Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 120

31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ

Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ إذْ كانَ أوَّلَ مَيْتٍ؛ فَلَمْ يَكُنِ الدَّفْنُ مَعْرُوفًا“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ القُدْرَةِ؛ والعَظَمَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ ولَمّا كانَ المَعْنى يَحْصُلُ بِالغُرابِ الباحِثِ فَقَطْ؛ قالَ: ﴿غُرابًا يَبْحَثُ﴾؛ أيْ: يُوجِدُ البَحْثَ؛ وهو التَّفْتِيشُ في التُّرابِ؛ بِتَلْيِينِ ما تَراصَّ مِنهُ؛ وإزاحَتِهِ مِن مَكانِهِ؛ لِيُبْقِيَ مَكانَهُ حَوْزَةً خالِيَةً. ولَمّا كانَ البَحْثُ مُطْلَقَ التَّفْتِيشِ؛ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ لِيُوارِيَ غُرابًا آخَرَ ماتَ؛ ولَمّا كانَ الغُرابُ سَبَبَ عِلْمِ ابْنِ آدَمَ القاتِلِ لِلدَّفْنِ؛ كانَ كَأنَّهُ بَحَثَ لِأجْلِ تَعْلِيمِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِيُرِيَهُ﴾؛ أيْ: الغُرابُ يُرِي ابْنَ آدَمَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ والأوَّلُ أوْلى؛ لِتَوْقِيفِهِ عَلى عَجْزِهِ؛ وجَهْلِهِ بِأنَّ الغُرابَ أعْلَمُ مِنهُ؛ وأقْرَبُ إلى الخَيْرِ؛ ﴿كَيْفَ يُوارِي﴾؛ ولَمّا كانَتِ السَّوْءَةُ واجِبَةَ السَّتْرِ؛ وكانَ المَيْتُ يَصِيرُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلُّهُ سَوْءَةً؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ؛ وعَلى أنَّها السَّبَبُ في الدَّفْنِ؛ بِالقَصْدِ الأوَّلِ -: ﴿سَوْءَةَ﴾؛ أيْ: فَضِيحَةَ؛ ﴿أخِيهِ﴾؛ أيْ: أخِي قابِيلَ؛ وهو هابِيلُ المَقْتُولُ؛ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ تُفِيدُ أنَّ الجُثَّةَ تُرِيدُ أنْ يَكُونَ القاتِلُ وراءَها؛ والقاتِلُ يُرِيدُ كَوْنَ الجُثَّةِ وراءَهُ؛ فَيَكُونانِ بِحَيْثُ لا يَرى واحِدٌ مِنهُما الآخَرَ؛ ولَعَلَّ بَعْثَ الغُرابِ إشارَةٌ إلى غُرْبَةِ القاتِلِ؛ بِاسْتِيحاشِ النّاسِ مِنهُ؛ وجَعْلِهِ مِمّا يُنْفَرُ عَنْهُ؛ ويَقْتُلُهُ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ومِن ثَمَّ سُمِّيَ الغُرابُ البَيْنَ؛ وتَشاءَمَ بِهِ مَن يَراهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لِعَجَبٌ؛ فَما قالَ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ الكَلِمَةَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ؛ لِما نَبَّهَهُ ذَلِكَ؛ مُتَعَجِّبًا؛ مُتَحَيِّرًا؛ مُتَلَهِّفًا؛ عالِمًا أنَّ الغُرابَ أعْلَمُ مِنهُ؛ وأشْفَقُ؛ مُنْكِرًا عَلى نَفْسِهِ؛ ﴿يا ويْلَتا﴾ ؛ أيْ: احْضُرْنِي يا ويْلُ؛ هَذا أوانُكَ ألّا يَكُونَ لِي نَدِيمٌ غَيْرُكَ؛ ولَمّا تَفَجَّعَ غايَةَ الفَجِيعَةِ؛ وتَأسَّفَ كُلَّ الأسَفِ؛ أنْكَرَ عَلى نَفْسِهِ؛ فَقالَ: ﴿أعَجَزْتُ﴾؛ أيْ: مَعَ ما جُعِلَ لِي مِنَ القُوَّةِ القاطِعَةِ؛ ﴿أنْ أكُونَ﴾؛ مَعَ ما لِي مِنَ الجَوارِحِ الصّالِحَةِ لِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾؛ وقَوْلُهُ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿فَأُوارِيَ سَوْءَةَ﴾؛ أيْ: عَوْرَةَ وفَضِيحَةَ؛ ﴿أخِي﴾؛ نُصِبَ عَطْفًا عَلى ”أكُونَ“؛ لا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ إنْكارِيٌّ؛ فَمَعْناهُ النَّفْيُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ وقَعَتْ مِنهُ مُواراةٌ لِيُنْكِرَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويُوَبِّخَها بِسَبَبِها؛ ولَوْ كانَتْ وقَعَتْ لَمْ يَصِحَّ إنْكارُها عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ العَجْزِ؛ الَّذِي أفادَتْهُ الهَمْزَةُ؛ ﴿فَأصْبَحَ﴾؛ بِسَبَبِ قَتْلِهِ؛ ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾؛ أيْ: عَلى ما فَعَلَ؛ لِأنَّهُ فَقَدَ أخاهُ؛ وأغْضَبَ رَبَّهُ؛ وأباهُ؛ ولَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ ما كانَ سَبَبَ غَيْظِهِ؛ بَلْ زادَهُ بُعْدًا؛ وذُكِرَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَلِمَ قَتْلَهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - رَدَّ ذَلِكَ؛ وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كُلُّهم في النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَواءٌ؛ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَدْ صَحَّ أنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّعْرِ: «”ولا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا …

Al-Maaida 5:31Listen in Qur'an →
32

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul or for corruption [done] in the land - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one - it is as if he had saved mankind entirely. And our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الإنْسانَ مَوْضِعُ العَجَلَةِ والإقْدامِ عَلى المُوبِقاتِ؛ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ؛ فَكانَ أحْوَجَ شَيْءٍ إلى نَصْبِ الزَّواجِرِ؛ أتْبَعَهُ (تَعالى) قَوْلَهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِن غايَةِ الأمْرِ الفاحِشِ جِدًّا ومُدَّتِهِ؛ وعِظَمِ الأمْرِ؛ وشَدَّةِ قُبْحِهِ في نَفْسِهِ؛ وعِنْدَ اللَّهِ؛ وصِغَرِهِ عِنْدَ القاتِلِ؛ وحَبْسِهِ؛ ومَنعِهِ؛ وجِنايَتِهِ؛ وإثارَتِهِ؛ وتَهْيِيجِهِ؛ وجُرْأةِ الإنْسانِ عَلى العَظائِمِ بِغَيْرِ تَأمُّلٍ؛ ﴿كَتَبْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ لِيُفِيدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ المَكْتُوبِ؛ والتَّنْبِيهَ عَلى ما فِيهِ مِنَ العَجْزِ؛ لِيُفِيدَ الِانْزِجارَ؛ ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أعْلَمْناهُمْ؛ بِما لَنا مِنَ العِنايَةِ بِهِمْ؛ في التَّوْراةِ الَّتِي كَتَبْناها لَهُمْ؛ ويُفْهِمُ ذَلِكَ أيْضًا أنَّهم أشَدُّ النّاسِ جُرْأةً عَلى القَتْلِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ؛ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِما فِيهِمْ مِنَ التَّشْدِيدِ؛ ولَمّا عُلِمَ مِنَ الآدَمِيِّينَ - لا سِيَّما هم - مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الحُجَّةَ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ ويَكُفَّ عَنِ القَتْلِ مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنهُ العِنايَةُ بِما يُتَصَوَّرُ مِن فَظاعَةِ القَتْلِ؛ وقُبْحِ صُورَتِهِ؛ وفُحْشِ أمْرِهِ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ الَّتِي هي لِلْحَتْمِ؛ مِنَ الوُجُوبِ؛ والحُرْمَةِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِلزَّجْرِ؛ فَهي تُفْهِمُ المَنعَ عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ في هَذا المَقامِ؛ ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾؛ أيْ: مِن بَنِي آدَمَ؛ وكَأنَّهُ أطْلَقَ تَعْظِيمًا لَهُمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ غَيْرَهم جَمادٌ؛ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ أنْ تَكُونَ قَتَلَتْ نَفْسًا تَسْتَحِقُّ أنْ تُقادَ بِها؛ فاسْتَباحَ قَتْلَها لِتِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَتْها؛ ﴿أوْ﴾؛ قَتْلُها بِغَيْرِ؛ ﴿فَسادٍ﴾؛ وقَعَ مِنها.

ولَمّا كانَتِ الأرْضُ - مَعَ أنَّها فِراشُنا؛ فَهي مَحَلُّ التَّوْلِيدِ؛ والتَّرْبِيَةِ؛ والتَّنْمِيَةِ - دارَ الكَدَرِ؛ وكانَ فَسادُ مَن أفْسَدَ فِراشَهُ المَوْصُوفَ - لا سِيَّما وهو في كَدَرٍ - دالًّا عَلى سُوءِ جِبِلَّتِهِ؛ وكانَ سُوءُ الجِبِلَّةِ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ؛ قالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: يُبِيحُ ذَلِكَ الفَسادُ دَمَها؛ كالشِّرْكِ؛ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ وكُلُّ ما يُبِيحُ إراقَةَ الدَّمِ؛ وقَدْ عُلِمَ بِهَذا أنَّ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ؛ مَعَ شِدَّةِ التِحامِها بِما قَبْلُ؛ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدُ؛ وتَغْلِيظُ أمْرِ القَتْلِ تَقَدَّمَ عَنِ التَّوْراةِ؛ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾؛ مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ المُبْطِلَةِ لِما ادَّعَوْا مِنَ البُنُوَّةِ؛ إذْ مَعْناهُ أنَّ النّاسَ شَرْعٌ واحِدٌ؛ مِن جِهَةِ نُفُوسِهِمْ؛ مُتَساوُونَ فِيها؛ كُلُّهم أوْلادُ آدَمَ؛ لا فَضْلَ لِأحَدٍ مِنهم عَلى آخَرَ في أصْلِ تَحْرِيمِ القَتْلِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ المُوجِبِ؛ مِن قِصاصٍ؛ أوْ فَسادٍ؛ لا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ولا مِن غَيْرِهِمْ؛ وذَلِكَ كَما قالَ (تَعالى) - في ثانِي النُّقُوضِ -: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]؛ فَصارَ مَن قَتَلَ نَفْسًا واحِدَةً؛ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ؛ فَكَأنَّما حَمَلَ إثْمَ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ اجْتِراءَهُ عَلى ذَلِكَ أوْجَبَ اجْتِراءَ غَيْرِهِ؛ ومَن سَنَّ سُنَّةً كانَ كَفاعِلِها؛ ﴿ومَن أحْياها﴾؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ؛ كَعَفْوٍ؛ أوْ إنْقاذٍ مِن هَلَكَةٍ؛ كَغَرَقٍ؛ أوْ مُدافَعَةٍ لِمَن يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَها ظُلْمًا؛ ﴿فَكَأنَّما أحْيا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْأحْياءِ؛ …

Al-Maaida 5:32Listen in Qur'an →
33

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

Indeed, the penalty for those who wage war against Allah and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

