Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ يَعْنِي: أرْضِ بَيْتَ المَقْدِسِ الَّتِي كانَتْ مُقَدَّسَةً بِمُساكَنَةِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. ثُمَّ تَلَوَّثَتْ بِمُساكَنَةِ الأعْداءِ مِن جَبابِرَةِ الكَنْعانِيِّينَ. فَأرادَ تَطْهِيرَها بِإخْراجِهِمْ وإسْكانِ قَوْمِهِ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي وعَدَكُمُوها عَلى لِسانِ أبِيكم إبْراهِيمَ، بِأنْ تَكُونَ مِيراثًا لِوَلَدِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مُهاجَرَهُ ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَنْكِصُوا عَلى أعْقابِكم مُدْبِرِينَ مِن خَوْفِ الجَبابِرَةِ جُبْنًا وهَلَعًا ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أيْ: فَتَرْجِعُوا مَغْبُونِينَ بِالعُقُوبَةِ.

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾

﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ أيْ: مُتَغَلِّبِينَ لَيْسَ لَنا مُقاوَمَتُهم ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ: مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِنا؛ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ: بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣] ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يَفْنا ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَ العَدُوِّ، ويَتَّقُونَهُ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

وقالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: أيْ: مِنَ الَّذِينَ يُوجَدُ مِنهُمُ الخَوْفُ مِنَ الجَبّارِينَ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخافا ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ والثِّقَةِ بِوَعْدِهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ مَقامِ أوامِرِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِهِمْ، أيْ: باغِتُوهم وامْنَعُوهم مِنَ البُرُوزِ إلى الصَّحْراءِ، لِئَلّا يَجِدُوا لِلْحَرْبِ مَجالًا ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾ - أيْ: بابَ بَلَدِهِمْ -: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ أيْ: لا عَلى قُوَّةِ أنْفُسِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِكَمالِ قُدْرَتِهِ ووَعْدِهِ النَّصْرَ.

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤] ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾

﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا﴾ - أيِ: الجَبابِرَةُ -: ﴿فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ، عَلى طَرِيقَةِ البَثِّ والحُزْنِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ أيْ: أحَدًا أُلْزِمُهُ قِتالَهم ﴿إلا نَفْسِي وأخِي﴾ هارُونَ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ومَن يُؤاخِينِي ويُوافِقُنِي كَهارُونَ ويُوشَعَ وكالِبٍ ﴿فافْرُقْ﴾ أيْ: فاحْكم بِما يُمَيِّزُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ لِتَفْرُقَ بَيْنَنا ﴿وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ أمْرِكَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ. وقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وفَرَّقَ بِأنْ أضَلَّهم ظاهِرًا كَما ضَلُّوا باطِنًا. كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

﴿قالَ فَإنَّها﴾ أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ وأفْعالِهِمْ. لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها. مِمَّنْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أوْ رَضِيَها أحَدٌ، فالتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ في البَرِّيَّةِ مُتَحَيِّرِينَ في الأرْضِ حَتّى يَهْلَكُوا كُلُّهُمْ، و(التِّيهُ) المَفازَةُ الَّتِي يَتِيهُ فِيها سالِكُها فَيَضِلُّ عَنْ وجْهِ مَقْصِدِهِ ﴿فَلا تَأْسَ﴾ أيْ: تَحْزَنْ ﴿عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ مِن قَيْدِ الطّاعاتِ. قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: ثُمَّ بَعْدَ هَلاكِهِمْ أدْخَلَها بَنِيهِمُ الَّذِينَ وُلِدُوا في التِّيهِ. وفي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نَقْضِهِمْ لِلْعُهُودِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى طَلَبِ الوَفاءِ بِها، وافْتُتِحَتْ بِها، وصَرَّحَ بِأخْذِها عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] الآياتِ. وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيما يَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، وتَذْكِيرٌ لَهُ بِالنِّعْمَةِ عَلى قَوْمِهِ بِالتَّوْفِيقِ، وتَرْغِيبٌ لِمَن أطاعَ مِنهُمْ، وتَرْهِيبٌ لِمَن عَصى. وماتَ في تِلْكَ الأرْبَعِينَ، كُلُّ مَن قالَ ذَلِكَ القَوْلَ أوْ رَضِيَهُ حَتّى النُّقَباءُ العَشَرَةُ. وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ. ويَكُونُ لَهم عَمُودٌ مِن نُورٍ بِاللَّيْلِ يُضِيءُ عَلَيْهِمْ. وغَيْرُ هَذا مِنَ النِّعَمِ، لِأنَّ المَنعَ بِالتِّيهِ كانَ تَأْدِيبًا لَهم. لا غَضَبَ؛ إذْ أنَّهم تابُوا. ثُمَّ ساقَ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَرْحَ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ بِالحَرْقِ. ونَحْنُ نَأْتِي عَلى مُلَخَّصِها تَأثُّرًا لَهُ، فَنَقُولُ:

جاءَ في سِفْرِ "العَدَدِ" في الفَصْلِ الثّالِثَ عَشَرَ: إنَّ شَعْبَ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ارْتَحَلُوا مِن حَصِيرُوتَ ونَزَلُوا بِبَرِّيَّةِ فارانَ، كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى بِأنْ يَبْعَثَ رِجالًا يَجُسُّونَ أرْضَ كَنْعانَ. مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا واحِدًا، وكُلُّهم يَكُونُونَ مِن رُؤَساءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَهم مُوسى وأمَرَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى الأرْضِ. أجِيدَةٌ أمْ رَدِيئَةٌ؟ وإلى أهْلِها، أشَدِيدُونَ أمْ ضُعَفاءُ؟ قَلِيلُونَ أمْ كَثِيرُونَ؟ وأنْ يُوافُوهُ بِشَيْءٍ مِن ثَمَرِها. فَسارُوا واجْتَسُّوا الأرْضَ مِن بَرِّيَّةِ صِينَ إلى رَحُوبَ عِنْدَ مَدْخَلِ حَماةَ، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا. وكانَ مُوسى وقَوْمُهُ في بَرِّيَّةِ فارانَ في قادِيشَ، فَأرَوْهم ثَمَرَ الأرْضِ، وقَصُّوا عَلَيْهِمْ ما شاهَدُوهُ مِن جَوْدَةِ الأرْضِ، وأنَّها تُدِرُّ لَبَنًا وعَسَلًا. ومِن شِدَّةِ أهْلِها وقُوَّتِهِمْ وتَحَصُّنِ مُدُنِهِمْ؛ فاضْطَرَبَ قَوْمُ مُوسى. فَأخَذَ كالِبٌ - أحَدُ النُّقَباءِ - يُسْكِتُهم عَنْ مُوسى ويَقُولُ: نَصْعَدُ ونَرِثُ الأرْضَ فَإنّا قادِرُونَ عَلَيْها. وخالَفَهُ بَقِيَّةُ النُّقَباءِ وقالُوا: لا نَقْدِرُ أنْ نَصْعَدَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم أشَدُّ مِنّا. وهَوَّلُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الأمْرَ وقالُوا: شاهَدْنا أُناسًا طِوالَ القاماتِ، سِيما بَنِي عَناقَ. فَصِرْنا في عُيُونِنا كالجَرادِ. وكَذَلِكَ كُنّا في عُيُونِهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَجَّ قَوْمُ مُوسى ورَفَعُوا أصْواتَهم وبَكَوْا وقالُوا: لَيْتَنا مُتْنا في أرْضِ مِصْرَ أوْ في هَذِهِ البَرِّيَّةِ. ولا تَكُونُ نِساؤُنا وأطْفالُنا غَنِيمَةً …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ البُغاةِ الحَسَدَةِ مِنَ اليَهُودِ وأشْباهِهِمْ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هابِيلَ وقابِيلَ، مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيِ: الصِّدْقِ والصِّحَّةِ مُوافِقًا لِما في كُتُبِهِمْ: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ أيْ: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نَسِيكَةٍ أوْ صَدَقَةٍ. وكانَ هابِيلُ راعِيَ غَنَمٍ، وقابِيلُ يَحْرُثُ الأرْضَ. فَقَدَّمَ هابِيلُ شَيْئًا مِن أبْكارِ غَنَمِهِ ومِن سِمانِها. وقَدَّمَ قابِيلُ شَيْئًا رَدِيئًا مِن ثَمَرِ الأرْضِ: فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما وهو هابِيلُ: ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ وهو قابِيلُ: قالُ قابِيلُ لِهابِيلَ: ﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾ عَلى قَبُولِ قُرْبانِكَ: ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، لِانْسِلاخِها مِن لِباسِ التَّقْوى. لا مِن قِبَلِي. فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟ وما لَكَ لا تُعاتِبُ نَفْسَكَ ولا تَحْمِلُها عَلى تَقْوى اللَّهِ الَّتِي هي السَّبَبُ في القَبُولِ؟ فَأجابَهُ بِكَلامٍ حَكِيمٍ مُخْتَصَرٍ جامِعٍ لِمَعانٍ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ طاعَةً إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ، فَما أنْعاهُ عَلى أكْثَرِ العامِلِينَ أعْمالَهُمْ!

وعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ فَقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ؟ قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ كَذا في "الكَشّافِ".

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: يُحْبَسُ النّاسُ في بَقِيعٍ واحِدٍ فَيُنادِي مُنادٍ: أيْنَ المُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ في كَنَفٍ مِنَ الرَّحْمَنِ لا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنهم ولا يَسْتَتِرُ.

قُلْتُ: مَنِ المُتَّقُونَ؟ قالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وعِبادَةَ الأوْثانِ وأخْلَصُوا العِبادَةَ. فَيَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ.

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ أيْ: مَدَدْتَ: ﴿إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ أيْ: ظُلْمًا: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أيْ: دَفْعًا: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ أصْنَعَ كَما تُرِيدُ أنْ تَصْنَعَ.

وفِي "الصَّحِيحَيْنِ": عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا تَواجَهَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا القاتِلُ. فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: ««قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأيْتَ إنْ دَخَلَ بَيْتِي وبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْ كابْنِ آدَمَ - وتَلا -: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ الآيَةَ»» .

