Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُقَيِّدُ بِهِ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ الشُّكْرِ؛ بِامْتِثالِ الأمْرِ في جِهادِ الأعْداءِ؛ في سِياقٍ مُؤْذِنٍ بِالنَّصْرِ؛ مُعْلِمٍ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ أُخْرى يَجِبُ شُكْرُها؛ فَلِذَلِكَ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ؛ وصْلَ المَعْلُولِ بِالعِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا﴾؛ عَنْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي أعْلَمَكم بِما صَنَعَ مِنَ الآياتِ أنَّهُ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ أمْرِهِ؛ ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾؛ أيْ: المُطَهَّرَةَ المُبارَكَةَ؛ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَها بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ مِن نَجَسِ الشِّرْكِ وضُرِّ المَعاصِي والإفْكِ؛ ويُبارِكَ فِيها؛ ثُمَّ وصَفَها بِما يُوجِبُ لِلْمُؤْمِنِ الإقْدامَ لِتَحَقُّقِهِ النَّصْرَ؛ فَقالَ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا مانِعَ لِما أعْطى ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ تُجاهِدُوا أعْداءَهُ؛ فَتَرِثُوا أرْضَهُمُ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ فَتَحُوزُوا سَعادَةَ الدّارَيْنِ؛ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ الَّتِي وعَدَ أباكم إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ تَكُونَ مِيراثًا لِوَلَدِهِ؛ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مَهاجِرَهُ.

ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ؛ نَهاهم عَنِ التَّقاعُدِ عَنْهُ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بِمُعالَجَةٍ لِلْفِطْرَةِ الأُولى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكُمُ الرُّجُوعَ عَنْ أخْذِها؛ وصَوَّرَ لَهُمُ الفُتُورَ عَنْ أخْذِها بِما يَسْتَحْيِي مَن لَهُ هِمَّةٌ مِن ذِكْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى أدْبارِكُمْ﴾؛ ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ خَوَّفَهم عَواقِبَ العِصْيانِ؛ مُعْلِمًا بِأنَّ ارْتِدادَهم سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ بِغَيْرِ شَكٍّ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ الِانْفِعالِ -: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ؛ مِن غَيْرِ قالِبٍ يُسَلَّطُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿خاسِرِينَ﴾؛ أيْ: بِخِزْيِ المَعْصِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ؛ وعارِ الجُبْنِ عَنِ النّاسِ؛ وخَيْبَةِ السَّعْيِ مِن خَيْرَيِ الدّارَيْنِ.

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُحَرِّكًا لِلنَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِمْ عَنْهُ؛ أوْرَدَهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لَتَرْغِيبٌ مُشَوِّقٌ؛ وتَرْهِيبٌ مُقْلِقٌ؛ فَما قالُوا في جَوابِهِ؟ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾؛ مُعْرِضِينَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِهِمَمٍ سافِلَةٍ؛ وأحْوالٍ نازِلَةٍ؛ مُخاطِبِينَ لَهُ بِاسْمِهِ؛ جَفاءً؛ وجَلافَةً؛ وقِلَّةَ أدَبٍ: ﴿يا مُوسى﴾؛ وأكَّدُوا قَوْلَهم تَأْكِيدَ مَن هو مُحِيطُ العِلْمِ؛ فَقالُوا - مُخاطِبِينَ بِجُرْأةٍ؛ وقِلَّةِ حَياءٍ؛ لِأعْلَمِ أهْلِ زَمانِهِ -: ﴿إنَّ فِيها﴾؛ أيْ: دُونَ غَيْرِها؛ ﴿قَوْمًا جَبّارِينَ﴾؛ أيْ: عُتاةً؛ قاهِرِينَ لِغَيْرِهِمْ؛ مُكْرِهِينَ لَهُ عَلى ما يُرِيدُونَ؛ ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ خَوْفًا مِنهُمْ؛ ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾؛ ثُمَّ صَرَّحُوا بِالإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ بِتَهالُكِهِمْ عَلى الدُّخُولِ؛ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم إلّا الجُبْنُ؛ فَقالُوا: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾؛ أيْ: بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ وعَبَّرُوا بِأداةِ الشَّكِّ؛ مَعَ إعْلامِ اللَّهِ لَهم بِإهْلاكِهِمْ عَلى أيْدِيهِمْ؛ جَلافَةً مِنهُمْ؛ وعَراقَةَ طَبْعٍ في التَّكْذِيبِ؛ ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾؛

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ لَسَقْطَةٌ ما مِثْلَها؛ فَما اتَّفَقَ لَهم بَعْدَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾؛ وأشارَ إلى كَوْنِهِما مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِقَوْلِهِ - ذَمًّا لِمَن تَقاعَسَ عَنِ الأمْرِ مِنهم -: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنهُمُ الخَوْفُ مِنَ الجَبّارِينَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخافا؛ وُثُوقًا مِنهُما بِوَعْدِ اللَّهِ؛ ولَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أهْلًا لِأنْ يَخافَهم مَن يَقْصِدُونَهم بِالحَرْبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَعَهم بِعَوْنِهِ؛ ونَصْرِهِ؛ قُرِئَ: ”يُخافُونَ“؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ عَلى العَمَلِ بِحَقِّ النِّقابَةِ - وهُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالابُ بْنُ يَوْفُنّا - كَما أنْعَمَ عَلَيْكم أيُّها العَرَبُ؛ وخُصُوصًا النُّقَباءَ؛ بِالثَّباتِ في كُلِّ مَوْطِنٍ؛ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾؛ أيْ: بابَ قَرْيَتِهِمُ؛ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ؛ وإيقانًا بِوَعْدِهِ.

ولَمّا كانا يَعْلَمانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وإنْ تَقاعَسُوا؛ وإنْ طالَ المَدى؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ ووَعْدُهُ حَقٌّ؛ عَبَّرا بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ خِلافَ ما مَضى لِجَماهِيرِهِمْ؛ فَقالا: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ ثُمَّ أكَّدا خَبَرَهُما؛ إيقانًا بِوَعْدِ اللَّهِ؛ فَقالا: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ المَلِكَ مَعَكم دُونَهُمْ؛ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي وعَدَكم بِإرْثِها وحْدَهُ؛ ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾؛ أيْ: لا عَلى عُدَّةٍ مِنكُمْ؛ ولا عِدَّةٍ؛ ولا حَوْلٍ؛ ولا قُوَّةٍ. ولَمّا كانَ الإخْلاصُ يَلْزَمُهُ التَّوَكُّلُ؛ وعَدَمُ الخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ؛ ألْهَمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الإيمانِ بِنَبِيِّكم ﷺ والتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ ما أتى بِهِ؛

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَحا لَهُمْ؛ وبَرّا؛ واجْتَهَدا في إصْلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ فَما خَدَعا؛ ولا غَرّا؛ فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: لَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا نَفارًا؛ واسْتِضْعافًا لِأنْفُسِهِمْ؛ لِإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ؛ واسْتِصْغارًا؛ لِأنَّهم ﴿قالُوا﴾؛ مُعْرِضِينَ عَمَّنْ خاطَباهُمْ؛ غَيْرَ عادِّينَ لَهُما؛ ﴿يا مُوسى﴾؛ وأكَّدُوا نَفْيَهم لِلْإقْدامِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا﴾؛ وعَظَّمُوا تَأْكِيدَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ وزادُوهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أبَدًا﴾؛ وقَيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما دامُوا﴾؛ أيْ: الجَبابِرَةُ؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: لَهُمُ اليَدُ عَلَيْها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجَهْلِ بِاللَّهِ؛ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ؛ الغَنِيِّ عَنْ جَمِيعِ العَبِيدِ؛ فَقالُوا - مُسَبِّبِينَ عَنْ نَفْيِهِمْ ذَلِكَ قَوْلَهم -: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ فَلَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ أحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ كَثافَةَ طِباعٍ؛ وغِلَظَ أكْبادٍ؛ بَلْ خَصُّوهُ بِالإحْسانِ؛ وهَذا القَوْلُ إنْ لَمْ يَكُنْ قائِلُوهُ يَعْتَقِدُونَ التَّجْسِيمَ فَهم مُشارِفُونَ لَهُ؛ وكَذَلِكَ أمْثالُهُ؛ وكانَ اليَهُودُ الآنَ عَرِيقِينَ في التَّجْسِيمِ؛ ثُمَّ سَبَّبُوا عَنِ الذَّهابِ قَوْلَهُمْ: ﴿فَقاتِلا﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهم - مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ مَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ؛ وعَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ؛ لا يُصَدِّقُ أنَّ أحَدًا يَتَخَلَّفُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ لا سِيَّما إنْ كانَ بِمُشافَهَةِ الرَّسُولِ -: ﴿إنّا ها هُنا﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿قاعِدُونَ﴾؛ أيْ: لا نَذْهَبُ مَعَكُما؛ فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَ مَن يُرِيدُ السَّعادَةَ بِمُجَرَّدِ ادِّعاءِ الإيمانِ؛ مِن غَيْرِ تَصْدِيقٍ لَهُ بِامْتِحانٍ؛ بِفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى الإيقانِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في المَغازِي والتَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بَدْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لا نَقُولُ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: اذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ؛ ولَكِنِ امْضِ؛ ونَحْنُ مَعَكَ؛ نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ؛ وعَنْ شِمالِكَ؛ وبَيْنَ يَدَيْكَ؛ وخَلْفَكَ؛ فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أشْرَقَ وجْهُهُ؛ وسَرَّهُ».

