Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

أحَدُهُما: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ. قالَ: وقِيلَ: لِلسَّطْلِ: القَدَسُ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ مِنهُ، وسُمِّيَ بَيْتُ المَقْدِسِ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: سَمّاها مُقَدَّسَةً، لِأنَّها طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ، وجُعِلَتْ مَسْكَنًا لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُقَدَّسَةَ: المُبارَكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي المُرادِ بِتِلْكَ الأرْضِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أرِيحا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ السُّدِّيُّ: أرِيحا: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ إيلِياءُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأْتُ في مُناجاةِ مُوسى أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ اخْتَرْتَ مِنَ الأنْعامِ الضّائِنَةَ، ومِنَ الطَّيْرِ الحَمامَةَ، ومِنَ البُيُوتِ بَكَّةَ وإيلِياءَ، ومِن إيلِياءَ بَيْتَ المَقْدِسِ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيلِياءَ الأرْضُ الَّتِي فِيها بَيْتُ المَقْدِسِ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ إيلِياءَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو مُعَرَّبٌ. قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ وبَيْتانِ بَيْتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ وبَيْتٌ بِأعْلى إيلِياءَ مُشَرَّفُ

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّها دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الشّامُ كُلُّها، قالَهُ قَتادَةُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: أمَرَكم وفَرَضُ عَلَيْكم دُخُولَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: وهَبَها اللَّهُ لَكم، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَعَلَها لَكم.

والثّالِثُ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها مَساكِنُكم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَتَبَها لَهُمْ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما جَعَلَها لَهم بِشَرْطِ الطّاعَةِ، فَلَمّا عَصَوْا حَرَّمَها عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ كَتَبَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإلَيْهِمْ صارَتْ، ولَمْ يَعْنِ مُوسى أنَّ اللَّهَ كَتَبَها لِلَّذِينِ أُمِرُوا بِدُخُولِها بِأعْيانِهِمْ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَرَجَ مُخْرَجَ العُمُومِ، وأُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، فَتَكُونَ مَكْتُوبَةً لِبَعْضِهِمْ، وقَدْ دَخَلَها يُوشَعُ، وكالِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ. والثّانِي: لا تَرْجِعُوا إلى الشِّرْكِ بِهِ.

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ: الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، يُقالُ: جَبّارٌ: بَيِّنُ الجَبَرِيَّةِ، والجِبِرِيَّةِ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، والجَبَرُوَّةُ والجُبُّورَةُ والتَّجْبارُ والجَبَرُوتُ.

وَفِي مَعْنى وصَفِهِ هَؤُلاءِ بِالجَبّارِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عِظامَ الخَلْقِ والأجْسامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا قَتّالِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ مُوسى وقَوْمُهُ بِمَدِينَةِ الجَبّارِينَ، بَعَثَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، فَجَعَلَهم في كِسائِهِ، فَأتى بِهِمُ المَدِينَةَ، ونادى في قَوْمِهِ، فاجْتَمَعُوا، فَقالُوا لَهُمْ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسى بَعَثَنا لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكم، فَأعْطَوْهم حَبَّةً مِن عِنَبٍ تُوقِرُ الرَّجُلَ، وقالُوا لَهُمْ: قُولُوا لِمُوسى وقَوْمِهِ: اقْدُرُوا قَدْرَ فاكِهِهِمْ، فَلَمّا رَجَعُوا، قالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الَّذِي لَقِيَهم، يُقالُ لَهُ: عاجٌ، يَعْنِي: عَوْجَ بْنَ عَناقٍ، فَأخَذَ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَجَعَلَهم في حُجْرَتِهِ وعَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ، فَقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها، وقالَ: ألا أطْحَنَهم بِرِجْلِي؟ فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لا، بَلْ خَلِّ عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا. فَلَمّا خَرَجُوا قالُوا: يا قَوْمُ إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ بِخَبَرِ القَوْمِ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، فَأخَذُوا المِيثاقَ بَيْنَهم عَلى كِتْمانِ ذَلِكَ، فَنَكَثَ عَشْرَةٌ، وكَتَمَ رَجُلانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا رَأى النُّقَباءُ الجَبّارِينَ وجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نَزَعَ حَبَّها خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ، إلّا يُوشَعَ، وابْنَ يُوقَنّا.

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ في الرَّجُلَيْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما يُوشَعُ بْنُ نُونَ. وكالِبُ بْنُ يُوقِنِّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: ابْنُ يُوقَنّا، وهُما مِنَ النُّقَباءِ.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مِنَ الجَبّارِينَ فَأسْلَما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُما كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ، وهُما عَلى دِينِ مُوسى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأيُّوبُ: "يُخافُونَ" بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى أنَّهُما كانا مِنَ العَدُوِّ، فَخَرَجا مُؤْمِنَيْنِ.

