فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ
Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حِكْمَة عَجِيبَة جعلت للبهائم والوحوش والسِّباع والدَّواب على كثرتها لا يرى مِنها شَيْء ولَيْسَ شَيْئا قَلِيلا فتخفى لقلتها بل قد قيل إنها أكثر من النّاس، واعْتبر ذَلِك بِما تراهُ في الصحاري من أسراب الظباء والبَقر والوعول والذئاب والنُّمُور وضروب الهَوام على اختلافها وسائِر دَواب الأرض وأنواع الطُّيُور الَّتِي هي أضعاف أضعاف بني آدم لا تكاد ترى مِنها شَيْئا مَيتا لا في كناسَة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بِطرقِهِ وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه إلا ما عدا عَلَيْهِ عاد، إمّا افترسه سبع أوْ رَماه صائد أوْ عدا عَلَيْهِ عاد أشغله وأشغل بني جنسه عَن إحراز جِسْمه وإخفاء جيفته، فَدلَّ ذَلِك على أنها إذا احست بِالمَوْتِ ولم تغلب على أنفسها كمنت حَيْثُ لا يُوصل إلى أجسامها وقبرت جيفها قبل نزُول البَين بها، ولَوْلا ذَلِك لامتلأت الصحاري بجيفها وأفسدت الهَواء بروائحها، فَعاد ضَرَر ذَلِك بِالنّاسِ وكانَ سَبِيلا إلى وُقُوع الوباء، وقد دلّ على هَذا قوله تَعالى في قصَّة ابْني آدم ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾
وَأما ما جعل عيشه بَين النّاس كالأنعام والدَّواب فلقدرة الإنسان على نَقله واحتياله في دفع أذيته منع مِمّا جعل في الوحوش كالسباع فَتَأمل هَذا الَّذِي حار بَنو آدم فِيهِ وفِيما يَفْعَلُونَ بِهِ كَيفَ جعل طبعا في البَهائِم، وكَيف تعلموه من الطير.
وَتَأمل الحِكْمَة في إرسال الله تَعالى لِابْنِ آدم الغُراب المُؤَذّن اسْمه بغربة القاتِل من أخيه وغربته هو من رَحْمَة الله تَعالى وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه مِنهُم واستيحاشهم مِنهُ.
وَهُوَ من الطُّيُور الَّتِي تنفر مِنها الإنس ومن نعيقها وتستوحش بها، فَأرْسل إليه مثل هَذا الطّائِر حَتّى صار كالمُعلِّم لَهُ والأستاذ وصارَ بِمَنزِلَة المتعلم والمستند، ولا تنكر حكمة هَذا الباب وارتباط المسميات فِيهِ بأسمائها فقد قالَ النَّبِي ﷺ "إذا بعثتم إلي بريدا فابعثوه حسن الِاسْم حسن الوَجْه"
وَكانَ يسْأل عَن اسْم الأرض إذا نزلها واسم الرَّسُول إذا جاءَ إليه، ولما جاءَهُم سُهَيْل ابْن عَمْرو يَوْم الحُدَيْبِيَة قالَ قد سهل أمركم، ولما أراد تَغْيِير اسْم حزن بسهل قالَ لم يزل معنى اسْمه فِيهِ وفي ذريته.
وَلما سَألَ عمر بن الخطاب الرجل عَن اسْمه واسم أبيه وداره ومنزله فأخبره أنه جَمْرَة بن شهاب وأن داره بالحرقة وأن مَسْكَنه مِنها ذات لظى.
قالَ لَهُ ادَّرَكَ بَيْتك فقد احْتَرَقَ فَكانَ كَما قالَ.
وشواهد هَذا الباب أكثر من أن نذْكر هاها هُنا وهَذا باب لطيف المنزع شَدِيد المُناسبَة بَين الأسماء والمسببات وكَثِيرًا ما أولع النّاس قَدِيما وحديثا بنعيق الغُراب واستدلالهم بِهِ على البَين والاغتراب وينسبونه إلى الشؤم وينفرون مِنهُ وينفر مِنهُم فَكانَ جَدِيرًا أن يُرْسل هَذا الطّائِر إلى القاتِل من ابْني آدم دون غَيره من الطُّيُور فَكَأنَّهُ صُورَة طائِره الَّذِي ألزمهُ في عُنُقه وطار عنه من عمله، ولا تظن أن إرسال الغُراب وقع اتِّفاقًا خالِيا من الحِكْمَة فَإنّك إذا خَفِي عَلَيْك وجه الحِكْمَة فَلا تنكرها، واعْلَم أن خفاءها من لطفها وشرفها، وللَّه تَعالى فِيما يخفي وجه الحِكْمَة فِيهِ على البشر الحكم الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة.