Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أوْلِياءَ) ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ورُوِيَ «أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَبَرَّأ عِنْدَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لا أتَبَرَّأُ مِنهم؛ لِأنِّي أخافُ الدَّوائِرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ومَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ: أيْ لا تَعْتَمِدُوا عَلى الِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، ولا تَتَوَدَّدُوا إلَيْهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كَأنَّهُ مِثْلُهم، وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِي كاتِبًا نَصْرانِيًّا، فَقالَ: ما لَكَ قاتَلَكَ اللَّهُ ؟ ألا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ؟ قُلْتُ: لَهُ دِينُهُ ولِيَ كِتابَتُهُ، فَقالَ: لا أُكْرِمُهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ولا أُعِزُّهم إذْ أذَلَّهُمُ اللَّهُ، ولا أُدْنِيهِمْ إذْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ، قُلْتُ: لا يَتِمُّ أمْرُ البَصْرَةِ إلّا بِهِ، فَقالَ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ، يَعْنِي هَبْ أنَّهُ قَدْ ماتَ فَما تَصْنَعُ بَعْدَهُ، فَما تَعْمَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فاعْمَلْهُ الآنَ واسْتَغْنِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المُنافِقُونَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ يُسارِعُونَ في مَوَدَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ ثَرْوَةٍ وكانُوا يُعِينُونَهم عَلى مُهِمّاتِهِمْ ويُقْرِضُونَهم، ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إنَّما نُخالِطُهم؛ لِأنّا نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدّائِرَةُ مِن دَوائِرَ الدَّهْرِ كالدَّوْلَةِ، وهي الَّتِي تَدُورُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، والدّائِرَةُ هي الَّتِي تُخْشى، كالهَزِيمَةِ والحَوادِثِ المُخَوِّفَةِ، فالدَّوائِرُ تَدُورُ، والدَّوائِلُ تَدُولُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدُورُ الأمْرُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ .

صفحة ١٦

قالَ المُفَسِّرُونَ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ في خَيْرٍ فَعَلَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهِ ورَجائِها لَهُ، والمَعْنى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ يَقْطَعُ أصْلَ اليَهُودِ أوْ يُخْرِجُهم عَنْ بِلادِهِمْ فَيُصْبِحَ المُنافِقُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَشُكُّونَ في أمْرِ الرَّسُولِ ويَقُولُونَ: لا نَظُنُّ أنَّهُ يَتِمُّ لَهُ أمْرُهُ، والأظْهَرُ أنْ تَصِيرَ الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ لِأعْدائِهِ، وقِيلَ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ، يَعْنِي أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ فَيَنْدَمُوا عَلى فِعالِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالفَتْحِ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ .

قُلْنا: قَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ مَعْناهُ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ لا يَكُونُ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، كَبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأُعْطُوا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ مُحارِبَةٍ ولا عَسْكَرٍ.

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (يَقُولُ) بِغَيْرِ واوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ العِراقِ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وحَدْفُ الواوِ هَهُنا كَإثْباتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ ذِكْرًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ المَوْصُوفَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَلَمّا حَصَلَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِنَ الأُخْرى حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ وبِغَيْرِ الواوِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرُ ما تَقَدَّمَ أغْنى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الواوِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] فَأدْخَلَ الواوَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حَذْفَ الواوِ وذِكْرَها جائِزٌ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ حَذْفُ الواوِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) نَصْبًا عَلى مَعْنى: وعَسى أنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا مَن رَفَعَ فَإنَّهُ جَعَلَ الواوَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ قِراءَةُ مَن حَذَفَ الواوَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ هو أنَّهم يَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ المُنافِقِينَ عِنْدَما أظْهَرُوا المَيْلَ إلى مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وقالُوا: إنَّهم يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ أنَّهم مَعَنا ومِن أنْصارِنا

صفحة ١٧

فالآنَ كَيْفَ صارُوا مُوالِينَ لِأعْدائِنا مُحِبِّينَ لِلِاخْتِلاطِ بِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى ذَهَبَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ، وبَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ لِأجْلِ أنَّهُمُ الآنَ أظْهَرُوا مُوالاةَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَطَلَتْ أعْمالُهم بَقِيَتْ عَلَيْهِمُ المَشَقَّةُ في الإتْيانِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهم شَيْءٌ مِن ثَمَراتِها ومَنافِعِها، بَلِ اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ في الدُّنْيا والعِقابَ في الآخِرَةِ.

