Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

ولَمّا بَيَّنَ عِنادَهُمْ؛ وأنَّ عَداوَتَهم لِأهْلِ هَذا الدِّينِ - الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ - لَيْسَ بَعْدَها عَداوَةٌ؛ نَهى مَنِ اتَّسَمَ بِالإيمانِ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُها بَعْدَ هَذا البَيانِ مُؤْمِنٌ؛ ولا عاقِلٌ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يُوالِي غَيْرَ قَوْمِهِ إلّا بِاجْتِهادٍ في مُقَدِّماتٍ يَعْمَلُها؛ وأشْياءَ يَتَحَبَّبُ بِها إلى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُ أنْ يُوالِيَهُمْ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: إنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ يَتَأتّى بِسُهُولَةٍ لَما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَفْعَلُوهُ؛ فَكَيْفَ وهو لا يَكُونُ إلّا بِبَذْلِ الجُهْدِ؟! ﴿اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ؛ تَفْعَلُونَ مَعَهم ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ؛ وتَرْجُونَ مِنهم مِثْلَ ذَلِكَ؛ وهم أكْثَرُ النّاسِ اسْتِخْفافًا بِكُمْ؛ وازْدِراءً لَكُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾؛ أيْ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ وهم جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ - بِجامِعِ الكُفْرِ؛ وإنِ اخْتَلَفُوا في الدِّينِ - عَلى عَداوَتِكم يا أهْلَ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِيِّ؛ ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يُعالِجْ فِطْرَتَهُ الأُولى؛ حَتّى يُعامِلَهم مُعامَلَةَ الأقْرِباءِ؛ ﴿فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾؛ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ؛ فَمَن والى أعْداءَهُ تَبَرَّأ مِنهُ؛ ووَكَلَهُ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ تَزْهِيدًا فِيهِمْ؛ وتَرْهِيبًا لِمُتَوَلِّيهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ والحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ وكانَ الأصْلُ: ”لا يَهْدِيهِمْ“؛ أوْ: ”لا يَهْدِيهِ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ فَهم يَمْشُونَ في الظَّلامِ؛ فَلِذَلِكَ اخْتارُوا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ؛ ووالَوْا مَن لا تَصْلُحُ مُوالاتُهُ؛ ومَن لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَهْدِيَهُ؛ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنْهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبْرَةَ في الإيمانِ القَلْبُ؛ إذْ مَعْناهُ أنَّ هَذا الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الإقْرارِ مِمَّنْ يُوالِيهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ المُوالِيَ لَهم ظالِمٌ بِمُوالاتِهِ لَهُمْ؛ والظّالِمُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ؛ فالمُوالِي لَهم لا يَهْدِيهِ اللَّهُ؛ فَهو كافِرٌ؛ وهَكَذا كُلُّ مَن كانَ يَقُولُ - أوْ يَفْعَلُ - ما يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى كُفْرِهِ؛ وإنْ كانَ يُصَرِّحُ بِالإيمانِ - واللَّهُ الهادِي؛ وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ؛ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ؛ واعْتِزالِهِ - كَما قالَ ﷺ: «”لا تَراءى ناراهُما“؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ لِأبِي مُوسى - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - حِينَ اتَّخَذَ كاتِبًا نَصْرانِيًّا: لا تُكْرِمُوهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ؛ ولا تَأْمَنُوهم إذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ؛ ولا تُدْنُوهم إذْ أقْصاهُمُ اللَّهُ؛ ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: لا قِوامَ لِلْبَصْرَةِ إلّا بِهِ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ماتَ النَّصْرانِيُّ - والسَّلامُ؛ يَعْنِي هَبْ أنَّهُ ماتَ؛ فَما كُنْتَ صانِعًا حِينَئِذٍ؛ فاصْنَعْهُ السّاعَةَ.

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

ولَمّا عَلَّلَ بِذَلِكَ؛ كانَ سَبَبًا لِتَمْيِيزِ الخالِصِ الصَّحِيحِ مِنَ المَغْشُوشِ المَرِيضِ؛ فَقالَ: ﴿فَتَرى﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مُتَوَلِّيهِمْ أنَّكَ تَرى ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أيْ: فَسادٌ في الدِّينِ؛ كابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ - أخْزاهُمُ اللَّهُ (تَعالى) -؛ ﴿يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِمْ دُونَ اللَّهِ؛ ﴿فِيهِمْ﴾؛ أيْ: في مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ؛ حَتّى يَكُونُوا مِن شِدَّةِ مُلابَسَتِهِمْ كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ لَهُمْ؛ كَأنَّ هَذا الكَلامَ النّاهِيَ لَهم كانَ إغْراءً؛ ويَعْتَلُّونَ بِما لا يَعْتَلُّ بِهِ إلّا مَرِيضُ الدِّينِ مِنَ النَّظَرِ إلى مُجَرَّدِ السَّبَبِ في النُّصْرَةِ عِنْدَ خَشْيَةِ الدّائِرَةِ؛ ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: قائِلِينَ - اعْتِمادًا عَلَيْهِمْ وهم أعْداءُ اللَّهِ؛ اعْتِذارًا عَنْ مُوالاتِهِمْ -: ﴿نَخْشى﴾؛ أيْ: نَخافُ خَوْفًا بالِغًا؛ ﴿أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾؛ أيْ: مُصِيبَةٌ مُحِيطَةٌ بِنا؛ والدَّوائِرُ: الَّتِي تُخْشى؛ والدَّوائِلُ: الَّتِي تُرْجى.

ولَمّا نَصَبَ - سُبْحانَهُ - هَذا الدَّلِيلُ الَّذِي يُعَرِّفُ الخالِصَ مِنَ المَغْشُوشِ؛ كانَ فِعْلُهم هَذا لِلْخالِصِ سَبَبًا في تَرَجِّي أمْرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ يَنْصُرُ بِهِ دِينَهُ؛ إمّا الفَتْحِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ مِمّا أحاطَ بِهِ عِلْمُهُ؛ وكَوَّنَتْهُ قُدْرَتُهُ؛ يَكُونُ سَبَبًا لِنَدَمِهِمْ؛ فَلِذا قالَ: ﴿فَعَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ فَلا يُطْلَبُ النَّصْرُ إلّا مِنهُ؛ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾؛ أيْ: بِإظْهارِ الدِّينِ عَلى الأعْداءِ؛ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ بِأخْذِهِمْ قَتْلًا بِأيْدِيكُمْ؛ أوْ بِإخْراجِ اليَهُودِ مِن أرْضِ العَرَبِ؛ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَيَنْكَشِفُ لَهُمُ الغِطاءُ.

ولَمّا كانَتِ المُصِيبَةُ عِنْدَ الإصْباحِ أعْظَمَ؛ عَبَّرَ بِهِ؛ وإنْ كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ؛ فَقالَ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أيْ: فَيُسَبَّبُ عَنْ كَشْفِ غِطائِهِمْ أنْ يُصْبِحُوا؛ والأحْسَنُ في نَصْبِهِ ما ذَكَرَهُ أبُو طالِبٍ العَبْدِيُّ؛ في شَرْحِ الإيضاحِ لِلْفارِسِيِّ؛ مِن أنَّهُ جَوابُ ”عَسى“؛ إلْحاقًا لَها بِالتَّمَنِّي؛ لِكَوْنِها لِلطَّمَعِ؛ وهو قَرِيبٌ مِنهُ؛ ويُحَسِّنُهُ أنَّ الفَتْحَ ونَدامَتَهُمُ المُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ؛ مِن قَبِيلِ المُحالِ؛ فَيَكُونُ النَّصْبُ إشارَةً إلى ما يُخْفُونَ مِن ذَلِكَ؛ وهو مِثْلُ ما يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) - في تَوْجِيهِ قِراءَةِ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ؛ في ”غافِرٍ“؛ ﴿فَأطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٧]؛ بِالنَّصْبِ؛ ﴿عَلى ما أسَرُّوا﴾؛ ولَمّا كانَ الإسْرارُ لا يَكُونُ إلّا لِما يُخْشى مِن إظْهارِهِ فَسادٌ؛ وكانَ يُطْلَقُ عَلى ما دارَ بَيْنَ جَماعَةٍ خاصَّةٍ عَلى وجْهِ الكِتْمانِ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ أدَقُّ مِن ذَلِكَ وأنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ مَنَعَهم خَوْفُهم مِن غائِلَتِهِ؛ وغَرَّتْهُ عِنْدَهم أنْ يُبْرِزُوهُ إلى الخارِجِ؛ فَقالَ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن تَجْوِيزِ مَحْوِ هَذا الدِّينِ؛ وإظْهارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ ﴿نادِمِينَ﴾؛ أيْ: ثابِتًا لَهم غايَةُ النَّدَمِ؛ في الصَّباحِ وغَيْرِهِ؛

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مَن رَفَعَهُ عَطَفَهُ عَلى مَعْنى ”نادِمِينَ“؛ فَإنَّ أصْلَهُ: ”يَنْدَمُونَ“؛ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالِاسْمِ إعْلامًا بِدَوامِ نَدَمِهِمْ؛ بِشارَةً بِدَوامِ الظُّهُورِ لِهَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ دِينٍ؛ أوْ عَلى ”يَقُولُونَ نَخْشى“؛ ومَن أسْقَطَ الواوَ جَعَلَهُ حالًا؛ ومَن نَصَبَهُ جازَ أنْ يَعْطِفَهُ عَلى ”فَيُصْبِحُوا“؛ أيْ: يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَحَقُّقِ المُؤْمِنِينَ أمْرَ المُنافِقِينَ بِالمُسارَعَةِ في أهْلِ الكِتابِ؛ عِنْدَ قِيامِهِمْ سُرُورًا بِهِمْ؛ والنَّدَمِ عِنْدَ خِذْلانِهِمْ؛ ومَحْقِهِمْ؛ فَيَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ - تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ؛ واغْتِباطًا بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ التَّوْفِيقِ في الإخْلاصِ؛ مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ؛ تَنْبِيهًا وإنْكارًا -: ﴿أهَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيرُونَ؛ ﴿الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ أيْ: مُبالِغِينَ في ذَلِكَ؛ اجْتِراءً عَلى عَظَمَتِهِ؛ ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾؛ أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ؛ في حَقِّ المُنافِقِينَ؛ حَيْثُ قاسَمُوهم عَلى النُّصْرَةِ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ - جَوابًا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَماذا يَكُونُ حالُهُمْ؟ فَقالَ -: ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أيْ: فَسَدَتْ؛ فَسَقَطَتْ؛ ﴿أعْمالُهم فَأصْبَحُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم صارُوا؛ ﴿خاسِرِينَ﴾؛ أيْ: دائِمِي الخَسارَةِ؛ بِتَعَبِهِمْ في الدُّنْيا بِالأعْمالِ؛ وخَيْبَةِ الآمالِ؛ وجِنايَتِهِمْ في الآخِرَةِ الوَبالَ؛ وعَبَّرَ بِالإصْباحِ؛ لِأنَّهُ لا أقْبَحَ مِن مُصابَحَةِ السُّوءِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ البَغْتَةِ؛ بِخِلافِ ما يُنْتَظَرُ ويُؤَمَّلُ.

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

ولَمّا نَهى عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وأخْبَرَ أنَّ فاعِلَها مِنهُمْ؛ نَفى المَجازَ؛ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ؛ فَقالَ - مُظْهِرًا لِنَتِيجَةِ ما سَبَقَ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ”مَن يُوالِهِمْ مِنكُمْ“؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ تَرْكُ الدِّينَ؛ فَقالَ: ﴿مَن يَرْتَدَّ﴾؛ ولَوْ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ في قِراءَةِ مَن سِوى المَدَنِيِّينَ؛ وابْنِ عامِرٍ - ﴿مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَعْناهُ مُوالاةُ أوْلِياءِ اللَّهِ؛ ومُعاداةُ أعْداءِ اللَّهِ؛ فَيُوالُونَ أعْداءَهُ؛ ويَتْرُكُونَ أوْلِياءَهُ؛ فَيُبْغِضُهُمُ اللَّهُ؛ ويُبْغِضُونَهُ؛ ويَكُونُونَ أعِزَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ؛ أذِلَّةً عَلى الكافِرِينَ؛ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ؛ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ والعَظَمَةُ البالِغَةُ؛ مَكانَهُمْ؛ وإنْ طالَ المَدى؛ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿بِقَوْمٍ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهم ضِدَّ حالِهِمْ؛ يَثْبُتُونَ عَلى دِينِهِمْ؛ وهم أبُو بَكْرٍ؛ والتّابِعُونَ لَهُ بِإحْسانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

ولَمّا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أصْلَ كُلِّ سَعادَةٍ؛ قَدَّمَها؛ فَقالَ: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾؛ فَيُثَبِّتُهم عَلَيْهِ؛ ويُثِيبُهم بِكَرَمِهِ أحْسَنَ الثَّوابِ؛ ﴿ويُحِبُّونَهُ﴾؛ فَيَثْبُتُونَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿أذِلَّةٍ﴾؛ وهو جَمْعُ ”ذَلِيلٌ“؛ ولَمّا كانَ ذُلُّهم هَذا إنَّما هو الرِّفْقُ ولِينُ الجانِبِ؛ لا الهَوانُ؛ كانَ في الحَقِيقَةِ عِزًّا؛ فَأشارَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ؛ مُضَمِّنًا لَهُ مَعْنى الشَّفَقَةِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّ تَواضُعَهم عَنْ عُلُوِّ مَنصِبٍ؛ وشَرَفٍ -: ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ؛ ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: يُظْهِرُونَ الغِلْظَةَ والشِّدَّةَ عَلَيْهِمْ؛ لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ خاذِلُهُمْ؛ ومُهْلِكُهُمْ؛ وإنِ اشْتَدَّ أمْرُهُمْ؛ وظَهَرَ عُلُوُّهُمْ؛ وقَهْرُهُمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا البُغْضَ؛ وما يُثْمِرُهُ؛ لِدَلالَةِ الحُبِّ عَلَيْهِ؛ وحَذَفَ ثانِيًا الثَّباتَ؛ لِدَلالَةِ الرِّدَّةِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُجاهِدُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الجِهادَ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِمَن يَسْتَحِقُّهُ؛ مِن غَيْرِ مَلالٍ؛ ولا تَكَلُّفٍ؛ كالمُنافِقِينَ؛ وحَذَفَ المَفْعُولَ تَعْمِيمًا؛ ودَلَّ عَلَيْهِ مُؤْذِنًا بِأنَّ الطّاعَةَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الواسِعِ المُسْتَقِيمِ؛ الواضِحِ؛ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ؛ كالمُنافِقِينَ.

ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ يَخْرُجُونَ في الجِهادِ؛ فَصَلَهم مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم لا ﴿يَخافُونَ لَوْمَةَ﴾؛ أيْ: واحِدَةً مِن لَوْمِ ﴿لائِمٍ﴾؛ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً؛ وكانَ هو عَظِيمًا؛ فَبِسَبَبِ ذَلِكَ هم صِلابٌ في دِينِهِمْ؛ إذا شَرَعُوا في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ - أمْرٍ بِالمَعْرُوفِ؛ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ - كانُوا كالمَسامِيرِ المُحْماةِ؛ لا يُرَوِّعُهم قَوْلُ قائِلٍ؛ ولا اعْتِراضُ مُعْتَرِضٍ؛ ويَفْعَلُونَ في الجِهادِ في ذَلِكَ جَمِيعَ ما تَصِلُ قُدْرَتُهُمْ؛ وتَبْلُغُ قُوَّتُهم إلَيْهِ؛ مِن إنْكالِ الأعْداءِ؛ وإهانَتِهِمْ؛ ومُناصَرَةِ الأوْلِياءِ؛ ومُعاضَدَتِهِمْ؛ ولَيْسُوا كالمُنافِقِينَ يَخافُونَ لَوْمَةَ أوْلِيائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ؛ فَلا يَفْعَلُونَ؛ وإنْ كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ؛ شَيْئًا يُنْكِيهِمْ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأوْصافُ مِنَ العُلُوِّ في رُتَبِ المَدْحِ بِمَكانٍ لا يُلْحَقُ؛ قالَ - …

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - وِلايَتَهُمْ؛ بِمَعْنى المَحَبَّةِ؛ وبِمَعْنى النُّصْرَةِ؛ وبِمَعْنى القُرْبِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ حَصْرَ وِلايَةِ كُلِّ مَن يَدَّعِي الإيمانَ فِيهِ؛ وفي أوْلِيائِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ القادِرُ عَلى ما يَلْزَمُ الوَلِيَّ؛ ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إلّا بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ ولَمّا ذَكَرَ الحَقِيقَ بِإخْلاصِ الوِلايَةِ لَهُ؛ مُعْلِمًا بِأفْرادِ المُبْتَدَإ أنَّهُ الأصْلُ في ذَلِكَ؛ وما عَداهُ تَبَعٌ؛ أتْبَعَهُ مَن تُعْرَفُ وِلايَتُهُ - سُبْحانَهُ - بِوِلايَتِهِمْ؛ بادِئًا بِأحَقِّهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ورَسُولُهُ﴾؛ وأضافَهُ إلَيْهِ إظْهارًا لِرِفْعَتِهِ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الإيمانَ؛ وأقَرُّوا بِهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما يُصَدِّقُ دَعْواهُمُ الإيمانَ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: تَمْكِينًا لِوَصْلَتِهِمْ بِالخالِقِ؛ ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ إحْسانًا إلى الخَلائِقِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”يُقِيمُونَ“؛ أيْ: ويَكُونُونَ مِن أهْلِ الرُّكُوعِ؛ فَيَكُونَ فَضْلًا مُخَصَّصًا بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ؛ والنَّصارى؛ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ - كَما مَضى بَيانُهُ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ الإيتاءِ؛ وفي أسْبابِ النُّزُولِ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ؛ فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ؛ وجَمَعَ - وإنْ كانَ السَّبَبُ واحِدًا - تَرْغِيبًا في مِثْلِ فِعْلِهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ؛ والتَّعْجِيلِ بِهِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ.

