لَهم في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَمِيرُونَ المُنافِقِينَ ويُقْرِضُونَهم فَيُوادُّونَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ قالَ المُنافِقُونَ: كَيْفَ نَقْطَعُ مَوَدَّةَ قَوْمٍ إنْ أصابَتْنا سَنَةٌ وسَّعُوا عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِمَّنْ قالَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ولَمْ يُعَيِّنْ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: النِّفاقُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُسارِعُونَ في مُوالاتِهِمْ ومُناصَحَتِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: في رِضاهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: في مُعاوَنَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي المُرادِ "بِالدّائِرَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجَدْبُ والمَجاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: نَخْشى أنْ يَدُورَ عَلَيْنا الدَّهْرُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنُونَ الجَدْبَ، فَلا يُبايِعُونا، و [نَمْتارُ فِيهِمْ] فَلا يَمِيرُونا.

والثّانِي: انْقِلابُ الدَّوْلَةِ لِلْيَهُودِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: نَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مَن خالَفَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: الفَرَجُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وفي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، وقَتْلُ قُرَيْظَةَ، وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الجِزْيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الخِصْبُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أمْرِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفِيما أسَرُّوا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُوالاتُهم. والثّانِي: قَوْلُهم لَعَلَّ مُحَمَّدًا لا يُنْصَرُ.

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، بِنَصْبِ اللّامِ عَلى مَعْنى: وعَسى أنْ يَقُولَ. ورَفَعَهُ الباقُونَ، فَجَعَلُوا الكَلامَ مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ يَقُولُ: بِغَيْرِ واوٍ، مَعَ رَفْعِ اللّامِ، وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وجَعَلُوا يَتَأسَّفُونَ عَلى فِراقِهِمْ، وجَعَلَ المُنافِقُ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ المُؤْمِنِ إذا رَآهُ جادًّا في مُعاداةِ اليَهُودِ: أهَذا جَزاؤُهم مِنكَ، طالَ واللَّهِ ما أشْبَعُوا بَطْنَكَ؟ فَلَمّا قُتِلَتْ قُرَيْظَةُ، لَمْ يُطِقْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ سَتْرَ ما في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: أرْبَعُمِئَةٍ حُصِدُوا في لَيْلَةٍ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ما قَدْ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ، قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْلَظُوا في الأيْمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَهْدُ أيْمانِهِمْ: القَسَمُ بِاللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: اجْتَهَدُوا في المُبالَغَةِ في اليَمِينِ ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بِنِفاقِهِمْ.

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَرْتَدَّ، بِإدْغامِ الدّالِ الأُولى في الأُخْرى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: يَرْتَدِدْ، بِدالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: "يَرْتَدِدْ" هو الأصْلُ، لِأنَّ الثّانِيَ إذا سُكِّنَ مِنَ المُضاعَفِ، ظَهَرَ التَّضْعِيفُ. فَأمّا "يَرْتَدَّ" فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأوْلى في الثّانِيَةِ، وحُرِّكَتِ الثّانِيَةُ بِالفَتْحِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ. وفي المُرادِ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ وأصْحابُهُ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَرِهَتِ الصَّحابَةُ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ، وقالُوا: أهْلُ القِبْلَةِ، فَتَقَلَّدَ أبُو بَكْرٍ سَيْفَهُ، وخَرَجَ وحْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الخُرُوجِ عَلى أثَرِهِ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنِ الحُسْنِ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، رَوى عِياضٌ الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هم قَوْمُ هَذا" يَعْنِي: أبا مُوسى.»

والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ ما وعَدَ فَأتى بِقَوْمٍ في زَمَنِ عُمَرَ كانُوا أحْسَنَ مَوْقِعًا في الإسْلامِ مِمَّنِ ارْتَدَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: أهْلُ رِقَّةٍ عَلى أهْلِ دِينِهِمْ، أهْلُ غِلْظَةٍ عَلى مَن خالَفَهم في دِينِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "أذِلَّةٍ": جانِبُهم لَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لا أنَّهم أذِلّاءُ.

﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ لِأنَّ المُنافِقِينَ يُراقِبُونَ الكُفّارَ، ويُظاهِرُونَهم، ويَخافُونَ لَوْمَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الصَّحِيحَ الإيمانِ لا يَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي: مَحَبَّتَهم لِلَّهِ، ولِينَ جانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وشِدَّتَهم عَلى الكافِرِينَ.

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: إنَّ قَوْمًا قَدْ أظْهَرُوا لَنا العَداوَةَ، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نُجالِسَ أصْحابَكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالُوا: رَضِينا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وأذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا مِسْكِينٌ يَسْألُ النّاسَ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا"؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: "ماذا"؟ قالَ: خاتَمَ فِضَّةٍ. قالَ: "مَن أعْطاكَهُ"؟ قالَ: ذاكَ القائِمُ، فَإذا هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أعْطانِيهِ وهو راكِعٌ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ.

والثّانِي: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن مَضى مِنَ المُسْلِمِينَ ومَن بَقِيَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ، وهو تَصَدُّقُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخاتَمِهِ في رُكُوعِهِ. والثّانِي: أنَّ مِن شَأْنِهِمْ إيتاءَ الزَّكاةِ وفِعْلَ الرُّكُوعِ.

وَفِي المُرادِ بِالرُّكُوعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَفْسُ الرُّكُوعِ عَلى ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهم في الرُّكُوعِ. والثّانِي: أنَّهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنَّما أفْرَدَ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والخُشُوعُ، وأنْشَدُوا:

؎ لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرَ كَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَأمّا "حِزْبُ اللَّهِ" فَقالَ الحَسَنُ: هم جُنْدُ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْصارُ اللَّهِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: إنَّ قَوْمًا قَدْ أظْهَرُوا لَنا العَداوَةَ، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نُجالِسَ أصْحابَكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالُوا: رَضِينا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وأذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا مِسْكِينٌ يَسْألُ النّاسَ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا"؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: "ماذا"؟ قالَ: خاتَمَ فِضَّةٍ. قالَ: "مَن أعْطاكَهُ"؟ قالَ: ذاكَ القائِمُ، فَإذا هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أعْطانِيهِ وهو راكِعٌ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ.

والثّانِي: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن مَضى مِنَ المُسْلِمِينَ ومَن بَقِيَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ، وهو تَصَدُّقُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخاتَمِهِ في رُكُوعِهِ. والثّانِي: أنَّ مِن شَأْنِهِمْ إيتاءَ الزَّكاةِ وفِعْلَ الرُّكُوعِ.

وَفِي المُرادِ بِالرُّكُوعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَفْسُ الرُّكُوعِ عَلى ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهم في الرُّكُوعِ. والثّانِي: أنَّهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنَّما أفْرَدَ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والخُشُوعُ، وأنْشَدُوا:

؎ لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرَ كَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَأمّا "حِزْبُ اللَّهِ" فَقالَ الحَسَنُ: هم جُنْدُ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْصارُ اللَّهِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ رِفاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وسُوَيْدَ بْنَ الحارِثِ كانا قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ، ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَأمّا اتِّخاذُهُمُ الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا، فَهو إظْهارُهُمُ الإسْلامَ، وإخْفاؤُهُمُ الكُفْرَ، وتَلاعُبُهم بِالدِّينِ. والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ: اليَهُودُ والنَّصارى، والكُفّارُ: عَبَدَةُ الأوْثانِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "والكَفّارَ" بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى: لا تَتَّخِذُوا الكُفّارَ أوْلِياءَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "والكُفّارِ" خَفْضًا، لِقُرْبِ الكَلامِ مِنَ العامِلِ الجارِّ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الألِفَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أنْ تَوَلَّوْهم.

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا نادى إلى الصَّلاةِ، وقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، قالَتِ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: «أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا الأذانَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ لَقَدْ أبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيما مَضى مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَإنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ خالَفْتَ في هَذا الأذانِ الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، فَما أقْبَحَ هَذا الصَّوْتَ، وأسْمَجَ هَذا الأمْرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: حُرِقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وهو نائِمٌ، وأهْلُهُ نِيامٌ، فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ، فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.

والمُناداةُ: هي الأذانُ، واتِّخاذُهم إيّاها هُزُوًا: تَضاحُكُهم وتَغامُزُهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ما لَهم في إجابَةِ الصَّلاةِ، وما عَلَيْهِمْ في اسْتِهْزائِهِمْ بِها.

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى، جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "تَنْقَمُونَ" بِفَتْحِ القافِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ، ونَقِمْتُ عَلَيْهِ أنْقَمُ، والأوَّلُ أجْوَدُ. ومَعْنى "نَقِمْتُ": بالَغْتُ في كَراهَةِ الشَّيْءِ، والمَعْنى: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا، وفِسْقَكم، لِأنَّكم عَلِمْتُمْ أنَّنا عَلى حَقٍّ، وأنَّكم فَسَقْتُمْ.

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها: قَوْلُ اليَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما عَلِمْنا أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا مِنكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَشَرٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بَشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا "المَثُوبَةُ": فَهي الثَّوابُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَوْضِعُ "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ إنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، وإنْ شِئْتَ كانَ خَفْضًا، فَمَن خَفَضَ جَعَلَهُ بَدَلًا مِن "شَرٍّ" فَيَكُونُ المَعْنى: أُنْبِئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ؟ ومَن رَفَعَ فَبِإضْمارِ "هُوَ" كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ بِالجِزْيَةِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَهم شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَسْخَيْنِ مِن أصْحابِ السَّبْتِ: مَسْخُ شَبابِهِمْ قِرَدَةً، ومَشايِخِهِمْ خَنازِيرَ. وقالَ غَيْرُهُ: القِرَدَةُ: أصْحابُ السَّبْتِ، والخَنازِيرُ: كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى. وكانَ ابْنَ قُتَيْبَةَ يَقُولُ: أنا أظُنُّ أنَّ هَذِهِ القِرَدَةَ، والخَنازِيرَ هي المُسُوخُ بِأعْيانِها تَوالَدَتْ. قالَ: واسْتَدْلَلْتُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ فَدُخُولُ الألِفِ واللّامِ يَدُلُّ عَلى المَعْرِفَةِ، وعَلى أنَّها القِرَدَةُ الَّتِي تُعايَنُ، ولَوْ كانَ أرادَ شَيْئًا انْقَرَضَ ومَضى، لَقالَ: وجَعَلَ مِنهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، إلّا أنْ يَصِحَّ حَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "المُسُوخِ" فَيَكُونُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قُلْتُ: أنا. وحَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "الصَّحِيحِ" انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ، وهو «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، القِرَدَةُ والخَنازِيرُ هي مِمّا مُسِخَ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: "[إنَّ اللَّهَ] لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا أوْ يُهْلِكْ قَوْمًا، فَيُجْعَلْ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ قَدْ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ"» وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زِيادَةَ بَيانِ ذَلِكَ، فَلا يُلْتَفَتُ إلى ظَنِّ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ فِيها عِشْرُونَ قِراءَةً. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "وَعَبَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ، ونَصْبِ تاءِ "الطّاغُوتَ" وفِيها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وعَبَدَ الطّاغُوتَ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَعَبُدَ الطّاغُوتِ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، وضَمِّ الباءِ، وخَفْضِ تاءِ الطّاغُوتِ. قالَ ثَعْلَبٌ: لَيْسَ لَها وجْهٌ إلّا أنْ يُجْمَعَ فَعْلٌ عَلى فَعُلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: وجْهُها أنَّ الِاسْمَ بُنِيَ عَلى "فَعُلَ" كَما تَقُولُ عَلُمَ زَيْدٌ، ورَجُلٌ حَذُرٌ، أيْ: مُبالِغٌ في الحَذَرِ. فالمَعْنى: جُعِلَ مِنهم خَدَمَةَ الطّاغُوتِ ومَن بَلَغَ في طاعَةِ الطّاغُوتِ الغايَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَعَبَدُوا" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ، ورَفْعِ الدّالِ عَلى الجَمْعِ "الطّاغُوتَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَبَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ، إلّا أنَّهُما كَسَرا تاءَ "الطّاغُوتِ" . قالَ الفَرّاءُ: أرادا …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.