Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

صفحة ٩٧

(سُورَةُ المائِدَةِ)

مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةَ ٣ فَنَزَلَتْ بِعَرَفاتٍ في حَجَّةِ الوَداعِ وآياتُها ١٢٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ

﷽

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾

﷽

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ، ومِنهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] والعَقْدُ هو وصْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيثاقِ والإحْكامِ، والعَهْدُ إلْزامٌ، والعَقْدُ التِزامٌ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ وأفْعالِهِ وكانَ مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ إظْهارُ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَكانَ هَذا العَقْدُ أحَدَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ الإيمانِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يَعْنِي يا أيُّها الَّذِينَ التَزَمْتُمْ بِإيمانِكم أنْواعَ العُقُودِ والعُهُودِ في إظْهارِ طاعَةِ اللَّهِ أوْفُوا بِتِلْكَ العُقُودِ، وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى رَبَطَها بِعِبادِهِ كَما يُرْبَطُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ بِالحَبْلِ المُوَثَّقِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُسَمِّي هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] وتارَةً عُهُودًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النَّحْلِ: ٩١] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَ بِأداءِ التَّكالِيفِ فِعْلًا وتَرْكًا.

صفحة ٩٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ أوْ نَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ لَغا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بَلْ يَصِحُّ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ نَذَرَ الصَّوْمَ والذَّبْحَ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ والذَّبْحُ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّهُ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ، ونَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ، وصَوْمُ العِيدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الصَّوْمِ ومِن وُقُوعِهِ في يَوْمِ العِيدِ، وكَذَلِكَ ذَبْحُ الوَلَدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الذَّبْحِ ومِن وُقُوعِهِ في الوَلَدِ، والآتِي بِالمُرَكَّبِ يَكُونُ آتِيًا بِكُلِّ واحِدٍ مِن مُفْرَدَيْهِ، فَمُلْتَزِمُ صَوْمِ يَوْمِ العِيدِ وذَبْحِ الوَلَدِ يَكُونُ لا مَحالَةَ مُلْتَزِمًا لِلصَّوْمِ والذَّبْحِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ والذَّبْحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنْسانِ: ٧] ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«فِ بِنَذْرِكَ» “ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَغا هَذا النَّذْرَ في خُصُوصِ كَوْنِ الصَّوْمِ واقِعًا في يَوْمِ العِيدِ، وفي خُصُوصِ كَوْنِ الذَّبْحِ واقِعًا في الوَلَدِ، إلّا أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ.

وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ هَذا نَذْرٌ في المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ لَغْوًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» “ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خِيارُ المَجْلِسِ غَيْرُ ثابِتٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ - …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ في الآيَةِ الأُولى أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُخالَفَةِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الشَّعائِرَ جَمْعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: واحِدُها شَعارَةٌ، والشَّعِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعَّلَةٍ، والمُشَّعَرَةُ المُعَلَّمَةُ، والأشْعارُ الأعْلامُ، وكُلُّ شَيْءٍ أُشْعِرَ فَقَدْ أُعْلِمُ، وكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلى شَيْءٍ أوْ عُلِّمَ بِعَلامَةٍ جازَ أنْ يُسَمّى شَعِيرَةً، فالهَدْيُ الَّذِي يُهْدى إلى مَكَّةَ يُسَمّى شَعائِرَ لِأنَّها مُعَلَّمَةٌ بِعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِها هَدْيًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِشَعائِرِ اللَّهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِن شَعائِرِ اللَّهِ وفَرائِضِهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ وأوْجَبَها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَشَعائِرُ اللَّهِ عامٌّ في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: شَعائِرُ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَيْءٌ خاصٌّ مِنَ التَّكالِيفِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ لا تَحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم في حالِ إحْرامِكم مِنَ الصَّيْدِ.

والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ البَيْتَ ويُهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ المَشاعِرَ ويَنْحَرُونَ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: كانَتْ عامَّةُ العَرَبِ لا يَرَوْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ ولا يَطُوفُونَ بِهِما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: لا تَسْتَحِلُّوا تَرْكَ شَيْءٍ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وأْتُوا بِجَمِيعِها عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الشَّعائِرُ هي الهَدايا تُطْعَنُ في أسَنامِها وتُقَلَّدُ لِيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحَجِّ: ٣٦] وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَعائِرَ اللَّهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الهَدْيَ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: لا تُحِلُّوا الشَّهْرَ الحَرامَ بِالقِتالِ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ هو الشَّهْرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ وتُحَرِّمُ القِتالَ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٦] فَقِيلَ: هي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى

صفحة ١٠٢

جَمِيعِ هَذِهِ الأشْهُرِ كَما يُطْلَقُ اسْمُ الواحِدِ عَلى الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو رَجَبٌ لِأنَّهُ أكْمَلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ الصِّفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الهَدْيُ ما أُهْدِيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ مِن ناقَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ اسْتِثْناءَ أشْياءَ تُتْلى عَلَيْكم، فَهَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الصُّوَرَ المُسْتَثْناةَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، وهي أحَدَ عَشَرَ نَوْعًا:

الأوَّلُ: المَيْتَةُ: وكانُوا

صفحة ١٠٥

يَقُولُونَ: إنَّكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ.

واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيمَ المَيْتَةِ مُوافِقٌ لِما في العُقُولِ، لِأنَّ الدَّمَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، فَإذا ماتَ الحَيَوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدَّمُ في عُرُوقِهِ وتَعَفَّنَ وفَسَدَ وحَصَلَ مِن أكْلِهِ مَضارٌّ عَظِيمَةٌ.

والثّانِي: الدَّمُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانُوا يَمْلَئُونَ المَعْيَ مِنَ الدَّمِ ويَشْوُونَهُ ويُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ، فاللَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: لَحْمُ الخِنْزِيرِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: الغِذاءُ يَصِيرُ جُزْءًا مِن جَوْهَرِ المُغْتَذِي، فَلا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُغْتَذِي أخْلاقٌ وصِفاتٌ مِن جِنْسِ ما كانَ حاصِلًا في الغِذاءِ، والخِنْزِيرُ مَطْبُوعٌ عَلى حِرْصٍ عَظِيمٍ ورَغْبَةٍ شَدِيدَةٍ في المُشْتَهَياتِ، فَحَرُمَ أكْلُهُ عَلى الإنْسانِ لِئَلّا يَتَكَيَّفَ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الشّاةُ فَإنَّها حَيَوانٌ في غايَةِ السَّلامَةِ، فَكَأنَّها ذاتٌ عارِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ، فَلِذَلِكَ لا يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ أكْلِ لَحْمِها كَيْفِيَّةٌ أجْنَبِيَّةٌ عَنْ أحْوالِ الإنْسانِ.

الرّابِعُ: ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والإهْلالُ رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ يُقالُ أهَلَّ فُلانٌ بِالحَجِّ إذا لَبّى بِهِ، ومِنهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وهو صُراخُهُ إذا وُلِدَ، وكانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

والخامِسُ: المُنْخَنِقَةُ، يُقالُ: خَنَقَهُ فاخْتَنَقَ، والخَنْقُ والِاخْتِناقُ انْعِصارُ الحَلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ المُنْخَنِقَةَ عَلى وُجُوهٍ:

مِنها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَخْنُقُونَ الشّاةَ فَإذا ماتَتْ أكَلُوها، ومِنها ما يُخْنَقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ، ومِنها ما يُدْخَلُ رَأْسُها بَيْنَ عُودَيْنِ في شَجَرَةٍ فَتَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ، وبِالجُمْلَةِ فَبِأيِّ وجْهٍ اخْتَنَقَتْ فَهي حَرامٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُنْخَنِقَةَ مِن جِنْسِ المَيْتَةِ، لِأنَّها لَمّا ماتَتْ وما سالَ دَمُها كانَتْ كالمَيِّتِ حَتْفَ أنْفِهِ.

والسّادِسُ: المَوْقُوذَةُ، وهي الَّتِي ضُرِبَتْ إلى أنْ ماتَتْ يُقالُ: وقَذَها وأوْقَذَها إذا ضَرَبَها إلى أنْ ماتَتْ، ويَدْخُلُ في المَوْقُوذَةِ ما رُمِيَ بِالبُنْدُقِ فَماتَ، وهي أيْضًا في مَعْنى المَيْتَةِ وفي مَعْنى المُنْخَنِقَةِ فَإنَّها ماتَتْ ولَمْ يَسِلْ دَمُها.

