Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 120

41

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ كانَ مِن غَيْرِ شَكٍّ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ؛ ولا مِن أمْرِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَصى شَيْئًا مِن هَذِهِ الأحْكامِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]؛ إلى أنْ قالَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]؛ فَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: المُبَلِّغُ لِما أُرْسِلَ بِهِ - مَعْلُولٌ لِما قَبْلَهُ - وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾؛ أيْ: لا يُوقِعْ عِنْدَكَ شَيْئًا مِنَ الحُزْنِ صُنْعُ ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ؛ في إسْراعِهِمْ في الوُقُوعِ فِيهِ غايَةَ الإسْراعِ؛ فِعْلَ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ؛ وفي تَبْيِينِهِمْ بِالمُنافِقِينَ وأهْلِ الكِتابِ بِشارَةٌ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى العَرَبِ بِدَوامِ إسْلامِهِمْ؛ ونَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وقَدَّمَ أسْوَأ القِسْمَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا﴾؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ هو النَّفْسِيَّ؛ أخْرَجَهُ بِتَقْيِيدِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾؛ مُعَبِّرًا لِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ بِما مِنهُ ما هو أبْعَدُ عَنِ القَلْبِ مِنَ اللِّسانِ؛ فَهم إلى الحَيَوانِ أقْرَبُ مِنهم إلى الإنْسانِ؛ وزادَ ذَلِكَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾

ولَمّا بَيَّنَ المُسارِعِينَ بِالمُنافِقِينَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِمْ قِسْمًا آخَرَ؛ هم أشَدُّ النّاسِ مُؤاخاةً لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عَرَفَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وكَفَرَتْ ألْسِنَتُهُمْ؛ تَبَعًا لِمُخالَفَةِ قُلُوبِهِمْ لِما تَعْرِفُ؛ عِنادًا وطُغْيانًا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ﴾؛ أيْ: مُتَقَبِّلُونَ غايَةَ التَّقَبُّلِ؛ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ ﴿لِلْكَذِبِ﴾؛ أيْ: مِن قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ؛ يَأْتُونَكَ فَيَنْقُلُونَ عَنْكَ الكَذِبَ؛ ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أيْ: الصِّدْقِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أيْ: لِعِلَّةٍ؛ وذَكَرَ الضَّمِيرَ لِإرادَةِ الكَلامِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ البُغْضُ عَلى نِفاقِهِمْ؛ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَسْمَعُونَهُ عَنْكَ عَلى وجْهِهِ؛ فَيُبالِغُونَ في تَغْيِيرِهِ وإمالَتِهِ؛ بَعْدَ أنْ يَقِيسُوا المَعْنَيَيْنِ؛ المُغَيَّرَ؛ والمُغَيَّرَ إلَيْهِ؛ واللَّفْظَيْنِ؛ فَلا يَبْعُدُوا بِهِ؛ بَلْ يَأْخُذُونَ بِالكَلِمِ عَنْ حَدِّهِ وطَرَفِهِ إلى حَدٍّ آخَرَ قَرِيبٍ مِنهُ جِدًّا؛ ولِذَلِكَ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ أيْ: يُثْبِتُونَ الإمالَةَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ مِن ﴿مَواضِعِهِ﴾؛ أيْ: النّازِلَةِ عَنْ رُتْبَتِهِ؛ بِأنْ يَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ؛ أوْ يُثْبِتُوا ألْفاظًا غَيْرَ ألْفاظِهِ؛ قَرِيبَةً مِنها؛ فَلا يَبْعُدُ مِنها المَعْنى جِدًّا؛ وهَذا أدَقُّ مَكْرًا مِمّا في ”النِّساءِ“؛ وهو مِن ”الحَرْفُ“؛ وهو الحَدُّ؛ والطَّرَفُ؛ و”انْحَرَفَ عَنِ الشَّيْءِ“: مالَ عَنْهُ؛ قالَ الصَّغانِيُّ: وتَحْرِيفُ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ: تَغْيِيرُهُ؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: والتَّحْرِيفُ: التَّفْعِيلُ؛ مِن ”انْحَرَفَ عَنِ الشَّيْءِ“؛ إذا مالَ؛ فَمَعْنى حَرَّفْتُ الكَلامَ: أزَلْتُهُ عَنْ حَقِيقَةِ ما كانَ عَلَيْهِ في المَعْنى؛ وأبْقَيْتُ لَهُ شِبْهَ اللَّفْظِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تُغَيِّرُ مَعانِيَ التَّوْراةِ بِالأشْباهِ؛ وفي الحَدِيثِ: «”يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ طاعُونٌ يُحَرِّفُ القُلُوبَ“؛» أيْ: …

Al-Maaida 5:41Listen in Qur'an →
42

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muhammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allah loves those who act justly.