قالَ المَهايِمِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: إنِّي - وإنْ لَمْ أكُنْ في الدَّفْعِ ظالِمًا - أخافُ اللَّهَ أنْ يَكْرَهَ مِنِّي هَدْمَ بُنْيانِهِ الجامِعِ لِيَظْهَرَ فِيهِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ رَبَّ العالَمِينَ. انْتَهى.

وهُوَ مَنزَعٌ صُوفِيٌّ لَطِيفٌ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: فِيهِ مِن إرْشادِ قابِيلَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، ما لا يَخْفى. كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أخافُهُ تَعالى إنْ بَسَطْتُ يَدِي إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ، أنْ يُعاقِبَنِي. وإنْ كانَ ذَلِكَ مِنِّي لِدَفْعِ عَداوَتِكَ عَنِّي. فَما ظَنُّكَ بِحالِكَ وأنْتَ البادِئُ العادِي؟ وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْخَوْفِ. قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ. ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. لِأنَّ القَتْلَ لِلدَّفْعِ لَمْ يَكُنْ مُباحًا حِينَئِذٍ. وقِيلَ: تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ، حَسْبَما قالَ ﷺ: ««كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ»» . ويَأْباهُ التَّعْلِيلُ بِخَوْفِهِ تَعالى، إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ تَرْكَ الأوْلى عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ المَعْصِيَةِ في اسْتِتْباعِ الغائِلَةِ، مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ. انْتَهى.

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾

﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ أيْ: بِاسْتِسْلامِي لَكَ وامْتِناعِي عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ: ﴿أنْ تَبُوءَ﴾ أيْ: تَرْجِعَ إلى اللَّهِ مُلْتَبِسًا: ﴿بِإثْمِي﴾ أيْ: بِإثْمِ قَتْلِي: ﴿وإثْمِكَ﴾ أيِ: الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، أوِ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ: ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ: بِالإثْمَيْنِ: ﴿مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": فَأمّا إرادَتُهُ لِإثْمِ أخِيهِ وعُقُوبَتِهِ فَمَعْناهُ: إنِّي لا أُرِيدُ أنْ أقْتُلَكَ فَأُعاقَبَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إرادَةِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، إمّا إثْمُهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَيَقْتُلَ أخاهُ، وإمّا إثْمُ أخِيهِ بِتَقْدِيرِ أنْ يَسْتَسْلِمَ - وكانَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلْأوَّلِ، اضْطُرَّ إلى الثّانِي، فَلَمْ يُرِدْ إذًا إثْمَ أخِيهِ لِعَيْنِهِ، وإنَّما أرادَ أنَّ الإثْمَ هو بِالمُدافَعَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى القَتْلِ - ولَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ مَشْرُوعَةً - فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ إرادَةُ إثْمِ أخِيهِ. وهَذا، كَما يَتَمَنّى الإنْسانُ الشَّهادَةَ. ومَعْناها أنْ يَبُوءَ الكافِرُ بِقَتْلِهِ وبِما عَلَيْهِ في ذَلِكَ مِنَ الإثْمِ، ولَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ هو إثْمَ الكافِرِ لِعَيْنِهِ، وإنَّما أرادَ أنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ رَجاءَ إثْمِ الكافِرِ بِقَتْلِهِ ضِمْنًا وتَبَعًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ أنَّهُ لا فَرْقَ في حُصُولِ دَرَجَةِ الشَّهادَةِ وفَضِيلَتِها بَيْنَ أنْ يَمُوتَ القاتِلُ عَلى الكُفْرِ وبَيْنَ أنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالإيمانِ، فَيَحْبِطَ عَنْهُ إثْمُ القَتْلِ الَّذِي بِهِ كانَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا. أعْنِي بَقِيَ الإثْمُ عَلى قاتِلِهِ، أوْ حَبِطَ عَنْهُ، إذْ ذَلِكَ لا يَنْتَقِصُ مِن فَضِيلَةِ شَهادَتِهِ ولا يَزِيدُها، ولَوْ كانَ إثْمُ الكافِرِ بِالقَتْلِ مَقْصُودًا لاخْتَلَفَ التَّمَنِّي بِاعْتِبارِ بَقائِهِ وإحْباطِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ لازِمٌ تَبَعٌ، لا مَقْصُودٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ أيْ: رَخَّصَتْ وسَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ. والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ. أيِ: الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَحْفَظَهُ مِن كُلِّ مَن قَصَدَهُ بِالسُّوءِ بِالتَّحَمُّلِ عَلى نَفْسِهِ: ﴿فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا، إذْ صارَ كافِرًا حامِلًا لِلدِّماءِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ودُنْيا، إذْ صارَ مَطْرُودًا مُبْغَضًا لِلْخَلائِقِ.

وقَدْ أخْرَجَ الجَماعَةُ - غَيْرَ أبِي داوُدَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها. لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ»» . انْتَهى.

ولَمّا قَتَلَهُ لَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ لَهُ مِن إفْراطِ حَيْرَتِهِ.

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.