Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 120

31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ

Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، ثُمَّ خافَ عَلَيْهِ السِّباعَ فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى تَغَيَّرَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ.

الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: لَمّا قَتَلَهُ وتَرَكَهُ بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَحْثُو التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى القاتِلُ أنَّ اللَّهَ كَيْفَ يُكْرِمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ نَدِمَ وقالَ: يا ويْلَتى.

الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: عادَةُ الغُرابِ دَفْنُ الأشْياءِ فَجاءَ غُرابٌ فَدَفَنَ شَيْئًا فَتَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لِيُرِيَهُ اللَّهُ أوْ لِيُرِيَهُ الغُرابُ، أيْ لِيُعَلِّمَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ تَعَلُّمِهِ فَكَأنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿سَوْأةَ أخِيهِ﴾ عَوْرَةَ أخِيهِ، وهو ما لا يَجُوزُ أنْ يَنْكَشِفَ مِن جَسَدِهِ، والسَّوْأةُ الفَضِيحَةُ لِقُبْحِها. وقِيلَ ”سَوْأةَ أخِيهِ“ أيْ جِيفَةَ أخِيهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ كَلِمَةُ تَحَسُّرٍ وتَلَهُّفٍ، وفي الآيَةِ احْتِمالانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، فَلَمّا تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ عَلِمَ أنَّ الغُرابَ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهُ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ، فَنَدِمَ وتَلَهَّفَ وتَحَسَّرَ عَلى فِعْلِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ رَقَّ قَلْبُهُ وقالَ: إنَّ الغُرابَ جاءَ، وكانَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ حالَ حَياتِهِ بِقَبُولِ قُرْبانِهِ. وأكْرَمَهُ بَعْدَ مَماتِهِ بِأنْ بَعَثَ هَذا الغُرابَ لِيَدْفِنَهُ تَحْتَ الأرْضِ عَلِمَ أنَّهُ عَظِيمُ الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ فَتَلَهَّفَ عَلى فِعْلِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى أخِيهِ إلّا بِأنْ يَدْفِنَهُ في الأرْضِ، فَلا جَرَمَ قالَ: يا ويْلَتى أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ اعْتِرافٌ عَلى نَفْسِهِ بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهي كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ وُقُوعِ الدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ، ولَفْظُها لَفْظُ النِّداءِ، وكَأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ حاضِرٍ لَهُ فَناداهُ لِيَحْضُرَهُ، أيْ أيُّها الوَيْلُ احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وذِكْرُ ”يا“ زِيادَةُ بَيانٍ كَما في قَوْلِهِ ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ﴾ (هُودٍ: ٧٢) واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ النَّدَمِ وُضِعَ لِلُّزُومِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّدِيمُ نَدِيمًا؛ لِأنَّهُ يُلازِمُ المَجْلِسَ. وفِيهِ سُؤالٌ:

صفحة ١٦٦

وهُوَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ فَلَمّا كانَ مِنَ النّادِمِينَ كانَ مِنَ التّائِبِينَ فَلِمَ …

Al-Maaida 5:31Listen in Qur'an →
32

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul or for corruption [done] in the land - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one - it is as if he had saved mankind entirely. And our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ.

فَإنْ قِيلَ عَلَيْهِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: عَنْ قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ما مَرَّ مِن قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ القَصاصَ، وذاكَ مُشْكِلٌ فَإنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ واقِعَةِ قابِيلَ وهابِيلَ وبَيْنَ وُجُوبِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

الثّانِي: أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ حُكْمٌ ثابِتٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ فَما فائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ ؟

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: قالَ الحَسَنُ: هَذا القَتْلُ إنَّما وقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ لا بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ فِيما تَقَدَّمَ.

والثّانِي: أنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القَتْلَ وقَعَ بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ القَتْلِ الحَرامِ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ خَسارَةُ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ مِن قَلْبِهِ أنْواعُ النَّدَمِ والحَسْرَةِ والحُزْنِ مَعَ أنَّهُ لا دَفْعَ لَهُ البَتَّةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا في أثْناءِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ شَرَّعْنا القَصاصَ في حَقِّ القاتِلِ، وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: والجَوابُ عَنْهُ أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ في حَقِّ القاتِلِ وإنْ كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ المَذْكُورَ هَهُنا في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ ثابِتٍ في جَمِيعِ الأدْيانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ هَهُنا

صفحة ١٦٧

بِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ جارٍ مَجْرى قَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، ولا شَكَّ في أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ عِقابِ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ، والمَقْصُودُ مِن شَرْحِ هَذِهِ المُبالَغَةِ أنَّ اليَهُودَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ أقْدَمُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ونِهايَةِ بُعْدِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الواقِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّهم عَزَمُوا عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِأكابِرِ أصْحابِهِ، كانَ تَخْصِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ مُناسِبًا لِلْكَلامِ ومُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ لِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلَيْها وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ، فَإذا خَفَّفَ كَسَرَ النُّونَ مُلْقِيًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القائِلُونَ بِالقِياسِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَكُونُ …

Al-Maaida 5:32Listen in Qur'an →
33

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

Indeed, the penalty for those who wage war against Allah and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٩

المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.