ولَمّا كانَ هَذا الإسْرافُ؛ بَعْدَ هَذِهِ المَوانِعِ؛ مُحارَبَةً لِلنّاهِي عَنْهُ؛ وكانَ تارَةً يَكُونُ بِالقَتْلِ؛ وتارَةً بِغَيْرِهِ؛ وكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ عَذابَ القاتِلِ يَكُونُ بِأكْثَرَ مِنَ القَتْلِ؛ لِكَوْنِهِ كَمَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ وصَلَ بِهِ - سُبْحانَهُ – قَوْلَهُ - عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ -: ﴿إنَّما جَزاءُ﴾؛ وكانَ الأصْلُ: جَزاؤُهُمْ؛ ولَكِنْ أُرِيدَ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ والتَّعْمِيمِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: بِمُحارَبَةِ مَن نُهَيا عَنْ مُحارَبَتِهِ؛ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ وهم مُسْلِمُونَ؛ ولَهم مَنعَةٌ مِمَّنْ أرادَهُمْ؛ ويَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ في دِمائِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ سَواءٌ كانُوا في البَلَدِ؛ أوْ خارِجَها.

ولَمّا كانَ عِبادُ الرَّحْمَنِ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا؛ أعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ عُبّادُ الشَّيْطانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في الفَسادِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسادًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ ذَوِي فَسادٍ؛ أوْ لِلْفَسادِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِـ ”يَسْعَوْنَ“؛ عَلى المَعْنى؛ ولَمّا كانَتْ أفْعالُهم مُخْتَلِفَةً؛ قَسَّمَ عُقُوبَتَهم بِحَسَبِها؛ فَقالَ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾؛ أيْ: إنْ كانَتْ جَرِيمَتُهُمُ القَتْلَ فَقَطْ؛ لِأنَّ القَتْلَ جَزاؤُهُ القَتْلُ؛ وزادَ - لِكَوْنِهِ في قَطْعِ الطَّرِيقِ - صَيْرُورَتَهُ حَتْمًا؛ لا يَصِحُّ العَفْوُ عَنْهُ؛ ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾؛ أيْ: مَعَ القَتْلِ؛ إنْ ضَمُّوا إلى القَتْلِ أخْدَ المالِ؛ بِأنْ يُرْفَعَ المَصْلُوبُ عَلى جِذْعٍ؛ ومِنهم مَن قالَ: يَكُونُ ذَلِكَ وهو حَيٌّ؛ فَحِينَئِذٍ تُمَدُّ يَداهُ مَعَ الجِذْعِ؛ والأصَحُّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ؛ ويُصَلّى عَلَيْهِ؛ ثُمَّ يُرْفَعُ عَلى الجِذْعِ زَمَنًا؛ يَشِيعُ خَبَرُهُ فِيهِ؛ لِيَنْزَجِرَ غَيْرُهُ؛ ولا يُزادُ عَلى ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ أيْ: اليُمْنى؛ بِأخْذِهِمُ المالَ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ ﴿وأرْجُلُهُمْ﴾؛ أيْ: اليُسْرى؛ لِإخافَةِ السَّبِيلِ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: إنْ كانَتِ الجَرِيمَةُ أخْذَ المالِ فَقَطْ؛ ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالإخافَةِ؛ والإزْعاجِ؛ إنْ لَمْ يَقَعُوا في قَبْضَةِ الإمامِ؛ لِيَكُونُوا مُنْتَقِلِينَ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ؛ ذُعْرًا وخَوْفًا؛ وبِالحَبْسِ إنْ وقَعُوا في القَبْضَةِ؛ وكانُوا قَدْ كَثَّرُوا سَوادَ المُحارِبِينَ؛ وما قَتَلُوا ولا أخَذُوا مالًا؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: النَّكْلُ الشَّدِيدُ المُفَصَّلُ؛ إلى ما ذُكِرَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِمْ؛ ﴿خِزْيٌ﴾؛ أيْ: إهانَةٌ وذُلٌّ؛ بِإيقاعِهِ بِهِمْ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ أيْ: لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَوْطِنُ الفَصْلِ؛ بِإظْهارِ العَدْلِ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: هو بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ مَعارِفِكم أكْثَرَ مِن وصْفِهِ بِالعِظَمِ.