وَفِي مَعْنى "خَوْفِهِمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم خافُوا اللَّهَ وحْدَهُ. والثّانِي: خافُوا الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم قَوْلَ الحَقِّ. والثّالِثُ: يَخافُ مِنهم، عَلى قِراءَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وَفِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الصَّلاحُ والفَضْلُ واليَقِينُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: الهُدى، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: الخَوْفُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ الرَّجُلانِ: ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ بابَ القَرْيَةِ، فَإنَّهم قَدْ مُلِئُوا مِنّا رُعْبًا وفَرَقًا.

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالُوا لَهُ: انْظُرْ كَما صَنَعَ رَبُّكَ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَلْيَصْنَعْ بِهَؤُلاءِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فاذْهَبْ أنْتَ وسَلْ رَبَّكَ النَّصْرَ. وقالَ غَيْرُهُما: اذْهَبْ أنْتَ ولْيُعِنْكَ رَبُّكَ. «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدادِ مَشْهَدًا لَأنْ أكُونَ صاحِبَهُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عُدِلَ بِهِ، أتى النَّبِيَّ ﷺ وهو يَدْعُو عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنّا نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ، ومِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ. فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْرَقَ لِذَلِكَ وجْهُهُ وسُرَّ بِهِ.» وقالَ أنَسٌ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ خَرَجَ إلى بَدْرٍ، فَأشارَ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشارَهم، فَأشارَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَسَكَتَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّما يُرِيدُكم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنْ واللَّهِ لَوْ ضَرَبْتَ أكْبادَها حَتّى تَبْلُغَ بِرَكَ الغِمادِ لَكُنّا مَعَكَ.»

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ.

والثّانِي: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإلّا أخِي، أيْ: وأمْلِكُ طاعَةَ أخِي، لِأنَّ أخاهُ إذا أطاعَهُ فَهو كالمَلِكِ لَهُ، وهَذا عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "ما نَفَعَنِي [مالٌ] قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبِي بَكْرٍ" فَبَكى أبُو بَكْرٍ، وقالَ: هَلْ أنا ومالِي إلّا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. يَعْنِي: أنِّي مُتَصَرِّفٌ حَيْثُ صَرَّفَتْنِي، وأمْرُكَ جائِزٌ في مالِي.»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: باعِدْ، وافْصِلْ، ومَيِّزْ. وفي المُرادِ بِالفاسِقِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العاصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الكاذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الكافِرُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قالَ السُّدِّيُّ: غَضِبَ مُوسى حِينَ قالُوا لَهُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ، فَدَعا عَلَيْهِمْ، وكانَتْ عَجَلَةٌ مِن مُوسى عَجِلَها.

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. ومَعْنى تَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ: مَنعُهم مِنها. فَأمّا نَصْبُ "الأرْبَعِينَ" فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِالتَّحْرِيمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "يَتِيهُونَ" . وقالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالتَّحْرِيمِ، لِأنَّ التَّفْسِيرَ جاءَ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا. قُلْتُ: وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ، مِنهم عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، إلى ما قالَ الزَّجّاجُ، وأنَّها حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أبَدًا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهُمُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، إلى أنَّها حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرُوا بِالسَّيْرِ إلَيْها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. قالَ: إنَّما نُصِبَتْ بِالتَّحْرِيمِ، والتَّحْرِيمُ كانَ عامًّا في حَقِّ الكُلِّ، ولَمْ يُدْخُلْها في هَذِهِ المُدَّةِ مِنهم أحَدٌ، فَلَمّا انْقَضَتْ، أُذِنَ لِمَن بَقِيَ مِنهم بِالدُّخُولِ مَعَ ذَرارِيهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى: يَتِيهُونَ: يَحُورُونَ ويَضِلُّونَ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ عَصَوْا دُخُولَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَبِثُوا في تِيهِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، وماتُوا في التِّيهِ، وماتَ مُوسى وهارُونُ، ولَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا يُوشَعُ وكالِبٌ بِأبْناءِ القَوْمِ، وناهَضَ يُوشَعُ بِمَن بَقِيَ مَعَهُ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فافْتَتَحَها. وقالَ مُجاهِدٌ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التِّيهَ، نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، وقالُوا لَهُ: ما صَنَعْتَ بِنا، أيْنَ الطَّعامُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ المَنَّ. قالُوا: فَأيْنَ الشَّرابُ؟ فَأُمِرَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ الحَجَرَ. قالُوا: فَأيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ. قالُوا: فَأيْنَ اللِّباسُ؟ وكانَتْ ثِيابُهم تَطُولُ مَعَهم كَما تَطُولُ الصِّبْيانُ، ولا يَتَخَرَّقُ لَهم ثَوْبٌ، وقُبِضَ مُوسى ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِمَّنْ أبى دُخُولَ قَرْيَةِ الجَبّارِينَ إلّا ماتَ، ولَمْ يَشْهَدِ الفَتْحَ. وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أنَّهُ لَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِّيهِ، وقالَ لَهُمُ: ( ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغْدًا، وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقُولُوا حِطَّةٌ. . . )إلى آخِرِ القِصَّةِ. وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا الصَّحِيحُ، وأنَّ مُوسى هو الَّذِي فَتَحَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ مَعَ الصّالِحِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ أهْلَ السِّيرَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ مُوسى هو قاتِلُ عَوْجٍ، وكانَ عَوْجٌ مَلِكَهم، وكانَ بُلْعُمُ ابْنُ باعُوراءَ فِيمَن سَباهُ مُوسى وقَتَلَهُ، ولَمْ يَدْخُلْ مَعَ مُوسى مِن قُدَمائِهِمْ غَيْرُ يُوشَعُ وكالِبٌ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا. وفي مَسافَةِ أرْضِ التِّيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تِسْعَةُ فَراسِخَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ مُقاتِلٌ: هَذا عَرْضُها، وطُولُها ثَلاثُونَ فَرْسَخًا. والثّانِي: سِتَّةُ فَراسِخَ في طُولِ اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، حَكاهُ مُقاتِلٌ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ شَأْنُهُمُ المَعاصِي، …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي ابْنَيْ آدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما ابْناهُ لِصُلْبِهِ، وهُما قابِيلُ وهابِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُونا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والعُلَماءُ عَلى الأوَّلِ، وهو أصَحُّ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ [المائِدَةِ: ٣١] ولَوْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لَكانَ قَدْ عَرَفَ الدَّفْنَ، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عَنْهُ: « "إنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ" .» وقَوْلُهُ تَعالى: (بِالحَقِّ) أيْ: كَما كانَ. و "القُرْبانُ": فُعْلانٌ مِنَ القُرْبِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (آلِ عِمْرانَ) .

وَفِي السَّبَبِ الَّذِي قَرَّبا لِأجْلِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ نُهِيَ أنْ يُنْكِحَ المَرْأةَ أخاها الَّذِي هو تَوْأمُها، وأُجِيزُ لَهُ أنْ يُنْكِحَها غَيْرَهُ مِن إخْوَتِها، وكانَ يُولَدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وأُنْثى، فَوُلِدَتْ لَهُ ابْنَةٌ وسِيمَةٌ، وأُخْرى دَمِيمَةٌ، فَقالَ أخُو الدَّمِيمَةِ لِأخِي الوَسِيمَةِ: أنْكِحْنِي أُخْتَكَ، وأُنْكِحُكَ أُخْتى، فَقالَ أخُو الوَسِيمَةِ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي، وكانَ أخُو الوَسِيمَةِ صاحِبَ حَرْثٍ، وأخُو الدَّمِيمَةِ صاحِبَ غَنَمٍ، فَقالَ: هَلُمَّ فَلْنُقَرِّبْ قُرْبانًا، فَأيُّنا تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ فَهو أحَقُّ بِها، فَجاءَ صاحِبُ الغَنَمِ بِكَبْشٍ أبْيَضَ أعْيَنَ أقْرَنَ، وجاءَ صاحِبُ الحَرْثِ بِصُبْرَةٍ مِن طَعامٍ، فَتُقُبِّلَ الكَبْشُ، فَخَزَنَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، فَهو الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ، فَقَتَلَهُ صاحِبُ الحَرْثِ، فَوَلَدُ آدَمَ كُلُّهم مِن ذَلِكَ الكافِرِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما قَرَّباهُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ. رَوى العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ كانا قاعِدَيْنِ يَوْمًا، فَقالا: لَوْ قَرَّبْنا قُرْبانًا، فَجاءَ صاحِبُ الغَنَمِ بِخَيْرِ غَنَمِهِ وأسْمَنِها، وجاءَ الآخَرُ بِبَعْضِ زَرْعِهِ، فَنَزَلَتِ النّارُ، فَأكَلَتِ الشّاةَ، وتَرَكَتِ الزَّرْعَ، فَقالَ لِأخِيهِ: أتَمْشِي في النّاسِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ قُرْبانَكَ تُقُبِّلَ، وأنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي لَأقْتُلَنَّكَ. واخْتَلَفُوا هَلْ قابِيلُ وأُخْتُهُ وُلِدا قَبْلَ هابِيلَ وأُخْتِهِ، أمْ بَعْدَهُما؟ عَلى قَوْلَيْنِ، وهَلْ كانَ قابِيلُ كافِرًا أوْ فاسِقًا غَيْرَ كافِرٍ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

