Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 120

31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ

Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣١] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾

﴿فَبَعَثَ﴾ أيْ: أرْسَلَ: ﴿اللَّهُ غُرابًا﴾ فَجاءَ: ﴿يَبْحَثُ﴾ أيْ: يَحْفِرُ بِمِنقارِهِ ورِجْلِهِ مُتَعَمِّقًا: ﴿فِي الأرْضِ﴾

قالَ القُتَيْبِيُّ: هَذا مِنَ الِاخْتِصارِ. ومَعْناهُ: بَعَثَ غُرابًا يَبْحَثُ التُّرابَ عَلى مَيِّتٍ. وكَذا رَواهُ السُّدِّيُّ عَنِ الصَّحابَةِ؛ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ اقْتَتَلا. فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ. فَحَفَرَ لَهُ. ثُمَّ حَثى عَلَيْهِ حَثْيًا.

﴿لِيُرِيَهُ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ إمّا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلْغُرابِ. والظّاهِرُ، لِلْقاتِلِ أخاهُ: ﴿كَيْفَ يُوارِي﴾ أيْ: يَسْتُرُ في التُّرابِ: ﴿سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ أيْ: جَسَدَهُ المَيِّتَ. وسُمِّيَ سَوْأةً لِأنَّهُ مِمّا يَسُوءُ ناظِرَهُ: ﴿قالَ يا ويْلَتا﴾ كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ، والألِفُ فِيها بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَيْلُ والوَيْلَةُ الهَلَكَةُ: ﴿أعَجَزْتُ﴾ أيْ: أضَعِفْتُ عَنِ الحِيلَةِ: ﴿أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ أيِ: الَّذِي هو مِن أخَسِّ الحَيَواناتِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِ إلى ما اهْتَدى إلَيْهِ الغُرابُ: ﴿فَأُوارِيَ﴾ أيْ: أُغَطِّيَ: ﴿سَوْءَةَ أخِي﴾ ﴿فَأصْبَحَ﴾ أيْ: صارَ: ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾ أيْ: عَلى حَيْرَتِهِ في مُواراتِهِ حَيْثُ لَمْ يَدْفِنْهُ حِينَ قَتَلَهُ. فَصارَ أجْهَلَ مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ وأضَلَّ مِنها وأدْنى.

وفِي " التَّنْوِيرِ ": ولَمْ يَكُنْ نادِمًا عَلى قَتْلِهِ.

وقالَ أبُو اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ كانَتْ نَدامَتُهُ عَلى قَتْلِهِ لَكانَتِ النَّدامَةُ تَوْبَةً مِنهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، وأنَّهُ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ. ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ. إذْ مِثْلُهُ مِمّا يَجُوزُ خَفاؤُهُ. لاسِيَّما والعالَمُ، في أوَّلِ طَوْرِ النَّشْأةِ، وأنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ، فَيَكُونُ أوَّلَ مَيِّتٍ.

ونَقَلَ الرّازِيُّ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، قالَ: فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ، رَقَّ قَلْبُهُ ولَمْ يَرْضَ أنْ يَكُونَ أقَلَّ شَفَقَةً مِنهُ. فَواراهُ تَحْتَ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّدَمَ، إذا لَمْ يَكُنْ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ، لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً. قالَ الرّازِيُّ: نَدِمَ عَلى قَساوَةِ قَلْبِهِ وكَوْنِهِ دُونَ الغُرابِ في الرَّحْمَةِ. فَكانَ نَدَمُهُ لِذَلِكَ، لا لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ النَّدَمُ.

الثّالِثُ: الآيَةُ أصْلٌ في دَفْنِ المَيِّتِ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: زَعَمَ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هابِيلَ، قالَ لَهُ اللَّهُ: يا قابِيلُ! أيْنَ أخُوكَ هابِيلُ؟ قالَ: ما أدْرِي. ما كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقالَ اللَّهُ: إنَّ صَوْتَ دَمِ أخِيكَ لَيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ، الآنَ أنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الأرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فاهًا فَبَلَعَتْ دَمَ أخِيكَ مِن يَدِكَ. فَإذا أنْتَ عَمِلْتَ في الأرْضِ فَإنَّها لا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَها، حَتّى تَكُونَ فَزِعًا تائِهًا في الأرْضِ. انْتَهى.