ولَمّا ذَكَرَ التَّحْرِيفَ؛ ذَكَرَ أثَرَهُ؛ وهو الحُكْمُ بِهِ؛ فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِمْ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ؛ وتَقْبِيحِ شَأْنِهِمْ: ﴿سَمّاعُونَ﴾؛ أيْ: هم في غايَةِ الشَّهْوَةِ؛ والِانْهِماكِ في سَماعِهِمْ ذَلِكَ؛ ﴿لِلْكَذِبِ أكّالُونَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ ﴿لِلسُّحْتِ﴾؛ أيْ: الحَرامِ؛ الَّذِي يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يَسْتَأْصِلُها؛ وهو كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ؛ وذَلِكَ أخَذُهُمُ الرُّشا لِيَحْكُمُوا بِالباطِلِ؛ عَلى نَحْوِ ما حَرَّفُوهُ؛ وغَيْرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ قالَ الشَّيْخُ أبُو العَبّاسِ المُرْسِي: ومَن آثَرَ مِنَ الفُقَراءِ السَّماعَ لِهَواهُ؛ وأكَلَ ما حَرَّمَهُ مَوْلاهُ؛ فَقَدِ اسْتَهْوَتْهُ نَزْعَةٌ يَهُودِيَّةٌ؛ فَإنَّ القَوّالَ يَذْكُرُ العِشْقَ؛ والمَحَبَّةَ؛ والوَجْدَ؛ وما عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ.

ولَمّا كانُوا قَدْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى إبْرامِ الحُكْمِ بِما أرادُوهُ؛ فَيَطْمَعُونَ في أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِواسِطَةِ تَرافُعِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَرافَعُونَ إلَيْهِ؛ فَإنْ حَكَمَ بَيْنَهم بِما أرادُوا قَبِلُوهُ؛ واحْتَجُّوا بِهِ عَلى مَن لَعَلَّهُ يُخالِفُهُمْ؛ وإنْ حَكَمَ بِما لَمْ يُرِيدُوهُ قالُوا: لَيْسَ هَذا في دِينِنا - طَمَعًا في أنْ يُخَلِّيَهُمْ؛ فَلا يُلْزِمَهم بِما حَكَمَ -؛ أعْلَمَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِما يَفْعَلُ في أمْرِهِمْ؛ وحَذَّرَهُ غَوائِلَ مَكْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُفَوِّضًا الخَيَرَةَ إلَيْهِ في أمْرِ المُعاهِدِينَ إلى مُدَّةٍ - وأمّا أهْلُ الجِزْيَةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهم إذا تَرافَعُوا إلى حاكِمِنا -؛ مُسَبِّبًا عَنْ أكْلِهِمُ الحَرامَ؛ وسَماعِهِمُ الكَذِبَ -: ﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾؛ أيْ: طَمَعًا في أنْ تُؤْتِيَهم ما حَرَّفُوا إلَيْهِ الكَلِمَ؛ ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: إنْ شِئْتَ؛ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الحَقِّ؛ ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ﴾ دالًّا - بِعَطْفِهِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ - أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنْ حَكَمْتَ بَيْنَهم لَمْ يَنْفَعُوكَ شَيْئًا؛ لِإقْبالِكَ عَلَيْهِمْ“؛ قالَ: وإنْ ﴿تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ كُلِّهِمْ؛ مِنَ المُصارِحِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لِإعْراضِكَ عَنْهُمْ؛ واسْتِهانَتِكَ بِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّخْيِيرُ غَيْرَ مُرادِ الظّاهِرِ في جَوازِ الحُكْمِ بَيْنَهم عِنْدَ التَّرافُعِ إلَيْنا؛ وعَدَمِهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِمْ؛ أعْرَضَ عَنْهم أوَّلًا؛ فَحَقِيقَتُهُ بَيانُ العاقِبَةِ عَلى تَقْدِيرِي الفِعْلِ؛ والتَّرْكِ؛ عَلَّمَهُ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ -: ﴿وإنْ حَكَمْتَ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ﴿فاحْكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعِ الحُكْمَ؛ ﴿بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: العَدْلِ؛ الَّذِي أراكَهُ اللَّهَ - عَلى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ؛ والحُكْمُ في تَرافُعِ الكُفّارِ إلَيْنا أنَّهُ إنْ كانَ مِنهم أوْ مِن أحَدِهِمُ التِزامٌ لِأحْكامِنا؛ أمْ مِنّا؛ التِزامٌ لِلذَّبِّ عَنْهم وجَبَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ وإلّا لَمْ يَجِبْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾؛ أيْ: الفاعِلِينَ لِلْعَدْلِ السَّوِيِّ؛ مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا.

Al-Maaida 5:42Listen in Qur'an →
43

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allah? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وهم يُكَذِّبُونَكَ ويَدَّعُونَ أنَّكَ مُبْطِلٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُعَجِّبًا مِنهُمْ؛ مُوَبِّخًا لَهم -: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾؛ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿وعِنْدَهُمُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عِنْدَهُمْ؛ ﴿التَّوْراةُ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةٌ؛ وهو الَّذِي كانَ مُقَرِّرًا في شَرْعِهِمْ أنَّهُ لا يُسَوِّغُ خِلافَهُ؛ فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ إلى الآنَ لَمْ يَجُزْ لَهُمُ العُدُولُ إلَيْكَ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ وإنْ كانُوا لا يَعْتَقِدُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ أنْ حُكْمَكَ هو الحَقُّ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.

ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ حُكْمِهِ - سُبْحانَهُ - عَظِيمًا؛ وكانَ وُقُوعُهُ مِمَّنْ يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ بَعِيدًا؛ عَظِيمًا؛ شَدِيدًا؛ قالَ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾؛ أيْ: يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَنْهُ؛ سَواءٌ تَأيَّدَ بِحُكْمِكَ بِهِ؛ أوْ لا؛ لِأجْلِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ بِالحُكْمِ الجِنْسَ؛ وكانُوا يَفْعَلُونَ بَعْضَ أحْكامِها؛ فَلَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانُ تَوَلِّيهِمْ زَمانَ البُعْدِ؛ أدَخَلَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العالِي؛ وهو الحُكْمُ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ تَحْكِيمُهم لَكَ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِكَ إلّا تَلاعُبًا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أُولَئِكَ بِالمُرِيدِينَ لِلْحَقِّ في تَرافُعِهِمْ إلَيْكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في صِفَةِ الإيمانِ بِكِتابِهِمْ؛ ولا بِغَيْرِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ الإيمانَ بِهِ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا عَرِيقِينَ في ذَلِكَ آمَنُوا بِكَ؛ لَأنَّ كِتابَهم دَعا إلَيْكَ.

Al-Maaida 5:43Listen in Qur'an →
44

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allah] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allah, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the disbelievers.

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا مَدْحَ التَّوْراةِ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ - تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ في الإعْراضِ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ وتَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ -: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿التَّوْراةَ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُعَظِّمًا لَها: ﴿فِيها هُدًى﴾؛ أيْ: كَلامٌ يَهْدِي؛ بِما يَدْعُو إلَيْهِ؛ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ ﴿ونُورٌ﴾؛ أيْ: بَيانٌ لا يَدَعُ لَبْسًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ المَدْحَ لِلْعامِلِينَ بِها؛ فَقالَ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾؛ ووَصَفَهم بِأعْلى الصِّفاتِ؛ وذَلِكَ الغِنى المَحْضُ؛ فَقالَ - مادِحًا؛ لا مُقَيِّدًا -: ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾؛ أيْ: أعْطَوْا قِيادَهم لِرَبِّهِمْ - سُبْحانَهُ -؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهُمُ اخْتِيارٌ أصْلًا؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اليَهُودَ بُعَداءُ مِنَ الإسْلامِ؛ وإلّا لاتَّبَعُوا أنْبِياءَهم فِيهِ؛ فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ مَن قامَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ حُكْمَهم بِأمْرِ اللَّهِ لَهم بِاتِّباعِ التَّوْراةِ؛ ومُراعاتِها؛ عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾؛ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما يَأْتِي عَلَيْهِ؛ وإشْعارِ الإسْلامِ بِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَحْكُومَ لَهُ تَقْيِيدًا بِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّها سَتُنْسَخُ؛ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: لِمَنِ التَزَمَ اليَهُودِيَّةَ؛ ﴿والرَّبّانِيُّونَ﴾؛ أيْ: أهْلُ الحَقِيقَةِ؛ مِنهُمُ الَّذِينَ انْسَلَخُوا مِنَ الدُّنْيا؛ وبالَغُوا فِيما يُوجِبُ النِّسْبَةَ إلى الرَّبِّ؛ ﴿والأحْبارُ﴾؛ أيْ: العُلَماءُ الَّذِي أسْلَمُوا؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما؛ ولَمّا كانَ سَبَبُ إسْلامِ أمْرِهِمْ بِالحِفْظِ؛ لا كَوْنَهُ مِنَ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾؛ أيْ: الأنْبِياءُ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ ﴿مِن كِتابِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما طَلَبُوا مِنهُمْ؛ وأمَرُوا بِهِ مِنَ الحِفْظِ لِكِتابِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّذِي هو صِفَتُهُ؛ فَعَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ؛ وحِفْظُهُ: دِراسَتُهُ؛ والعَمَلُ بِما فِيهِ؛ ﴿وكانُوا﴾؛ أيْ: وبِما كانُوا؛ ﴿عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾؛ أيْ: رُقَباءَ؛ حاضِرِينَ؛ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ؛ ولا يَتْرُكُونَ مُراعاتِهِ أصْلًا؛ فالآيَةُ - كَما تَرى - مِن فَنِّ الِاحْتِباكِ: ”تَرَكَ أوَّلًا“بِما اسْتُحْفِظُوا”؛ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَ هُنا عَلَيْهِ؛ وتَرَكَ ذِكْرَ الإسْلامِ هُنا لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ“؛ وإنَّما خَصَّ الأوَّلَ بِذِكْرِ الإسْلامِ لِأنَّ الأنْبِياءَ أحَقُّ بِهِ؛ وهو داعٍ إلى الحِفْظِ قَطْعًا؛ وخَصَّ الثّانِي بِالِاسْتِحْفاظِ لِأنَّ الأتْباعَ أوْلى بِهِ؛ وهو دالٌّ عَلى الإسْلامِ.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ ذَمًّا لِلْيَهُودِ بِما تَرَكُوا مِن كِتابِهِمْ؛ ومَدْحًا لِمَن راعاهُ مِنهُمْ؛ وكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ إمّا لِرَجاءٍ؛ أوْ خَوْفٍ؛ قالَ - مُخاطِبًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ كُلِّها؛ طائِعِها وعاصِيها؛ مُحَذِّرًا لَها مِن مِثْلِ حالِهِمْ؛ ومُرَغِّبًا في مِثْلِ حالِ الأنْبِياءِ؛ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ؛ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾؛ أيْ: في العَمَلِ بِحُكْمٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ؛ ﴿واخْشَوْنِ﴾؛ أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ حامِلٌ لَكم عَلى العَدْلِ؛ والإحْسانِ؛ فَمَن كانَ مِنكم مُسْلِمًا؛ طائِعًا فَلْيَزْدَدْ طاعَةً؛ ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلْيُبادِرْ بِالِانْقِيادِ؛ والطّاعَةِ؛ وهَذا شامِلٌ لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ.