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ (يَرْتَدِدْ) بِدالَيْنِ، والباقُونَ بِدالٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، والأوَّلُ: لِإظْهارِ التَّضْعِيفِ، والثّانِي: لِلْإدْغامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: إظْهارُ الدّالَيْنِ هو الأصْلُ؛ لِأنَّ الثّانِيَ مِنَ المُضاعَفِ إذا سُكِّنَ ظَهَرَ التَّضْعِيفُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٠] ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: إنْ يَمَسَّكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ إحْدى عَشْرَةَ فِرْقَةً: ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

بَنُو مُدْلِجٍ: ورَئِيسُهم ذُو الحِمارِ وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ، وكانَ كاهِنًا ادَّعى النُّبُوَّةَ في اليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِها، وأخْرَجَ عُمّالَ رَسُولِ اللَّهِ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وساداتِ اليَمَنِ، فَأهْلَكَهُ اللَّهُ عَلى يَدِ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ، فَسُرَّ المُسْلِمُونَ، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغَدِ وأُتِيَ خَبَرُهُ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.

وبَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ، ادَّعى النُّبُوَّةَ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ: «مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أمّا بَعْدُ: فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ، فَأجابَهُ الرَّسُولُ: مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ

صفحة ١٨

عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ خَيْرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ وشَرَّ النّاسِ في الإسْلامِ، أرادَ في جاهِلِيَّتِي وفي إسْلامِي.

وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ: ادَّعى النُّبُوَّةَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ خالِدًا، فانْهَزَمَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.

وسَبْعٌ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ: فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وبَنُو سُلَيْمٍ قَوْمُ الفُجاءَةَ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعٍ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمُ سَجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ الَّتِي ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ وزَوَّجَتْ نَفْسَها مِن مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ، وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدِ أبِي بَكْرٍ، وفِرْقَةٌ واحِدَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ: غَسّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَةَ أسْلَمَ عَلى يَدِ عُمَرَ، وكانَ يَطُوفُ ذاتَ يَوْمٍ جارًّا رِداءَهُ، فَوَطِئَ رَجُلٌ طَرَفَ رِدائِهِ فَغَضِبَ فَلَطَمَهُ، فَتَظَلَّمَ إلى عُمَرَ فَقَضى لَهُ بِالقِصاصِ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَقالَ: أنا أشْتَرِيها بِألْفٍ، فَأبى الرَّجُلُ، فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ في الفِداءِ إلى أنْ بَلَغَ عَشَرَةَ آلافٍ، فَأبى الرَّجُلُ إلّا القَصاصَ، فاسْتَنْظَرَ عُمَرَ فَأنْظَرَهُ عُمَرُ، فَهَرَبَ إلى الرُّومِ وارْتَدَّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى …

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾

وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمُوالاةِ مَن يَجِبُ مُوالاتُهُ وقالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ عامَّةُ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِنَ اليَهُودِ وقالَ: أنا بَرِيءٌ إلى اللَّهِ مِن حِلْفِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ.

ورُوِيَ أيْضًا «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمَنا قَدْ هَجَرُونا وأقْسَمُوا أنْ لا يُجالِسُونا، ولا نَسْتَطِيعُ مُجالَسَةَ أصْحابِكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ:

صفحة ٢٣

رَضِينا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ أوْلِياءَ»، فَعَلى هَذا: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، فَكُلُّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهو ولِيُّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائِدَةِ: ٥١] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفاتِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ الإيمانَ، إلّا أنَّهم ما كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الصَّلَواتِ والزَّكَواتِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ صَلاتِهِمْ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٤] وقالَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٤٢] وقالَ في صِفَةِ زَكاتِهِمْ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحْزابِ: ١٩]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾ فَفِيهِ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ الرُّكُوعِ الخُضُوعُ، يَعْنِي أنَّهم يُصَلُّونَ ويُزَكُّونَ وهم مُنْقادُونَ خاضِعُونَ لِجَمِيعِ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: مِن شَأْنِهِمْ إقامَةُ الصَّلاةِ، وخُصَّ الرُّكُوعُ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٣]

والثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ أصْحابَهُ كانُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفُونَ في هَذِهِ الصِّفاتِ، مِنهم مَن قَدْ أتَمَّ الصَّلاةَ، ومِنهم مَن دَفَعَ المالَ إلى الفَقِيرِ، ومِنهم مَن كانَ بَعْدُ في الصَّلاةِ وكانَ راكِعًا، فَلَمّا كانُوا مُخْتَلِفِينَ في هَذِهِ الصِّفاتِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا رَأيْتُ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاجٍ وهو راكِعٌ، فَنَحْنُ نَتَوَلّاهُ، ورُوِيَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلاةَ الظُّهْرِ، فَسَألَ سائِلٌ في …

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الحِزْبُ في اللُّغَةِ أصْحابُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، قالَ الحَسَنُ: جُنْدُ اللَّهِ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: أوْلِياءُ اللَّهِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِيعَةُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: أنْصارُ اللَّهِ، وقالَ الأخْفَشُ: حِزْبُ اللَّهِ الَّذِينَ يَدِينُونَ بِدِينِهِ ويُطِيعُونَهُ فَيَنْصُرُهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والعائِدُ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، والتَّقْدِيرٌ فَهو غالِبٌ لِكَوْنِهِ مِن جُنْدِ اللَّهِ وأنْصارِهِ.