Al-Maaida 5:33Listen in Qur'an →
34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Except for those who return [repenting] before you apprehend them. And know that Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِـ ”إنَّما“؛ يَدُلُّ بِخَتْمِ الجَزاءِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ اسْتَثْنى مِنَ المُعاقَبِينَ هَذِهِ العُقُوبَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُحارَبَةِ؛ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولِذا قالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾؛ وأثْبَتَ الجارَّ؛ إشارَةً إلى القَبُولِ؛ وإنْ طالَ زَمَنُ المَعْصِيَةِ؛ وقَصُرَ زَمَنُ التَّوْبَةِ؛ ﴿أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّ تَحَتُّمَ الجَزاءِ المَذْكُورِ يَسْقُطُ؛ فَلا يُجازَوْنَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّ إلّا إذا طَلَبَ صاحِبُ الحَقِّ؛ فَإنْ عَفا؛ كانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وأمّا حَقُّ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَإنَّهُ يَسْقُطُ؛ وإلى هَذا الإشارَةُ أيْضًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: صِفَتُهُ ذَلِكَ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ فَهو يَفْعَلُ مِنهُ ما يَشاءُ؛ لِمَن يَشاءُ؛ وأفْهَمَتِ الآيَةُ أنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ شَيْئًا مِنَ الحُدُودِ.

Al-Maaida 5:34Listen in Qur'an →
35

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, fear Allah and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) حُكْمَهم عِنْدَ التَّوْبَةِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِما يُناسِبُ مِنَ الغُفْرانِ؛ والرَّحْمَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ جَزاءَ مَن لَمْ يُرَسِّخْ قَدَمَهُ في الدِّينِ؛ عَلى جَنابِهِ المُتَعالِي؛ أتْبَعَ ذَلِكَ الأمْرَ بِالتَّقْوى؛ وجِهادِ كُلِّ مَن أفْسَدَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ أوِ الكُفْرِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَقالَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا قَبْلَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِالإيمانِ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما سَمِعْتُمْ مِن وعِيدِهِ لِلْمُفْسِدِينَ وِقايَةً؛ تَصْدِيقًا لِما أقْرَرْتُمْ بِهِ؛ لِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي هي جَدِيرَةٌ بِأنْ تُخْشى؛ وتُرَجّى؛ لِجَمْعِها الجَلالَ والإكْرامَ.

ولَمّا كانَتْ مَجامِعُ التَّكْلِيفِ مُنْحَصِرَةً في تَخَلٍّ مِن فَضائِحِ المَنهِيّاتِ؛ وتَحَلٍّ بِمَلابِسِ المَأْمُوراتِ؛ وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ مِن دَرْءِ المَفاسِدِ؛ أتْبَعَهُ الثّانِيَ؛ فَقالَ: ﴿وابْتَغُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا طَلَبًا شَدِيدًا؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الوَسِيلَةَ﴾؛ أيْ: التَّقْرِيبَ بِكُلِّ ما يُوصِلُ إلَيْهِ؛ مِن طاعَتِهِ؛ ولا تَيْأسُوا؛ وإنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُكُمْ؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ قَدَّمَ أوامِرَ؛ ونَواهِيَ؛ وكانَ الِاسْتِقْراءُ قَدْ أبانَ النّاسَ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ بَيْنَ مُقْبِلٍ ومُعْرِضٍ؛ وكانَ قَدْ أمَرَ المُقْبِلَ بِجِهادِ المُعْرِضِ؛ وكانَ لِلْجِهادِ - بِما لَهُ مِن عَظِيمِ النَّفْعِ؛ وفِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ - مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ؛ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ؛ تَأْكِيدًا لِما مَضى مِنهُ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ لِلْعاصِي مُطْلَقًا؛ سَواءٌ كانَ بِالكُفْرِ؛ أوْ بِغَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى نَيْلُهُ لِكُلِّ ما يَطْلُبُهُ؛ وهَذا شامِلٌ لِكُلِّ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ؛ ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ؛ في أعْلى دَرَجاتِهِ؛ وأدْناها.

Al-Maaida 5:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment

ولَمّا كانَ تَرْكُ هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ: التَّقْوى؛ وطَلَبِ الوَسِيلَةِ؛ والجِهادِ؛ مُزِيلًا لِلْوَصْفِ الأوَّلِ؛ وهو الإيمانُ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ - تَحْذِيرًا مِن تَرْكِها - ذِكْرُ حالِ الكُفّارِ؛ وأنَّهُ لا تَنْفَعُهم وسِيلَةٌ في تِلْكَ الدّارِ؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ ورَتَّبَ الجَزاءَ عَلى الماضِي؛ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ؛ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾؛ وأكَّدَ ما أفْهَمَهُ الكَلامُ مِنَ اسْتِغْراقِ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ أيْ: مِمّا كانَ يُطْلَبُ مِنهم شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مِنهُ؛ وهو الإذْعانُ بِتَصْدِيقِ الجَنانِ؛ وإنْفاقُ الفَضْلِ مِنَ المالِ؛ وزادَ الأمْرَ هَوْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومِثْلَهُ﴾؛ ولَمّا كانَ لِدَفْعِ الفِداءِ جُمْلَةً ما لَيْسَ لَهُ مُفَرَّقًا؛ قالَ ﴿مَعَهُ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَحْقِيرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ يَوْمِ التَّغابُنِ؛ وإنْ كانَ عِنْدَ الكُفّارِ؛ الَّذِينَ جَعَلُوا غايَةَ أمْرِهِمُ الحَياةَ الدُّنْيا؛ أعْظَمَ ما يَكُونُ؛ والإفْهامُ بِأنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ الجِنْسُ لِيَشْمَلَ ما عَساهُ أنْ يُفْرَضَ مِنَ الأمْثالِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ؛ عَلى كَثْرَتِهِما وعَظَمَتِهِما؛ مُفْرَدًا؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ؛ الدّالِّ عَلى تَجْدِيدِ الرَّغْبَةِ في المَسْألَةِ؛ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ؛ ولِأنَّ السِّياقَ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ؛ والمُحارَبَةِ لِلَّهِ؛ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ والسَّعْيِ في الأرْضِ بِالفَسادِ؛ ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِنَفْيِ القَبُولِ عَلى الهَيْئَةِ الآتِيَةِ -: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُوا الِافْتِداءَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ أيْ: بِما ذُكِرَ؛ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَهْوِيلَ الأمْرِ بِرَدِّهِ؛ وكانَ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَعْيِينِ الرّادِّ؛ قالَ: ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ وعَلى يَدِ مَن كانَ؛ لِأنَّ المَدْفُوعَ إلَيْهِ ذَلِكَ تامُّ القُدْرَةِ؛ ولَهُ الغِنى المُطْلَقُ.

ولَمّا كانَ مِنَ النُّفُوسِ ما هو سافِلٌ؛ لا يُنَكِّبُهُ الرَّدُّ؛ وكانَ الرَّدُّ لِأجْلِ إمْضاءِ المُعَدِّ مِنَ العَذابِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ -: ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الإيجاعِ؛ بِما أوْجَعُوا أوْلِياءَ اللَّهِ؛ بِسَتْرِهِمْ لِما أظْهَرُوا مِن شُمُوسِ البَيانِ؛ وانْتَهَكُوا مِن حُرُماتِ المَلِكِ الدَّيّانِ؛

Al-Maaida 5:36Listen in Qur'an →
37

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

ثُمَّ عَلَّلَ شِدَّةَ إيلامِهِ بِدَوامِهِ؛ فَقالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أيْ: يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ في وقْتٍ ما؛ إذا رَفَعَهُمُ اللَّهَبُ إلى أنْ يَكادَ أنْ يُلْقِيَهم خارِجًا؛ ﴿مِنَ النّارِ﴾؛ ثُمَّ نَفى خُرُوجَهُمْ؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ؛ فَقالَ: ﴿وما هُمْ﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِالجارِّ واسْمِ الفاعِلِ؛ فَقالَ: ﴿بِخارِجِينَ مِنها﴾؛ أيْ: ما يَثْبُتُ لَهم خُرُوجٌ أصْلًا؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ في النَّفْيِ بِالِاسْمِيَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَتَجَدَّدُ لَهُمُ الخُرُوجُ مِنَ الحَرُورِ إلى الزَّمْهَرِيرِ؛ فَإنْ سَمّى أحَدٌ ذَلِكَ خُرُوجًا فَهو غَيْرُ مُرادِهِمْ.

