Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ أيْ: لا يَتَّخِذْ أحَدٌ مِنكم أحَدًا مِنهم ولِيًّا، بِمَعْنى: لا تُصافُوهم ولا تُعاشِرُوهم مُصافاةَ الأحْبابِ ومُعاشَرَتَهم.

قالَ المَهايِمِيُّ: إذا كانَ تَوَدُّدُ أهْلِ الكِتابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَصْدِ افْتِتانِهِ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مَعَ غايَةِ كَمالِهِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَتَوَدَّدُ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ انْتَهى.

ووَصَفَهم بِعُنْوانِ (الإيمانِ) لِحَمْلِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِانْزِجارِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ.

فَإنَّ تَذْكِيرَ اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ صِفاتِ الفَرِيقَيْنِ، مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنْ مُوالاتِهِما.

﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إيماءً إلى عِلَّةِ النَّهْيِ. أيْ: فَإنَّهم مُتَفَوِّقُونَ عَلى خِلافِكُمْ، يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا لِاتِّحادِهِمْ في الدِّينِ. وإجْماعِهِمْ عَلى مُضادَّتِكم. فَما لِمَن دِينُهُ خِلافُ دِينِهِمْ ولِمُوالاتِهِمْ!.

﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِهِمْ. وحُكْمُهُ حُكْمُهم وإنْ زَعَمَ أنَّهُ مُخالِفٌ لَهم في الدِّينِ، فَهو بِدَلالَةِ الحالِ مِنهم لِدَلالَتِها عَلى كَمالِ المُوافَقَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ واعْتِزالِهِ. كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَراءى ناراهُما». ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأبِي مُوسى في كاتِبِهِ النَّصْرانِيِّ: لا تُكْرِمُوهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ. ولا تَأْمَنُوهم إذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ. ولا تُدْنُوهم إذْ أقْصاهُمُ اللَّهُ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ أبُو مُوسى: (لا قِوامَ لِلْبَصْرَةِ إلّا بِهِ) فَقالَ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ. يَعْنِي: هَبْ أنَّهُ قَدْ ماتَ، فَما كُنْتَ تَكُونُ صانِعًا حِينَئِذٍ، فاصْنَعْهُ السّاعَةَ واسْتَغْنِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكَفَرَةِ.

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا وهو لا يَشْعُرُ. قالَ: فَظَنَنّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا﴾ الآيَةَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَيْفِيَّةَ تَوَلِّيهِمْ. وأشْعَرَ بِسَبَبِهِ وبِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ وشَكٌّ في وعْدِ اللَّهِ لِإظْهارِ دِينِهِ: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: في مَوَدَّتِهِمْ في الباطِنِ والظّاهِرِ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ فِيما يَلْحَقُهم مِنَ الضَّرَرِ في دِينِ اللَّهِ، والفَضِيحَةِ بِالنِّفاقِ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: في عُذْرِهِمْ: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أيْ: مِن دَوائِرِ الزَّمانِ، وصَرْفٌ مِن صُرُوفِهِ، فَتَكُونُ الدَّوْلَةُ لَهُمْ، فَنَحْتاجُ إلَيْهِمْ، فَنَحْنُ نَتَحَفَّظُ عَنْ شَرِّهِمْ. ولا يَتَفَكَّرُونَ في أنَّ الدّائِرَةَ رُبَّما تُصِيبُ مَن يُوالُونَهم. والدّائِرَةُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها. وأصْلُها: الخَطُّ المُحِيطُ بِالسَّطْحِ. اسْتُعِيرَتْ لِنَوائِبِ الزَّمانِ، بِمُلاحَظَةِ إحاطَتِها واسْتِعْمالِها في المَكْرُوهِ. و(الدَّوْلَةُ) ضِدُّها، وقَدْ تَرِدُ بِمَعْنى (الدّائِرَةِ) أيْضًا، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. كَذا في "العِنايَةِ".