الخامِسُ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ …

Al-Maaida 5:31Listen in Qur'an →
32

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul or for corruption [done] in the land - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one - it is as if he had saved mankind entirely. And our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾

﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِ قابِيلَ هابِيلَ ظُلْمًا: ﴿كَتَبْنا﴾ أيْ: فَرَضْنا وأوْحَيْنا: ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وإنَّما خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أوَّلُ مَن تَعَبَّدُوا بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِها - كالكُفْرِ مَعَ الحِرابِ، والِارْتِدادِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ الآتِي بَعْدُ، وزِنا المُحْصَنِ -: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: مِن حَيْثُ هَتَكَ حُرْمَةَ الدِّماءِ، وسَنَّ القَتْلَ، وجَرَّأ النّاسَ عَلَيْهِ. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ قَتْلَ الواحِدِ وقَتْلَ الجَمِيعِ سَواءٌ، في اسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى والعَذابِ العَظِيمِ: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: ومَن تَسَبَّبَ لِبَقاءِ حَياتِها بِعَفْوٍ أوْ مَنعٍ عَنِ القَتْلِ أوِ اسْتِنْقاذٍ مِن بَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ. فَكَأنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِالنّاسِ جَمِيعًا.

والمَقْصُودُ مِنهُ: تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وإحْيائِها في القُلُوبِ تَرْهِيبًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها، وتَرْغِيبًا في المُحاماةِ عَلَيْها: أفادَهُ البَيْضاوِيُّ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ في مَعْنى الآيَةِ: مَن قَتَلَ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِينَ مُعاداتُهُ. وأنْ يَكُونُوا خُصُومَهُ، كَما لَوْ قَتَلَهم جَمِيعًا. لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم. ومَن أحْيا وجَبَ مُوالاتُهُ عَلَيْهِمْ، كَما لَوْ أحْياهم. انْتَهى.

وقِيلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ لَنا كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: إي والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ كَما كانَتْ لَهم. وما جَعَلَ دِماءَهم أكْرَمَ مِن دِمائِنا.

أقُولُ: القاعِدَةُ في ذَلِكَ؛ أنَّ جَمِيعَ ما يُحْكى في القُرْآنِ مِن شَرائِعِ الأوَّلِينَ وأحْكامِهِمْ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى إفْسادِهِمْ وافْتِرائِهِمْ فِيهِ، فَهو حَقٌّ. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الإمامُ الشّاطِبِيُّ في "المُوافَقاتِ" فانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ يَوْمَ الدّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأنْصُرَكَ. وقَدْ طابَ الضَّرْبُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ! أيَسُرُّكَ أنْ تَقْتُلَ النّاسَ جَمِيعًا إيّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لا! فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَ رَجُلًا واحِدًا فَكَأنَّما قَتَلْتَ النّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرِفْ مَأْذُونًا لَكَ، مَأْجُورًا غَيْرَ مَأْزُورٍ. قالَ: فانْصَرَفْتُ ولَمْ أُقاتِلْ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ««جاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْنِي عَلى شَيْءٍ أعِيشُ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا حَمْزَةُ! نَفْسٌ تُحْيِيها أحَبُّ إلَيْكَ أمْ نَفْسٌ تُمِيتُها؟ قالَ: بَلْ نَفْسٌ أُحْيِيها. قالَ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ»» .