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ لَمّا أيِسَ مِنهُمْ؛ مُعْرِضًا عَنْهُمْ؛ شاكِيًا إلى اللَّهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ؛ ولَمّا كانَ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَقِيَهُ كُلُّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ فَكَيْفَ بِما دُونَ ذَلِكَ؛ فَكانَ لا يُصَدِّقُ أحَدٌ أنَّ أتْباعَهُ لا يُطِيعُونَهُ؛ جَرى عَلى طَبْعِ البَشَرِ؛ وإنْ كانَ يُخاطِبُ عَلّامَ الغُيُوبِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا -: ﴿إنِّي﴾؛ ولَمّا فُهِمَ مِن أمْرِ الرَّجُلَيْنِ لَهم بِالدُّخُولِ أنَّهُما قَيَّدا دُخُولَهُما بِدُخُولِ الجَماعَةِ؛ خَصَّ في قَوْلِهِ: ﴿لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾؛ أيْ: ونَحْنُ مُطِيعانِ لِما تَأْمُرُ بِهِ؛ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾؛ أيْ: أنا وأخِي؛ ﴿وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾؛ أيْ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ؛ قَوْلًا وفِعْلًا؛ ولا تَجْمَعْنا مَعَهم في بَيْنٍ واحِدٍ؛ في فِعْلٍ ولا جَزاءٍ؛

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ فَإنَّها﴾؛ أيْ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ؛ ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ؛ وأفْعالِهِمْ؛ لا يَدْخُلُها مِمَّنْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ؛ أوْ رَضِيَها أحَدٌ؛ بَلْ يَمْكُثُونَ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ - جَوابًا لِمَن تَشَعَّبَ فِكْرُهُ في تَعَرُّفِ حالِهِمْ في هَذِهِ الأرْبَعِينَ؛ ومَحَلِّهِمْ مِنَ الأرْضِ - قَوْلَهُ: ﴿يَتِيهُونَ﴾؛ أيْ: يَسِيرُونَ مُتَحَيِّرِينَ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ حَتّى يَهْلَكُوا كُلُّهُمْ؛ والتِّيهُ: المَفازَةُ الَّتِي يُحَيَّرُ سالِكُها؛ فَيَضِلُّ عَنْ وجْهِ مَقْصِدِهِ؛ رُوِيَ أنَّهم أقامُوا هَذِهِ المُدَّةَ في سِتَّةِ فَراسِخَ؛ يَسِيرُونَ كُلَّ يَوْمٍ جادِّينَ؛ ثُمَّ يَمْشُونَ في المَوْضِعِ الَّذِي سارُوا مِنهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ إخْبارِهِ بِعُقُوبَتِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ﴾؛ أيْ: تَحْزَنْ حُزْنًا مُؤْيِسًا؛ ﴿عَلى القَوْمِ﴾؛ أيْ: الأقْوِياءِ الأبْدانِ؛ الضُّعَفاءِ القُلُوبِ؛ ﴿الفاسِقِينَ﴾؛ أيْ: الخارِجِينَ مِن قَيْدِ الطّاعاتِ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَلاكِهِمْ أُدْخِلُها بَنِيهِمُ الَّذِينَ نَشَأُوا في التِّيهِ؛ لِسَلامَتِهِمْ مِنَ اعْوِجاجِ طِباعِهِمُ الَّتِي ألْبَسَتْهم إيّاها بِلادُ الفَراعِنَةِ؛ فَإنِّي كَتَبْتُها لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ ولَمْ أُخْبِرْ بِتَعْيِينِهِمْ - وإنْ كانُوا مُعَيَّنِينَ في عِلْمِي - كَما اقْتَضَتْ ذَلِكَ حِكْمَتِي؛ وفي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نَقْضِهِمْ لِلْعُهُودِ الَّتِي بُنِيَتِ السُّورَةُ عَلى طَلَبِ الوَفاءِ بِها؛ وافْتُتِحَتْ بِها؛ وصَرَّحَ بِأخْذِها عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]؛ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيما يَفْعَلُونَهُ مَعَهُ؛ وتَذْكِيرٌ لَهُ بِالنِّعْمَةِ عَلى قَوْمِهِ بِالتَّوْفِيقِ؛ وتَرْغِيبٌ لِمَن أطاعَ مِنهُمْ؛ وتَرْهِيبٌ لِمَن عَصى؛ وماتَ في تِلْكَ الأرْبَعِينَ كُلُّ مَن قالَ ذَلِكَ القَوْلَ؛ أوْ رَضِيَهُ؛ حَتّى النُّقَباءُ العَشْرَةُ؛ وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ؛ ويَكُونُ لَهم عَمُودٌ مِن نُورٍ بِاللَّيْلِ؛ يُضِيءُ هَهُنا عَلَيْهِمْ؛ وغَيْرُ هَذا مِنَ النِّعَمِ؛ لِأنَّ المَنعَ بِالتِّيهِ كانَ تَأْدِيبًا لَهُمْ؛ لا غَضَبًا؛ فَإنَّهم تابُوا.

شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةَ مِمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ؛ وذِكْرُ بَعْضِ ما عَذَّبَهم فِيهِ بِذُنُوبِهِمْ؛ قالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها: (وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى؛ وقالَ لَهُ: أرْسِلْ قَوْمًا يَجُسُّونَ الأرْضَ الَّتِي أُعْطِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَأرْسَلَهم مُوسى مِن بَرِّيَّةِ فارانَ؛ رِجالًا مِن رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ - اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا - فِيهِمْ كالابُ بْنُ يَوْفُنّا؛ وهُوساعُ بْنُ نُونٍ؛ ودَعا مُوسى هُوساعَ بْنَ نُونٍ يَشُوعَ؛ وأرْسَلَهم لِيَسْتَخْبِرُوا أرْضَ كَنْعانَ؛ وقالَ لَهُمْ: اعْرَفُوا خَبَرَ الشَّعْبِ الَّذِي بِها؛ أقَوِيٌّ هو أمْ ضَعِيفٌ؟ أكَثِيرٌ هو أمْ قَلِيلٌ؟ وما خَبَرُ الأرْضِ الَّتِي هم فِيها؛ أمُخْصِبَةٌ أمْ لا؟ أفِيها شَجَرٌ أمْ لا؟ وفي نُسْخَةٍ: وما المُدُنُ الَّتِي يَسْكُنُونَها؟ وإنْ كانَتْ مُحَوَّطًا عَلَيْها أمْ لا؟ وتَقَوَّوْا وخُذُوا مِن ثِمارِ الأرْضِ؛ فَصَعِدُوا فاسْتَخْبَرُوا الأرْضَ؛ وأخَذُوا مِن بَرِّيَّةِ صِينَ؛ حَتّى انْتَهَوْا إلى راحُوبَ الَّتِي في مَدْخَلِ حَماتَ؛ وصَعِدُوا إلى التَّيْمُنِ؛ فَأتَوْا حَبْرانَ - وفي نُسْخَةٍ: حَبْرُونَ - وكانَ بِها بَنُو الجَبابِرَةِ؛ ثُمَّ أتَوْا وادِي العُنْقُودِ؛ وقَطَعُوا قَضِيبًا مِنَ الكَرْمِ؛ فِيهِ عُنْقُودُ عِنَبٍ؛ فَحَمَلَهُ رَجُلانِ بِأسْطارٍ؛ …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