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن يَتَوَلَّ غَيْرَهُمْ؛ فَأُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ؛ وحِزْبُ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَجْتَهِدْ في وِلايَةِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العِزِّ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ الَّذِي خُلُقُهُ القُرْآنُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]؛ وأعادَ ذِكْرَ مَن خَصَّ الوِلايَةَ بِهِمْ؛ تَبَرُّكًا بِأسْمائِهِمْ؛ وتَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ فَإنَّهُمُ الغالِبُونَ؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ ما شَرَّفَهم بِهِ؛ تَرْغِيبًا لَهم في وِلايَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: القَوْمَ الَّذِينَ يَجْمَعُهم عَلى ما يُرْضِي المَلِكَ الأعْلى ما حَزَبَهُمْ؛ أيْ: اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ ﴿هُمُ الغالِبُونَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُمْ؛ بَلْ غَيْرُهم مَغْلُوبُونَ؛ ثُمَّ إلى النّارِ مَحْشُورُونَ؛ لِأنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ.

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

ولَمّا نَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى العِلَلِ المانِعَةِ مِن وِلايَةِ الكُفّارِ؛ وحَصَرَ الوِلايَةَ فِيهِ - سُبْحانَهُ -؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ - مُنَبِّهًا عَلى عِلَلٍ أُخْرى؛ مُوَجِّهًا لِلْبَراءَةِ مِنهم -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ونَبَّهَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى أنَّ مَن يُوالِيهِمْ يُجاهِدُ عَقْلَهُ عَلى ذَلِكَ؛ اتِّباعًا لِهَواهُ؛ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: بِغايَةِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ مِنهُمْ؛ ﴿دِينَكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَنهِيَّ عَنْ مُوالاتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِهِمْ مَنحَ العِلْمِ؛ وهو كافٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَعْيِينِ المُؤْتِي؛ بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ ولَمّا كانَ تَطاوُلُ الزَّمانِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن طاعَةٍ؛ أوْ عِصْيانٍ؛ وكانَ الإيتاءُ المَذْكُورُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ يَعْنِي أنَّهم فَعَلُوا الهُزُوَ عِنادًا؛ بَعْدَ تَحَقُّقِهِمْ صِحَّةَ الدِّينِ.

ولَمّا خَصَّ؛ عَمَّ؛ فَقالَ: ﴿والكُفّارَ﴾؛ أيْ: مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ؛ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم نُقِلَ عَنِ الأنْبِياءِ؛ وإنَّما سَتَرُوا ما وضَحَ لِعُقُولِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فَكانُوا ضالِّينَ؛ وكَذا غَيْرُهُمْ؛ سَواءٌ عُلِمَ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ أوْ لا؛ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ غَيْرُ قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ؛ والكِسائِيِّ بِالنَّصْبِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلى حَسَدِكُمْ؛ وازْدِرائِكُمْ؛ فَلا تَصِحُّ لَكم مُوالاتُهم أصْلًا.

ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِمُوالاةِ شَخْصٍ - إذا تَرَكَهُ ووالى غَيْرَهُ - يَسْعى في إهانَتِهِ؛ حَذَّرَهم وُقُوعَهم بِمُوالاتِهِمْ؛ عَلى ضِدِّ مَقْصُودِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ مَن لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ فَإنَّ مَن والى غَيْرَهُ عاداهُ؛ ومَن عاداهُ هَلَكَ هَلاكًا لا يُضارُّ مَعَهُ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ؛ بِحَيْثُ صارَ لَكم جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ فَإنْ لَمْ تَخافُوهُ بِأنْ تَتْرُكُوا ما نَهاكم عَنْهُ؛ فَلا إيمانَ.