ولَمّا كانَ المُعَذَّبُونَ في دارٍ رُبَّما دامَ لَهُمُ المُكْثُ فِيها وانْقَطَعَ عَنْهُمُ العَذابُ؛ قالَ: ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ دُونَ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿عَذابٌ﴾؛ أيْ: تارَةً بِالحَرِّ؛ وتارَةً بِالبَرْدِ؛ وتارَةً بِغَيْرِهِما؛ دائِمُ الإقامَةِ؛ لا يَبْرَحُ؛ ولا يَتَغَيَّرُ؛ ﴿مُقِيمٌ﴾

Al-Maaida 5:37Listen in Qur'an →
38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they committed as a deterrent [punishment] from Allah. And Allah is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا كانَتِ السَّرِقَةُ مِن جُمْلَةِ المُحارَبَةِ؛ والسَّعْيِ بِالفَسادِ؛ وكانَ فاعِلُها غَيْرَ مُتَّقٍ؛ ولا مُتَوَسِّلٍ؛ عَقَّبَ بِها؛ فَقالَ: ﴿والسّارِقُ﴾؛ الآخِذُ لِما هو في حِرْزٍ؛ خُفْيَةً؛ لِكَوْنِهِ لا يَسْتَحِقُّهُ؛ ﴿والسّارِقَةُ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وهُما مُفْسِدانِ“؛ أوْ: ”حُكْمُهُما فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا﴾؛ و”ال“ - قالَ المُبَرِّدُ - لِلتَّعْرِيفِ؛ بِمَعْنى: ”الَّذِي“؛ والفاءُ لِلسَّبَبِ؛ كَقَوْلِكَ: ”الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ كَذا كَذا دِرْهَمٍ“؛ ﴿أيْدِيَهُما﴾؛ أيْ: الأيامِنَ؛ مِنَ الكُوعِ؛ إذا كانَ المَأْخُوذُ رُبْعَ دِينارٍ فَصاعِدًا؛ مِن حِرْزِ مِثْلِهِ؛ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ لَهُ فِيهِ - كَما بَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ؛ ويَرُدُّ مَعَ القَطْعِ ما سَرَقَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾؛ أيْ: فَعَلا مِن ذَلِكَ؛ وإدالَتُهُ عَلى أدْنى وُجُوهِ السَّرِقَةِ؛ وِقايَةً لِلْمالِ؛ وهَوانًا لَها؛ لِلْخِيانَةِ؛ ودِيَتُها إذا قُطِعَتْ في غَيْرِ حَقِّها خَمْسُمِائَةِ دِينارٍ؛ وِقايَةً لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ أنَّ تُرَخِّصَها الخِيانَةُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَكالا﴾؛ أيْ: مَنعًا لَهُما؛ كَما يَمْنَعُ القَيْدُ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ فَهو المَرْهُوبُ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ؛ وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أيْ: في انْتِقامِهِ؛ فَلا يُغالِبُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الحُكْمِ والحِكْمَةِ في شَرائِعِهِ؛ فَلا يُسْتَطاعُ الِامْتِناعُ مِن سَطْوَتِهِ؛ ولا نَقْضُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّهُ يَضَعُهُ في أتْقَنِ مَواضِعِهِ.

Al-Maaida 5:38Listen in Qur'an →
39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allah will turn to him in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا خَتَمَ بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُما قَوْلَهُ: ﴿فَمَن تابَ﴾؛ أيْ: نَدِمَ وأقْلَعَ؛ ودَلَّ عَلى كَرَمِهِ بِالقَبُولِ في أيِّ وقْتٍ وقَعَتِ التَّوْبَةُ فِيهِ؛ ولَوْ طالَ زَمَنُ المَعْصِيَةِ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”سَرَقْتُهُ“؛ إلى ﴿ظُلْمِهِ﴾؛ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ في كُلِّ ظُلْمٍ؛ فَشَمِلَ ذَلِكَ فِعْلَ طُعْمَةَ؛ وما ذُكِرَ بَعْدَهُ؛ مِمّا تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يُسَمّى ظُلْمًا؛ ﴿وأصْلَحَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَ الإصْلاحَ؛ وأوْقَعَهُ بِرَدِّ الظُّلامَةِ؛ والثَّباتِ عَلى الإقْلاعِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ؛ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ؛ ويَرْجِعُ بِهِ إلى أتَمِّ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظُّلْمِ؛ مِن سُقُوطِ عَذابِ الآخِرَةِ؛ دُونَ عِقابِ الدُّنْيا؛ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ؛ ورِفْقًا بِهِ؛ وبِمَن ظَلَمَهُ؛ وعَدْلًا بَيْنَهُما؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ مِن ذَلِكَ؛ ولا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ لَحْظَةً ما؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ لا مانِعَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ ولا مِن شَيْءٍ مِنهُ؛ ولا مِن شَيْءٍ يُرِيدُ فِعْلَهُ؛ بَلْ هو فَعّالٌ لِما يُرِيدُ؛ والآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى آيَةِ المُحارِبِينَ؛ وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما بِما تَقَدَّمَ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ الطّالِبَةِ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِهِ.

Al-Maaida 5:39Listen in Qur'an →
40

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allah is over all things competent.

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولا مانِعَ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تامَّةٌ؛ لَيْسَ هو كَمَن يُشاهَدُ مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ رُبَّما يُعْجَزُونَ مِنَ اعْتِراضِ أتْباعِهِمْ ورَعاياهم عَنْ تَقْرِيبِ بَعْضِ ما لَمْ يُباشِرْ إساءَةً؛ وإبْعادِ بَعْضِ مَن لَمْ يُباشِرْ إحْسانًا؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ! قالَ (تَعالى) - مُقَرِّرًا لِذَلِكَ بِتَفَرُّدِهِ في المُلْكِ -: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ؛ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى عُلُوِّها؛ وارْتِفاعِ سُمْكِها؛ وانْقِطاعِ أسْبابِ ما دُونَها مِنها؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ أنَّ المُلْكَ خالِصٌ لَهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.

ولَمّا كانَ إيقاعُ النِّقْمَةِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ وكانَ السِّياقُ لَها لِما تَقَدَّمَ مِن خِيانَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وكُفْرِهِمْ؛ وقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ والسَّرِقَةِ؛ والمُحارَبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِفِعْلِ ما يَشاءُ بِتَمامِ المُلْكِ؛ لا بِغَيْرِهِ مِن رِعايَةٍ لِمَصالِحَ؛ أوْ غَيْرِها -: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ الَّذِينَ ادَّعَوُا البُنُوَّةَ والمَحَبَّةَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانَ مُطِيعًا؛ أيْ: لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ ﴿ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ عَمَلُهُ مُوبِقًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ظُلْمٌ؛ ولا يَسُوغُ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيِّ شَيْءٍ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أيْ: لَيْسَ هو كَغَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ قَدْ يَعْجِزُ أحَدُهم عَنْ تَقْرِيبِ ابْنِهِ؛ وتَبْعِيدِ أعْدى عَدُوِّهِ؛ وهَذِهِ القَضِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ خَتَمَ بِها ما دَعَتِ المُناسَبَةُ إلى ذِكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ؛ وكَرَّ بِها عَلى أتَمِّ انْتِظامٍ إلى أوائِلِ نُقُوضُ دَعْواهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]؛ الآية.

Al-Maaida 5:40Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.