ولَمّا قَدَّمَ الخَوْفَ؛ لِأنَّهُ أقْوى تَأْثِيرًا؛ أتْبَعَهُ الطَّمَعَ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا﴾؛ ولَمّا كانَ الِاشْتِراءُ مَعْناهُ اللَّجاجَةُ في أخْذِ شَيْءٍ …

Al-Maaida 5:44Listen in Qur'an →
45

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the wrongdoers.

ولَمّا كانَ خِتامُ هَذِهِ الآياتِ في تَرْهِيبِ المُعْرِضِ عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ في أوَّلِ سِياقِ المُحارَبَةِ: ﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]؛ رَجَعَ إلى القَتْلِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهم بَدَّلُوا في القَتْلِ؛ كَما بَدَّلُوا في الزِّنا؛ فَفَضَّلُوا بَنِي النَّضِيرِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ فِيها﴾؛ أيْ: في التَّوْراةِ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢]؛ وإذا أنْعَمْتَ النَّظَرَ وجَدْتَ ما بَيْنَهُما؛ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ؛ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ كَأنَّهُ اعْتِراضٌ؛ ﴿أنَّ النَّفْسَ﴾؛ أيْ: مَقْتُولَةً قِصاصًا؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ ﴿بِالنَّفْسِ﴾؛ أيْ: بِقَتْلِ النَّفْسِ؛ بِغَيْرِ وجْهٍ مِمّا تَقَدَّمَ؛ ﴿والعَيْنَ﴾؛ أيْ: تُقْلَعُ؛ ﴿بِالعَيْنِ﴾؛ أيْ: قُلِعَتْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ؛ ﴿والأنْفَ﴾؛ يُجْدَعُ؛ ﴿بِالأنْفِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿والأُذُنَ﴾؛ تُصْلَمُ؛ ﴿بِالأُذُنِ﴾؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ ﴿والسِّنَّ﴾؛ تُقْلَعُ؛ ﴿بِالسِّنِّ﴾؛ إذا قُلِعَتْ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقِّ؛ ﴿والجُرُوحَ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَنْضَبِطُ كُلُّها؛ ﴿قِصاصٌ﴾؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ سَواءً بِسَواءٍ.

ولَمّا أوْجَبَ - سُبْحانَهُ - هَذا؛ رَخَّصَ لَهم في النُّزُولِ عَنْهُ؛ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ﴾؛ أيْ: عَفا عَنِ القِصاصِ؛ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ؛ سَواءٌ كانَ هو المَجْرُوحَ؛ إنْ كانَ باقِيًا؛ أوْ وارِثَهُ إنْ كانَ هالِكًا؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: التَّصَدُّقُ بِالقِصاصِ؛ ﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾؛ أيْ: سِتارَةٌ لِذُنُوبِ هَذا العافِي؛ ولَمْ يَجْعَلْ لَهم دِيَةً؛ إنَّما هو القِصاصُ؛ أوِ العَفْوُ؛ فَمَن حَكَمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُسْلِمُونَ؛ لِانْقِيادِهِمْ في هَذا الأمْرِ الصَّعْبِ لِأمْرِ اللَّهِ؛ ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ﴾؛ أيْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِخَوْفٍ؛ أوْ رَجاءٍ؛ أوْ تَدَيُّنًا بِالإعْراضِ عَنْهُ؛ سَواءٌ حَكَمَ بِغَيْرِهِ؛ أوْ لا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ؛ البُغَضاءُ إلى أهْلِ الكَرامَةِ؛ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ تَرَكُوا العَدْلَ؛ فَضَّلُوا؛ فَصارُوا كَمَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ فَإنْ كانَ تَدَيُّنًا بِالتَّرْكِ كانَ نِهايَةَ الظُّلْمِ؛ وهو الكُفْرُ؛ وإلّا كانَ عِصْيانًا؛ لِأنَّ اللَّهَ أحَقُّ أنْ يُخْشى ويُرْجى؛ رَوى ابْنُ إسْحاقَ؛ في السِّيرَةِ؛ في تَحاكُمِهِمْ في الزِّنا نَحْوَ ما تَقَدَّمَ؛ ثُمَّ قالَ: وحَدَّثَنِي داوُدُ بْنُ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ الآياتِ مِن ”المائِدَةِ“؛ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ إلى: ﴿المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ؛ وبَنِي قُرَيْظَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ قَتْلى بَنِي النَّضِيرِ - وكانَ لَهم شَرَفٌ - يُؤَدُّونَ الدِّيَةَ الكامِلَةَ؛ وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كانُوا يُؤَدُّونَ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ؛ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ؛ وأخْرَجَهُ النِّسائِيُّ في سُنَنِهِ؛ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ؛ ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أيْضًا؛ قالَ: …