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

ولَمّا عَمَّ في بَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ جَمِيعَ الدِّينِ؛ خَصَّ رُوحَهُ؛ وخالِصَتَهُ؛ وسِرَّهُ؛ فَقالَ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ﴾؛ أيْ: دَعا بَعْضُكُمُ الباقِينَ إلى الإقْبالِ إلى النَّدى؛ وهو المُجْتَمَعُ؛ فَأجابَهُ الباقُونَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ ومِنهُ دارُ النَّدْوَةِ؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ المُؤَذِّنَ كَلَّمَ المُسْلِمِينَ؛ بِرَفْعِ صَوْتِهِ؛ كَلامَ مَن هو مَعَهم في النَّدى بِالقَوْلِ؛ فَأجابُوهُ بِالفِعْلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُناداةً - هَذا أصْلُهُ؛ فَعَبَّرَ بِالغايَةِ الَّتِي يَكُونُ الِاجْتِماعُ بِها؛ فَقالَ - مُضَمِّنًا لَهُ الِانْتِهاءَ -: ﴿إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أعْظَمُ دَعائِمِ الدِّينِ؛ ومُوصِلٌ إلى المَلِكِ العَظِيمِ؛ وعاصِمٌ بِحَبْلِهِ المَتِينِ؛ ﴿اتَّخَذُوها﴾؛ عَلى ما لَها مِنَ العَظْمَةِ؛ والجَدِّ؛ والبُعْدِ مِنَ الهَزْءِ؛ بِغايَةِ هِمَمِهِمْ؛ وعَزائِمِهِمْ؛ ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾؛ فَيَتَعَمَّدُونَ الضَّحِكَ؛ والسُّخْرِيَةَ؛ ويَقُولُونَ: صاحُوا كَصِياحِ العِيرِ - ونَحْوَ هَذا -؛ وبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ سَبَّبَ ذَلِكَ عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ؛ فَكَأنَّهم لا عُقُولَ لَهُمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَأمُّلَها - في التَّطَهُّرِ لَها؛ وحُسْنِ حالِ فاعِلِها عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِها؛ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ الدُّنْيا جُمْلَةً؛ والإقْبالِ عَلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ؛ والتَّحَلِّي بِالقِراءَةِ لِأعْظَمِ الكَلامِ؛ والتَّخَشُّعِ والتَّخَضُّعِ لِمَلِكِ المُلُوكِ؛ الَّذِي لَمْ تَخْفَ عَظَمَتُهُ عَلى أحَدٍ؛ ولا نازَعَ قَطُّ في كِبْرِيائِهِ وقُدْرَتِهِ مُنازِعٌ - بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في اعْتِقادِ حُسْنِها؛ وجَلالِها؛ وهَيْبَتِها؛ وكَمالِها؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الشَّناعَةِ؛ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾؛ وإنْ كانُوا أقْوِياءَ؛ لَهم قُدْرَةٌ عَلى القِيامِ في الأُمُورِ؛ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَتْ لَهم هَذِهِ الحَقِيقَةُ؛ ولَوْ كانَ لَهم شَيْءٌ مِن عَقْلٍ لَعَلِمُوا أنَّ النِّداءَ بِالفَمِ أحْسَنُ مِنَ التَّبْوِيقِ؛ وضَرْبِ النّاقُوسِ بِشَيْءٍ لا يُقاسُ؛ وأنَّ التَّذَلُّلَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِالصَّلاةِ أمْرٌ لا شَيْءَ أحْسَنُ مِنهُ بِوَجْهٍ؛ ولِلْأذانِ مِنَ الأسْرارِ ما تَعْجِزُ عَنْهُ الأفْكارُ؛ مِنهُ أنَّهُ جَعَلَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً؛ لِيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ عَنْ قائِلِهِ خَزَنَةَ النّارِ التِّسْعَةَ عَشَرَ؛ وجُعِلَتِ الإقامَةُ إحْدى عَشْرَةَ كَلِمَةً؛ رَجاءَ أنْ يَكُونَ مُعْتَقِدُها رَفِيقًا لِأحَدَ عَشَرَ؛ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهم بِالجَنَّةِ؛ وقُطْبِهِمْ؛ وقُطْبِ الوُجُودِ كُلِّهِ؛ النَّبِيِّ ﷺ؛ وناهِيكَ أنَّ مِن أسْرارِهِ أنَّهُ جَمَعَ الدِّينَ كُلَّهُ؛ أُصُولًا؛ وفُرُوعًا - كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي: ”الإيذانُ بِفَتْحِ أسْرارِ التَّشَهُّدِ والأذانِ“.