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَهى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ وساقَ الكَلامَ في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنا النَّهْيَ العامَّ عَنْ مُوالاةِ جَمِيعِ الكُفّارِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ (الكُفّارِ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ومِنَ الكُفّارِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ بِتَقْدِيرِ: ولا الكُفّارَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ أظْهَرا الإيمانَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي امْتِيازَ أهْلِ الكِتابِ عَنِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البَيِّنَةِ: ١] صَرِيحٌ في كَوْنِهِمْ كُفّارًا، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أعْظَمُ وأغْلَظُ، فَنَحْنُ لِهَذا السَّبَبِ نُخَصِّصُهم بِاسْمِ الكُفْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى تَلاعُبِهِمْ بِالدِّينِ واسْتِهْزائِهِمْ إظْهارُهم ذَلِكَ بِاللِّسانِ مَعَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ في القَلْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ لَمّا اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا وسُخْرِيَةً فَلا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ وأنْصارًا وأحْبابًا، فَإنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ الخارِجِ عَنِ العَقْلِ والمُرُوءَةِ.

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾

لَمّا حَكى في الآيَةِ الأُولى عَنْهم أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَ المُسْلِمِينَ هُزُوًا ولَعِبًا ذَكَرَ هَهُنا بَعْضَ ما يَتَّخِذُونَهُ مِن هَذا الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا، فَقالَ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اتَّخَذُوها) لِلصَّلاةِ أوِ المُناداةِ ؟ .

قِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: أُحْرِقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمَتُهُ بِنارٍ ذاتَ لَيْلَةٍ فَتَطايَرَتْ مِنها شَرارَةٌ في البَيْتِ فاحْتَرَقَ البَيْتُ واحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.

وقِيلَ: كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنادِي لِلصَّلاةِ وقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، فَقالَتِ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: قالُوا يا مُحَمَّدُ لَقَدْ أبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ فِيما مَضى، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَقَدْ خالَفْتَ فِيما أحْدَثْتَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَمِن أيْنَ لَكَ صِياحٌ كَصِياحِ العِيرِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ لا بِالمَنامِ وحْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ أمْرانِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عِنْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ يَقُولُونَ: هَذِهِ الأعْمالُ الَّتِي أتَيْنا بِها اسْتِهْزاءٌ بِالمُسْلِمِينَ وسُخْرِيَةٌ مِنهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنّا عَلى دِينِهِمْ مَعَ أنّا لَسْنا كَذَلِكَ، ولَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ ومَنفَعَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا قالُوا إنَّها لَعِبٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ كامِلٌ لَعَلِمُوا أنَّ تَعْظِيمَ الخالِقِ المُنْعِمِ وخِدْمَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِغايَةِ التَّعْظِيمِ لا يَكُونُ هُزُوًا ولَعِبًا، بَلْ هو أحْسَنُ أعْمالِ العِبادِ وأشْرَفُ أفْعالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: أشْرَفُ الحَرَكاتِ الصَّلاةُ، وأنْفَعُ السَّكَناتِ الصِّيامُ.

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَ الإسْلامِ هُزُوًا ولَعِبًا قالَ لَهم: ما الَّذِي تَنْقِمُونَ مِن هَذا الدِّينِ ؟ وما الَّذِي تَجِدُونَ فِيهِ مِمّا يُوجِبُ اتِّخاذَهُ هُزُوًا ولَعِبًا ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ (هَلْ تَنْقَمُونَ) بِفَتْحِ القافِ، والفَصِيحُ كَسْرُها، يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ ونَقَمْتُهُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها إذا أنْكَرْتَهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا: هَلْ تَعِيبُونَ ؟ هَلْ تُنْكِرُونَ ؟ هَلْ

صفحة ٣٠

تَكْرَهُونَ ؟ قالَ بَعْضُهم: سُمِّيَ العِقابُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى ما يُنْكَرُ مِنَ الفِعْلِ.

وقالَ آخَرُونَ: الكَراهَةُ الَّتِي يَتْبَعُها سُخْطٌ مِنَ الكارِهِ تُسَمّى نِقْمَةً؛ لِأنَّها تَتْبَعُها النِّقْمَةُ الَّتِي هي العَذابُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ أوَّلًا لِلْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سُمِّيَ العَذابُ نِقْمَةً لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ سَمِّيَ المُنْكَرُ والمَكْرُوهُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَتْبَعُهُ العَذابُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَقُولُ لِأهْلِ الكِتابِ: لِمَ اتَّخَذْتُمْ هَذا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: هَلْ تَجِدُونَ في هَذا الدِّينِ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ والإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإيمانَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ؟ يَعْنِي أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يُنْقَمُ، أمّا الإيمانُ بِاللَّهِ فَهو رَأْسُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، وأمّا الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِجَمِيعِ الأنْبِياءِ فَهو الحَقُّ والصِّدْقُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الطَّرِيقُ إلى تَصْدِيقِ بَعْضِ الأنْبِياءِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ هو المُعْجِزُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ المُعْجِزَ حَصَلَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ رَسُولًا، فَأمّا الإقْرارُ بِالبَعْضِ وإنْكارُ البَعْضِ فَذَلِكَ كَلامٌ مُتَناقِضٌ، ومَذْهَبٌ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ هو الدِّينُ الحَقُّ والطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، فَلِمَ تَنْقِمُونَهُ عَلَيْنا ؟ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: أُومِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ إلى قَوْلِهِ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها» .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ فالقِراءَةُ العامَّةُ (أنَّ) بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ (إنَّ) بِالكَسْرِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَنْقِمُ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ اليَهُودِ فاسِقِينَ ؟

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لَهم بِالفِسْقِ، فَيَدُلُّ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ أنَّهم لَمْ يَتَبِّعُوهم عَلى فِسْقِهِمْ، فَكانَ المَعْنى: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا، وما فَسَقْنا مِثْلَكم.

الثّانِي: لَمّا ذَكَرَ تَعالى …

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (مِن ذَلِكُ) إشارَةٌ إلى المُنْقِمِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ المُضافِ، وتَقْدِيرُهُ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: المَلْعُونُ شَرٌّ مِن ذَلِكَ الدِّينِ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ شَرٌّ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ الدِّينُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ المَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الدِّينِ مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ بِالشَّرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

قُلْنا: إنَّما خَرَجَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، فَإنَّهم حَكَمُوا بِأنَّ اعْتِقادَ ذَلِكَ الدِّينِ شَرٌّ، فَقِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وغَضَبَهُ ومَسْخَ الصُّوَرِ شَرٌّ مِن ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مَثُوبَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَزْنُها مَفُعْلَةٌ كَقَوْلِكَ: مَقُولَةٌ ومَجُوزَةٌ، وهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقَدْ جاءَتْ مَصادِرُ عَلى مَفْعُولٍ كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ.

فَإنْ قِيلَ: المَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالإحْسانِ، فَكَيْفَ جاءَتْ في الإساءَةِ ؟

قُلْنا: هَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] كَأنَّهُ قالَ: هو النّارُ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن (شَرٍّ) والمَعْنى أُنَبِّئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنْواعًا:

أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم.

وثانِيها: أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ، قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: عَنى بِالقِرَدَةِ أصْحابَ السَّبْتِ، وبِالخَنازِيرِ كُفّارَ مائِدَةِ عِيسى، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَسْخَيْنِ كانا في أصْحابِ السَّبْتِ، لِأنَّ شُبّانَهم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومَشايِخَهم مُسِخُوا خَنازِيرَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أنْواعًا مِنَ القِراءاتِ:

أحَدُها: قَرَأ

صفحة ٣٢

أُبَيٌّ: وعَبَدُوا الطّاغُوتَ.

وثانِيها: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ومَن عَبَدُوا.

وثالِثُها: وعابِدُ الطّاغُوتِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ.

ورابِعُها: وعابِدِي.

وخامِسُها: وعَبّادُ.

وسادِسُها: وعَبْدَ.

وسابِعُها: وعَبَّدَ، بِوَزْنِ حَطَّمَ.

وثامِنُها: وعَبِيدُ.

وتاسِعُها: وعُبُدُ ”بِضَمَّتَيْنِ“ جَمْعُ عَبِيدٍ.

وعاشِرُها: وعَبَدَةُ بِوَزْنِ كَفَرَةٍ.

والحادِيَ عَشَرَ: وعَبَدُ، وأصْلُهُ عَبَدَةٌ، فَحُذِفَتِ التّاءُ لِلْإضافَةِ، أوْ هو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.

والثّانِيَ عَشَرَ: عَبَدَ.

والثّالِثَ عَشَرَ: عِبادُ.

والرّابِعَ عَشَرَ: وأعْبُدُ.

والخامِسَ عَشَرَ: وعُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ، بِمَعْنى وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم.

والسّادِسَ عَشَرَ: …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.