السّابِعُ: المُتَرَدِّيَةُ، والمُتَرَدِّي هو الواقِعُ في الرَّدى وهو الهَلاكُ. قالَ تَعالى: ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [اللَّيْلِ: ١١] أيْ: وقَعَ في النّارِ، ويُقالُ: فُلانٌ تَرَدّى مِنَ السَّطْحِ، فالمُتَرَدِّيَةُ هي الَّتِي تَسْقُطُ مِن جَبَلٍ أوْ مَوْضِعٍ مُشْرِفٍ فَتَمُوتُ، وهَذا أيْضًا مِنَ المَيْتَةِ لِأنَّها ماتَتْ وما سالَ مِنها الدَّمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما إذا أصابَهُ سَهْمٌ وهو في الجَبَلِ فَسَقَطَ عَلى الأرْضِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ أكْلُهُ لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ أنَّهُ ماتَ …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

صفحة ١١٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ وهَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ المَطاعِمِ والمَآكِلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ لَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ماذا أُحِلَّ لَنا حِكايَةً لِما قالُوهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا حِكايَةً لِكَلامِهِمْ لَكانُوا قَدْ قالُوا ماذا أُحِلَّ لَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا باطِلٌ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ ذَلِكَ، بَلْ إنَّما يَقُولُونَ ماذا أُحِلَّ لَنا، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ هَذا لَيْسَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بِعِبارَتِهِمْ، بَلْ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”ماذا“ إنْ جَعَلْتَهُ اسْمًا واحِدًا فَهو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”أُحِلَّ“ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ خَبَرُها ”ذا“ و”أُحِلَّ“ مِن صِلَةِ ”ذا“ لِأنَّهُ بِمَعْنى: ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ مِنَ الطَّيِّباتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ. فَهم كانُوا يَحْكُمُونَ بِكَوْنِها طَيِّبَةً إلّا أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أكْلَها لِشُبُهاتٍ ضَعِيفَةٍ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ ما يُسْتَطابُ فَهو حَلالٌ، وأكَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعْرافِ: ٣٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] .

واعْلَمْ أنَّ الطَّيِّبَ في اللُّغَةِ هو المُسْتَلَذُّ، والحَلالُ المَأْذُونُ فِيهِ يُسَمّى أيْضًا طَيِّبًا تَشْبِيهًا بِما هو مُسْتَلَذٌّ، لِأنَّهُما اجْتَمَعا في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطَّيِّباتِ هَهُنا المُحَلَّلاتِ، وإلّا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ المُحَلَّلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّيِّباتِ عَلى المُسْتَلَذِّ المُشْتَهى، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أُحِلَّ لَكم كُلُّ ما يَسْتَلَذُّ ويُشْتَهى.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ العِبْرَةَ في الِاسْتِلْذاذِ والِاسْتِطابَةِ بِأهْلِ المُرُوءَةِ والأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، فَإنَّ أهْلَ البادِيَةِ يَسْتَطِيبُونَ أكْلَ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ويَتَأكَّدُ دَلالَةُ هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٩] فَهَذا يَقْتَضِي التَّمَكُّنَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِكُلِّ ما في الأرْضِ، إلّا أنَّهُ أدْخَلَ التَّخْصِيصَ في ذَلِكَ العُمُومِ فَقالَ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ، ١٥٧] ونَصَّ في هَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةِ عَلى إباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ والطَّيِّباتِ فَصارَ هَذا أصْلًا كَبِيرًا، وقانُونًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ الأطْعِمَةِ، مِنها أنَّ لَحْمَ الخَيْلِ مُباحٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِمُباحٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ مُسْتَلَذٌّ مُسْتَطابٌ، والعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ومِنها أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُباحٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ حَرامٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ أحَلَّ الطَّيِّباتِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ الإخْبارَ عَنْ هَذا الحُكْمِ، ثُمَّ أعادَ ذِكْرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ كَما أكْمَلَ الدِّينَ وأتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَكَذَلِكَ أتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنها إحْلالُ الطَّيِّباتِ، والغَرَضُ مِنَ الإعادَةِ رِعايَةُ هَذِهِ النُّكْتَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وفي المُرادِ بِالطَّعامِ هَهُنا وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الذَّبائِحُ، يَعْنِي أنَّهُ يَحِلُّ لَنا أكْلُ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سُنَّ فِيهِمْ سُنَّةُ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ اسْتَثْنى نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو الخَبْزُ والفاكِهَةُ وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الذَّكاةِ، وهو مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ جَمْعُ المَطْعُوماتِ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ورَجَّحُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الذَّبائِحَ هي الَّتِي تَصِيرُ طَعامًا بِفِعْلِ الذّابِحِ، فَحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.

