Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا غالِبِينَ، والمُسْلِمِينَ كانُوا مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ، ولَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ أبَدًا يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والقَتْلِ والنَّهْبِ بِالمُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى كانَ يَمْنَعُهم عَنْ مَطْلُوبِهِمْ إلى أنْ قَوِيَ الإسْلامُ وعَظُمَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ وهو المُشْرِكُونَ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والنَّفْيِ فَكَفَّ اللَّهُ تَعالى بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ أيْدِيَ الكُفّارِ عَنْكم أيُّها المُسْلِمُونَ، ومِثْلُ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوا مَعاصِيَهُ ومُخالَفَتَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا تَخافُوا أحَدًا في إقامَةِ طاعاتِ اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في واقِعَةٍ خاصَّةٍ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً إلى بَنِي عامِرٍ فَقُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ: أحَدُهم عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِي، وانْصَرَفَ هو وآخَرُ مَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُخْبِراهُ خَبَرَ القَوْمِ، فَلَقِيا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ مَعَهُما أمانٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلاهُما ولَمْ يَعْلَما أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَجاءَ قَوْمُهُما يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ حَتّى دَخَلُوا عَلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَدْ كانُوا عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ وعَلى أنْ يُعِينُوهُ في الدِّياتِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَجُلٌ مِن أصْحابِي أصابَ رَجُلَيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي فَلَزِمَنِي دِيَتُهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي، فَقالُوا: اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُعْطِيَكَ ما تُرِيدُ، ثُمَّ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِأصْحابِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الحالِ مَعَ أصْحابِهِ وخَرَجُوا، فَقالَ اليَهُودُ: إنَّ قُدُورَنا تَغْلِي، فَأعْلَمَهُمُ الرَّسُولُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ» . قالَ عَطاءٌ: تَآمَرُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ رَحًا أوْ حَجَرًا، وقِيلَ: بَلْ

صفحة ١٤٥

ألْقَوْا فَأخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: قالَ آخَرُونَ: «إنَّ الرَّسُولَ نَزَلَ مَنزِلًا وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، وعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ وسَلَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ: لا أحَدَ، ثُمَّ صاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ فَأخْبَرَهم وأبى أنْ يُعاقِبَهُ»، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدَفْعِ الشَّرِّ والمَكْرُوهِ عَنْ نَبِيِّهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِن أعْظَمِ المِحَنِ.

والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ قامُوا إلى صَلاةِ الظُّهْرِ بِالجَماعَةِ وذَلِكَ بَعُسْفانَ، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمَ المُشْرِكُونَ وقالُوا لَيْتَنا أوْقَعْنا بِهِمْ في أثْناءِ …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ فَقالَ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ (المائِدَةِ: ٧) ثُمَّ ذَكَرَ الآنَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَكِنَّهم نَقَضُوهُ وتَرَكُوا الوَفاءَ بِهِ، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَ أُولَئِكَ اليَهُودِ في هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ؛ لِئَلّا تَصِيرُوا مِثْلَهم فِيما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللَّعْنِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) وقَدْ ذَكَرْنا في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وأنَّهم أرادُوا إيقاعَ الشَّرِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضائِحِهِمْ وبَيانِ أنَّهم أبَدًا كانُوا مُواظِبِينَ عَلى نَقْضِ العُهُودِ والمَواثِيقِ.

الثّالِثُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَرْغِيبُ المُكَلَّفِينَ في قَبُولِ التَّكالِيفِ وتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ مَن كانَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ كَما كَلَّفَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ عادَةَ اللَّهِ في التَّكْلِيفِ والإلْزامِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، بَلْ هي عادَةٌ جارِيَةٌ لَهُ مَعَ جَمِيعِ عِبادِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ أصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، يُقالُ فُلانٌ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ يَنْقُبُ عَنْ أحْوالِهِمْ كَما يَنْقُبُ عَنِ الأسْرارِ، ومِنهُ المَناقِبُ وهي الفَضائِلُ؛ لِأنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْها، ونَقَبْتُ الحائِطَ أيْ بَلَغْتُ في النَّقْبِ إلى آخِرِهِ، ومِنهُ النُّقْبَةُ السَّراوِيلُ بِغَيْرِ رِجْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بُولِغَ في فَتْحِها ونَقْبِها، ويُقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ، وهو أنْ يَنْقُبَ حَنْجَرَتَهُ؛ لِئَلّا يَرْتَفِعَ صَوْتُ نُباحِهِ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ البُخَلاءُ مِنَ العَرَبِ لِئَلّا يَطْرُقَهم ضَيْفٌ.