﴿ولَقَدْ جاءَتْهُمْ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحَةِ النّاطِقَةِ بِتَقْرِيرِ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِهِ، وتَأْيِيدًا لِتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي …

Al-Maaida 5:32Listen in Qur'an →
33

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

Indeed, the penalty for those who wage war against Allah and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

﴿إنَّما جَزاءُ﴾ أيْ: مُكافَأةُ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُخالِفُونَهُما ويَعْصُونَ أمْرَهُما: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي وهو القَتْلُ وأخْذُ المالِ ظُلْمًا: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ أيْ: أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: يُطْرَدُوا مِنها ويُنَحَّوْا عَنْها. وهو التَّغْرِيبُ عَنِ المُدُنِ، فَلا يُقَرُّونَ فِيها: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الجَزاءُ المَذْكُورُ: ﴿لَهم خِزْيٌ﴾ ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ: ﴿فِي الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ.

Al-Maaida 5:33Listen in Qur'an →
34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Except for those who return [repenting] before you apprehend them. And know that Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: مِنَ المُحارِبِينَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى - رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيٍّ، أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ نَقَضُوا عَهْدَهم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. وظاهِرٌ أنَّها عامَّةٌ في المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفاتِ. كَما رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وهَذا لَفْظُهُ: عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ؛ «أنَّ ناسًا مِن عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ فاجْتَوَوْها. فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إبِلِ الصَّدَقَةِ وأمَرَهم أنْ يَشْرَبُوا مِن أبْوالِها فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا الرّاعِيَ وساقُوا الإبِلَ. فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وسَمَلَ أعْيُنَهم وألْقاهم في الحَرَّةِ. قالَ أنَسٌ: فَلَقَدْ رَأيْتُ أحَدَهم يَكْدُمُ الأرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا، حَتّى ماتُوا. ونَزَلَتْ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيَةَ». ولِمُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «إنَّما سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أعْيُنَ أُولَئِكَ لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعاءِ». وعِنْدَ البُخارِيِّ: قالَ أبُو قِلابَةَ: فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وقَتَلُوا وبَعْدَ إيمانِهِمْ وحارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.

الثّانِيَةُ - زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ نَسْخًا لِعُقُوبَةِ العُرَنِيِّينَ المُتَقَدِّمَةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ: ما كانَ سَمْلُ النَّبِيِّ ﷺ أعْيُنَهم وتَرْكَهُ حَسْمَهم حَتّى ماتُوا. فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذَلِكَ وعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَطْعِ والقَتْلِ والنَّفْيِ، ولَمْ يَسْمِلْ بَعْدَهم غَيْرَهم. قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذُكِرَ لِأبِي عَمْرٍو - يَعْنِي الأوْزاعِيَّ - فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعاتَبَةً، وقالَ: بَلى. كانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ. ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهم. فَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا في القِصَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: فَما مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلُ ولا بَعْدُ، قالَ: ونَهى عَنِ المُثْلَةِ، قالَ: ««لا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ.»» والنَّهْيُ عَنِ المُثْلَةِ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ.

الثّالِثَةُ - احْتَجَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، في ذَهابِهِمْ إلى أنَّ المُحارَبَةَ في الأمْصارِ وفي السَّبَلاتِ عَلى السَّواءِ. لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ.

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَوْ شَهَرُوا السِّلاحَ في البُنْيانِ لا في الصَّحْراءِ لِأخْذِ المالِ. فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم لَيْسُوا مُحارِبِينَ بَلْ هم بِمَنزِلَةِ المُنْتَهِبِ. لِأنَّ المَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الغَوْثُ إذا اسْتَغاثَ بِالنّاسِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ حُكْمَ مَن في البُنْيانِ والصَّحْراءِ واحِدٌ، بَلْ هم في …