والثّانِي: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَ رَسُولِهِ كَذا وكَذا. وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ في فُسّاقِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْمٍ مِن عُرَيْنَةَ نَزَلُوا المَدِينَةَ مُظْهَرِينَ لِلْإسْلامِ، فَمَرِضَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ ألْوانُهم، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها فَيَصِحُّوا، فَلَمّا وصَلُوا إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ وشَرِبُوا وصَحُّوا قَتَلُوا الرُّعاةَ وساقُوا الإبِلَ وارْتَدُّوا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في أثَرِهِمْ وأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتُرِكُوا هُناكَ حَتّى ماتُوا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، فَصارَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ مَنسُوخَةً بِهَذا القُرْآنِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ كانَ النّاسِخُ لِتِلْكَ السُّنَّةِ سَنَةً أُخْرى ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ مُطابِقًا لِلسُّنَّةِ النّاسِخَةِ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ وأبُو بَرْزَةَ غائِبٌ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم بَعْدَ أنْ غَلَّظَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِقابَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَهم مُسْرِفُونَ في القَتْلِ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَمَن أتى مِنهم بِالقَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ فَجَزاؤُهم كَذا وكَذا.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ …

Al-Maaida 5:33Listen in Qur'an →
34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Except for those who return [repenting] before you apprehend them. And know that Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٩

المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.

والثّانِي: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَ رَسُولِهِ كَذا وكَذا. وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ في فُسّاقِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْمٍ مِن عُرَيْنَةَ نَزَلُوا المَدِينَةَ مُظْهَرِينَ لِلْإسْلامِ، فَمَرِضَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ ألْوانُهم، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها فَيَصِحُّوا، فَلَمّا وصَلُوا إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ وشَرِبُوا وصَحُّوا قَتَلُوا الرُّعاةَ وساقُوا الإبِلَ وارْتَدُّوا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في أثَرِهِمْ وأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتُرِكُوا هُناكَ حَتّى ماتُوا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، فَصارَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ مَنسُوخَةً بِهَذا القُرْآنِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ كانَ النّاسِخُ لِتِلْكَ السُّنَّةِ سَنَةً أُخْرى ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ مُطابِقًا لِلسُّنَّةِ النّاسِخَةِ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ وأبُو بَرْزَةَ غائِبٌ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم بَعْدَ أنْ غَلَّظَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِقابَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَهم مُسْرِفُونَ في القَتْلِ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَمَن أتى مِنهم بِالقَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ فَجَزاؤُهم كَذا وكَذا.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ …

Al-Maaida 5:34Listen in Qur'an →
35

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, fear Allah and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ رَسُولَهُ أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ هَمُّوا أنْ يَبْسُطُوا أيْدِيَهم إلى الرَّسُولِ وإلى إخْوانِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِهِ بِالغَدْرِ والمَكْرِ ومَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُرادِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَرَحَ لِلرَّسُولِ شِدَّةَ عِتِيِّهِمْ عَلى الأنْبِياءِ وكَمالَ إصْرارِهِمْ عَلى إيذائِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ، فَعِنْدَ هَذا رَجَعَ الكَلامُ إلى المَقْصُودِ الأوَّلِ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَرَفْتُمْ كَمالَ جَسارَةِ اليَهُودِ عَلى المَعاصِي والذُّنُوبِ وبُعْدِهِمْ عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي هي الوَسائِلُ لِلْعَبْدِ إلى الرَّبِّ، فَكُونُوا يا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، وكُونُوا مُتَّقِينَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، مُتَوَسِّلِينَ إلى اللَّهِ بِطاعاتِ اللَّهِ.

الوَجْهُ الثّانِي في النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ (المائِدَةِ: ١٨) أيْ نَحْنُ أبْناءُ أنْبِياءِ اللَّهِ، فَكانَ افْتِخارُهم بِأعْمالِ آبائِهِمْ، فَقالَ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَكُنْ مُفاخَرَتُكم بِأعْمالِكم لا بِشَرَفِ آبائِكم وأسْلافِكم، فاتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٧٣

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ التَّكْلِيفِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما:

أحَدُهُما: تَرْكُ المَنهِيّاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (اتَّقَوُا اللَّهَ) .