صفحة ١٤٦

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ، والفَعِيلُ يَحْتَمِلُ الفاعِلَ والمَفْعُولَ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى الفاعِلِ فَهو النّاقِبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ المُفَتِّشُ عَنْها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّقِيبُ هَهُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَعْنِي اخْتارَهم عَلى عِلْمٍ بِهِمْ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَضْرُوبِ: ضَرِيبٌ، ولِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ والمُسْنَدُ إلَيْهِمْ أُمُورُ القَوْمِ وتَدْبِيرُ مَصالِحِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فاخْتارَ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا يَكُونُ نَقِيبًا لَهم وحاكِمًا فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: أنَّ النُّقَباءَ بُعِثُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقِتالِ مَعَهم لِيَقِفُوا عَلى أحْوالِهِمْ ويَرْجِعُوا بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ذَهَبُوا إلَيْهِمْ رَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وقُوَّةً وشَوْكَةً فَهابُوا ورَجَعُوا فَحَدَّثَهم قَوْمُهم، وقَدْ نَهاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُحَدِّثُوهم، فَنَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مَن سِبْطِ …

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في نَقْضِهِمُ المِيثاقَ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ.

الثّانِي: بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

الثّالِثُ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ”اللَّعْنِ“ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: لَعَنّاهم أيْ أخْرَجْناهم مِن رَحْمَتِنا.

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: مَسَخْناهم حَتّى صارُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ضَرَبْنا الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ

صفحة ١٤٨

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قَسِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِغَيْرِ ألْفٍ عَلى وزْنِ فَعِلْيَةٍ، والباقُونَ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، وفي قَوْلِهِ (قَسِيَّةً) وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ القَسِيَّةُ بِمَعْنى القاسِيَةِ إلّا أنَّ القَسِيَّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي، كَما يُقالُ: قادِرٌ وقَدِيرٌ، وعالِمٌ وعَلِيمٌ، وشاهِدٌ وشَهِيدٌ، فَكَما أنَّ القَدِيرَ أبْلَغُ مِنَ القادِرِ فَكَذَلِكَ القِسِيُّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ عَلى وزْنِ شَقِيٍّ، أيْ فاسِدٌ رَدِيءٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ؛ لِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ الخالِصَيْنِ فِيهِما لِينٌ، والمَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ، وقُرِئَ (قِسِيَّةً) بِكَسْرِ القافِ لِلْإتْباعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ جَعَلْناها نائِيَةً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مُنْصَرِفَةً عَنِ الِانْقِيادِ لِلدَّلائِلِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ أخْبَرْنا عَنْها بِأنَّها صارَتْ قاسِيَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جَعَلَ فُلانًا فاسِقًا وعَدْلًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ ما هو مِن نَتائِجِ تِلْكَ القَسْوَةِ فَقالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وهَذا التَّحْرِيفُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الباطِلَ، ويَحْتَمِلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الكِتابَ المَنقُولَ بِالتَّواتُرِ لا يَتَأتّى فِيهِ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا نَصِيبًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ في كِتابِهِمْ وهو الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ وفي الخائِنَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الخائِنَةَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ، كالكافِيَةِ والعافِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ٥) أيْ بِالطُّغْيانِ. وقالَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (الواقِعَةِ: ٢) أيْ كَذِبٌ. وقالَ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (الغاشِيَةِ: ١١) أيْ لَغْوًا. وتَقُولُ العَرَبُ: سَمِعْتُ راغِيَةَ الإبِلِ، وثاغِيَةَ الشّاءِ يَعْنُونَ رُغاءَها وثُغاءَها. وقالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً.

والثّانِي: أنْ يُقالَ: الخائِنَةُ صِفَةٌ، والمَعْنى: تَطَّلِعُ عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ أوْ عَلى فِعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ. وقِيلَ: أرادَ الخائِنَ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وقُرِئَ ”عَلى خِيانَةٍ مِنهم“ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا القَلِيلُ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَلى …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ سَبِيلَ النَّصارى مِثْلُ سَبِيلِ اليَهُودِ في نَقْضِ المَواثِيقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنَّما قالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ: ومِنَ النَّصارى؛ وذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا أنْفُسَهم بِهَذا الِاسْمِ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٥٢) فَكانَ هَذا الِاسْمُ في الحَقِيقَةِ اسْمَ مَدْحٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَدَّعُونَ هَذِهِ الصِّفَةَ، ولَكِنَّهم لَيْسُوا مَوْصُوفِينَ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَنْكِيرُ ”الحَظِّ“ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ حَظٌّ واحِدٌ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما خَصَّ هَذا الواحِدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهم تَرَكُوا الكَثِيرَ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّ هَذا هو المُعَظَّمُ والمُهِمُّ، وقَوْلُهُ ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ أيْ ألْصَقْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ بِهِمْ، يُقالُ: أُغْرِيَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا ولِعَ بِهِ كَأنَّهُ أُلْصِقَ بِهِ، ويُقالُ لِما التَصَقَ بِهِ الشَّيْءُ: الغِراءُ، وفي قَوْلِهِ (بَيْنَهم) وجْهانِ:

أحَدُهُما: بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

والثّانِي: بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى، فَإنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (الأنْعامِ: ٦٥) وقَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعِيدٌ لَهم.

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

صفحة ١٥٠

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ وعَنِ النَّصارى نَقْضَهُمُ العَهْدَ وتَرْكَهم ما أُمِرُوا بِهِ، دَعاهم عَقِيبَ ذَلِكَ إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنَّما وحَّدَ الكِتابَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجِنْسِ، ثُمَّ وصَفَ الرَّسُولَ بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم كَثِيرًا مِمّا كانُوا يُخْفُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْفَوْا أمْرَ الرَّجْمِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ لَهم؛ وهَذا مُعْجِزٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا مِن أحَدٍ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِأسْرارِ ما في كِتابِهِمْ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

والوَصْفُ الثّانِي لِلرَّسُولِ: قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ لا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تَكْتُمُونَهُ أنْتُمْ، وإنَّما لَمْ يُظْهِرْهُ؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ في الدِّينِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الرَّسُولِ عالِمًا بِكُلِّ ما يُخْفُونَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى تَرْكِ الإخْفاءِ لِئَلّا يَفْتَضِحُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ مُحَمَّدٌ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الإسْلامُ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.

الثّالِثُ: النُّورُ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ والإسْلامِ والقُرْآنِ بِالنُّورِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ النُّورَ الظّاهِرَ هو الَّذِي يَتَقَوّى بِهِ البَصَرُ عَلى إدْراكِ الأشْياءِ الظّاهِرَةِ، والنُّورُ الباطِنُ أيْضًا هو الَّذِي تَتَقَوّى بِهِ البَصِيرَةُ عَلى إدْراكِ الحَقائِقِ والمَعْقُولاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُبِينِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن طَلَبِ الدِّينَ اتِّباعَ الدِّينِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، فَأمّا مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن دِينِهِ تَقْرِيرَ ما ألِفَهُ ونَشَأ عَلَيْهِ وأخَذَهُ مِن أسْلافِهِ مَعَ تَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُتَّبِعٍ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ سُبُلَ دارِ السَّلامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٥) لَيْسَ المُرادُ هِدايَةَ الإسْلامِ، بَلِ الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ صاحِبُهُ كَما يَتَحَيَّرُ في الظَّلامِ، ويَهْتَدِي بِالإيمانِ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ كَما يَهْتَدِي بِالنُّورِ، وقَوْلُهُ (بِإذْنِهِ) أيْ بِتَوْفِيقِهِ، والباءُ تَتَعَلَّقُ بِالِاتِّباعِ أيِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بِإذْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالهِدايَةِ ولا بِالإخْراجِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَّبِعُ رِضْوانَ اللَّهِ إلّا مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: …

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

صفحة ١٥٠

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ وعَنِ النَّصارى نَقْضَهُمُ العَهْدَ وتَرْكَهم ما أُمِرُوا بِهِ، دَعاهم عَقِيبَ ذَلِكَ إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنَّما وحَّدَ الكِتابَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجِنْسِ، ثُمَّ وصَفَ الرَّسُولَ بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم كَثِيرًا مِمّا كانُوا يُخْفُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْفَوْا أمْرَ الرَّجْمِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ لَهم؛ وهَذا مُعْجِزٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا مِن أحَدٍ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِأسْرارِ ما في كِتابِهِمْ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

والوَصْفُ الثّانِي لِلرَّسُولِ: قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ لا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تَكْتُمُونَهُ أنْتُمْ، وإنَّما لَمْ يُظْهِرْهُ؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ في الدِّينِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الرَّسُولِ عالِمًا بِكُلِّ ما يُخْفُونَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى تَرْكِ الإخْفاءِ لِئَلّا يَفْتَضِحُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ مُحَمَّدٌ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الإسْلامُ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.

الثّالِثُ: النُّورُ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ والإسْلامِ والقُرْآنِ بِالنُّورِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ النُّورَ الظّاهِرَ هو الَّذِي يَتَقَوّى بِهِ البَصَرُ عَلى إدْراكِ الأشْياءِ الظّاهِرَةِ، والنُّورُ الباطِنُ أيْضًا هو الَّذِي تَتَقَوّى بِهِ البَصِيرَةُ عَلى إدْراكِ الحَقائِقِ والمَعْقُولاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُبِينِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن طَلَبِ الدِّينَ اتِّباعَ الدِّينِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، فَأمّا مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن دِينِهِ تَقْرِيرَ ما ألِفَهُ ونَشَأ عَلَيْهِ وأخَذَهُ مِن أسْلافِهِ مَعَ تَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُتَّبِعٍ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ سُبُلَ دارِ السَّلامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٥) لَيْسَ المُرادُ هِدايَةَ الإسْلامِ، بَلِ الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ صاحِبُهُ كَما يَتَحَيَّرُ في الظَّلامِ، ويَهْتَدِي بِالإيمانِ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ كَما يَهْتَدِي بِالنُّورِ، وقَوْلُهُ (بِإذْنِهِ) أيْ بِتَوْفِيقِهِ، والباءُ تَتَعَلَّقُ بِالِاتِّباعِ أيِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بِإذْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالهِدايَةِ ولا بِالإخْراجِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَّبِعُ رِضْوانَ اللَّهِ إلّا مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: …

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أحَدًا مِنَ النَّصارى لا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لا يَقُولُونَ بِهِ.

وجَوابُهُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحُلُولِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَحِلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هَذا أقْرَبُ مِمّا يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُقْنُومُ الكَلِمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ذاتًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ ذاتًا فَذاتُ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَلَّتْ في عِيسى واتَّحَدَتْ بِعِيسى فَيَكُونُ عِيسى هو الإلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ. وإنْ قُلْنا: إنَّ الأُقْنُومَ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ، فانْتِقالُ الصِّفَةِ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أُخْرى غَيْرُ مَعْقُولٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ انْتِقالِ أُقْنُومِ العِلْمِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى عِيسى يَلْزَمُ خُلُوَّ ذاتِ اللَّهِ عَنِ العِلْمِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإلَهُ هو عِيسى عَلى قَوْلِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى وإنْ كانُوا لا يُصَرِّحُونَ بِهَذا القَوْلِ إلّا أنَّ حاصِلَ مَذْهَبِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ:

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وهَذِهِ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ قَدَّمَ فِيها الجَزاءَ عَلى الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ مُرادِهِ ومَقْدُورِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ فَمَن يَمْلِكُ مِن أفْعالِ اللَّهِ شَيْئًا، والمُلْكُ هو القُدْرَةُ، يَعْنِي فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى ومَنعِ شَيْءٍ مِن مُرادِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي أنَّ عِيسى مُشاكِلٌ لِمَن في الأرْضِ في الصُّورَةِ والخِلْقَةِ والجِسْمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ وتَغْيِيرِ الصِّفاتِ والأحْوالِ، فَلَمّا سَلَّمْتُمْ كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُلِّ مُدَبِّرًا لِلْكُلِّ وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا خالِقًا لِعِيسى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ إنَّما قالَ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ بَعْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَقُلْ: بَيْنَهُنَّ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِذَلِكَ مَذْهَبَ الصِّنْفَيْنِ والنَّوْعَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يَعْنِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ، فَتارَةً يَخْلُقُ الإنْسانَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى كَما هو مُعْتادٌ، وتارَةً لا مِنَ الأبِ والأُمِّ كَما في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتارَةً مِنَ الأُمِّ لا مِنَ الأبِ كَما في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: يَخْلُقُ ما يَشاءُ، يَعْنِي أنَّ عِيسى إذا قَدَّرَ صُورَةَ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ فاللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ اللَّحْمِيَّةَ والحَياةَ والقُدْرَةَ مُعْجِزَةً لِعِيسى، وتارَةً يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ مُعْجِزَةً لَهُ، ولا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ.

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ اليَهُودَ لا يَقُولُونَ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَقْلُ هَذا القَوْلِ عَنْهم ؟ وأمّا النَّصارى فَإنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ في حَقِّ عِيسى لا في حَقِّ

صفحة ١٥٢

أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ هَذا النَّقْلُ عَنْهم ؟

أجابَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ نَحْنُ أبْناءُ رُسُلِ اللَّهِ، فَأُضِيفَ إلى اللَّهِ ما هو في الحَقِيقَةِ مُضافٌ إلى رُسُلِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) .

والثّانِي: أنَّ لَفْظَ الِابْنِ كَما يُطْلَقُ عَلى ابْنِ الصُّلْبِ فَقَدْ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى مَن يَتَّخِذُ ابْنًا، واتِّخاذُهُ ابْنًا بِمَعْنى تَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ، فالقَوْمُ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ أشَدُّ وأكْمَلُ مِن عِنايَتِهِ بِكُلِّ ما سِواهم، لا جَرَمَ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ دَعْواهم كَمالَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا زَعَمُوا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّ عُزَيْرًا والمَسِيحَ كانا مِنهم، صارَ ذَلِكَ كَأنَّهم قالُوا نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّ أقارِبَ المَلِكِ إذا فاخَرُوا إنْسانًا فَقَدْ يَقُولُونَ: نَحْنُ مُلُوكُ الدُّنْيا، ونَحْنُ سَلاطِينُ العالَمِ، وغَرَضُهم مِنهُ كَوْنُهم مُخْتَصِّينَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي هو المَلِكُ والسُّلْطانُ فَكَذا هَهُنا.

والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ إلى دِينِ الإسْلامِ وخَوَّفَهم بِعِقابِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: كَيْفَ تُخَوِّفُنا بِعِقابِ اللَّهِ ونَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ إنَّما وقَعَتْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم يَتْلُونَ في الإنْجِيلِ الَّذِي لَهم أنَّ المَسِيحَ قالَ لَهم: ”أذْهَبُ إلى أبِي وأبِيكم“ وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَرَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَلى سائِرِ الخَلْقِ بِسَبَبِ أسْلافِهِمُ الأفاضِلِ مِنَ الأنْبِياءِ حَتّى انْتَهَوْا في تَعْظِيمِ أنْفُسِهِمْ إلى أنْ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَ عَلَيْهِمْ دَعْواهم وقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم لَوْ كانُوا أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ لَما عَذَّبَهم لَكِنَّهُ عَذَّبَهم، فَهم لَيْسُوا أبْناءَ اللَّهِ ولا أحِبّاءَهُ، والإشْكالُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ تَدَّعُوا أنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم في الدُّنْيا أوْ تَدَّعُوا أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ عَذابَ الدُّنْيا، فَهَذا لا يَقْدَحُ في ادِّعائِهِمْ كَوْنَهم أحِبّاءَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ هو وأمَّتُهُ أحِبّاءُ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم ما خَلَوْا عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا. انْظُرُوا إلى وقْعَةِ أُحُدٍ، وإلى قَتْلِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وإنْ كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ هو أنَّهُ تَعالى سَيُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فالقَوْمُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. ومُجَرَّدُ إخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِكافٍ في هَذا البابِ، إذْ لَوْ كانَ كافِيًا لَكانَ مُجَرَّدُ إخْبارِهِ بِأنَّهم كَذَبُوا في ادِّعائِهِمْ أنَّهم أحِبّاءُ اللَّهِ كافِيًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ ضائِعًا.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يُقَدَّرَ المُبَيَّنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبَيَّنُ هو الدِّينُ والشَّرائِعُ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُهُ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ إنَّما أُرْسِلَ لِبَيانِ الشَّرائِعِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يُبَيِّنُ لَكم ما كُنْتُمْ تُخْفُونَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُهُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُقَدَّرَ المُبَيَّنُ ويَكُونُ المَعْنى يُبَيِّنُ لَكُمُ البَيانَ، وحَذْفُ المَفْعُولِ أكْمَلُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ أعَمَّ فائِدَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، أيْ مُبَيِّنًا لَكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَلى انْقِطاعٍ مِنَ الأنْبِياءِ، يُقالُ: فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ وصارَ أقَلَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ، وسُمِّيَتِ المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الأنْبِياءِ فَتْرَةً لِفُتُورِ الدَّواعِي في العَمَلِ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (جاءَكم) أيْ جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ. قِيلَ: كانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ أوْ أقَلُّ أوْ أكْثَرُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى

صفحة ١٥٤

عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وألْفا نَبِيٍّ، وبَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ: ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفائِدَةُ في بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ هي أنَّ التَّغْيِيرَ والتَّحْرِيفَ قَدْ تَطَرَّقَ إلى الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ لِتَقادُمِ عَهْدِها وطُولِ زَمانِها، وبِسَبَبِ ذَلِكَ اخْتَلَطَ الحَقُّ بِالباطِلِ والصِّدْقُ بِالكَذِبِ، وصارَ ذَلِكَ عُذْرًا ظاهِرًا في إعْراضِ الخَلْقِ عَنِ العِباداتِ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: يا إلَهَنا عَرَفْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن عِبادَتِكَ ولَكِنّا ما عَرَفْنا كَيْفَ نَعْبُدُ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى في هَذا الوَقْتِ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إزالَةً لِهَذا العُذْرِ، وهو ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّما بَعَثْنا إلَيْكُمُ الرَّسُولَ في وقْتِ الفَتْرَةِ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا في هَذا الوَقْتِ مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ فَزالَتْ هَذِهِ العِلَّةُ وارْتَفَعَ هَذا العُذْرُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والمَعْنى أنَّ حُصُولَ الفَتْرَةِ يُوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بِعْثَةِ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ قادِرًا عَلى البِعْثَةِ، ولَمّا كانَ الخَلْقُ مُحْتاجِينَ إلى البِعْثَةِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ قادِرًا عَلى البِعْثَةِ وجَبَ في كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ أنْ يَبْعَثَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الإشارَةُ إلى الدَّلالَةِ الَّتِي قَرَّرْناها.

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاتِّصالِ هو أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ واوُ عَطْفٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ وذَكَّرَهم مُوسى نِعَمَ اللَّهِ تَعالى وأمَرَهم بِمُحارَبَةِ الجَبّارِينَ فَخالَفُوا في القَوْلِ في المِيثاقِ، وخالَفُوهُ في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَمِنهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ فانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، وأيْضًا كانُوا مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ بِالِاتِّفاقِ كانُوا مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وأوْلادُ يَعْقُوبَ أيْضًا كانُوا -عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ- أنْبِياءَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لا يَبْعَثُ الأنْبِياءَ إلّا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَهَذا الشَّرَفُ حَصَلَ بِمَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، وبِالَّذِينِ كانُوا حاضِرِينَ مَعَ مُوسى، وبِالَّذِينِ أخْبَرَ اللَّهُ مُوسى أنَّهُ سَيَبْعَثُهم مِن ولَدِ يَعْقُوبَ وإسْماعِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ.

وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ أنْفُسَكم بَعْدَ ما

صفحة ١٥٥

كُنْتُمْ في أيْدِي القِبْطِ بِمَنزِلَةِ أهْلِ الجِزْيَةِ فِينا، ولا يَغْلِبُكم عَلى أنْفُسِكم غالِبٌ.

وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ رَسُولًا ونَبِيًّا كانَ مَلِكًا؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ أمْرَ أُمَّتِهِ ويَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ، وكانَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ فَكانَ مَلِكًا، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ٥٤) .

وثالِثُها: أنَّهُ كانَ في أسْلافِهِمْ وأخْلافِهِمْ مُلُوكٌ وعُظَماءُ، وقَدْ يُقالُ فِيمَن حَصَلَ فِيهِمْ مُلُوكٌ: أنْتُمْ مُلُوكٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُسْتَقِلًّا بِأمْرِ نَفْسِهِ ومَعِيشَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا في مَصالِحِهِ إلى أحَدٍ فَهو مَلِكٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَلِكُ مَن لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ مَنازِلُهم واسِعَةً وفِيها مِياهٌ جارِيَةٌ، وكانَتْ لَهم أمْوالٌ كَثِيرَةٌ وخَدَمٌ يَقُومُونَ بِأمْرِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَلِكًا.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِأنْواعٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الإكْرامِ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَلَقَ البَحْرَ لَهم.

وثانِيها: أنَّهُ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أمْوالَهم.

وثالِثُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى.

ورابِعُها: أنَّهُ أخْرَجَ لَهُمُ المِياهَ العَذْبَةَ مِنَ الحَجَرِ.

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أظَلَّ فَوْقَهُمُ الغَمامَ.

وسادِسُها: أنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِقَوْمٍ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ كَما جُمِعَ لَهم.

وسابِعُها: أنَّهم في تِلْكَ الأيّامِ كانُوا هُمُ العُلَماءُ بِاللَّهِ وهم أحْبابُ اللَّهِ وأنْصارُ دِينِهِ.

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.