Al-Maaida 5:45Listen in Qur'an →
46

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We sent, following in their footsteps, Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها - مَعَ ما فِيها مِنَ الأسْرارِ - ناقِضَةً أيْضًا لِما ادَّعَوْا مِنَ البُنُوَّةِ؛ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ؛ وسَماعِ الكَذِبِ؛ وأكْلِ السُّحْتِ؛ والإعْراضِ عَنْ أحْكامِ التَّوْراةِ؛ والحُكْمِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ؛ أتْبَعَها ما أتى بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ الَّذِي ادَّعى فِيهِ النَّصارى النُّبُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ؛ والشَّرِكَةَ في الإلَهِيَّةِ؛ وقَدْ أتى بِتَصْدِيقِ التَّوْراةِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن خالَفَها مِنَ اليَهُودِ؛ بِالتَّبَرِّي مِنَ اللَّهِ؛ مُؤَكِّدًا لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو عِمادُ الدِّينِ؛ وأعْظَمُ آياتِها؛ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ بِها العُهُودَ؛ ووُضِعَتْ في تابُوتِ الشَّهادَةِ؛ الَّذِي كانُوا يُقَدِّمُونَهُ أمامَهم في الحُرُوبِ؛ فَإنْ كانُوا باقِينَ عَلى ما فِيهِ مِنَ المِيثاقِ نُصِرُوا؛ وإلّا خُذِلُوا؛ وناسِخًا لِشَرِيعَتِهِمْ؛ مُجازاةً لَهم مِن جِنْسِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ التَّحْرِيفِ؛ وشاهِدًا عَلى مَن أطْراهُ بِالضَّلالِ؛ فَقالَ: ﴿وقَفَّيْنا﴾؛ إلى آخِرِها؛ وكَذا كُلُّ ما بَعْدَها مِن آياتِهِمْ؛ إلى آخِرِ السُّورَةِ؛ لا تَخْلُو آيَةٌ مِنها مِنَ التَّعَرُّضِ إلى نَقْضِ دَعْواهم لَها بِذِكْرِ ذَنْبٍ؛ أوْ ذِكْرِ عُقُوبَةٍ عَلَيْهِ؛ أوْ ذِكْرِ تَكْذِيبٍ لَهم مِن كِتابِهِمْ؛ أوْ نَبِيِّهِمْ؛ والمَعْنى: أوْجَدْنا التَّقْفِيَةَ؛ وهي إتْباعُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ تَقَدَّمَهُ؛ فَيَكُونُ أتِيًا في قَفاهُ؛ لِكَوْنِهِ وراءَهُ؛ وإلْقاؤُهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أيْ: النَّبِيِّينَ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالتَّوْراةِ؛ وذِكْرُ الأثَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ تَرَكُوا دِينَهُمْ؛ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا رَسْمٌ خَفِيٌّ؛ ﴿بِعِيسى﴾؛ ونَسَبَهُ إلى أُمِّهِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا والِدَ لَهُ؛ تَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ؛ وإلى أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ تَكْذِيبًا لِلنَّصارى؛ فَقالَ: ﴿ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾؛ أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ في الأُصُولِ؛ وكَثِيرٍ مِنَ الفُرُوعِ؛ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أيْ: مِمّا أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَهُ؛ ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكَثِيرٍ مِن أحْكامِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِعَظَمَتِنا عَلَيْهِ؛ كَما أنْزَلْنا التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ في الإنْجِيلِ المُحْكَمُ الَّذِي يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ؛ والمُتَشابِهُ الَّذِي لا يَفْهَمُهُ إلّا الأفْرادُ مِن خُلَّصِ العِبادِ؛ ولا يَقِفُ بَعْدَ فَهْمِهِ عِنْدَ حُدُودِهِ إلّا المُتَّقُونَ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِحالِهِ -: ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: آتَيْناهُ إيّاهُ بِحِكْمَتِنا؛ وعَظَمَتِنا؛ كائِنًا فِيهِ؛ ﴿هُدًى﴾؛ أيْ: وهو المُحْكَمُ؛ يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ أحَدٍ سَمِعَهُ؛ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ﴿ونُورٌ﴾؛ أيْ: حُسْنُ بَيانٍ؛ كاشِفٌ لِلْمُشْكِلاتِ؛ لا يَدَعُ بِذَلِكَ الصِّراطِ لَبْسًا.

ولَمّا كانَ النّاسِخُ لِلشَّيْءِ بِتَغْيِيرِ حُكْمِهِ قَدْ يَكُونُ مُكَذِّبًا لَهُ؛ أعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو مَعَ النَّسْخِ لِلتَّوْراةِ مُصَدِّقٌ لَها؛ فَقالَ - أيْ: مُبَيِّنًا لِحالِ الإنْجِيلِ؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”فِيهِ هُدًى“: ﴿ومُصَدِّقًا﴾؛ أيْ: الإنْجِيلُ؛ بِكَمالِهِ؛ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الَّذِي نَزَلَ قَبْلَهُ كَثِيرًا؛ عَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾؛ فالأوَّلُ صِفَةٌ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والثّانِي صِفَةٌ لِكِتابِهِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ هو والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ …

Al-Maaida 5:46Listen in Qur'an →
47

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And let the People of the Gospel judge by what Allah has revealed therein. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”آتَيْناهُ ذَلِكَ؛ لِيَنْتَهِيَ أهْلُ التَّوْراةِ عَمّا نَسَخَهُ مِنها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَحْكُمَ﴾؛ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ بِكَسْرِ اللّامِ؛ والنَّصْبِ؛ والتَّقْدِيرُ - عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ بِالإسْكانِ؛ والجَمْعِ؛ والجَزْمِ -: ”فَلْيَنْتَهِ أهْلُ التَّوْراةِ عَمّا نُسِخَ مِنها؛ ولْيَحْكم ﴿أهْلُ الإنْجِيلِ﴾؛ وهم أتْباعُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الواحِدُ الأحَدُ؛ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿فِيهِ﴾؛ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أوْدَعْناهُ إيّاهُ مِنَ الأحْكامِ؛ والمَواعِظِ الجِسامِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ:“فَمَنِ انْتَهى فَأُولَئِكَ هُمُ المُسْلِمُونَ؛ ومَن حَكَمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ”؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ شَيْءٌ؛ وكُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ مُفْتَقِرٌ؛ ولا افْتِقارَ لَهُ إلى شَيْءٍ فِيهِ؛ أوْ في غَيْرِهِ؛ وهو غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ تَدَيُّنًا بِتَرْكِهِ؛ أوْ لِشَهْوَةٍ دَعَتْ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّونَ بِكَمالِ الفِسْقِ؛ فَإنْ كانَ تَدَيُّنًا كانَ كُفْرًا؛ وإنْ كانَ لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ كانَ مُجَرَّدَ مَعْصِيَةٍ؛ لِأنَّ الحُظُوظَ والشَّهَواتِ تَحْمِلُ عَلى الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الشَّرْعِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ فَمَن تَرَكَ الحُكْمَ تَكْذِيبًا فَقَدْ جَمَعَ الدَّرَكاتِ الثَّلاثِ: سَتْرَ الدَّلائِلِ؛ فَتُنْقَلُ مِن دَرَجَةِ النُّورِ إلى دَرْكَةِ الظَّلامِ؛ فانْكَبَّ في مَهْواةِ الخُرُوجِ مِنَ المَحاسِنِ؛ فانْحَطَّ إلى أقْبَحِ المَساوِي؛ والتَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ المُؤْذِنِ بِالعَراقَةِ في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ؛ مُعْلِمٌ بِأنَّ المُرادَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها الكُفْرُ؛ فَحَقَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّرْعِيَّ - لا مُطْلَقُ السَّتْرِ - غايَةُ التَّحْقِيقِ؛ فَبَيَّنَ بِوَصْفِهِ بِالظُّلْمِ أنَّهُ سَتْرٌ لِما يَنْبَغِي إظْهارُهُ؛ وبِالفِسْقِ أنَّهُ بَلَغَ في كَوْنِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ النِّهايَةَ؛ حَتّى خَرَقَ جَمِيعَ دائِرَةِ المَأْذُونِ فِيهِ؛ فَخَرَجَ مِنها؛ وهَذا إشارَةٌ إلى ذُنُوبِ أهْلِ الإنْجِيلِ؛ لِيُنْتِجَ نَقْضَ دَعْواهُمُ البُنُوَّةَ والمَحَبَّةَ؛ لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ الواضِحِ بِكِتابِكَ الَّذِي جُعِلَ مُهَيْمِنًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ؛ أنَّهم خالَفُوا أحْكامَهُ؛ فَهم فاسِقُونَ؛ أيْ: خارِجُونَ عَمّا مِن شَأْنِهِ الِاسْتِقْرارُ فِيهِ؛ لِنَفْعِهِ؛ فَواقِعُونَ في الظُّلْمَةِ المُوجِبَةِ لِوَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ؛ وقَدَّمَ الوَصْفَ بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِمَن حَرَّفَ الكَلِمَ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ وغَيَّرَ ما كُتِبَ مِن مُحْكَمِ أحْكامِ التَّوْراةِ مِنَ الحُدُودِ؛ وذَلِكَ هو التَّغْطِيَةُ الَّتِي هي مَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الظَّلامِ؛ كَما أنَّ الفِسْقَ سَبَبُ الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ الخُرُوجُ عَمّا مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ؛ فَكانَ الآخِرُ أوَّلًا في المَعْنى؛ والأوَّلُ نِهايَةً في الحَقِيقَةِ؛ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ فِيهِ أحْكامًا؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى) في“آلِ عِمْرانَ": ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ وهَذا هو الحَقُّ؛ وأعْظَمُ ما غُيِّرَ تَحْرِيمُ السَّبْتِ؛ الَّذِي كانَ أعْظَمَ شَعائِرِهِمْ؛ فَأحَلَّهُ؛ وغَيَّرَ أيْضًا غَيْرَ ذَلِكَ مِن أحْكامِهِمْ؛ قالَ فِيما …

Al-Maaida 5:47Listen in Qur'an →
48

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method. Had Allah willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good. To Allah is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الكِتابَيْنِ؛ ذَكَرَ خِتامَهُما؛ وتَمامَهُما؛ وهو ما أُنْزِلَ إلى هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ مِنَ الفُرْقانِ؛ الشّاهِدِ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في جَمْعِهِ لِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنهُ؛ وهو القُرْآنُ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الكامِلِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ يُتِمُّهُ؛ ثُمَّ مَدَحَهُ بِمَدْحِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ؛ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أيْ: تَقَدَّمَهُ؛ ولَمّا كانَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ مِن شِدَّةِ تَصادُقِها كالشَّيْءِ الواحِدِ؛ عَبَّرَ بِالمُفْرَدِ؛ لِإفادَتِهِ ما يُفِيدُ الجَمْعَ وزِيادَةً؛ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي جاءَ بِهِ الأنْبِياءُ مِن قَبْلُ؛ ﴿ومُهَيْمِنًا﴾؛ أيْ: شاهِدًا حَفِيظًا؛ مُصَدِّقًا؛ وأمِينًا رَقِيبًا؛ ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى كُلِّ كِتابٍ تَقَدَّمَهُ - كَما قالَهُ البُخارِيُّ في أوَّلِ الفَضائِلِ مِنَ الصَّحِيحِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ وفي هَذِهِ الصِّفَةِ بِشارَةٌ لِحِفْظِهِ - سُبْحانَهُ - لِكِتابِنا؛ حَتّى لا يَزالَ بِصِفَةِ الشَّهادَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) اسْتَحْفَظَهم كُتُبَهم فَعَجَزُوا عَنْها؛ فَحَرَّفَها مُحَرِّفُوهُمْ؛ وأسْقَطُوا مِنها؛ وأسْقَطَ مُسْرِفُوهُمْ؛ فَتَكَفَّلَ هو - سُبْحانَهُ - بِحِفْظِ كِتابِنا؛ فَكانَ قَيِّمًا عَلَيْها؛ فَما كانَ فِيها مُوافِقًا لَهُ فَهو حَقٌّ؛ وما كانَ فِيها مُخالِفًا فَهو إمّا مَنسُوخٌ؛ أوْ مُبَدَّلٌ؛ فَلا يُعْتَبَرُ؛ بَلْ يُحْكَمُ بِما في كِتابِنا؛ لِأنَّهُ ناسِخٌ لِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ والآتِي بِهِ مُرْسَلٌ إلى جَمِيعِ العالَمِينَ؛ فَمِلَّتُهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ المِلَلِ؛ فَأنْتَجَ هَذا وُجُوبَ الحُكْمِ بِما فِيهِ عَلى المُؤالِفِ؛ والمُخالِفِ؛ بِشَرْطِهِ؛ فَلِذا قالَ مُسَبِّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ جَمِيعِ أهْلِ الكُتُبِ؛ فَغَيْرُهم مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ إلَيْكَ في هَذا الكِتابِ النّاسِخِ لِكُتُبِهِمُ المُهَيْمِنِ عَلَيْها؛ في إثْباتِ ما أسْقَطُوهُ مِنها مِن أمْرِهِمْ؛ بِاتِّباعِكَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أوْصافِكَ؛ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾؛ فِيما خالَفَهُ؛ مُنْحَرِفِينَ؛ ﴿عَمّا جاءَكَ﴾؛ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحَقِّ﴾

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن كِتابَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الحُكْمُ بِكِتابِهِمُ الَّذِي يُصَدِّقُهُ كِتابُنا انْحِرافًا عَنِ الحَقِّ؟ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ دالًّا عَلى النَّسْخِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي نَفْعَلُ بِها ما نَشاءُ؛ مِن نَسْخٍ؛ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ الإبْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يا أهْلَ الكُتُبِ ﴿شِرْعَةً﴾؛ أيْ: دِينًا مُوصِلًا إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ كَما أنَّ الشِّرْعَةَ مُوصِلَةٌ إلى الماءِ؛ الَّذِي بِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ؛ ﴿ومِنهاجًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا واضِحًا؛ مُسْتَنِيرًا؛ ناسِخًا لِما قَبْلَهُ؛ وقَدْ جَعَلْنا شِرْعَتَكَ ناسِخَةً لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ؛ وهَذا وأمْثالُهُ - مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَشَرِّعٍ مُخْتَصٌّ بِشَرْعٍ؛ وغَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ - مَحْمُولٌ عَلى الفُرُوعِ؛ وما دَلَّ عَلى الِاجْتِماعِ؛ كَأنَّهُ شَرْعٌ لَكم مِنَ الدِّينِ مَحْمُولٌ عَلى الأُصُولِ؛ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المالِكُ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ التّامُّ؛ والأمْرُ الشّامِلُ …