ولَمّا كانَتْ قِصَّتُهم هَذِهِ - في أمْرِهِمْ بِالدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ لِما فِيها مِن نَقْضِ العُهُودِ والتَّبَرُّؤِ مِنَ اللَّهِ؛ والحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ؛ والتَّعْذِيبِ - ناقِضَةً لِما ادَّعاهُ اليَهُودُ مِنَ البُنُوَّةِ؛ كانَ ذَلِكَ كافِيًا في إبْطالِ مُدَّعى النَّصارى لِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أبْناءُ اليَهُودِ؛ وإذا بَطَلَ كَوْنُ أبِيكَ ابْنًا لِأحَدٍ بَطَلَ أنْ تَكُونَ أنْتَ ابْنَهُ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ ناسَبَ أنْ تُعْقَبَ بِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ لِما يُذْكَرُ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ -: ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ ؛ أيْ: عَلى المَدْعُوِّينَ؛ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهُمُ اليَهُودُ؛ تِلاوَةً؛ وهي مِن أعْظَمِ الأدِلَّةَ عَلى نُبُوَّتِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا عِلْمَ لَكَ ولا لِقَوْمِكَ بِهِ؛ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ؛ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾؛ أيْ: خَبَرَهُما الجَلِيلَ العَظِيمَ؛ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الخَبَرِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ إذا تُعُرِّفَ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ؛ وأخْبارِ الماضِينَ؛ كائِنًا ذَلِكَ النَّبَأُ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿قَرَّبا﴾؛ أيْ: ابْنا آدَمَ؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ في هَذا المَقامِ بِبَيانِ أيِّ نَوْعٍ قَرَّبا مِنهُ؛ قالَ: ﴿قُرْبانًا﴾؛ أيْ: بِأنْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَيْئًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُقَرِّبَ إلى المَطْلُوبِ؛ مُقارَبَتَهُ غايَةَ القُرْبِ.

ولَمّا كانَ المُؤْثِرُ لِلْحَسَدِ إنَّما هو عَدَمُ التَّقَبُّلِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَقَبِّلٍ خاصٍّ؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ فَقالَ: ﴿فَتُقُبِّلَ﴾؛ أيْ: قُبِلَ قَبُولًا عَظِيمًا؛ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ؛ ﴿مِن أحَدِهِما﴾؛ أبْهَمَهُ أيْضًا؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ في هَذا السِّياقِ إلى تَعْيِينِهِ؛ ﴿ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾؛ عَلِما ذَلِكَ بِعَلامَةٍ كانَتْ لَهم في ذَلِكَ؛ إمّا أكْلِ النّارِ لِلْمَقْبُولِ؛ كَما قالُوهُ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها أيْضًا ناقِضَةٌ لِدَعْواهُمُ البُنُوَّةَ؛ لِأنَّ قابِيلَ مِمَّنْ وُلِدَ في الجَنَّةِ؛ عَلى ما قِيلَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عُذِّبَ لَمّا نَقَضَ العَهْدَ؛ فانْتَفى أنْ يَكُونَ ابْنًا؛ وكانَ هو وغَيْرُهُ شَرْعًا واحِدًا دائِرًا أمْرُهم في العَذابِ؛ والثَّوابِ؛ عَلى الوَفاءِ؛ والنَّقْضِ؛ مَن وفى كانَ حَبِيبًا ولِيًّا؛ ومَن نَقَضَ كانَ بَغِيضًا عَدُوًّا؛ وإذا انْتَفَتِ البُنُوَّةُ عَنْ ولَدٍ لِآدَمَ - صَفِيِّ اللَّهِ - مَعَ كَوْنِهِ لِصُلْبِهِ؛ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما؛ ومَعَ كَوْنِهِ وُلِدَ في الجَنَّةِ؛ دارِ الكَرامَةِ؛ فانْتِفاؤُها عَمَّنْ هو أسْفَلُ مِنهُ مِن بابِ الأوْلى؛ وكَذا المَحَبَّةُ؛ ومِنَ المُناسَباتِ أيْضًا أنَّ كُفْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّما هو لِلْحَسَدِ؛ فَنُبِّهُوا بِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ عَلى أنَّ الحَسَدَ يَجُرُّ إلى ما لا يُرْضِي اللَّهَ؛ وإلى ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ؛ ويَكُبُّ في النّارِ؛ ومِنها أنَّ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ إحْجامَهم عَنْ قِتالِ أعْداءِ اللَّهِ؛ البُعَداءِ مِنهُمُ؛ المَأْمُورِينَ بِقِتالِهِمُ؛ المَوْعُودِينَ عَلَيْهِ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ وأنَّ اللَّهَ مَعَهم فِيهِ؛ وفي قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ إقْبالُ قابِيلَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ؛ حَبِيبِ اللَّهِ؛ المَنهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ؛ المُتَوَعَّدِ بِأنَّ اللَّهَ يَتَبَرَّأُ مِنهُ إنْ قَتَلَهُ؛ فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ كُلِّ إقْدامٍ؛ وإحْجامٍ؛ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ في حِفْظِهِمْ مِن مِثْلِ ذَلِكَ؛ وأنَّ فِيها أنَّ مُوسى؛ وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أخَوانِ في غايَةِ الطَّواعِيَةِ في …