ثُمَّ رَدَّ تَعالى عِلَلَهُمُ الباطِلَةَ، وقَطَعَ أطْماعَهَمُ الفارِغَةَ، وبَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ أيْ: فَتْحِ مَكَّةَ، عَنِ السُّدِّيِّ. أوْ فَتْحِ قُرى اليَهُودِ مِن خَيْبَرَ وفَدَكَ، عَنِ الضَّحّاكِ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ ﷺ عَلى أعْدائِهِ، وإظْهارِ المُسْلِمِينَ: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ يَقْطَعُ شَأْفَةَ اليَهُودِ، ويُجْلِيهِمْ عَنْ بِلادِهِمْ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ: ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الشَّكِّ في ظُهُورِ الإسْلامِ، أوْ مِنَ النِّفاقِ: ﴿نادِمِينَ﴾ لِافْتِضاحِهِمْ بِالنِّفاقِ مَعَ الفَرِيقَيْنِ. وتَعْلِيقِ النَّدامَةِ بِما كانُوا يَكْتُمُونَهُ - لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ - لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَدامَتِهِمْ عَلَيْها بِأصْلِها وسَبَبِها.

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنْ يَأْتِيَ) وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ. أيْ: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقُرِئَ: (يَقُولُ) بِغَيْرِ (واوٍ) وهي مَصاحِفُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ كَذَلِكَ. عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا؟ (فَإنْ قُلْتَ): لِمَن يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ؟ (قُلْتُ): إمّا أنْ يَقُولَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ، واغْتِباطًا بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ في الإخْلاصِ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: حَلَفُوا لَكم بِأغْلاظِ الأيْمانِ: ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ أيْ: إنَّهم أوْلِياؤُكم ومُعاضِدُوكم عَلى الكُفّارِ وإمّا أنْ يَقُولُوهُ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم حَلَفُوا لَهم بِالمُعاضَدَةِ والنُّصْرَةِ. كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] أيْ: فَقَدْ تَباعَدُوا عَنْكم. فَيَظْهَرُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ ولا مَعَ اليَهُودِ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، إذْ ظَهَرَ نِفاقُهم عِنْدَ الكُلِّ. وفي الآخِرَةِ، إذْ لَمْ يَبْقَ لَهم ثَوابٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. أيْ: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأْيِ أعْيُنِ النّاسِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهُمْ! أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، شَهادَةً لَهم بِحُبُوطِ الأعْمالِ، وتَعْجِيبًا مِن سُوءِ حالِهِمْ. انْتَهى.

وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ، ما لا يَخْفى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ -: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ:

رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ قالَ أحَدَهُما لِصاحِبِهِ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: أمّا أنا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى ذَلِكَ اليَهُودِيِّ فَأُوالِيهِ وأتَهَوَّدُ مَعَهُ لَعَلَّهُ يَنْفَعُنِي إذا وقَعَ أمْرٌ أوْ حَدَثَ حادِثٌ. وقالَ الآخَرُ: وأمّا أنا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى فُلانٍ النَّصْرانِيِّ بِالشّامِ فَأُوالِيهِ وأتَنَصَّرُ مَعَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ [المائدة: ٥١] الآياتِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَسَألُوهُ: ماذا هو صانِعٌ بِنا؟ فَأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ، أيْ: إنَّهُ الذَّبْحُ. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «جاءَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ لِي مَوالِيَ مِن يَهُودَ كَثِيرٌ عَدَدُهم. وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ. وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافَ الدَّوائِرَ. لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: «يا أبا الحُبابِ! ما بَخِلْتَ بِهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ عَلى عُبادَةَ …

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا نَهى تَعالى - فِيما سَلَفَ - عَنْ مَوْلاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وبَيَّنَ أنَّ مُوالاتَهم مُسْتَدْعِيَةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] - شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُرْتَدِّينَ عَلى الإطْلاقِ.

ونَوَّهَ بِقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ. فَأعْلَمَ أنَّهُ مَن تَوَلّى عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وإقامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيَسْتَبْدِلُ بِهِ مَن هو خَيْرٌ لَها مِنهُ، وأشَدُّ مَنَعَةً، وأقْوَمُ سَبِيلًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧] أيْ: بِمُمْتَنِعٍ ولا صَعْبٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أُخْبِرَ عَنْها في القُرْآنِ قَبْلَ كَوْنِها. وقَدْ وقَعَ المُخْبَرُ بِهِ عَلى وفْقِها. فَيَكُونُ مُعْجِزًا. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ إحْدى عَشْرَةَ فِرْقَةً: ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. (بَنُو مُدْلِجٍ) ورَئِيسُهم ذُو الحِمارِ - بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وضَبَطَهُ بَعْضُهم بِالمُعْجَمَةِ - وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ - بِالنُّونِ نِسْبَةً إلى عَنْسٍ قَبِيلَةٍ بِاليَمَنِ - وكانَ كاهِنًا ثُمَّ تَنَبَّأ بِاليَمَنِ، واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ، وأخْرَجَ عُمّالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وإلى ساداتِ اليَمَنِ. فَأهْلَكَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ. بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ. وأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ. فَسُرَّ المُسْلِمُونَ. وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدِ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.

و(بَنُو حَنِيفَةَ) قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ: تَنَبَّأ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. أمّا بَعْدُ؛ فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ. فَأجابَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ. أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ، قاتِلِ حَمْزَةَ، وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ خَيْرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، وشَرَّ النّاسِ في الإسْلامِ. أرادَ: في جاهِلِيَّتِي وإسْلامِي.

و(بَنُو أسَدٍ) قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ: تَنَبَّأ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وكَثُرَ جَمْعُهُ، وماتَ ﷺ وهو عَلى ذَلِكَ. فَبَعَثَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ خالِدًا رَضِيَ …

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ المُفِيضُ عَلَيْكم كُلَّ خَيْرٍ: ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي هو واسِطَةٌ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُعَيَّنُونَ في مُوالاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِأفْعالِهِمْ، لِأنَّهُمْ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي أجْمَعُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ القاطِعَةَ مَحَبَّةِ المالِ الجالِبِ لِلشَّهَواتِ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، أيْ: يَعْمَلُونَ ما ذُكِرَ - مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ - وهم خاشِعُونَ ومُتَواضِعُونَ لِلَّهِ ومُتَذَلِّلُونَ غَيْرُ مُعْجَبِينَ. فَإنَّ رُؤْيَتَهم تُؤَثِّرُ فِيمَن يُوالِيهِمْ بِالعَوْنِ في مُوالاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾

﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُعِينُهم ويَنْصُرُهُمْ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ في العاقِبَةِ عَلى أعْدائِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: إنَّما أُفْرِدَ (الوَلِيُّ) ولَمْ يُجْمَعْ، مَعَ أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ، لِلْإيذانِ بَأنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ أصْلٌ، ولِغَيْرِهِ تَبَعٌ لِوِلايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. فالتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ رَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا.

الثّانِي: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ والبُعْدُ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَوَهَّمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] - في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] أيْ: في رُكُوعِهِمْ. ولَوْ كانَ هَذا كَذَلِكَ، لَكانَ دَفْعُ الزَّكاةِ في حالِ الرُّكُوعِ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ مَمْدُوحٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُلَماءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهم مِن أئِمَّةِ الفَتْوى. وحَتّى إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ في هَذا أثَرًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: أنَّهُ مَرَّ بِهِ سائِلٌ في حالِ رُكُوعِهِ، فَأعْطاهُ خاتَمَهُ. ثُمَّ رَوى ابْنُ كَثِيرٍ الأثَرَ المَذْكُورَ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ وعَبْدِ الرَّزّاقِ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ولَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنها بِالكُلِّيَّةِ. لِضَعْفِ أسانِيدِها وجَهالَةِ رِجالِها.. انْتَهى.

وقَدِ اقْتَصَّ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ في "حَواشِي البَيْضاوِيِّ" عَنِ الحاكِمِ وغَيْرِهِ بِطُولٍ. ثُمَّ أنْشَدَ أبْياتًا لِحَسّانِ بْنِ ثابِتٍ فِيها. ولَوائِحُ الضَّعْفِ بَلِ الوَضْعِ لا تَخْفى عَلَيْها. لا سِيَّما ونَفَسُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ، العَرِيقِ في العَرَبِيَّةِ، بَعِيدٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ. وأيُّ حاجَةٍ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِثْلِ هَذِهِ الواهِياتِ. وفَضْلُهُ أشْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ.

قالَ البَغَوِيُّ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: سَألْتُ أبا جَعْفَرٍ، مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الباقِرَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] مَن هُمْ؟ فَقالَ: المُؤْمِنُونَ. فَقُلْتُ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ هو عَلِيٌّ. فَقالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ تَقَدَّمَ في الأحادِيثِ الَّتِي أوْرَدْناها، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَبَرَّأ مِن حِلْفِ يَهُودَ، ورَضِيَ بِوِلايَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.

الرّابِعُ: ذَهَبَ مَن رَأى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ - كَما قَدَّمْنا - إلى أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها، وأنَّ صَدَقَةَ النَّفْلِ تُسَمّى زَكاةً. نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ" عَنِ ابْنِ الفَرَسِ.

وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ تَأكُّدُ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، وبَيانُ فَضْلِ مَن نَزَلَتْ فِيهِ، وأنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ الزَّكاةِ في الصَّلاةِ، وتُنْوى. وكَذا نِيَّةُ الصِّيامِ في الصَّلاةِ تَصِحُّ. وإنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ. قالَ: وهَذا مَأْخُوذٌ مِن سَبَبِ نُزُولِها، لا مِن لَفْظِها. ومَتى قِيلَ: إنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكاةٌ؟ قُلْنا: …

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكم حِفْظُ تَعْظِيمِ دِينِكُمْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي هو رَأْسُ مالِ كَمالاتِكُمْ، الَّذِي بِهِ انْتِظامُ مَعاشِكم ومَعادِكُمْ، وهو مَناطُ سَعادَتِكُمُ الأبَدِيَّةِ، وسَبَبُ قُرْبِكم مِن رَبِّكُمْ: ﴿هُزُوًا﴾ أيْ: شَيْئًا مُسْتَخَفًّا: ﴿ولَعِبًا﴾ أيْ: سُخْرِيَةً وضَحِكًا، مُبالَغَةً في الِاسْتِخْفافِ بِهِ حَتّى لَعِبُوا بِعُقُولِ أهْلِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَهْزِئِينَ وفَصَّلَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ﴾ قُرِئَ بِالنَّصْبِ والجَرِّ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ كَما في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا. ﴿أوْلِياءَ﴾ في العَوْنِ والنُّصْرَةِ. وإنَّما رَتَّبَ النَّهْيَ عَلى وصْفِ اتِّخاذِهِمُ الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا. تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، وإيذانًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ، جَدِيرٌ بِالبَغْضاءِ والشَّنَآنِ والمُنابَذَةِ. فَكَيْفَ بِالمُوالاةِ؟: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ، بِتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، أوْ بِتَرْكِ المَناهِي عَلى الإطْلاقِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ مُوالاتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حَقًّا، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ الِاتِّقاءَ لا مَحالَةَ.

ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِهْزاءَهم بِحُكْمٍ خاصٍّ مِن أحْكامِ الدِّينِ، بَعْدَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ عَلى الإطْلاقِ، إظْهارًا لِكَمالِ شَقاوَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾

﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ: دَعَوْتُمْ إلَيْها بِالأذانِ: ﴿اتَّخَذُوها﴾ أيِ: الصَّلاةَ أوِ المُناداةَ: ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ بِأنْ يَسْتَهْزِئُوا بِها ويَتَضاحَكُوا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الِاتِّخاذُ: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمْ: ﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مَعانِي عِبادَةِ اللَّهِ، فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِمَحاسِنِ الحَقِّ والهُزْءِ بِهِ، ولَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ في الجُمْلَةِ لَما اجْتَرَأُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ. فَإنَّ الصَّلاةَ أكْرَمُ القُرُباتِ، وفي النِّداءِ مَعانٍ شَرِيفَةٌ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. ومِن ذِكْرِ تَوْحِيدِهِ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، بِاعْتِبارِ عَدَمِ مُغايَرَةِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومِن تَعْظِيمِ رَسُولِهِ بِاعْتِبارِ قِيامِهِ بِمَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ومِنَ الصَّلاةِ مِن حَيْثُ هي وصْلَةٌ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، ومِن حَيْثُ إفادَتُهُ مَعالِيَ الدَّرَجاتِ، ومِن تَعْظِيمِ مَقْصِدِهِ وهو الفَلاحُ في الظّاهِرِ والباطِنِ، وما هو غايَةُ مَقْصِدِهِ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ بِاعْتِبارِ عَظَمَةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، ومِنَ الوُصُولِ إلى تَوْحِيدِهِ الحَقِيقِيِّ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: في آثارٍ رُوِيَتْ في هَذِهِ الآيَةِ:

رَوى أبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ، قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّهُما. فَأنْزَلَ اللَّهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الآيَةَ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى مِنَ المَدِينَةِ، إذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: حُرِّقَ الكاذِبُ. فَدَخَلَتْ خادِمُهُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي بِنارٍ، وهو نائِمٌ وأهْلُهُ نِيامٌ، فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ، فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.

وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ في "السِّيرَةِ": «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ عامَ الفَتْحِ ومَعَهُ بِلالٌ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ. وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ وعَتّابُ بْنُ أسِيدٍ والحارِثُ بْنُ هِشامٍ جُلُوسٌ بِفَناءِ الكَعْبَةِ. فَقالَ عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ: لَقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ أسِيدًا أنْ لا يَكُونَ سَمِعَ هَذا فَيَسْمَعُ مِنهُ ما يَغِيظُهُ. فَقالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: أما واللَّهِ لَوْ أعْلَمُ أنَّهُ مُحِقٌّ لاتَّبَعْتُهُ. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا أقُولُ شَيْئًا. لَوْ تَكَلَّمْتُ لَأخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الحَصى. فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهم. فَقالَ الحارِثُ وعَتّابٌ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. واللَّهِ! ما اطَّلَعَ عَلى هَذا أحَدٌ كانَ مَعَنا، فَنَقُولُ أخْبَرَكَ».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ - وكانَ يَتِيمًا في حِجْرِ أبِي مَحْذُورَةَ - قالَ: «قُلْتُ لِأبِي مَحْذُورَةَ: يا عَمِّ! إنِّي خارِجٌ إلى الشّامِ. أخْشى أنْ أُسْألَ عَنْ تَأْذِينِكَ. فَأخْبَرَنِي؛ أنَّ أبا مَحْذُورَةَ قالَ لَهُ: نَعَمْ! خَرَجْتُ في نَفَرٍ فَكُنّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حُنَيْنٍ فَلَقِينا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ. …

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَمْهِيدًا لِتَبْكِيتِهِمْ وإلْزامِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ، أيْ: يا أصْحابَ الكِتابِ، العالِمِينَ بِالنَّقائِصِ والكَمالاتِ، الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلى تَحَقُّقِها وفَقْدِها الِاسْتِهْزاءُ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ أيْ: ما تَعِيبُونَ وتُنْكِرُونَ مِنّا: ﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وهو رَأْسُ الكَمالاتِ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ وهو أصْلُ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ وهو يَشْهَدُ لِما أُنْزِلَ إلَيْنا: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ خارِجُونَ عَنِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ.

لَطائِفُ:

الأُولى: إنَّما فُسِّرَ (تَنْقِمُونَ) بِ (تَعِيبُونَ) و(تُنْكِرُونَ) لِأنَّ النِّقْمَةَ مَعْناها الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوْ بِالعُقُوبَةِ - كَما قالَهُ الرّاغِبُ - لِأنَّهُ لا يُعاقَبُ إلّا عَلى المُنْكَرِ فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

؎ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ

فَلِذا حَسُنَ (انْتَقَمَ مِنهُ) مُطاوِعُهُ، بِمَعْنى عاقَبَهُ وجازاهُ، وإلّا فَكَيْفَ يُخالِفُ المُطاوِعُ أصْلَهُ؟ فافْهَمْ. و(نَقَمَ) ورَدَ كَعَلِمَ يَعْلَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ، وهِيَ الفُصْحى، ويُعَدّى بِ (مِن) و(عَلى). وقالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِ (عَلى). ثُمَّ (افْتَعَلَ) المَبْنِيُّ مِنهُ، يُعَدّى بِ (مِن) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ، وهُنا (فَعِلَ) بِمَعْنى (افْتَعَلَ). كَذا في "العِنايَةِ".

الثّانِيَةُ: في الآيَةِ تَسْجِيلٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِكَمالِ المُكابَرَةِ والتَّعْكِيسِ، حَيْثُ جَعَلُوا الإيمانَ بِما ذُكِرَ، مُوجِبًا لِنِقَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُوجِبًا لِقَبُولِهِ وارْتِضائِهِ. فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ شَيْءٌ يُنْقَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. فَلا مُوجِبَ لِلِاسْتِهْزاءِ. وهَذا مِمّا تَقْصِدُ العَرَبُ في مِثْلِهِ، تَأْكِيدُ النَّفْيِ والمُبالَغَةِ فِيهِ بِإثْباتِ شَيْءٍ، وذَلِكَ الشَّيْءُ لا يَقْتَضِي إثْباتَهُ، فَهو مُنْتَفٍ أبَدًا. ويُسَمّى مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ وبِالعَكْسِ، فَمِنَ الأوَّلِ نَحْوَ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

ومِنَ الثّانِي هَذِهِ الآيَةُ وشَبَهُها. أيْ: ما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَنْقِمُوا شَيْئًا إلّا هَذا، وهَذا لا يُوجِبُ لَهم أنْ يَنْقِمُوا شَيْئًا، فَلَيْسَ شَيْءٌ يَنْقِمُونَهُ، فَيَنْبَغِي أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولا يَكْفُرُوا. وفِيهِ أيْضًا التَّعْرِيضُ بِكُفْرِهِمْ، وتَقْرِيعٌ بِسُوءِ الصَّنِيعِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ.