وثانِيها: أنَّ ما سِوى الذَّبائِحِ فَهي مُحَلَّلَةٌ قَبْلَ أنْ كانَتْ لِأهْلِ الكِتابِ وبَعْدَ أنْ صارَتْ لَهم، فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِها بِأهْلِ الكِتابِ فائِدَةٌ.

وثالِثُها: ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.

صفحة ١١٦

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: ويَحِلُّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم مِن طَعامِكم لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ أنْ نُطْعِمَهم مِن ذَبائِحِنا، وأيْضًا فالفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّ إباحَةَ المُناكَحَةِ غَيْرُ حاصِلَةٍ في الجانِبَيْنِ، وإباحَةَ الذَّبائِحِ كانَتْ حاصِلَةً في الجانِبَيْنِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ وفي المُحْصَناتِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها الحَرائِرُ.

والثّانِي: أنَّها العَفائِفُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ الأمَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ومَهْرُ الأمَةِ لا يُدْفَعُ إلَيْها بَلْ إلى سَيِّدِها.

وثانِيها: أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] أنَّ نِكاحَ الأمَةِ إنَّما يَحِلُّ بِشَرْطَيْنِ: عَدَمُ طَوْلِ الحُرَّةِ، وحُصُولُ الخَوْفِ مِنَ العَنَتِ.

وثالِثُها: أنَّ تَخْصِيصَ العَفائِفِ بِالحِلِّ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَيْسَ نَفْسَ القِيامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الوُضُوءِ عَنِ الصَّلاةِ، وأنَّهُ باطِلٌ بِالإجْماعِ.

الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ غَسَلَ الأعْضاءَ قَبْلَ الصَّلاةِ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا لَكانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إذا شَمَّرْتُمْ

صفحة ١١٩

لِلْقِيامِ إلى الصَّلاةِ وأرَدْتُمْ ذَلِكَ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَشْهُورٌ مُتَعارَفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الفِعْلِ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ٣٤] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ القِيامَ الَّذِي هو الِانْتِصابُ، يُقالُ: فُلانٌ قائِمٌ بِذَلِكَ الأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ البَتَّةَ الِانْتِصابَ، بَلِ المُرادُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مُتَهَيِّئًا لَهُ مُسْتَعِدًّا لِإدْخالِهِ في الوُجُودِ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ مَعْناهُ إذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ والِاشْتِغالَ بِإقامَتِها.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: الأمْرُ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، الشَّرْطُ فِيها القِيامُ إلى الصَّلاةِ، والجَزاءُ الأمْرُ بِالغَسْلِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ. وقالَ آخَرُونَ: المَقْصُودُ مِنَ الوُضُوءِ الطَّهارَةُ، والطَّهارَةُ مَقْصُودَةٌ بِذاتِها بِدَلِيلِ القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بُنِيَ الدِّينُ عَلى النَّظافَةِ» “ وقالَ: ”«أُمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ ولِأنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ وارِدَةٌ في كَوْنِ الوُضُوءِ سَبَبًا لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ داوُدُ: يَجِبُ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ. احْتَجَّ داوُدُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ قِيامًا واحِدًا وصَلاةً واحِدَةً، فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُمُومَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لِأنَّ تَعْيِينَ تِلْكَ المَرَّةِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ إخْراجٌ لَها عَنِ الفائِدَةِ، وذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ، ومِن شَأْنِهِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، وذَلِكَ يُوجِبُ العُمُومَ.