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ نَزّاعَةً إلى الهَوى؛ عَمِيَّةً عَنِ المَصالِحِ؛ جامِحَةً عَنِ الدَّواءِ؛ بِما وقَفَتْ عِنْدَهُ مِنَ النَّظَرِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ وكانَ الدَّلِيلُ عَلى سَلْبِ العَقْلِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ دَلِيلًا عَلى العَرَبِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وكانَ أهْلُ الكِتابِ - لِكَوْنِهِمْ أهْلَ عِلْمٍ - لا يَنْهَضُ بِمُحاجَّتِهِمْ إلّا الأفْرادُ مِن خُلَّصِ العِبادَ؛ قالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ؛ مِن عَدَمِ عَقْلِهِمْ؛ آمِرًا لِأعْظَمِ خَلْقِهِ بِتَبْكِيتِهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَقْرِيعِهِمْ -: ﴿قُلْ﴾؛ وأنْزَلَهم بِمَحَلِّ البُعْدِ؛ فَقالَ - مُبَكِّتًا لَهُمْ؛ بِكَوْنِ العِلْمِ لَمْ يَمْنَعْهم عَنِ الباطِلِ -: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾؛ أيْ: تُنْكِرُونَ؛ وتَكْرَهُونَ؛ وتَعِيبُونَ؛ ﴿مِنّا إلا أنْ آمَنّا﴾؛ أيْ: أوْجَدْنا الإيمانَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مَلَأتِ الأقْطارَ؛ وجاوَزَتْ حَدَّ الإكْثارِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾؛ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في حالاتِ الإطْنابِ؛ والتَّوَسُّطِ؛ والإيجازِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ﴾؛ ولَمّا كانَ إنْزالُ الكُتُبِ والصُّحُفِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ المُضِيِّ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: لِما شَهِدَ لَهُ كِتابُنا؛ وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي آمَنّا بِها لا يَحِيدُ فِيها عاقِلٌ؛ لِما لَها مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي وُضُوحُها يَفُوقُ الشَّمْسَ؛ فَحُسْنُها لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا لَبْسَ؛ ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: آمَنّا كُلُّنا مَعَ أنَّ؛ أوْ والحالُ أنَّ ﴿أكْثَرَكُمْ﴾؛ قَيَّدَ بِهِ إخْراجًا لِمَن يُؤْمِنُ مِنهُمْ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ؛ ﴿فاسِقُونَ﴾؛ أيْ: عَرِيقُونَ في الفِسْقِ؛ وهو الخُرُوجُ عَنْ دارِ السَّعادَةِ؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ مِنهم رُجُوعٌ إلى المَرْضِيِّ مِنَ العِبادَةِ؛ فَبَيَّنَ أنَّهم لا يَنْقِمُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا المُخالَفَةَ؛ والمُخالَفَةُ إنَّما هي بِإيمانِ المُسْلِمِينَ بِاللَّهِ؛ وما أمَرَ بِهِ؛ وكُفْرُ أهْلِ الكِتابِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما تَقَدَّمَ لَهم أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ اللَّهُ مَعَهُ؛ فَنَصَرَهُ عَلى كُلِّ مَن يُناوِيهِ؛ وجَعَلَ مَآلَهُ إلى الفَوْزِ الدّائِمِ؛ وأنَّ مَن كَفَرَ تَبَرَّأ مِنهُ؛ فَأهْلَكَهُ في الدُّنْيا؛ وجَعَلَ مَآلَهُ إلى عَذابٍ لا يَنْقَضِي سَعِيرُهُ؛ ولا يَنْصَرِمُ أنِينُهُ وزَفِيرُهُ؛ ومَن رَكِبَ ما يُؤَدِّيهِ إلى ذَلِكَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ واخْتِيارٍ؛ لَمْ يَكُنْ أصْلًا أحَدٌ أضَلَّ مِنهُ؛ ولا أعْدَمَ عَقْلًا؛ وتَخْصِيصُ النَّقْمِ بِما صَدَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَمْنَعُ عَطْفَ ”وأنَّ“؛ عَلى ”أنْ آمَنّا“.

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

ولَمّا أنْزَلَهم - سُبْحانَهُ - إلى عِدادِ البَهائِمِ؛ بِكَوْنِهِمْ يَنْسُبُونَهم إلى الشَّرِّ؛ بِجَعْلِهِمْ إيّاهم مَوْضِعَ الهَزْءِ واللَّعِبِ؛ وبِكَوْنِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى أيِّ مَن خالَفَهُمْ؛ فَيَبْعُدُونَ مِنهُ؛ ويَنْفِرُونَ عَنْهُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَعْمِلُوا ما امْتازُوا بِهِ عَنِ البَهائِمِ في أنَّ المُخالَفَ رُبَّما كانَ فِيهِ الدَّواءُ؛ والمَكْرُوهَ قَدْ يَؤُولُ إلى الشِّفاءِ؛ والمَحْبُوبَ يَجُرُّ إلى العَطَبِ؛ والتَّوى؛ بَيَّنَ لَهم أنَّ تِلْكَ رُتْبَةٌ سَنِيَّةٌ؛ ومَنزِلَةٌ عَلِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هم فِيهِ؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ؛ وإرْخاءِ العِنانِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: يا مَن لا يَنْهَضُ بِمُحاجَّتِهِمْ لِعِلْمِهِمْ ولَدَدِهِمْ غَيْرَهُ؛ لِما جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِن قُوَّةِ الفَهْمِ؛ ثُمَّ لِما أنْزَلَ عَلَيْكَ مِنَ العِلْمِ؛ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أيْ: أُخْبِرُكم إخْبارًا مُتْقَنًا؛ مُعَظَّمًا جَلِيلًا؛ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الَّذِي نَقَمْتُمُوهُ عَلَيْنا؛ مَعَ كَوْنِهِ قَيِّمًا؛ وإنْ تَعامَيْتُمْ عَنْهُ؛ ووَحَّدَ حَرْفَ الخِطابِ؛ إشارَةً إلى عَمى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّ هَذِهِ المُقايَسَةَ لا يَفْهَمُها حَقَّ الفَهْمِ إلّا المُؤَيَّدُ بِرُوحٍ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿مَثُوبَةً﴾؛ أيْ: جَزاءً صالِحًا ويُرْجَعُ إلَيْهِ؛ فَإنَّ المَثُوبَةَ لِلْخَيْرِ؛ كَما أنَّ العُقُوبَةَ لِلشَّرِّ؛ وهي مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ؛ كَـ ”المَيْسُورُ“؛ و”المَعْقُولُ“؛ ثُمَّ نَوَّهَ بِشَرَفِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ثُمَّ رَدَّهُ أسْفَلَ سافِلِينَ؛ بَيانًا لِأنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ عَلى طَرِيقِ ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ“؛ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: نَعَمْ -: ﴿مِن﴾؛ أيْ: مَثُوبَةَ مَن ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أبْعَدَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ وطَرَدَهُ؛ ﴿وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: أهْلَكَهُ؛ ودَلَّ عَلى اللَّعْنِ والغَضَبِ بِأمْرٍ مَحْسُوسٍ؛ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ﴾؛ ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ المَلْعُونِينَ بِجَمْعِ الضَّمِيرِ؛ فَقالَ: ﴿مِنهُمُ﴾؛ أيْ: بِالمَسْخِ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ ﴿القِرَدَةَ﴾؛ تارَةً؛ ﴿والخَنازِيرَ﴾؛ أُخْرى؛ والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ التَّعْرِيفَ يُفِيدُ ظَنَّ أنَّهم لَمْ يَنْقَرِضُوا؛ بَلْ تَوالَدُوا حَتّى كانَ مِنهم أعْيانُ ما تَعْرِفُهُ مِنَ النَّوْعَيْنِ؛ فَما أبْعَدَ مَن كانَ مِنهم هَذا مِن أنْ يَكُونُوا أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ! ثُمَّ عَطَفَ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ - عَلى قَوْلِهِ ”لَعَنَهُ اللَّهُ“؛ سَبَبَ ذَلِكَ؛ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ المُسَبِّبَ؛ اهْتِمامًا بِهِ؛ لِصَراحَتِهِ في المَقْصُودِ؛ مَعَ أنَّ اللَّعْنَ والغَضَبَ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ؛ والعِبادَةَ سَبَبٌ ظاهِرِيٌّ؛ فَقالَ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾؛ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ؛ والإضافَةُ عَطْفٌ عَلى ”القِرَدَةَ“؛ فَهو - كَما قالَ في القامُوسِ - اللّاتُ؛ والعُزّى؛ والكاهِنُ؛ والشَّيْطانُ؛ وكُلُّ رَأْسِ ضَلالٍ؛ والأصْنامُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ومَرَدَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ لِلْواحِدِ؛ والجَمْعِ؛ ”فَلْعُوتٌ“؛ مِن ”طَغَوْتُ“؛ وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي تَصْلُحُ هَهُنا؛ أمّا اللّاتُ والعُزّى؛ وغَيْرُهُما؛ مِمّا لَمْ يَعْبُدُوهُ صَرِيحًا؛ فَلِتَحْسِينِهِمْ دِينَ أهْلِهِ؛ حَسَدًا لِلْإسْلامِ؛ وقَدْ عَبَدُوا الأوْثانَ في كُلِّ زَمانٍ؛ حَتّى في زَمانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في نَصِّ التَّوْراةِ؛ ثُمَّ بالَغُوا في النُّجُومِ لِاسْتِعْمالِ السِّحْرِ؛ فَشارَكُوا الصّابِئِينَ في ذَلِكَ؛ فَمَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلْنا إلى أنَّ نِسْبَتَكم لَنا إلى …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.