Al-Maaida 5:34Listen in Qur'an →
35

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, fear Allah and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا - أيِ اطْلُبُوا -: إلَيْهِ الوَسِيلَةَ أيِ: القُرْبَةَ - كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو وائِلٍ والحَسَنُ وزَيْدٌ وعَطاءٌ والثَّوْرِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: أيْ: تَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ والعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ. وقَرَأ ابْنُ زَيْدٍ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ هَؤُلاءِ الأئِمَّةُ، لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. وفي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": الوَسِيلَةُ والواسِلَةُ: المَنزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ والدَّرَجَةُ والقُرْبَةُ والوَصْلَةُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الوَسِيلَةُ: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى الغَيْرِ. والتَّوْسِيلُ والتَّوَسُّلُ الواحِدُ. يُقالُ: وسَلَ إلى اللَّهِ تَعالى تَوْسِيلًا، عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إلَيْهِ، كَتَوَسَّلَ. و(إلى) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ (ابْتَغُوا) وأنْ يَتَعَلَّقَ بِ (الوَسِيلَةِ).

قُدِّمَ عَلَيْها لِلِاهْتِمامِ بِهِ: وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ أيْ: بِسَبَبِ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِهِ. وقَدْ بَيَّنَ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ أنَّ المُجاهَدَةَ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ.

تَنْبِيهٌ:

ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ "الوَسِيلَةِ" هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقَدْ أوْضَحَهُ إيضاحًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في "كِتابِ الوَسِيلَةِ" فَرَأيْنا نَقْلَ شَذْرَةٍ مِنهُ؛ إذْ لا غِنى لِلْمُحَقِّقِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ عَنْهُ.

قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ مُقَدِّماتٍ:

إنَّ لَفْظَ الوَسِيلَةِ والتَّوَسُّلِ، فِيهِ إجْمالٌ واشْتِباهٌ، يَجِبُ أنْ تُعْرَفَ مَعانِيهِ ويُعْطى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ. فَيُعْرَفُ ما ورَدَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِن ذَلِكَ ومَعْناهُ. وما كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ الصَّحابَةُ ويَفْعَلُونَهُ ومَعْنى ذَلِكَ. ويُعْرَفُ ما أحْدَثَهُ المُحْدَثُونَ في هَذا اللَّفْظِ ومَعْناهُ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ اضْطِرابِ النّاسِ في هَذا البابِ هو بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الإجْمالِ والِاشْتِراكِ في الألْفاظِ ومَعانِيها، حَتّى تَجِدَ أكْثَرَهم لا يَعْرِفُ في هَذا البابِ فَصْلَ الخِطابِ. فَلَفْظُ الوَسِيلَةِ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] فالوَسِيلَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُبْتَغى إلَيْهِ، وأخْبَرَ عَنْ مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ أنَّهم يَبْتَغُونَها إلَيْهِ، هي ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ مِنَ الواجِباتِ والمُسْتَحَبّاتِ، فَهَذِهِ الوَسِيلَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِابْتِغائِها تَتَناوَلُ كُلَّ واجِبٍ ومُسْتَحَبٍّ، وما لَيْسَ بِواجِبٍ ولا مُسْتَحَبٍّ لا يَدْخُلُ في ذَلِكَ، سَواءٌ كانَ مُحَرَّمًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ مُباحًا، فالواجِبُ والمُسْتَحَبُّ هو ما شَرَعَهُ الرَّسُولُ فَأمَرَ بِهِ أمْرَ إيجابٍ واسْتِحْبابٍ. وأصْلُ ذَلِكَ الإيمانُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ. فَجِماعُ الوَسِيلَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ الخَلْقَ بِابْتِغائِها، …

Al-Maaida 5:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾

مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها: ﴿جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ: لِيُفادُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهَذا تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ العَذابِ لَهُمْ، وإنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى النَّجاةِ مِنهُ بِوَجْهٍ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُجاءُ بِالكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِي. فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ»» . ورَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ بِنَحْوِهِ.

Al-Maaida 5:36Listen in Qur'an →
37

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا﴾ [السجدة: ٢٠] فِيها الآيَةَ.

رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُهَيْبٍ الفَقِيرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَخْرُجُ مِنَ النّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ» . قالَ: فَقُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ قالَ: اتْلُ أوَّلَ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] الآيَةَ. ألا إنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا». وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ هَذا الحَدِيثَ مِن وجْهٍ آخَرَ. عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ عَنْ جابِرٍ وهَذا أبْسَطُ سِياقًا.

زادَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: قالَ جابِرٌ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلى. قَدْ جَمَعْتُهُ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ؟ فَهو ذَلِكَ المَقامُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْبِسُ أقْوامًا بِخَطاياهم في النّارِ ما شاءَ، لا يُكَلِّمُهُمْ، فَإذا أرادَ أنْ يُخْرِجَهم أخْرَجَهم.

ولَمّا أوْجَبَ تَعالى - في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ - قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ - بَيَّنَ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:37Listen in Qur'an →
38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they committed as a deterrent [punishment] from Allah. And Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

﴿والسّارِقُ﴾ أيْ: مِنَ الرِّجالِ: ﴿والسّارِقَةُ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يَعْنِي يَمِينَ كُلٍّ مِنهُما، والمَقْطَعُ الرُّسْغُ، كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ أيْ: يَقْطَعُ الآلَةَ الكاسِبَةَ: ﴿نَكالا﴾ أيْ: عُقُوبَةً: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى، لا في مُقابَلَةِ إتْلافِ المالِ، فَإنَّهُ غَيْرُ السَّرِقَةِ. فَلِذَلِكَ لا يَسْقُطُ بِعَفْوِ المالِكِ، بِخِلافِ العَفْوِ عَنِ المالِ. ولا يُبالِي فِيهِ بِعِزَّةِ السّارِقِ، لِأنَّهُ تَعالى غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يُمْضِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ: فَلا يُبالِي - مَعَ عِزَّتِهِ المُوجِبَةِ لِامْتِثالِ أمْرِهِ - عِزَّةً مِن دُونِهِ: حَكِيمٌ في شَرائِعِهِ، فَيَخْتَلُّ أمْرُ نِظامِ العالَمِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، إذْ فِيهِ نَفْعٌ عامٌّ لِلْخَلائِقِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى - قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَتِ السَّرِقَةُ مَعْهُودَةً مِنَ النِّساءِ كالرِّجالِ، صَرَّحَ بِالسّارِقَةِ أيْضًا، مَعَ أنَّ المَعْهُودَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ إدْراجُ النِّساءِ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الرِّجالِ بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ. لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالبَيانِ والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَتْ غَلَبَةُ السَّرِقَةِ في الرِّجالِ، لِقُوَّتِهِمْ بَدَأ بِالسّارِقِ. كَما أنَّ غَلَبَةَ الزِّنى لَمّا كانَتْ في النِّساءِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِنَّ - قالَ في آيَةِ الزِّنى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢]

الثّانِيَةُ: - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى الثَّوْرِيُّ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما. وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ. وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ مُوافِقًا لَها لا بِها، بَلْ هو مُسْتَفادٌ مِن دَلِيلٍ آخَرَ؛ وقَدْ كانَ القَطْعُ مَعْمُولًا بِهِ في الجاهِلِيَّةِ فَقُرِّرَ في الإسْلامِ، وزِيدَتْ شُرُوطٌ أُخَرُ كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. كَما كانَتِ القَسامَةُ والدِّيَةُ والقِراضُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، وزِياداتٌ هي مِن تَمامِ المَصالِحِ، ويُقالُ: إنَّ أوَّلَ مَن قَطَعَ الأيْدِيَ في الجاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ، قَطَعُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ (دُوَيْكٌ) مَوْلًى لِبَنِي مَلِيحِ بْنِ عَمْرٍو مِن خُزاعَةَ، كانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: سَرَقَهُ قَوْمٌ فَوَضَعُوهُ عِنْدَهُ.

