Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ وشَرَحَها لَهم أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ العَدُوِّ فَقالَ:

﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صَعِدَ جَبَلَ لُبْنانَ قالَ لَهُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرْ فَما أدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهو مُقَدَّسٌ، وهو مِيراثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. وقِيلَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى إسْكانَ أرْضِ الشّامِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُسَمُّونَ أرْضَ الشّامِ أرْضَ المَواعِيدِ، ثُمَّ بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنَ الأُمَناءِ لِيَتَجَسَّسُوا لَهم عَنْ أحْوالِ تِلْكَ الأراضِي، فَلَمّا دَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ رَأوْا أجْسامًا عَظِيمَةً هائِلَةً. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النُّقَباءَ لِأجْلِ التَّجَسُّسِ رَآهم واحِدٌ مِن أُولَئِكَ الجَبّارِينَ فَأخَذَهم وجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ فاكِهَةٍ كانَ قَدْ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ وأتى بِهِمُ المَلِكَ، فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ وقالَ مُتَعَجِّبًا لِلْمَلِكِ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم وأخْبِرُوهُ بِما شاهَدْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ أُولَئِكَ النُّقَباءُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ، فَأمَرَهم أنْ يَكْتُمُوا ما عاهَدُوهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، إلّا رَجُلانِ مِنهم، وهُمايُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، فَإنَّهُما سَهَّلا الأمْرَ وقالا: هي بِلادٌ طَيِّبَةٌ كَثِيرَةُ النِّعَمِ، والأقْوامُ وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً إلّا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وأمّا العَشَرَةُ الباقِيَةُ فَقَدْ أوْقَعُوا الجُبْنَ في قُلُوبِ النّاسِ حَتّى أظْهَرُوا الِامْتِناعَ مِن غَزْوِهِمْ، فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٤) فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أبْقاهم في التِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالُوا: وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ النُّقَباءِ لِلتَّجَسُّسِ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وماتَ أُولَئِكَ العُصاةُ في التِّيهِ، وأُهْلِكَ النُّقَباءُ العَشَرَةُ في التِّيهِ بِعُقُوباتٍ غَلِيظَةٍ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ماتا أيْضًا في التِّيهِ: ومِنهم مَن قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ وخَرَجَ مَعَهُ يُوشَعُ وكالِبُ وقاتَلُوا الجَبّارِينَ وغَلَبُوهم

صفحة ١٥٦

ودَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ، فَهَذِهِ هي القِصَّةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ الأُمُورِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ هي الأرْضُ المُطَهَّرَةُ طُهِّرَتْ مِنَ الآفاتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ وجُعِلَتْ مَسْكَنًا وقَرارًا لِلْأنْبِياءِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ ما كانَتْ مُقَدَّسَةً عَنِ الشِّرْكِ، وما كانَتْ مَقَرًّا لِلْأنْبِياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّها كانَتْ كَذَلِكَ فِيما قَبْلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأرْضِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحا وقالَ الكَلْبِيُّ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقِيلَ الطُّورُ.

المَسْألَةُ …

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

صفحة ١٥٧

ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الجَبّارِينَ وجْهانِ:

الأوَّلُ: الجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا هو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما: جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا كانَتْ طَوِيلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقالُ: رَجُلٌ جَبّارٌ إذا كانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالجَبّارِ مِنَ النَّخْلِ، والقَوْمُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الأجْسامِ بِحَيْثُ كانَتْ أيْدِي قَوْمِ مُوسى ما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ، فَسَمَّوْهم جَبّارِينَ لِهَذا المَعْنى.

ثُمَّ قالَ القَوْمُ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ وإنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ (الأعْرافِ: ٤٠) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذانِ الرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، وكانا مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالهِدايَةِ والثِّقَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادِ عَلى نُصْرَةِ اللَّهِ.

قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ وهُمُ الجَبّارُونَ، وهُما رَجُلانِ مِنهم أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ فَآمَنا، وقالا هَذا القَوْلَ لِقَوْمِ مُوسى تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِهِمْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (يُخافُونَ) بِالضَّمِّ شاهِدَةٌ لِهَذا الوَجْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَجُلانِ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ يُؤَكِّدُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَأنَّهُ قالَ: مَتى دَخَلْتُمْ بابَ بَلَدِهِمُ انْهَزَمُوا ولا يَبْقى مِنهم نافِخُ نارٍ ولا ساكِنُ دارٍ، فَلا تَخافُوهم. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَزَمَ هَذانِ الرَّجُلانِ في قَوْلِهِما: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِأنَّهُما كانا جازِمَيْنِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢١) لا جَرَمَ قَطَعا بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم والغَلَبَةَ حاصِلَةٌ في جانِبِهِمْ، ولِذَلِكَ خَتَمُوا كَلامَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَمّا وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرُوا خائِفِينَ مِن شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في حُصُولِ هَذا النَّصْرِ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ ومُؤْمِنِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

صفحة ١٥٧

ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الجَبّارِينَ وجْهانِ:

الأوَّلُ: الجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا هو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما: جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا كانَتْ طَوِيلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقالُ: رَجُلٌ جَبّارٌ إذا كانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالجَبّارِ مِنَ النَّخْلِ، والقَوْمُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الأجْسامِ بِحَيْثُ كانَتْ أيْدِي قَوْمِ مُوسى ما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ، فَسَمَّوْهم جَبّارِينَ لِهَذا المَعْنى.