وثانِيهِما: فِعْلُ المَأْمُوراتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ولَمّا كانَ تَرْكُ المَنهِيّاتِ مُقَدَّمًا عَلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ بِالذّاتِ لا جَرَمَ قَدَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِ في الذِّكْرِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّرْكَ مُقَدَّمٌ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ الأصْلِيِّ، والفِعْلُ هو الإيقاعُ والتَّحْصِيلُ، ولا شَكَّ أنَّ عَدَمَ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ سابِقٌ عَلى وُجُودِها؛ فَكانَ التَّرْكُ قَبْلَ الفِعْلِ لا مَحالَةَ.

فَإنْ قِيلَ: ولِمَ جُعِلَتِ الوَسِيلَةُ مَخْصُوصَةً بِالفِعْلِ مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ تَرْكَ المَعاصِي قَدْ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟

قُلْنا: التَّرْكُ إبْقاءُ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ الأصْلِيِّ، وذَلِكَ العَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا يُمْكِنُ التَّوَسُّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ البَتَّةَ فَثَبَتَ أنَّ التَّرْكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً، بَلْ مَن دَعاهُ داعِي الشَّهْوَةِ إلى فِعْلٍ قَبِيحٍ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَهُنا يَحْصُلُ التَّوَسُّلُ بِذَلِكَ الِامْتِناعِ إلى اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ مِن بابِ الأفْعالِ، ولِهَذا قالَ المُحَقِّقُونَ: تَرْكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ ضِدِّهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّرْكَ والفِعْلَ أمْرانِ مُعْتَبَرانِ في ظاهِرِ الأفْعالِ، فالَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ هو المُحَرَّماتُ، والَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ هو الواجِباتُ، ومُعْتَبَرانِ أيْضًا في الأخْلاقِ، فالَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ هو الأخْلاقُ الفاضِلَةُ، والَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ هو الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، ومُعْتَبَرانِ أيْضًا في الأفْكارِ فالَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ هو التَّفَكُّرُ …

Al-Maaida 5:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment

أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَلِمَةِ ”لَوْ“ خَبَرُ ”إنَّ“ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ وحَّدَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ السّابِقَ بَيانُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلِهِ ؟

قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ المَذْكُورِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمْثِيلُ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ فَأبَيْتَ» “ .

صفحة ١٧٥

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ:

قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إرادَتُهُمُ الخُرُوجَ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وطَلَبُوا المَخْرَجَ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ (السَّجْدَةِ: ٢) .

قِيلَ: إذا رَفَعَهم لَهَبُ النّارِ إلى فَوْقُ فَهُناكَ يَتَمَنَّوْنَ الخُرُوجَ. وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ لِقُوَّةِ النّارِ ودَفْعِها لِلْمُعَذَّبِينَ.

والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ وأرادُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) ويُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (يُرِيدُونَ أنْ يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ ) بِضَمِّ الياءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا المَعْنى مِن تَهْدِيداتِ الكُفّارِ، وأنْواعِ ما خَوَّفَهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، ولَوْلا أنَّ هَذا المَعْنى مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الكُفّارِ بِهِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكانَ المَعْنى: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ لا لِغَيْرِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكم دِينَكُمْ﴾ أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم، فَكَذا هَهُنا.

Al-Maaida 5:36Listen in Qur'an →
37

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَلِمَةِ ”لَوْ“ خَبَرُ ”إنَّ“ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ وحَّدَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ السّابِقَ بَيانُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلِهِ ؟

قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ المَذْكُورِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمْثِيلُ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ فَأبَيْتَ» “ .

صفحة ١٧٥

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ:

قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إرادَتُهُمُ الخُرُوجَ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وطَلَبُوا المَخْرَجَ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ (السَّجْدَةِ: ٢) .

قِيلَ: إذا رَفَعَهم لَهَبُ النّارِ إلى فَوْقُ فَهُناكَ يَتَمَنَّوْنَ الخُرُوجَ. وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ لِقُوَّةِ النّارِ ودَفْعِها لِلْمُعَذَّبِينَ.

والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ وأرادُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) ويُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (يُرِيدُونَ أنْ يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ ) بِضَمِّ الياءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا المَعْنى مِن تَهْدِيداتِ الكُفّارِ، وأنْواعِ ما خَوَّفَهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، ولَوْلا أنَّ هَذا المَعْنى مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الكُفّارِ بِهِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكانَ المَعْنى: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ لا لِغَيْرِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكم دِينَكُمْ﴾ أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم، فَكَذا هَهُنا.

Al-Maaida 5:37Listen in Qur'an →
38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they committed as a deterrent [punishment] from Allah. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ

صفحة ١٧٦

والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .

والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.

والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.

والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.

وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ …

Al-Maaida 5:38Listen in Qur'an →
39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allah will turn to him in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ

صفحة ١٧٦

والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .

والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.

والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.

والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.

وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ …

Al-Maaida 5:39Listen in Qur'an →
40

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ

صفحة ١٧٦

والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .

والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.

والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.

والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.

وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ …

Al-Maaida 5:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.