الثّالِثُ: إسْنادُ الفِسْقِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ مَن قالَ مِنهم ما قالَ وحَمَلَ غَيْرَهُ عَلى العِنادِ، طَلَبًا لِلرِّياسَةِ والجاهِ وأخْذِ الرَّشْوَةِ، إنَّما هو أكْثَرُهُمْ، ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم داخِلٌ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ المُخاطَبُ بِكافِ الجَمْعِ أهْلُ الكِتابِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، أوِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوِ المُؤْمِنُونَ. والمُشارُ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ الفاسِقُونَ. وتَوْحِيدُ اسْمِ الإشارَةِ لِكَوْنِهِ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ ونَحْوِهِ. وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ. وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ الَّذِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، يَعْنِي أنَّ السَّلَفَ شَرٌّ مِنَ الخَلَفِ. وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إشارَةً إلى المَنقُومِ.

وقَدْ جَوَّدَ في إيضاحِهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْزامِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ، بِبَيانِ أنَّ مَدارَ نَقْمِهِمْ لِلدِّينِ إنَّما هو اشْتِمالُهُ عَلى مَن يُوجِبُ ارْتِضاءَهُ عَنْهم أيْضًا، وكُفْرَهم بِما هو مُسَلَّمٌ لَهم - أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقِيبَهُ بِأنْ يُبَكِّتَهم بِبَيانِ أنَّ الحَقِيقَ بِالنَّقْمِ والعَيْبِ حَقِيقَةً، ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ المُحَرَّفِ.

ويَنْعِي عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ البَيانِ جِناياتِهِمْ وما حاقَ بِهِمْ مِن تَبِعاتِها وعُقُوباتِها، عَلى مِنهاجِ التَّعْرِيضِ؛ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَلى رُكُوبِ مَتْنِ المُكابَرَةِ والعِنادِ. ويُخاطِبُهم قَبْلَ البَيانِ بِما يُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ، ويَسْتَدْعِي إقْبالَهم عَلى تَلَقِّيهِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُشَوِّقَةِ إلى المُخْبَرِ بِهِ، والتَّنْبِئَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِيرًا، لِما أنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ. وحَيْثُ كانَ مَناطُ النِّقَمِ شَرِيَّةَ المَنقُومِ حَقِيقَةً أوِ اعْتِقادًا، وكانَ مُجَرَّدُ النَّقْمِ غَيْرَ مُقَيِّدٍ لِشَرِّيَّتِهِ البَتَّةَ، قِيلَ: (بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ) ولَمْ يَقُلْ: بِأنْقَمَ مِن ذَلِكَ، تَحْقِيقًا لِشَرِّيَّةِ ما سَيُذْكَرُ وزِيادَةَ تَقْرِيرٍ لَها. وقِيلَ: إنَّما قِيلَ ذَلِكَ، لِوُقُوعِهِ في عِبارَةِ المُخاطَبِينَ، حَيْثُ «أتى نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ دِينِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أُومِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا» .. - إلى قَوْلِهِ -: (ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) . فَحِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوا: لا نَعْلَمُ شَرًّا مِن دِينِكم». وإنَّما اعْتُبِرَ الشَّرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ - وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ الشَّرِّيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ - مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ المُنْعَقِدِ عَلى كَمالِ شَرِّيَّتِهِ، لِيُثْبِتَ أنَّ دِينَهم شَرٌّ مِن كُلِّ شَرٍّ. أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو شَرٌّ في الحَقِيقَةِ مِمّا تَعْتَقِدُونَهُ شَرًّا، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ خَيْرًا مَحْضًا؟ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزاءً ثابِتًا عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الرّاغِبُ: الثَّوابُ ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِن جَزاءِ أعْمالِهِ. سُمِّيَ بِهِ بِتَصَوُّرِ أنَّ ما عَمِلَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ولَمْ يَقُلْ: يَرَ جَزاءَهُ. والثَّوابُ يُقالُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، لَكِنَّ الأكْثَرَ المُتَعارَفَ في الخَيْرِ. وكَذا المَثُوبَةُ، وهي …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.