الثّالِثَةُ: ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ مِن أهْلِ الظّاهِرِ إلى أنَّهُ مَتى سَرَقَ السّارِقُ شَيْئًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ، سَواءٌ كانَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِصابًا ولا حِرْزًا. بَلْ أخَذُوا بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ.

وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ نَجْدَةَ الحَنَفِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أخاصٌّ أمْ عامٌّ؟ فَقالَ: بَلْ عامٌّ. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُوافَقَةً لِابْنِ عَبّاسٍ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فاللَّهُ أعْلَمُ.

وتَمَسَّكُوا بِما ثَبَتَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَعَنَ اللَّهُ السّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ …

Al-Maaida 5:38Listen in Qur'an →
39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allah will turn to him in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩] ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿فَمَن تابَ﴾ أيْ: رَجَعَ مِنَ السِّراقِ إلى اللَّهِ: ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: سَرِقَتِهِ: ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ: عَمَلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ ولِذَلِكَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَأْيِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.

وكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

Al-Maaida 5:39Listen in Qur'an →
40

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٠] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَدارُ أحْكامِ مَلَكُوتِهِما. والِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ العِلْمِ. والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ. أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لَهُ السُّلْطانَ القاهِرَ والِاسْتِيلاءَ الباهِرَ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما وفِيما فِيهِما: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْوَعِيدِ. فَيُناسِبُ ذَلِكَ تَقْدِيمَ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الزَّواجِرِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِنهُ التَّعْذِيبُ والمَغْفِرَةُ.

تَنْبِيهٌ:

ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ تَوْبَةَ السّارِقِ تُسْقِطُ عَنْهُ حُدُودَ اللَّهِ. وأمّا حَقُّ الآدَمِيِّ مِنَ القَطْعِ ورَدِّ المالِ أوْ بَدَلِهِ فَلا يَسْقُطُ بِتَوْبَتِهِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: مَتى قُطِعَ، وقَدْ تَلِفَتْ في يَدِهِ فَإنَّهُ لا يَرُدُّ بَدَلَها. وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّهُ إنْ عُفِيَ عَنْهُ قَبْلَ الرَّفْعِ إلى الإمامِ، سَقَطَ القَطْعُ.

رَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ ثَعْلَبَةَ الأنْصارِيِّ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ سَمُرَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلانٍ فَطَهِّرْنِي. فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالُوا: إنّا افْتَقَدْنا جَمَلًا لَنا. فَأمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ». قالَ ثَعْلَبَةُ (أحَدُ رِجالِ السَّنَدِ): أنا أنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ وقَعَتْ يَدُهُ وهو يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنكِ. أرَدْتِ أنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النّارَ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أنَّ امْرَأةً سَرَقَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجاءَ بِها الَّذِينَ سَرَقَتْهم فَقالُوا. يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ هَذِهِ المَرْأةَ سَرَقَتْنا، قالَ قَوْمُها: فَنَحْنُ نَفْدِيها (يَعْنِي أهْلَها) فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْطَعُوا يَدَها» . فَقُطِعَتْ يَدُها اليُمْنى، فَقالَتِ المَرْأةُ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! قالَ: «نَعَمْ، أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ [المائدة: ٣٩] الآيَةَ».

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ المَرْأةُ هي المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ. وحَدِيثُها ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ مِن رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ امْرَأةً سَرَقَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ الفَتْحِ. فَفَزِعَ قَوْمُها إلى أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ. قالَ عُرْوَةُ: فَلَمّا كَلَّمَهُ أُسامَةُ فِيها، تَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أتُكَلِّمُنِي في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ قالَ أُسامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِيَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَلَمّا كانَ العَشِيُّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَأثْنى عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ. فَإنَّما أهْلَكَ النّاسَ قَبْلَكم أنَّهم كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها.

ثُمَّ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ …

Al-Maaida 5:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.