وثالِثُها: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ غَيْرُ مَقْصُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ ولا عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وإذا بَطَلَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ، إذْ لَوْ لَمْ تُحْمَلْ هَذِهِ …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا التَّكْلِيفَ أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والِانْقِيادَ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ الِاشْتِغالَ بِخِدْمَةِ المُنْعِمِ والِانْقِيادَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ ”نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكم“؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلَ في أعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلُ في جِنْسِ نِعَمِ اللَّهِ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطاءِ نِعْمَةِ الحَياةِ والصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ والصَّوْنِ عَنِ الآفاتِ والإيصالِ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَجِنْسُ نِعْمَةِ اللَّهِ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المُرادُ التَّأمُّلُ في هَذا النَّوْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتازٌ عَنْ نِعْمَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ الِامْتِيازُ هو أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ مَتى كانْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ وُجُوبُ الِاشْتِغالِ بِشُكْرِها أتَمَّ وأكْمَلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِسَبْقِ النِّسْيانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ نِسْيانُها مَعَ أنَّها مُتَواتِرَةٌ مُتَوالِيَةٌ عَلَيْنا في جَمِيعِ السّاعاتِ والأوْقاتِ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّها لِكَثْرَتِها وتَعاقُبِها صارَتْ كالأمْرِ المُعْتادِ، فَصارَتْ غَلَبَةُ ظُهُورِها وكَثْرَتِها سَبَبًا لِوُقُوعِها في مَحَلِّ النِّسْيانِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما كانَ باطِنًا لِكَوْنِهِ ظاهِرًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.

السَّبَبُ الثّانِي: مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى هو المِيثاقُ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، والمُواثَقَةُ المُعاهَدَةُ الَّتِي قَدْ أُحْكِمَتْ بِالعَقْدِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذا المِيثاقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو المَواثِيقُ الَّتِي

صفحة ١٤٢

جَرَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهم في أنْ يَكُونُوا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في المَحْبُوبِ والمَكْرُوهِ، مِثْلُ مُبايَعَتِهِ مَعَ الأنْصارِ في أوَّلِ الأمْرِ ومُبايَعَتِهِ عامَّةَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ المِيثاقَ الصّادِرَ عَنِ الرَّسُولِ إلى نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ (النِّساءِ: ٨٠) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم أنَّهُمُ التَزَمُوا ذَلِكَ وقَبِلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا، ثُمَّ حَذَّرَهم مِن نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ والمَواثِيقِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ …

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ هَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمُرادُ حَثُّهم عَلى الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ التَّكالِيفَ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ وهو التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومَعْنى القِيامِ لِلَّهِ هو أنْ يَقُومَ لِلَّهِ بِالحَقِّ في كُلِّ ما يَلْزَمُهُ القِيامُ بِهِ مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وتَعْظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: يَقُولُ لا تُحابِ في شَهادَتِكَ أهْلَ وُدِّكَ وقَرابَتَكَ، ولا تَمْنَعْ شَهادَتَكَ أعْداءَكَ وأضْدادَكَ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تُبَيِّنُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، لِأنَّ الشّاهِدَ يُبَيِّنُ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ أيْ لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا، وأرادَ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِمْ لَكِنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ تَجُورُوا عَلَيْهِمْ وتُجاوِزُوا الحَدَّ فِيهِمْ، بَلِ اعْدِلُوا فِيهِمْ وإنْ أساءُوا إلَيْكم، وأحْسِنُوا إلَيْهِمْ

صفحة ١٤٣

وإنْ بالَغُوا في إيحاشِكم، فَهَذا خِطابٌ عامٌّ، ومَعْناهُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِأنْ لا يُعامِلُوا أحَدًا إلّا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ، وتَرْكِ المَيْلِ والظُّلْمِ والِاعْتِسافِ.

والثّانِي: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ فَإنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ يُعْقَلُ ظُلْمُ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ ؟

قُلْنا: يُمْكِنُ ظُلْمُهم أيْضًا مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنها أنَّهم إذا أظْهَرُوا الإسْلامَ لا يَقْبَلُونَهُ مِنهم، ومِنها قَتْلُ أوْلادِهِمُ الأطْفالِ لِاغْتِمامِ الآباءِ، ومِنها إيقاعُ المُثْلَةِ بِهِمْ، ومِنها نَقْضُ عُهُودِهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنْ أنْ يَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٧) أيْ هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ العَدْلِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، فَما الظَّنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الكَلامَ الَّذِي يَكُونُ وعْدًا مَعَ المُطِيعِينَ ووَعِيدًا لِلْمُذْنِبِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِكم.

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فالمَغْفِرَةُ إسْقاطُ السَّيِّئاتِ كَما قالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (الفُرْقانِ: ٧٠) والأجْرُ العَظِيمُ إيصالُ الثَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ وعَدَهم ؟ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

الثّانِي: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقالَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والثّالِثُ: أجْرى قَوْلَهُ: (وعَدَ) مَجْرى قالَ، والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (وعَدَ) واقِعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ وعَدَهم بِهَذا المَجْمُوعِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخْبَرَ عَنْ هَذا الوَعْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ أخْبَرَ بِالمَوْعُودِ بِهِ كانَ ذَلِكَ أقْوى ؟

قُلْنا: بَلِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ هَذا الوَعْدِ وعْدَ اللَّهِ أقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أضافَ هَذا الوَعْدَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، وهَذا يَمْتَنِعُ الخُلْفُ في وعْدِهِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الخُلْفِ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسى وعْدَهُ، وإمّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وإمّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ البُخْلُ عَنِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ، وإمّا لِلْحاجَةِ، فَإذا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ دُخُولُ الخُلْفِ في وعْدِهِ مُحالًا، فَكانَ الإخْبارُ عَنْ

صفحة ١٤٤

هَذا الوَعْدِ أوْكَدَ وأقْوى مِن نَفْسِ الإخْبارِ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الوَعْدَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ فَيُفِيدُهُ السُّرُورَ عِنْدَ سَكَراتِ المَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الشَّدائِدُ، وبَعْدَ المَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ البَقاءُ في ظُلْمَةِ القَبْرِ وفي عَرْصَةِ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُصاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ كَما يُقالُ: أصْحابُ الصَّحْراءِ، أيِ المُلازِمُونَ لَها.

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فالمَغْفِرَةُ إسْقاطُ السَّيِّئاتِ كَما قالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (الفُرْقانِ: ٧٠) والأجْرُ العَظِيمُ إيصالُ الثَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ وعَدَهم ؟ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

الثّانِي: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقالَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والثّالِثُ: أجْرى قَوْلَهُ: (وعَدَ) مَجْرى قالَ، والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (وعَدَ) واقِعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ وعَدَهم بِهَذا المَجْمُوعِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخْبَرَ عَنْ هَذا الوَعْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ أخْبَرَ بِالمَوْعُودِ بِهِ كانَ ذَلِكَ أقْوى ؟

قُلْنا: بَلِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ هَذا الوَعْدِ وعْدَ اللَّهِ أقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أضافَ هَذا الوَعْدَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، وهَذا يَمْتَنِعُ الخُلْفُ في وعْدِهِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الخُلْفِ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسى وعْدَهُ، وإمّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وإمّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ البُخْلُ عَنِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ، وإمّا لِلْحاجَةِ، فَإذا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ دُخُولُ الخُلْفِ في وعْدِهِ مُحالًا، فَكانَ الإخْبارُ عَنْ

صفحة ١٤٤

هَذا الوَعْدِ أوْكَدَ وأقْوى مِن نَفْسِ الإخْبارِ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الوَعْدَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ فَيُفِيدُهُ السُّرُورَ عِنْدَ سَكَراتِ المَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الشَّدائِدُ، وبَعْدَ المَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ البَقاءُ في ظُلْمَةِ القَبْرِ وفي عَرْصَةِ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُصاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ كَما يُقالُ: أصْحابُ الصَّحْراءِ، أيِ المُلازِمُونَ لَها.

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.