وَفِي سَبَبِ قَبُولِ قُرْبانِ هابِيلَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن قابِيلَ. والثّانِي: أنَّهُ تَقَرَّبَ بِخِيارِ مالِهِ، وتَقَرَّبَ قابِيلُ بِشَرِّ مالِهِ. وهَلْ كانَ قُرْبانُهُما بِأمْرِ آدَمَ، أمْ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ وآدَمُ قَدْ ذَهَبَ إلى زِيارَةِ البَيْتِ. والثّانِي: أنَّ آدَمَ أمَرَهُما بِذَلِكَ. وهَلْ قُتِلَ هابِيلُ بَعْدَ تَزْوِيجِ أُخْتِ قابِيلَ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَتَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَصِلَ إلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهُ بَعْدَ نِكاحِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ ورَوى زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "لَأقْتُلَنْكَ" بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِها. والقائِلُ: هو الَّذِي لَمَّ يُتَقَبَّلْ مِنهُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما حَذَفَ ذِكْرَهُ، لِأنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: إذا رَأيْتَ الظّالِمَ والمَظْلُومَ أعَنْتَ، وإذا اجْتَمَعَ السَّفِيهُ والحَلِيمُ حُمِدَ، …

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما أنا بِمُنْتَصِرٍ لِنَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ما كُنْتُ لِأبْتَدِئَكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وفي سَبَبِ امْتِناعِهِ مِن دَفْعِهُ عَنْهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الدَّفْعِ وجَوازِهِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ دَفْعَ الإنْسانِ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جائِزًا، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْتُولَ عَلِمَ عَزْمَ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، ثُمَّ تَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً، فَلا يُدَّعى ما لَيْسَ في الآيَةِ إلّا بِدَلِيلٍ.

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي في عُنُقِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في خَطايايَ، وإثْمِكَ في قَتْلِكَ لِي، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّحِيحُ عَنْ مُجاهِدٍ القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "صَحِيحَيْهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ"» فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أرادَ هابِيلُ وهو مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبُوءَ قابِيلُ بِالإثْمِ وهو مَعْصِيَةٌ، والمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما أرادَ لِأخِيهِ الخَطِيئَةَ، وإنَّما أرادَ: إنْ قَتَلْتَنِي أرَدْتُ أنْ تَبُوءَ بِالإثْمِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبالزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ لا تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ، فَحَذَفَ "لا" كَقَوْلِهِ: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لُقْمانَ: ١٠] أيْ: أنْ لا تَمِيدَ بِكم، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي

أرادَ: لا أبْرَحُ. وهَذا مَذْهَبُ ثَعْلَبٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أُرِيدُ زَوالَ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ، وبُطْلانَ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ، فَحَذَفَ ذَلِكَ، وقامَتْ "أنْ" مَقامَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٣] أيْ: حُبَّ العِجْلِ، ذَكَرَهُ والَّذِي قَبْلَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ الإشارَةُ إلى مُصاحَبَةِ النّارِ.

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تابَعَتْهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: شَجَّعَتْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: زَيَّنَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: رَخَّصَتْ لَهُ، قالَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ. والخامِسُ: أنَّ "طَوَّعَتْ" فَعَّلَتْ مِنَ "الطَّوْعِ" والعَرَبُ تَقُولُ: طاعَ لِهَذِهِ الظَّبْيَةِ أُصُولُ هَذا الشَّجَرِ، وطاعَ لَهُ كَذا، أيْ: أتاهُ طَوْعًا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شايَعَتْهُ وانْقادَتْ لَهُ، يُقالُ: لِسانِي لا يَطُوعُ بِكَذا، أيْ: لا يَنْقادُ. وهَذِهِ المَعانِي تَتَقارَبُ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رَماهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ضَرَبَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ وهو نائِمٌ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّالِثُ: رَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ، وأخَذَ طائِرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلى حَجَرٍ، ثُمَّ شَدَخَهُ بِحَجَرٍ آخَرَ، فَفَعَلَ بِهِ هَكَذا، وكانَ لِـ "هابِيلَ" يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ سَنَةً. وفي مَوْضِعِ مَصْرَعِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَلى جَبَلِ ثَوْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالبَصْرَةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ. والثّالِثُ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِنَ الخاسِرِينَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، فَخُسْرانُهُ الدُّنْيا: أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ، وبَقِيَ بِلا أخٍ، وخُسْرانُهُ الآخِرَةَ: أنَّهُ أسْخَطَ رَبَّهُ، وصارَ إلى النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ أصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ الحَسَناتِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: مِنَ الخاسِرِينَ أنْفُسَهم بِإهْلاكِهِمْ إيّاها، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.