ثُمَّ قالَ القَوْمُ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ وإنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ (الأعْرافِ: ٤٠) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذانِ الرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، وكانا مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالهِدايَةِ والثِّقَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادِ عَلى نُصْرَةِ اللَّهِ.

قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ وهُمُ الجَبّارُونَ، وهُما رَجُلانِ مِنهم أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ فَآمَنا، وقالا هَذا القَوْلَ لِقَوْمِ مُوسى تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِهِمْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (يُخافُونَ) بِالضَّمِّ شاهِدَةٌ لِهَذا الوَجْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَجُلانِ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ يُؤَكِّدُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَأنَّهُ قالَ: مَتى دَخَلْتُمْ بابَ بَلَدِهِمُ انْهَزَمُوا ولا يَبْقى مِنهم نافِخُ نارٍ ولا ساكِنُ دارٍ، فَلا تَخافُوهم. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَزَمَ هَذانِ الرَّجُلانِ في قَوْلِهِما: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِأنَّهُما كانا جازِمَيْنِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢١) لا جَرَمَ قَطَعا بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم والغَلَبَةَ حاصِلَةٌ في جانِبِهِمْ، ولِذَلِكَ خَتَمُوا كَلامَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَمّا وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرُوا خائِفِينَ مِن شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في حُصُولِ هَذا النَّصْرِ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ ومُؤْمِنِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

صفحة ١٥٨

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟

قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِنهم هَذا الكَلامَ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾.

ذَكَرَ الزَّجّاجُ في إعْرابِ قَوْلِهِ: (وأخِي) وجْهَيْنِ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ.

أمّا الرَّفْعُ فَمِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ (إنِّي) والمَعْنى أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣) .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْلِكُ) وهو ”أنا“ والمَعْنى: لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وأمّا النَّصْبُ فَمِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخِي) مَعْطُوفًا عَلى (نَفْسِي) فَيَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي؛ لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مالِكُ طاعَتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي، وكانَ مَعَهُ الرَّجُلانِ المَذْكُورانِ ؟

قُلْنا: كَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِما كُلَّ الوُثُوقِ لِما رَأى مِن إطْباقِ الأكْثَرِينَ عَلى التَّمَرُّدِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِمَن يُوافِقُهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأخِ مَن يُواخِيهِ في الدِّينِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكانا داخِلَيْنِ في قَوْلِهِ: (وأخِي) .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّ، وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (القَصَصِ: ٢١) .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ …

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

صفحة ١٥٨

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟

قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِنهم هَذا الكَلامَ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾.

ذَكَرَ الزَّجّاجُ في إعْرابِ قَوْلِهِ: (وأخِي) وجْهَيْنِ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ.

أمّا الرَّفْعُ فَمِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ (إنِّي) والمَعْنى أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣) .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْلِكُ) وهو ”أنا“ والمَعْنى: لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وأمّا النَّصْبُ فَمِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخِي) مَعْطُوفًا عَلى (نَفْسِي) فَيَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي؛ لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مالِكُ طاعَتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي، وكانَ مَعَهُ الرَّجُلانِ المَذْكُورانِ ؟

قُلْنا: كَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِما كُلَّ الوُثُوقِ لِما رَأى مِن إطْباقِ الأكْثَرِينَ عَلى التَّمَرُّدِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِمَن يُوافِقُهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأخِ مَن يُواخِيهِ في الدِّينِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكانا داخِلَيْنِ في قَوْلِهِ: (وأخِي) .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّ، وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (القَصَصِ: ٢١) .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ …

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ هَلْ بَقِيا في التِّيهِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُما ما كانا في التِّيهِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا اللَّهَ يَفْرُقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ، ودَعَواتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجابَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَعَهم في ذَلِكَ المَوْضِعِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التِّيهَ كانَ عَذابًا والأنْبِياءُ لا يُعَذَّبُونَ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ إنَّما عُذِّبُوا بِسَبَبِ أنَّهم تَمَرَّدُوا ومُوسى وهارُونُ ما كانا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَعَ أُولَئِكَ الفاسِقِينَ في ذَلِكَ العَذابِ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُما كانا مَعَ القَوْمِ في ذَلِكَ التِّيهِ إلّا أنَّهُ تَعالى سَهَّلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ العَذابَ كَما سَهَّلَ النّارَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُما هَلْ ماتا في التِّيهِ أوْ خَرَجا مِنهُ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ ثُمَّ ماتَ مُوسى بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وبَقِيَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكانَ ابْنَ أُخْتِ مُوسى ووَصِيَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهو الَّذِي فَتَحَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكَ الشَّأْمَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَقِيَ مُوسى بَعْدَ ذَلِكَ وخَرَجَ مِنَ التِّيهِ وحارَبَ الجَبّارِينَ وقَهَرَهم وأخَذَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، فَأمَرَهم بِأنْ يَمْكُثُوا في تِلْكَ المَفازَةِ في الشِّدَّةِ والبَلِيَّةِ عِقابًا لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في التِّيهِ فَقالَ الرَّبِيعُ: مِقْدارُ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: تِسْعَةُ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا. وقِيلَ: سِتَّةٌ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ هَذا الجَمْعِ العَظِيمِ في هَذا القَدْرِ الصَّغِيرِ مِنَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً بِحَيْثُ لا يَتَّفِقُ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَجِدَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ عَنْها، ولَوْ أنَّهم وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى حَرَكَةِ الشَّمْسِ أوِ الكَواكِبِ لَخَرَجُوا مِنها ولَوْ كانُوا في البَحْرِ العَظِيمِ، فَكَيْفَ في المَفازَةِ الصَّغِيرَةِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ انْخِراقَ العاداتِ في زَمانِ الأنْبِياءِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، إذْ لَوْ فَتَحْنا بابَ الِاسْتِبْعادِ لَزِمَ الطَّعْنُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ؛ وإنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: إذا فَسَّرْنا ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِتَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعَ إلى أوْطانِهِمْ، بَلْ أمَرَهم بِالمُكْثِ في تِلْكَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ جَزاءً لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ.

صفحة ١٦٠

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: يُقالُ: تاهَ يَتِيهُ تَيْهًا وتِيهًا وتَوْهًا، والتِّيهُ أعَمُّها، والتَّيْهاءُ الأرْضُ الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها.

قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، وكانَتْ حَرَكَتُهم في تِلْكَ المَفازَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدارَةِ، وهَذا مُشْكِلٌ فَإنَّهم إذا وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى مَسِيرِ الشَّمْسِ ولَمْ …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) فَذَكَرَ تَعالى أنَّ الأعْداءَ يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والمِحْنَةِ بِهِمْ لَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُهم بِفَضْلِهِ ويَمْنَعُ أعْداءَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ التَّسْلِيَةِ وتَخْفِيفِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى القَلْبِ ذَكَرَ قِصَصًا كَثِيرَةً في أنَّ كُلَّ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَإنَّ النّاسَ يُنازِعُونَهُ حَسَدًا وبَغْيًا، فَذَكَرَ أوَّلًا قِصَّةَ النُّقَباءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأخْذِ اللَّهِ تَعالى المِيثاقَ مِنهم، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ نَقَضُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حَتّى وقَعُوا في اللَّعْنِ والقَساوَةِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ شِدَّةَ إصْرارِ النَّصارى عَلى كُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِحَسَدِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ مُوسى في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ وإصْرارِ قَوْمِهِ عَلى التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ أنَّ أحَدَهُما قَتَلَ الآخَرَ حَسَدًا مِنهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَهُ، وكُلُّ هَذِهِ القِصَصِ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْظَمَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدِ اتِّفاقُ الأعْداءِ عَلى اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ لَمّا هَمَّ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ وأنْ يُوقِعُوا بِهِ آفَةً ومِحْنَةً.

والثّانِي: أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائِدَةِ: ١٥) وهَذِهِ القِصَّةُ وكَيْفِيَّةُ إيجابِ القَصاصِ عَلَيْها مِن أسْرارِ التَّوْراةِ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وهي قِصَّةُ مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ، أيِ اذْكُرْ لِلْيَهُودِ حَدِيثَ ابْنَيْ آدَمَ لِيَعْلَمُوا أنَّ سَبِيلَ أسْلافِهِمْ في النَّدامَةِ والحَسْرَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ كانَ مِثْلَ سَبِيلِ ابْنَيْ آدَمَ في إقْدامِ أحَدِهِما عَلى قَتْلِ الآخَرِ.

والرّابِعُ: قِيلَ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ (المائِدَةِ: ١٨) أيْ لا يَنْفَعُهم كَوْنُهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ مَعَ كُفْرِهِمْ كَما لَمْ يَنْتَفِعْ ولَدُ آدَمَ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ بِكَوْنِ أبِيهِ نَبِيًّا مُعَظَّمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الخامِسُ: لَمّا كَفَرَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَسَدًا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِخَبَرِ ابْنِ آدَمَ وأنَّ الحَسَدَ أوْقَعَهُ في سُوءِ العاقِبَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنِ الحَسَدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: واتْلُ عَلى النّاسِ.

والثّانِي: واتْلُ عَلى أهْلِ

صفحة ١٦١

الكِتابِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُما ابْنا آدَمَ مِن …

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾

والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .

صفحة ١٦٣

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، …

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾

والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .

صفحة ١٦٣

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، …

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾

والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .

صفحة ١٦٣

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، …

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.