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

ولَمّا وعَظَهُ بِما يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ؛ ويُقْبِلُ بِهِ عَلى خَلاصِ نَفْسِهِ؛ أعْلَمَهُ ثانِيًا أنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ مَنَعَهُ مِن أنْ يُمانِعَهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ مُلَيِّنًا لِقَلْبِهِ بِما هو جَدِيرٌ أنْ يَرُدَّهُ عَنْهُ؛ خَشْيَةَ أنْ تَجُرَّهُ المُمانَعَةُ إلى تَعَدِّي الحَدِّ المَأْذُونِ فِيهِ؛ لِأنَّ أخاهُ كانَ عاصِيًا؛ لا مُشْرِكًا؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ مِثْلَ ما يُخْبِرُ بِهِ عَظِيمٌ؛ لا يَكادُ يُصَدَّقُ -: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾؛ أيْ: لِتُوجِدَ ذَلِكَ؛ بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ ثُمَّ بالَغَ في إعْلامِهِ بِامْتِناعِهِ مِنَ المُمانَعَةِ؛ فَقالَ: ﴿ما أنا﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿بِباسِطٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ بِهِ؛ تَعْمِيمًا؛ ثُمَّ خَصَّ المُتَعَلِّقَ؛ لِمُناسَبَةِ الحالِ فَقالَ: ﴿يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾؛ أيْ: في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ولَعَلَّهُ أتى بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِنَفْيِ الثَّباتِ والدَّوامِ؛ أدَبًا مَعَ اللَّهِ في عَدَمِ الحُكْمِ عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: أسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما أقْدِرُ عَلى اسْتِحْضارِهِ مِن كَمالِهِ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِالإحْسانِ إلى خَلْقِهِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ مِنَ الإساءَةِ إلى أحَدٍ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإيجادِ؛ ثُمَّ التَّرْبِيَةِ؛ فَأنا لا أُرِيدُ أنْ أُخَرِّبَ ما بَنى؛ وهَذا كَما فَعَلَ عُثْمانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

ولَمّا كانَ مِنَ النِّهاياتِ لِلْواصِلِينَ إلى حَضَراتِ القُدْسِ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ بِاللَّهِ؛ المُتَمَكِّنِينَ في دَرَجَةِ الغَناءِ عَنْ غَيْرِ الفاعِلِ المُخْتارِ ألّا يُرادَ إلّا ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ -؛ فَإنْ كانَ طاعَةً أرادَهُ العَبْدُ؛ ورَضِيَهُ؛ وإنْ كانَ مَعْصِيَةً أرادَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ اللَّهِ؛ ولَمْ يَرْضَهُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً؛ فَيَرْضى بِالقَضاءِ؛ دُونَ المَقْضِيِّ؛ وكَأنَّهُ مِنَ المُمْكِنِ القَرِيبِ أنْ يَكُونَ هابِيلُ قَدْ كُشِفَ لَهُ عَنْ أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ أخاهُ يَقْتُلُهُ؛ قالَ - مُرَهِّبًا لَهُ؛ مُعَلِّلًا بِتَعْلِيلٍ آخَرَ؛ صادٍّ لَهُ أيْضًا عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ -: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾؛ أيْ: بِعَدَمِ المُمانَعَةِ لَكَ؛ ﴿أنْ تَبُوءَ﴾؛ أيْ: تَرْجِعَ مِن قَتْلِي؛ إنْ قَتَلْتَنِي؛ ﴿بِإثْمِي﴾؛ أيْ: الإثْمِ الَّذِي يَنالُكَ مِن أجْلِ قَتْلِكَ لِي؛ وبِعُقُوبَتِهِ - الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ يَطْرَحُ عَلَيْكَ مِن سَيِّئاتِي بِمِقْدارِ ما عَلَيْكَ مِن حَقِّي؛ إذا لَمْ تَجِدْ ما تُرْضِينِي بِهِ مِنَ الحَسَناتِ -؛ ﴿وإثْمِكَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا سَبَبَ لِي فِيهِ؛ وهو الَّذِي كانَ سَبَبًا لِرَدِّ قُرْبانِكَ؛ واجْتِرائِكَ عَلَيَّ؛ وعُدْوانِكَ؛ وأفُوزَ أنا بِأجْرِي وأجْرِكَ؛ أيْ: أجْرِي الَّذِي لا سَبَبَ لَكَ فِيهِ؛ والأجْرِ الَّذِي أثْمَرَهُ اسْتِسْلامِي لَكَ؛ وكَفُّ يَدِيَ عَنْكَ؛ ﴿فَتَكُونَ﴾؛ أيْ: أنْتَ؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: الخالِدِينَ فِيها؛ جَزاءً لَكَ لِظُلْمِكَ؛ بِوَضْعِكَ القَتْلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا يَعُمُّ كُلَّ مَن فَعَلَ هَذا الفِعْلَ؛ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الظُّلْمِ كُلِّهِمْ؛ وأكُونَ أنا مِن أصْحابِ الجَنَّةِ؛ جَزاءً لِي بِإحْسانِي في إيثارِ حَياتِكَ عَلى حَياتِي؛ وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ؛ وهَذا - مِثْلُ تَمَنِّي الشَّهادَةِ سُوءًا - لَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ لِإرادَةِ المَعْصِيَةِ؛ مِن حَيْثُ كَوْنِها مَعْصِيَةً؛ بِإرادَةِ ظُهُورِ الكُفّارِ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى نَصْرِ الباقِي؛ بَعْدَ اسْتِشْهادِ الشَّهِيدِ.

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

ولَمّا كانَ هَذا الوَعْظُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِطاعَتِهِ؛ وزاجِرًا لَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ قَسا قَلْبُهُ؛ فَجَعَلَهُ سَبَبًا لِإقْدامِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ إذِ القَتْلُ لِما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الحُرْمَةِ؛ وكَساهُ مِنَ الهَيْبَةِ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا بِمُعالَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ النَّفْسِ -: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ؛ ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾؛ أيْ: فَعالَجَتْهُ مُعالَجَةً كَبِيرَةً؛ وشَجَّعَتْهُ؛ وسَهَّلَتْ لَهُ بِما عِنْدَها مِنَ النَّفاسَةِ؛ عَلى زَعْمِها؛ حَتّى غَلَبَتْ عَلى عَقْلِهِ؛ فانْطاعَ لَها؛ وانْقادَ؛ فَأقْدَمَ عَلَيْهِ؛ وتَحْقِيقُ المَعْنى أنَّ مَن تَصَوَّرَ النَّهْيَ عَنِ الذَّنْبِ والعِقابَ عَلَيْهِ؛ امْتَنَعَ مِنهُ؛ فَكانَ فِعْلُهُ كالعاصِي عَلَيْهِ؛ ومَنِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ بِأنْواعِ الشُّبَهِ في تَزْيِينِهِ؛ صارَ فِعْلُهُ لَهُ؛ وإقْدامُهُ عَلَيْهِ؛ كالمُطِيعِ لَهُ؛ المُمْكِّنِ مِن نَفْسِهِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ عاصِيًا عَلَيْهِ؛ نافِرًا عَنْهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا التَّطْوِيعِ قَوْلَهُ: ﴿فَقَتَلَهُ﴾؛ وسَبَّبَ عَنِ القَتْلِ قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحَ﴾؛ أيْ: فَكانَ في كُلِّ زَمَنٍ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في صِفَةِ الخُسْرانِ؛ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِاجْتِرائِهِ عَلى إفْسادِهِ مَصْنُوعَهُ؛ وغَضَبِ أبْناءِ جِنْسِهِ عَلَيْهِ؛ لِاجْتِرائِهِ عَلى أحَدِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِالإصْباحِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ الأوْقاتِ؛ لِأنَّ الصَّباحَ مَحَلُّ تَوَقُّعِ الِارْتِياحِ؛ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَتَصَوَّرَ لَهُ إبْلِيسُ في يَدِهِ طائِرٌ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ فَقَتَلَهُ؛ فاقْتَدى بِهِ قابِيلُ؛ فَأتى هابِيلَ وهو نائِمٌ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ.

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.