Al-Maaida 5:48Listen in Qur'an →
49

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ

And judge, [O Muhammad], between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allah has revealed to you. And if they turn away - then know that Allah only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالحُكْمِ فِيما مَضى لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ عَلى الأحْوالِ المَذْكُورَةِ؛ أعادَ الأمْرَ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ لِذاتِهِ؛ لا لِشَيْءٍ آخَرَ؛ لِيَكُونَ الأمْرُ بِهِ مُؤَكَّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ بِالأمْرِ بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ؛ وأُخْرى لِأنَّهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ؛ فَقالَ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَنْوِيهًا بِعَظِيمِ شَأْنِهِ؛ ومُحَذِّرًا مِنَ الأعْداءِ فِيما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ لِلصَّدِّ عَنْهُ: ﴿وأنِ﴾؛ أيْ: احْكم بَيْنَهم بِذَلِكَ؛ لِما قُلْنا مِنَ السَّبَبِ؛ وما ذَكَرْنا مِنَ العِلَّةِ في جَعْلِنا لِكُلٍّ دِينًا؛ ولِأنّا قُلْنا آمِرِينَ لَكَ أنْ ﴿احْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الكُتُبِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ لِذاتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّ مُخالَفَتَهم لَهُ؛ وإعْراضَهم عَنْهُ؛ إنَّما هو مُجَرَّدُ هَوًى؛ لِأنَّ كِتابَهم داعٍ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾؛ أيْ: في عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِهِ؛ ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ﴾؛ أيْ: يُخالِطُوكَ بِكَذِبِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ وافْتِرائِهِمْ؛ وتَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ ومُراءاتِهِمْ؛ مُخالَطَةً تُمِيلُكَ؛ ﴿عَنْ بَعْضِ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ فَلا وجْهَ أصْلًا لِلْعُدُولِ عَنْ أمْرِهِ؛ ﴿إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَمّا حَكَمْتَ بِهِ بَيْنَهُمْ؛ مُضادِّينَ لِما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ اتِّباعِ الحَقِّ؛ ودَعَتْ إلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ اتِّباعِكَ؛ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿أنْ يُصِيبَهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ بِهِمُ الخَيْرَ لَهَداهم إلى القَبُولِ الَّذِي يُطابِقُ عَلَيْهِ شاهِدُ العَقْلِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ والنَّقْلِ بِما في كُتُبِهِمْ؛ إمّا مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ الحُكْمِ بِعَيْنِهِ؛ وإمّا مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِكَ؛ ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هَذا مِنها؛ وأبْهَمَهُ زِيادَةً في اسْتِدْراجِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ وتَحْذِيرًا لَهم مِن جَمِيعِ مَساوِي أعْمالِهِمْ؛ لِئَلّا يَعْلَمُوا عَيْنَ الذَّنْبِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ؛ فَيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ ويَصِيرَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ؛ أوْ يَكُونُ إبْهامُهُ لِلتَّعْظِيمِ؛ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ؛ فَيُؤْذِنُ السِّياقُ بِتَعْظِيمِ هَذا التَّوَلِّي؛ وبِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مُواقَعَتِها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّهم بِالتَّوَلِّي فاسِقُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: هُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ ﴿لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الطّاعاتِ؛ ومَعادِنِ السِّعاداتِ؛ مُتَكَلِّفُونَ لِأنْفُسِهِمْ إظْهارَ ما في بَواطِنِهِمْ مِن خَفِيِّ الحِيلَةِ بِقُوَّةٍ؛

Al-Maaida 5:49Listen in Qur'an →
50

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allah in judgement for a people who are certain [in faith].

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أقْبَلَ؛ ولا بُدَّ؛ عَلى حُكْمِ الشَّيْطانِ؛ الَّذِي هو عَيْنُ الهَوى؛ الَّذِي هو دِينُ أهْلِ الجَهْلِ؛ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم هادٍ؛ ولا شَرْعَ ضابِطٌ؛ سَبَّبَ عَنْ إعْراضِهِمُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ مَعَ أنَّ أحْكامَها لا يَرْضى بِها عاقِلٌ؛ لِكَوْنِها لَمْ يَدْعُ إلَيْها كِتابٌ؛ بَلْ إنَّما هي مُجَرَّدُ أهْواءٍ؛ وهم أهْلُ كِتابٍ؛ ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أيْ: يُرِيدُونَ بِإعْراضِهِمْ عَنْ حُكْمِكَ؛ مَعَ ما دَعا إلَيْهِ كِتابُهم مِنَ اتِّباعِكَ؛ وشَهِدَ بِهِ كِتابُكَ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ؛ مِن وُجُوبِ رِسالَتِكَ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ.

ولَمّا كانَ حُسْنُ الحُكْمِ تابِعًا لِإتْقانِهِ؛ وكانَ إتْقانُهُ دائِرًا عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ مِن تَمامِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّ حُكْمَهُ أحْسَنُ الحُكْمِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن أضَلُّ مِنهُمْ؟!“ -: ﴿ومَن﴾؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن واوِ ”يَبْغُونَ“؛ أيْ: يُرِيدُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ يُقالُ: مَن ﴿أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿حُكْمًا﴾؛ ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ بِكَثافَةِ الطِّباعِ؛ وجُمُودِ الأذْهانِ ووُقُوفِ الأفْهامِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِلامِ البَيانِ إشارَةً إلى المَعْنِيِّ بِهَذا الخِطابِ -: ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ نَهْضَةٌ؛ وقُوَّةُ مُحاوَلَةٍ لِما يُرِيدُونَهُ؛ ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنهُمُ اليَقِينُ يَوْمًا ما؛ وأمّا غَيْرُهم فَلَيْسَ بِأهْلٍ لِلْخِطابِ؛ فَكَيْفَ بِالعِتابِ؟! إنَّما عِتابُهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ وفي ذَلِكَ أيْضًا غايَةُ التَّبْكِيتِ لَهُمْ؛ والتَّقْبِيحُ عَلَيْهِمْ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَزالُوا يَصِفُونَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ بِالضَّلالِ؛ وأنَّ دِينَهم لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهِ مِن سُلْطانٍ؛ وقَدْ عَدَلُوا في هَذِهِ الأحْكامِ إلَيْهِ؛ تارِكِينَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابِهِمْ؛ والكِتابِ النّاسِخِ لَهُ؛ فَقَدِ ارْتَكَبُوا الضَّلالَ بِلا شُبْهَةٍ؛ عَلى عِلْمٍ؛ وتَرَكُوا الحَقَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ.

Al-Maaida 5:50Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.