۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
قَوْلُهُ: ( لا يَحْزُنْكَ ) قَرَأ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، والحُزْنُ خِلافُ السُّرُورِ، وحَزِنَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو حَزِنٌ وحَزِينٌ: وأحْزَنَهُ غَيْرُهُ وحَزَنَهُ، قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وفي الآيَةِ النَّهْيُ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّأثُّرِ لِمُسارَعَةِ الكَفَرَةِ في كُفْرِهِمْ تَأثُّرًا بَلِيغًا؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ وعَدَهُ في غَيْرِ مَوْطِنٍ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ، والمُسارَعَةُ إلى الشَّيْءِ: الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ.
والمُرادُ هُنا وُقُوعُهم في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ عِنْدَ وُجُودِ فُرْصَةٍ، وآثَرَ لَفْظَ ( في ) عَلى لَفْظِ ( إلى ) لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ، و( مِن ) في قَوْلِهِ: ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا ) بَيانِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ، والباءُ في ( بِأفْواهِهِمْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( قالُوا ) لا بِـ ( آمَنّا ) وهَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم هُمُ المُنافِقُونَ ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) يَعْنِي اليَهُودَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا ) وهو تَمامُ الكَلامِ، والمَعْنى: أنَّ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ طائِفَةُ المُنافِقِينَ وطائِفَةُ اليَهُودِ.
وقَوْلُهُ: ( سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، فَهو راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ أوْ إلى المُسارِعِينَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِلْكَذِبِ ) لِلتَّقْوِيَةِ أوْ لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( سَمّاعُونَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: ومِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ ( سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) أيْ: قابَلُونِ لِكَذِبِ رُؤَسائِهِمُ المُحَرِّفِينَ لِلتَّوْراةِ، قَوْلُهُ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، واللّامُ فِيهِ كاللّامِ في ( لِلْكَذِبِ ) وقِيلَ: اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ؛ أيْ: سَمّاعُونَ لِكَلامِ رَسُولِ اللَّهِ لِأجْلِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، وسَمّاعُونَ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ وجَّهُوهم عُيُونًا لَهم لِأجْلِ أنْ يُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
قَوْلُهُ: ( لَمْ يَأْتُوكَ ) صِفَةٌ لِ ( قَوْمٍ ) أيْ: لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا لا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَكَبُّرًا وتَمَرُّدًا، وقِيلَ هم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَجَنَّبُونَ مَجالِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ سَمّاعِينَ كَما قالَ: ( مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا ) [الأحزاب: ٦١] .
قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ مِن جُمْلَةِ صِفاتِ القَوْمِ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها ويَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، والمُحَرِّفُونَ هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( لَمْ يَأْتُوكَ ) وقِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِقَصْدِ تَعْدادِ مَعايِبِهِمْ ومَثالِبِهِمْ.
ومَعْنى ( مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ) مِن بَعْدِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا في مَواضِعِهِ، أوْ مِن بَعْدِ وضْعِهِ في مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها مِن حَيْثُ لَفْظِهِ، أوْ مِن حَيْثُ مَعْناهُ قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ …